كتاب السبق والرمي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
11601 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سبْق إلاَّ في خُف أو حافر أو نصل " 1. والسبْق المال الذي يُخرج في [مقابلة] 2 المسابقة والمناضلة.
والسبْق بسكون الباء مصدر سَبَقَ.
والسَّبَقُ بفتح الباء بالإضافة إلى السبْق بسكونها قريبٌ من القبْض والقبَض والنَّقْض والنقَض والخَبْط والخَبَط، وإن لم [يكنه] 3.
ومذهب الشافعي أن المالَ المخرج -على تفاصيلَ ستأتي مشروحة إن شاء الله- مستحق بالسبْق والنضْل، وخالف في ذلك أبو حنيفة 4 رضوان الله عليه وأرضاه في رواية مشهورة، ولا شك أنه راغم 5 الأخبار الصحيحة، وروي أنه قال بأصل المعاملة، واختار أنها جائزة، وهذا قريب، وهو قولُ الشافعي 6، وللكتاب ركنان: أحدهما - المسابقة، والثاني - المناضلة.
وقد صدر الشافعي الكتاب بالمسابقة، وذكر أصولها، ثم اندفع في المناضلة وأحكامها، ولا يكاد تتمحض واحدة عن الاستشهاد بالأخرى، ونحن نحاول الجريان
على ترتيبه بعد أن نُمهِّد أصلاً فيهما يتعلق ببيان الخبر والاستنباط منه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سبْق إلا في خُف أو حافر أو نصل " وأراد بالخُفّ الإبل، وبالحافر الخيل في ظاهر ما يظن، وأراد بالنصل السهم في ظاهر الظن، والمعنى الذي تخيله الأصحاب التحريض على تعلم الفروسية والرماية كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]، قيل: القوة هي الرَّمي.
ولا غَناءَ في إعداد القسيّ والسهام مع الخُرق، وعدم العلم بكيفية الرماية، وكذلك لا غناء في إعداد الخيل من غير معرفة بالفروسية، فالإعداد يُشعر بالتوصّل إلى ما لا غنى عنه في التعلم، فهذا ما ذكره الأصحاب.
ثم لا خفاء بأن الإبل معيّنة، وهي ذات الخفاف، والخيل كذلك، وهي ذات الحوافر، فيجوز المسابقة على الإبل، ويجوز على الخيل، وتفارق الإبل الخيلَ في استحقاق السهم في المغنم؛ فإن استحقاق السهم لا يتحقق إلا بالخيل، نعني الزائد على سهم الرجّالة، واستوت الخيل والإبل في جواز المسابقة عليها، وهذا قد يختلج في الصدر؛ فإن المسابقة عليهما [قد أثبتتهما] 1 عدتين للقتال، ولكن لا مطمع في تقريب أحد الحكمين من الثاني، ولا خلاف بين الأصحاب في افتراق القاعدتين.
والممكن في الفرق أن الخيل متهيئة 2 للانعطافات التي هي عماد القتال، وبها يتم الكر والفر والتدْاور، وسهم القتال يليق بعُدد القتال، وليس في الإبل ما أشرنا إليه، وإن كان فيها غناءٌ على حال، وما فيها كافٍ في التحريض على تعلم ركوبها وإجرائها.
11652 - ثم يطرأ في التفريع ما يندرج تحت الاسم ويوجد فيه المعنى، وما لا يندرج تحت الاسم ويوجد فيه المعنى، وما لا يندرج ويبعد عن مسلك المعنى.
وهذه الأقسام نبتديها بعد شيئين: أحدهما - الاكتفاء بجنس الخيل وجنس الإبل، وإن لم يكن فيما يقع التسابق عليه كثير عَدْوٍ وركْض؛ تعويلاً على الجنس،
وقد نسلك هذا المسلك في جنس الخيل في استحقاق السهم.
هذا أحد الأمرين.
والثاني - أنا نظن ظنّاً غالباً أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لم يُرد بالحافر إلا الخيل وبالخُفّ إلاَّ الإبل.
فإذا تَمَهَّدَ هذا قلنا: الفِيَلة ذوات خفاف، وقصْدُ القتال فيها ظاهر، ولكن من حيث يبعد أنها خطرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذُكر الخُفَّ، ذكر الأصحاب فيها خلافاً، وقالوا الأصح جواز التسابق عليها؛ لاندراجها تحت الاسم واشتمالها على المعنى المطلوب، والمسابقة على البغال والحمر على الاختلاف، وهي أبعد من الفِيَلة، من جهة المعنى، فإنها لا تُغني غناء الخيل في القتال، وإنما المطلوب 1 منها تعلم الرِّكبة والهيئة في الثبات، وهذه الصفات هي الأصول، وقد لا يتأتى الهجوم على ركوب الخيل دون تعلم ما ذكرناه على الحمر والبغال، ولا شك أنَ ما ذكرناه بالإضافة إلى ركوب الخيل يخالف غَناء الفيلة بالإضافة إلى الإبل، ولكن اسم الحافر يتناول الحمر والبغال، فاقتضى ما ذكرناه ترتيب الحمر والبغال على الفيلة، ووجه الترتيب ما نبهنا عليه.
وقد ذكرنا في استحقاق السَّهم قولين في الفرس الرَّازح 2 الذي ليس فيه إلا الشهود والإرعاب، ولا يبعد على مذهب تتبع المعنى أن يجري مثله في المسابقة، فإن كانت الخيل معيّنة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر الحافر هاهنا ذكر الفارس ثَمّ، واسم الفرس 3 يشتمل الجنس.
فهذا وجه التصرف فيما يدخل تحت الاسم لغةً مع غلبة الظن، [بأنه] 4 لم يخطر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذْ أطلق لفظه في الخُف والحافر.
والترامي بالزانات والمزاريق بالإضافة إلى السّهام يقرب من الفيلة بالإضافة إلى
الإبل، وهي دون الفيلة إذا نسبت إلى الإبل، إذا قُدِّرَ نسبتُها إلى السَّهم، وفوق الحمر إذا نسبت إلى الخيل، وإنما ألحقناها بالسهام لاندراجها تحت اسم النّصل الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يخطر للإنسان في إمكان قصد التعميم عدول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل والخيل إلى الخف والحافر، وهذا في النصل أظهر؛ فإنَّ الكناية عن الإبل والخيل في الخف والحافر أشهر من الكناية عن السهام بالنصل.
وقد نجز القول في مرتبة من المراتب الثلاث التي ذكرناها.
11653 - فأمَّا المسابقة بالأقدام وبالزواريق في الماء، فإنَّها خارجة عن الإرادة المظنونة، وعن الاسم من طريق اللفظ، ولكن تخيل الأصحاب إلحاقَ ذلك من طريق المعنى بالخف والحافر، وأظهروا خلافاً، وهو مرتب على ما يقع في المرتبة الأولى، وهذا أولى بألا تصح المعاملة فيه من جهة خروجه عن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان شيخي يقرب التدْوَارَ بالسيوف من النصال، ويحرص على أن يدرجها تحت الاسم؛ فإن اسم النصل يتناول السيف، كما يتناول الزانات ولا يخفى غَناءُ السيف، فهو الآلة الكاملة في لسان أهل النجدة.
وهذا الذي ذكره ظاهر في الغَناء، ولكن يبعد إدراج السيوف تحت اسم النصل المطلق.
والترامي بالأحجار والمقاليع يقع في المرتبة الثانية؛ فإنها على غناء ظاهر، وليست تدخل تحت الاسم.
11654 - وأما ما يقع في المرتبة الثالثة، فهو بمثابة التسابق على الطيور والحمامات الهادية وهي خارجة عن الاسم، وغناؤها نزر، وإذا تكلفناه، أشرنا إلى الكتب وفيها نقل الأخبار في الاستنفار.
فهذا بيان قواعد المذهب.
وألحق شيخي الصراع بالمرتبة الثانية وهو عظيم الوقع عند تَواخُذِ 1 الرجال في
ضيق العناق، وقيل: هو الأصل الطبيعي، والسكين نِفَارٌ 1 منه، والسيف نِفَارٌ من السكين، والرماح نِفارٌ من السيف، وبعدها الرمي.
وأنواعُ القسي ملحقة بالنصول 2 لا تردد فيها، كالجروخ 3 والنازك 4 ورمي المسلات والإبر، ولئن شذت مسألة بالضوابط التي ذكرناها ننبه عليها.
11655 - ونحن نختتم الكلام بسؤال وجواب عنه، فإن قيل: من أدخل من الأصحاب كلّ ما فيه غناء في القتال تحت جواز المعاملة قياساً على المسابقة والمناضلة فكيف اعتذاره عن ضبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقسيمه المُدار بين النفي والإثبات؛ إذ قال: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل "؟ وهذا السؤال واقع سيّما على من أجرى الخلاف في المرتبة الثالثة، ثم الممكن فيه أنه أخرج كلامه عليه السلام على الغالب المعتاد، وقصد التنصيص على المعظم من آلات الجِدّ، لنفي 5 ما عداها من التقامر على الهُزء واللعب، وما لا خير فيه، والعلم عند الله، وقد تمهد الأصل المطلوب، ونحن نعقد بعده فصلاً في السَّبَق ومن يخرجه ومن يستحله.
فصل
11656 - السبَق هو المال المخرج، ثم يفرض فيه ثلاث صور: إحداها - أن يُخرج الإمامُ من مال المصالح ما يراه، ويقول للمتسابقَيْن وللمتناضلَيْن: من سبق منكما أو من فاز بالنضال، فله هذا المال، فهذا جائز على هذا الوجه، لا خلاف فيه، ولا حاجة إلى فرض محلِّل؛ فإنَّ جملة المتسابقين والمتناضلين على صورة المحلِّل، فإنَّ المحلل من يستحق لو فاز، ولا يُستَحق عليه لو تخلف، وجملتهم بهذه المثابة.
11657 - ولو أخرج المال واحدٌ من عُرض 1 الناس، وقال: من سبق منكم، أو فاز، فهذا المال له، فذلك جائز وفاقاً، [كما يجوز] 2 من الإمام، وهذان الوجهان لا خلاف فيهما على المذهب.
ثم نذكر حكماً من أصول الكتاب متعلقاً بهذين القسمين، ثم نذكر القسم الثالث، ونذكر ما يليق به.
فإذا شرط من يُخرج السبَق جميع المال للسابق، جاز، وهو الأصل، وإن شرط بعضه للسابق، وبعضه للمصلِّي وهو الذي يلي السابق، نظر: فإن شرط الكل للمصلي، فالمذهب أن ذلك باطل، لوجهين: أحدهما - أنَّ المطلوب السبْق، والآخر - أن السبَق مأخوذ من السبْق وهو لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مشعر بالسبْق.
ومن أصحابنا من قال: يجوز شرط السبَق بكماله 3 للمصلي، لأن ضبط الفرس في شدة العدو على مقام المصلّين حِذقٌ في الفروسية.
وهذا الوجه ضعيف، وقد يؤدي إلى أن يطلب كل واحد الانخناس، فلا يحصل الغرض من الركض.
ولو قسم مخرج السبَق المالَ على السابق والمصلّي، وجعل نصيب السابق أكثر، فالمذهب الذي قطع به معظم الأئمة جواز ذلك، ووجه المصلحة فيه لائح.
وذكر
صاحب التقريب وجهاً آخر أن ذلك لا يجوز والسبَق للسابق، فإذا شرط لغيره، لم يصح، ولم يستحقه.
فإذا كان ما شرط للمصلّي أكثر مما شرط للسابق، فهو كما لو كان الكل مشروطاً للمصلي، ولو سوَّى بين السابق والمصلِّي 1 في الترتيب، كان كما لو فضّل المصلي على السابق.
وكل ما ذكرناه فيه إذا اشتمل مكان التسابق وهو المسمى الحَلْبة على فرسانٍ، فلو كان يتسابق رجلان فالمصلي فِسْكِل 2، ولا خلاف أنه لا يجوز تخصيص الفِسكِل بالسبَق، فإنما التردد الذي ذكرناه فيه إذا اشتمل المكان على السابق والمصلّي وغيره.
ولو كان يرى مُخرج المال فضَّ ما أخرجه عليهم على التفاضل، والفضل للسابق، ثم للمصلي ثم للذي يليه، هكذا، فالأصح جواز ذلك إلا فيمن يأتي فِسْكِلاً؛ فإن في صحة اشتراط شيء له -وإن قل قدره- خلافاً بين الأصحاب متجهاً، فمنهم من منع؛ فإن أحداً لا يعجِز عن مقام الفِسكِل، فقد يكتفي بالقليل ويضن بفرسه، فيتخلف، ومنهم من جوّز، لأنه على حال يتعب ويدأب، فلا يبعد ألا يخيب على قدر كدِّه وجهده 3.
فخرج من مجموع الترتيب أن الفِسكِل لا يخصص بالسبَق، ولا يفضّل على متقدمٍ عليه، ولا يسَّوى بينه وبينه وفاقاً، وصرْفُ 4 شيءٍ إليه على شرط أن يكون أقل من حصص كل سابق عليه ففيه الخلاف.
ويجوز تخصيص السبَق بالسابق، بلا خلاف، فإذا أُثبت للمصلِّي شيء، والفضل للسابق، فالمذهب الجواز، وفيه شيء بعيد حكاه صاحب التقريب.
وإن خصص المصلِّي بالكل أو بالأكثر، أو سوى بينه وبين السابق، فالمسألة على الخلاف، والأقيس المنع [وإن] 1 اشتهر الخلاف.
ولو فرض ما ذكرناه في الثالث الذي يسمى التالي، أو الرابع الذي يسمى المُرتاح 2، فهو على الخلاف، على شرط ألا يكون فِسْكِلاً.
وقد تَمَّ المرادُ فيما قصدنا إلحاقه.
11658 - والقسم الثالث في إخراج السَّبَق أن يُخرج أحد المتسابقين مالاً، وهذا يفرض على وجهين: أحدهما - أن يكون المخرِج أحدَهما، على تقدير أنه إن سبق أحرز ما أخرجه، وإن سبقه صاحبه، فاز بالمال.
والقسم الثاني - أن يخرج كل واحد منهما مالاً على تقدير أن من سبق أحرز ما أخرجه، واستحق ما أخرجه صاحبه.
فأما الصورة الأولى في القسم الثالث، فهي مجوّزة بلا خلاف، فإن من لم يخرج يستحق، ولا يُستحق عليه، وهذا هو المعتمد في تصحيح المعاملة، وسبب اعتماده أنه يخرجها عن صور القمار؛ إذ ليس فيها استحقاق على هذا [النّسق] 3.
فأما الصورة الثانية من القسم الثالث: وهي أن يخرج كل واحد منهما مالاً، ويقع التشارط على أن من سبق أحرزَ ما أخرج، واستحق ما أخرجه صاحبه، فهذا قمار باطلٌ لا خلاف فيه.
فلو أدخلا بينهما ثالثاً، وشرطا أنه إن سبق، استحق المالين، فهذا هو المحلِّل، ثم يُنظر: فإن وقع الشرط على تخصيص المحلّل بالاستحقاق إن سبق، وعلى ألا يستحقَّ أحدُهما مالَ صاحبه، بل لا يستفيد بسبقه، إلا إحراز ما أخرجه، فهذه المعاملة جائزة وفاقاً، وهي على حكم الصورة الأولى من القسم الثالث، وهو إذا أخرج أحدهما المال دون الثاني، فلا فرق بين أن يُخرج رجل واحد وبين أن يُخرج رجلان إذا كان المستحِق من لم يُخْرجِ.
فلو [وقع] 1 التشارط على أن المحلِّل إذا سبق، استحق السبَقَين [وإن سبق] 2 أحد [المُسبِقَين] 3 أحرز ما أخرج، واستحق ما أخرجه صاحبه، ففي جواز المعاملة على هذا الوجه قولان: أحدهما - أنها تصح على هذا الوجه، ويجب الوفاء بالشرط؛ لأن الغالب في تعامل الناس هذا.
فإن قال قائل: يجب تخصيص المعاملة بغرض 4 التعليم والتعلّم، وهذا يحصل بأن يكون أحدهما مسبَّقاً 5. قيل: التسابق قد يجري بين المتكافئين، بل يشترط أن [يكونا] 6 متقاربين، كما سيأتي شرح ذلك في الفرسين، والراميين، فإذا كانا متكافئين، لم يسمح أحدهما أن يخرج المال دون الثاني، فهذا يؤدي إلى تعطيل المعاملة، ولكن إذا لم يكن محلِّل، كانت المعاملة على صورة القمار، وإن تخلل المحلِّل، مالت المعاملة عن مضاهاة القمار؛ إذ ليس في جنس القمار دخول محلل.
والقول الثاني - أنه لا يجوز تقدير استحقاق كل واحد منهما على صاحبه؛ فإنه لو اتفق سبق أحدهما، كان استحقاقه على صورة القمار، فوجب تخصيص الشرط بالمحلِّل إذا أخرج كل واحد [منهما] 7 مالاً، وعبّر الأئمة عن القولين بعبارة تصلح للضبط والتحقيق فيما قدمناه، فقالوا: " المحلل يحلِّل لنفسه، أم يحل لنفسه وللمستبقَيْن إن فرض السبق من أحدهما"؟ فعلى ما ذكرنا من القولين.
11659 - ثم إذا فرض [مُسبقان] 1 ومحلِّل، فيقع التسابق على صورٍ 2، وأحكامها تتلقّى من الأصل الذي قدمناه، وقد يتعلق التفريع بأمر 3 آخر يتعلق باللفظ، ونحن نذكر المراد في صورة ثم نخوض في التفاريع:
فإذا قيل: لا سبَق إلا للمحلِّل، وقد أخرج المُسْبقان ماليهما، فسبَقَ أحد المُسْبقين، وصلّى 4 المحلِّل وجاء المسبق الثاني فِسكِلاً، فالسابق يحرز [ما أخرجه] 5، ولا يستحق 6، وهل يستحق المحلل سَبَق الفِسكِل؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يستحق؛ فإن السبَق للسابق، والسابق هو الذي ليس مسبوقاً، والمحلِّل مسبوق بأحد المُسْبِقَين، فخرج منه أن المُسْتقَيْن أحرزا سَبقَيهما، الأول لسبْقه، والثاني لأن المحلل مسبوق بالأول.
والوجه الثاني - أن المحلل يستحق سبَق المُسْبِق الفِسكِل؛ لأنه جاء سابقاً له، متقدماً عليه، فهو بالإضافة إلى الفِسكِل سابق.
وهذان الوجهان مأخوذان من مطلق شرط السبَق للسابق، فرجع التردد إلى موجب اللفظ، وما ينشأ من الخلاف عن الأصل الأول يرجع إلى الفقه والحكم، وهو أن المُسْبق هل يستحق مال صاحبه؟ أم يختص بالاستحقاق المحلِّلُ؟
11660 - ثم تتفرع الصور، وتتركب الوجوه المختلفة من هذين الأصلين، والغرض يبين بثمان صور: فإذا تسابق مُسْبقان ومحلِّل، نظر: فإن أتَوْا الغاية معاً على التساوق: من غير سَبْق، فلا استحقاق، وقد أحرز كل مُسْبق [ما أخرجه] 7. هذه صورة.
والثانية - أن يسبق المحلِّل، ثم يأتي المسبقان وراءه متساوقين، فالمحلل يأخذ السبَقين.
والثالثة - أن يأتي المسبقان معاً، ثم يأتي المحلل، فلا استحقاق؛ وقد أحرز كل واحد [ما أخرجه] 1.
الرابعة - أن يسبق أحد المُسبقين، وتلاه الثاني، وجاء المحلل فِسْكِلاً، فيحرز السابق ما أخرجه، ويخيب المحلل، وهل يستحق السابق ما أخرجه صاحبه؟ فعلى قولين ذكرناهما في الأصل الأول.
الخامسة - إذا سبق المحلل، وتلاه أحد المستبقين، وجاء الثاني فِسكِلاً، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - أنَّ المحلل يستحق السبَقَيْن؛ فإنه سبقهما جميعاً، وهذا هو الأظهر.
والثاني - أن المحلل يستحق سبَق المصلّي، والمصلّي يستحق سَبَق الفِسكِل؛ فإنه سابقه، وهذا ضعيفٌ لا أصل له، فإنه وإن كان سابقاً للفِسكِل، فالمحلل أيضاً سابقٌ له، فلا معنى لتخصيص سَبق الفسكل بالمصلي.
والوجه الثالث - وهو أمثل من الثاني - أن سَبق الفِسكِل بين المحلل والمصلي، وهذا رديء أيضاً؛ فإن فيه تسوية بين السابق والمصلي أخذاً من مطلق اللفظ، وهذا لو صُرح به، كان بعيداً، فما الظن بالتلقي من مطلق اللفظ؟
فخرج من ذلك أن المحلل يستحق سبَق المصلي بلا خلاف، وفي سبَق الفِسكل أوجه: أصحها - أنه للمحلل، ويلي ذلك أنه بين المحلل والمستبق الذي جاء مصليّاً.
والثالث - أنه للمصلي، وهذا ساقط لا اتجاه له.
والسادسة - إذا جاء المحلل مع أحدهما متساوقين والآخر فِسكِلٌ.
فإن قلنا: المحلل يحلّل المال لنفسه، فالسبَق له، وإن قلنا: إنه يحلّل لنفسه وللمستبق فسبَقُ الفِسكِل بينهما؛ فإنهما سابقان.
السَّابعة - إذا سبق أحدهما، ثم جاء المحلّل مع الآخر معاً، فلا يستحق المحلّل شيئاً، وهل يستحق المستبق السابق سَبق صاحبه؟ فعلى قولين.
الثامنة - إذا سبق أحدهما، وصلى المحلل، وجاء الآخر فِسكِلاً، فقد أحرز 1 السابق ما أخرج.
وفي سبَق من جاء فسكلاً أوجه: أحدها - أنه للسابق، وهو على قولنا أن المُسبق يستحق السبَق، وعلى حملنا للسْبق على حقيقته.
والوجه الثاني - أنه لا استحقاق [وهذا] 2 يَخرجُ حسناً على قولنا: لايستحق المُسْبق السبَق، والمحلِّل مسبوق، وليس بسابق، فينقطع الاستحقاق عنهما 3. والثالث - أن سبَق الفِسكِل بين السابق وبين المحلل فإنّ كُل واحد منهما سابق للفسكل، وهذا يخرج على تحليل السبَق للمسْبق وعلى أن المصلّي له حكم السبْق بالإضافة إلى الفِسكِل، وهذا الطريق ضعيف.
وفي المسألة وجه رابع، وهو أن سَبَقَ الفِسكِل للمحلِّل، وهذا ضعيف؛ فإنا نثبت له حكم السبق وهو مسبوق، وله خروج إذا ضُمَّ إليه أن المُسْبِق لا يستحق شيئاً، فكأنه لا أثر لسبقه في الاستحقاق، فإنما أثره في الإحراز.
وهذا بيان الصور ويتهذب [به] 4 ما قدمناه من الأصول، ونحن بعد ذلك نعقده فصلاً في جواز المعاملة ولزومها.
فصل
11661 - ظهر اختلاف القول في أن المعاملة التي الكتاب معقود لها جائزة أم لازمة؟ أحد القولين - أنها جائزة كالجعالة، والثاني أنها لازمة كالإجارة، ثم اختلف طرق الأئمة في تنزيل القولين، وبيان محلهما، فقال الإمام شيخي وطبقة من الأئمة لو كان المُسْبِق 5 أحدَهما، فالعقد لا يلزم في جانب من لم يضع سبَقاً أصلاً قولاً واحداً، ومهما 6 أراد أن ينكف، فلا معترض عليه؛ فإنه المستحِق ولا يُستحق عليه، وهذا
كما أنَّ العقد يكون جائزاً من جانب المرتهن والمكاتب، فإنما القولان في حق من وضع السبَق لو أراد الامتناع بعد العقد، ورام الفسخَ، فهل له ذلك؟ فعلى ما ذكرناه من القولين.
هذا مسلك.
ومن أصحابنا من أجرى القولين في لزوم المعاملة في حق من أخرج السبَق وفي حق من لم يخرجه؛ فإن الذي وضع السبَق، رام أن يستفيد من عمل صاحبه في الرّمي والفروسية، فكأنه في مقام مستأجر يبذل الأجر، والذي يُطلب عملُه في مرتبة الأجير، فإن سلكنا الطريقة الأولى، فالمحلل بين مُسْبقين لا يلزمه الوفاء، وإن عممنا القولين فيمن يخرج السبَق وفيمن لا يخرجه، فقد أجرينا قولي اللزوم والجواز في المحلل؛ فإن من لم يخرج السبَق، فهو على صورة المحلِّل.
هذا بيان القولين.
وتنزيلهما، وتوجيههما: [هو أن] 1 من حكم بالجواز، اعتبر بالجعالة؛ فإنَّ المقصود من هذه المعاملة لا ينضبط؛ إذ لو كانت في المناضلة والمشروط القرعات 2، فلا ضبط، فقد تتوالى من الأخرق، وقد يعرى عنها أرشاقٌ 3 من الحاذق، والجواز لائق بالعقد الذي مقصوده مجهول.
ومن نصر قول اللزوم، احتج بأن هذه معاملة مقصودة، ومبناها على اشتراط الضبط في المبدأ والمنتهى، والأرشاق وكيفية الفوز بالمبادرة أو المحاطة 4، فيبقى وراء ذلك اتفاق القرعات، وهذا القدر محتمل؛ فإن الجهالة اللائقة بمقصود العقد لا تلحق العقد مما يشتمل على المجاهيل، ولذلك قضينا بلزوم المساقاة وإن كان الجزء المشروط من الثمار للعامل المساقي مجهولاً.
التفريع بعد التنزيل والتوجيه:
11662 - فنذكر ضمان السبَق إن كان مالاً موصوفاً في الذمة، ونذكر الرّهن به، فالذي ذهب إليه الجماهير أنا إن حكمنا بلزوم المعاملة، صححنا الضمانَ والرهنَ إذا كان المشروط ملتزماً في الذمة، وإن حكمنا بجواز المعاملة، فالسبَق فيها بمثابة الجعل في [الجعالة] 1 وفي جواز ضمان الجُعل في الجعالة قبل تمام العمل قولان مشهوران في الترتيب الجديد، فإن قلنا: لا يصح الضمان، فلا يصح الرهن، وإن قلنا: يصح الضمان، ففي صحة الرهن بالسبَق وجهان، والرهن أبعد قليلاً عن الثبوت، ولذلك صححنا ضمان العهدة 2 على النص، ولم نصحح الرهن بها على مذهب الجمهور.
فينتظم في الضمان والرهن ثلاثة أوجه: أحدها - أن الرهن لا يثبت والضمان يثبت، والوجه عندنا التسوية بين الرهن والضمان في هذه المسألة، بخلاف ضمان العهدة، فإن ضمان العهدة أُثبت لمصلحة بيّنة لا تنفك عنها حاجة مشترٍ، ثم لا ضرار على الضامن؛ فإنه لا يتوجه عليه المطالبة قبل بَدْو 3 الاستحقاق، ولو جوزنا الرهن، لاحتبس المرهون عن التصرفات، وكان ذلك حَجْراً مستداماً على المالك، فلا سبيل إلى احتمال هذا، ولا يتضح على هذا الوجه فرق بين الرهن والضمان في السبَق، وليس من شيم الفقهاء أن يعتقدوا الفرق بين أصلين لافتراقهما في مسألة، بل الوجه اتباع المعاني.
وذكر القفال طريقة فقهية مرضية في الضمان نستاقها على وجهها، ثم نذكر بحثاً يتم البيان به، قال رضي الله عنه: نحن وإن حكمنا بلزوم المسابقة، فإذا كان المُسبِقُ أحدَ الرجلين، فلا يجب عليه تسليم المال إلى صاحبه قبل ظهور فوزه به، لم يختلف أصحابنا في ذلك، وليس كالأجرة المسماة في الإجارة المطلقة، فإنه يجب تسليمها
إلى المكري إذا سلم المكري الدار، وإن كانت المنافع توجد شيئاً فشيئاً، ولا يجب تسليم السبَق إلى الذي وضع له السبَق إن فاز وسبق، حتى يبين فوزه، وهذا يشعر بأن السبَق لا يُستحق إلا بالشرط الذي نيط الاستحقاق به، فإذا لم يكن السبَق واجباً، ففي ضمانه قولان مبنيان على أن ما لم يجب وثبت سبب وجوبه هل يصح ضمانه؟ والذي نحن فيه أبعد من ضمان نفقة الغد، فإن الأمر محمول على استمرار النكاح واطراد الطاعة 1، وهذا لا يتحقق في المسابقة؛ فإنَّ سَبْق من شُرط له السبَق ليس أمراً معلوماً ولا مظنوناً، ولكنه غيب.
هكذا قال رضي الله عنه.
وهو حسن بالغ.
[وإنما انْقطعت] 2 هذه المعاملة عن مشابهة الإجارة؛ لأن مبناها على الخطر الذي يضاهي القمار لولا المحلل، ومعنى الخطر يؤول إلى تحقيق التعليق، فالاستحقاق معلق بما شرط.
11663 - ويتصل بهذا البحثُ الموعودُ، فنقول: لا يبعد عندنا أن يكون استحقاق السبَق موقوفاً مراعىً، فإذا سَبَق [من] 3 شُرط له السبَق، تبيّنا أنه استحق ذلك بالعقد، [وهذا هو الذي] 4 يليق بلزوم المعاملة، ثم إذا تبيّنا الأمرَ على الوقف، فيمكن أن يقال: ضمان السبَق كضمان العهدة، ولكن هذه عهدة تنجز 5 الرهن؛ فإنها ستبدو على القُرب، وليست كعهدة المبيع، ثم إذا ردّدنا القولَ في جواز الضمان على قول اللزوم، فلو قال قائل: إذا لم يكن السبَقُ مستحقاً، فيجب ألا يكون العمل مستحقاً، وإذا انتفى تنجّزُ الاستحقاق، التحق هذا بالجواز، وهذا السؤال هو الذي حملنا على تقريب الأمر بالحمل على الوقف، وهذا لا يشفي الغليل، والوجه أن
نقول: إن لزم الشيء، فلزومه على حسب ما يليق بوضعه، ووضعه الخطر، فاللزوم فيه يرجع إلى الوعد، ووجوب الوفاء به.
وقد نجز تفريع الضمان على اللزوم والجواز.
11664 - ومما يبنى على القولين القبولُ: فإن ألزمنا المعاملة، فلا بد من القبول؛ إذ لا سبيل إلى إلزام الإنسان عملاً [بقولٍ] 1 يصدر من غيره.
وإن قلنا: العقد جائز، فالمذهب أنه لا حاجة إلى قبول الغير 2 العمل، وفيه وجه ضعيف أنه لا بُد من القبول، وقد أجرى أصحابنا هذين الوجهين في الجعالة المعلّقة بمعيّن، وهي أن يقول لمعين: إن رددت عبدي الآبق، فلك كذا، فلا خلاف أن الجعالة المبهمة لا يُتخيلُ فيها [قبول] 3، وهي أن يقول 4: مَنْ ردَّ.
والسبَقُ يجب أن يكون معلوماً، سواء حكمنا بلزوم المعاملة، أو بجوازها، فإنا إن ألزمناها، فالسبق مشبه بالأجرة، [وإن] (5) حكمنا بجوازها، فالسبَق مشبه بالجُعل في الجعالة.
وقد انتهى الغرض من هذا الفصل.
ونحن نرى أن نعقد فصلاً في حكم هذه المعاملة إذا فسدت.
فصل
11665 - إذا فسدت المعاملة فكيف سبيلها؟ الوجه أن نفرض فسادها من فساد السبَق، ثم نُلحق به وجوهَ الفساد، فنقول: إذا فسد السبَق لكونه مغصوباً، أو مجهولاً، أو خمراً، واستتم المشروط له العملَ، وأتى بما هو سبب الفوز [لو] 5
صح السبَق، فأول ما نبدأ به اختلاف الأصحاب في أن الفائز بفعله هل يستحق شيئاً؟ فمن أصحابنا من قال: لا يستحق شيئاً أصلاً، ووجهه بيّن؛ فإنّ مقتضى العقد التعليق والغرر، فلينحصر الاستحقاق على السَّبَق إن أمكن استحقاقه، وإن لم يمكن، فلا شيء له، وهذا يتأكد بأن العامل يستحق بعمله، والعمل في المسابقة يرجع معظم نفعه إلى السابق؛ فإنه يتمرّن بعمله، كما يستفيد مَن يجاريه من مجاراته، فرجع الاستحقاق إلى الشرط والمشروط، وخرج المستحَق عن قياس الأبدال حتى يرجعَ عند فسادها إلى عوض شرعي.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أن العوض -وإن فسد- إذا تمم المشروطُ له العملَ الذي به يستحق، فيثبت له العوض؛ فإنَّ عمله إذا تم، يلتحق بالأعمال المقابَلة بالأبدال، والدليل عليه أن القراض إذا فسد، استحق المقارض أجر مثله، وإن كانت المعاملة على الغرر في إصابة ربح إن اتفق.
وللأول أن يجيب عن القراض، ويقول: رجوع النفع من عمل المقارض ظاهر بخلاف المسابقة.
التفريع:
11666 - إن حكمنا بأنَّ الفساد يوجب الرجوع إلى بدل، فينظر في السبَق: فإن كان غير قابل للتقويم، فالرجوع إلى أجر مثل السابق، ثم لا يعتبر المقدار الذي يسبق به، بل يعتبر ركضُه أو رميُه؛ فإنه بمجموع عمله، توصّل إلى السّبْق والفوز.
وإن كان السبَق مما يقبل التقويم، [بأن كان] 1 مغصوباً، فقد اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بالرجوع إلى أجر المثل قياساً على الإجارة إذا فسدت بفساد العوض وتوفرت المنفعة، وهذا القائل يفصل بين ما نحن فيه وبين الصداق وبدل الخلع؛ فإن مبنى النكاح والخلع على ألا يفسدا بفساد العوض، وإذا لم يفسدا، بَعُد الرجوعُ إلى قيمة ما لم يفسد.
ورأى 2 الشافعي في قولٍ الرجوع إلى قيمة الصداق أولى.
والمسابقة تفسد بفساد العوض، فيتعين الرجوع إلى أجر المثل؛ فإن
المنفعة مستوفاة على الفساد، وهذا فقه لا بأس به.
وقال آخرون: إذا أمكن تقويم البدل، خرّجنا المسألة على قولين: أحدهما - أن الرجوع إلى أجر المثل.
والثاني - أن الرجوع إلى قيمة السبَق، والقولان كالقولين في بدل النكاح والخلع، ووجه ذلك أنَّ الصداق ليس على حقائق الأبدال؛ لما لا يخفى في موضوع الصداق، كذلك السبَق ليس على حقائق الأعواض، ولهذا تخيل بعض الأصحاب أنه لا مرجع إلى شيء بعد فساد الشرط، فكان الرجوع إلى قيمة المسمى متجهاً؛ من حيث إن منفعة السابق لم تتلف عليه، ولم يظهر انتفاع الغير بها، وكان حَصْرُ النظر في البدل أفقه وألْيق بوضع هذه المعاملة.
فهذا تفصيل القول في فساد المعاملة وحكمها إذا تم العمل فيها.
11667 - ولو فسدت المعاملة لا من جهة العوض، ولكن من جهالة في الأمد، أو غيرها مما سنصف، فإذا فرض السبْق على الجهالة من أحدهما، فيعود الترتيب الذي ذكرناه حرفاً حرفاً من غير تباين، وليس هذا كفساد الصداق بما يرجع إلى العقد؛ فإنا قد نقطع ثَمَّ بالرجوع إلى مهر المثل، وذاك الفقه أبديناه في موضعه، ولا ينقدح مثله فيما نحن فيه؛ فإن الذي يحملنا على اعتبار البدل تعذرٌ أبديناه في اعتبار المنفعة، وهذا لا يختلف، وتستوي الصور فيه.
فصل
يشتمل على ما يجب الإعلام فيه في المسابقة
11668 - فنقول: لا بُد من إعلام المدى، ولو وقع التعاقد على أن يتساوقا إلى أن يتفق سَبْقُ أحدهما، فالمعاملة فاسدة؛ فإنهما قد يتساوقان الفرسخ والفرسخين حتى ينقطعا، ولا يسبق أحدهما، فلم تصح المعاملة من غير ضبط في المنتهى.
وأما المبتدأ، فحيث يتفق الوقوف فيه والوجوه في تلقاء الغاية المُعْلَمة، ويشترط استواؤهما في الموقف، فلو وقع التشارط على أن يتقدم أحدهما بمقدارٍ، فالشرط فاسد وفاقاً.
فإن قيل: قد يتفاوت الفرسان في الفراهة ونقيضِها فإذا وقع التراضي على التعديل بتقدم الفرس الذي هو دون الجواد الفاره، فما المانع من ذلك؟ قلنا: هذا لا يدخل تحت الضبط، وليس من الممكن أن يستبان تفاوت الفرسين بخطوات، فالوجه طلب الضبط بالتساوي في العَيان 1.
11669 - ثم لو كان أحد الفرسين بحيث يغلب 2 على الظن سبقُه، فلا يجوز إيراد المسابقة مع هذا التفاوت، وقد نص الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك في المحلِّل، فقال: " من أدخل فرساً كفئاً بين فرسين لا يؤمن أن يسبق، فهو حلال " 3 وإذا تبين أن المحلِّل لو كان بحيث يغلب استئخاره لرداءة فرسه، فليس محلِّلاً، وإن كان يظن أن يسبق؛ إذ لا يبعد سبقُه، فهو المحلِّل، وإن كان المحلل بحيث يَغْلِب لا محالة، بأن كان على جواد من العِتاق والمُسْبِق على بِرْذَوْن لا يُدرك [شأْوَ المحلِّل] 4؛ فلا تصح المعاملة؛ فإن هذا العقد مبناه على الخطر، ومن ضرورة الخطر التردد.
قال الشافعي في بعض مجاري كلامه: " التعامل والحالة هذه من باب بذل المال بالباطل " والمراد بذلك أن الغرض المطلوب المخاطرةُ، وشرطها التردد والاحتمال،
والذي يحقق ذلك أن من يُسْبَق لا محالة ليس بمسابق، وإنما هو في حكم الراكض بنفسه.
وفي المسألة وجه آخر أن المحلِّل إذا كان بحيث يَسبق، صح.
وسيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله.
11670 - ولو أعلمنا المنتهَى الذي لا حكم للسبْق وراءه، ولكن وقع التشارط على أن السبْق إن اتفق في خلال الميدان، كفى، وكان فوزاً، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما - أنه يجوز؛ فإن المعنى المحذور في ترك إعلام الغاية، وهو إمكان التساوق إلى أمد بعيد زائلٌ هاهنا؛ فإن الميدان مضبوط، ومنتهاه معلوم.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هذا؛ فإن الفرس النَّزِق قد يظفر في أول الميدان، ثم يقف أو تنكسر حِمِرَّته 1، والجواد يتمطى 2 ويضبِر 3 في أواخر الميدان، فالاكتفاء بالسَّبْق قبل الغاية يوجب تقديم برذون نَزِقٍ على جواب.
ومما ذكره الأصحاب أن المُتَسابِقِين لو شرطوا غاية وعينوها، ثم قالوا إن اتفق السبق عندها، فذاك، وإلا تعديناها إلى غاية أخرى، عيّنوها، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما - الصحة لتحقق الإعلام.
والثاني - الفساد؛ لتردد المعقود عليه وتميُّله 4، ولعل الأصح الصحة؛ لأن ما وصفناه ليس مناقضاً لمقصود العقد، وحق الفقيه أن يفهم مقصودَ العقد، وُينْزل عليه ما يطرأ من شرط، فقد تبين وجوب إعلام السبَق، ووجوب إعلام الغاية.
وقد تجري مسائل في أثناء الكتاب تلتحق بمضمون هذا الفصل، وفيما ذكرناه مَقْنع في تمهيد القاعدة.
وهذا هو الذي نبغيه بعدُ.
11671 - ثم ذكر الأصحاب ما يقع السبق به، ونحن ننقل ما ذكروه على وجهه، ثم ننظر: وقد ظهر تردد الأصحاب في أن السبق يعتبر بتقدم الرأس والعنق والهادي 1، أو يعتبر بمواقع الأقدام والكتف، وهذا التردد مشهور، وقد نسبه بعض الأئمة إلى النصوص، وجعل في المسألة قولين.
وذكر العراقيون في ذلك تفصيلاً وقالوا إن كان عنق أحد الفرسين أطول، فسبق بذلك القدر من الطول، من غير زيادة، فلا يكون سابقاً، وإن استويا في الطول، فهو موضع الخلاف، ونقل العراقيون أيضاً عن الشافعي أنه قال: الاعتبار في الخيل بالعنق والهادي، والاعتبار في الإبل بالكَتَد 2 والخف، ثم قال: ذلك لأن الإبل تَمُدُّ أعناقها إذا عَدَت، والخيلُ ترفع رؤوسها في وقت العدو، وهذا الذي ذكروه من التعرض لطول الرقبة فيه إشكال؛ من جهة أن المتسابقين [لا يتعرّضان] 3 لتساوي العنقين وتقديرهما، مع العلم بأنَّ تفاوت الأعناق من الأمور الشائعة الظاهرة، فترك التعرض لهذا دليل على أنه لا اعتبار به، وأيضاً؛ فإن الفرسين إذا استويا في طول الرقبة وقصرها، وكانا يمدّان عنقيهما في العدو، فالسابق بالهادي يكون سابقاً بمواقع السنابك لا محالة، فلا يبقى للتردد بين العنق وموقع القدم وجه، والتردد في اعتبار ما به السبق معروف.
وقد كثرت إشارات الشافعي إلى اعتبار الهادي، ومما يشهد لذلك أنَّ أصحاب التسابق 4 ربما يمدّون خيطاً في المنتهى المعلوم، والغاية المشروطة، ويبين السبْق بخرق الخيط، ومعلوم أن رأس الفرس ينتهي إلى الخيط الممدود فيخرقه.
هذا بيان ما ذكره الأصحاب.
والوجه في ذلك أن التردد إنما يظهر من حيث إن من الخيل ما يعتاد مدّ العنق في العدو، والتمطي، وذلك مما يستحسن ويستحب، وقد يكون له أثر في استعمال الأسلحة، ومن الخيل ما يكون شائلاً رأسَه صُعداً، وهذا غير محبوبٍ في العدو، وإنما يؤثر ويستحَب في السير الهملجة 1، وقد يصدم وجهَ الفارس إذا كان يستعمل سلاحاً في عدوه.
فمن اعتبر السبق بالهادي، فمأخذه ما ذكرناه، والأقيس اعتبار السبق بالقدم؛ فإنه السبق حقّاً، والهادي لا يحصل السبق به؛ إذ العدو بالقدم.
وما ذكره العراقيون من اعتبار الأعناق في أقدارها متجه إذا كان الفرسان يمدّان أعناقهما، فيتعيَّنُ والحالة هذه اعتبار التساوي في الطول والقِصر، وما ذكرناه من أن أصحاب التسابق ما اعتبروا ذلك، فهو على وجهٍ، ولكن سببه أنَّهم كانوا يعتبرون القدم، فلم يلتفتوا إلى طول العنق وقصره.
11672 - فانتظم مما ذكرناه أن الفرسين إن تفاوتا في مد العنق، اتسق خلافٌ في اعتبار العنق والقدم، ولا نظر إلى أقدار الأعناق.
وإن كانا يمدان الأعناق، وقلنا: الاعتبار بالأقدام، فلا نظر إلى الأعناق، وإن قلنا: الاعتبار بالأعناق، فيتجه اعتبار التساوي في العنقين.
وأما ما حكاه العراقيون من أن الاعتبار في الإبل بمواقع الخفاف، فلم يتعرض لهذا المراوزة، والذي بلغنا ما نقلناه، وما نقله العراقيون فالثقة حاصلة بمنقولهم، وهذا قليل النَّزَل 2 والفائدة.
وكان شيخي يقطع بأن الاعتبار في التساوي في ابتداء الميدان بالأقدام لا غير، وإنما التردد في آخر الميدان، وهذا حسنٌ متجه لا يجوز غيره، فإنَّا إذا اعتبرنا السبق
بالعنق من جهة استحباب مد الفرس عنقه، فهذا لا يتحقق في ابتداء الموقف؛ فيتعيّن اعتبار الأقدام؛ إذ بها السبق في الحقيقة، ولو اعتُبر الهادي، لجرّ ذلك تفاوتاً في السبْق مهما اختلفت الأقدام.
هذا تمام المراد في قواعد المسابقة، وستأتي مسائل ممتزجة بالمناضلة، ونحن نتبع ترتيب كلام الأصحاب فيها.
فصل
في قاعدة المناضلة
11673 - نقول: إخراج المال فيها كإخراج المال على المسابقة، ويجري في إخراج المال الصور الثلاث: فقد يُخرج الإمام المالَ، ويتناضل المتناضلون، ولمن فاز المالُ، وقد يخرجه أحدٌ من عُرض الناس، وهو ملتحق بالقسم الأول، وقد يخرج المالَ أحدُ المتناضلين، وقد يخرج كلُّ واحد منهما.
وإذا كان كذلك، فلا بُد من محلِّل، على الترتيب الذي ذكرناه في المسابقة.
ثم في المناضلة ألفاظٌ يستعملها الرُّماة، ويتداولها الفقهاء، ونحن نذكرها ونبيّن معانيها، ثم نخوض: فمما أطلقوه الرّشق، وهو نوبةٌ من الرمي، تجري بين الرَّاميين أو الرُّماة سهماً [سهماً] 1، أو على ما يتشارطان، هذا هو الرشق.
والهدفُ في بلاد العرب مثل الترس، يُنصب ويعلّق من وسطه شَنٌّ صغير، والتراب 2 للعجم في محل الهدف للعرب، والشَّنُّ للعرب في محل القرطاس للعجم، ثم ينصبون الغرض على جريدة [وهي الغصن من النخل] 3 والإصابة تسمى القَرْعة.
ومن الأسماء المستعملة الخارق، والخاسق، والخازق، ومعانيها قريبة، لا تكاد تختلف 1. والزاهق هو الذي يعلو أو يمرُّ وراء الهدف، والمارق هو الذي ينفذ في الهدف، ولا يخفى القريب 2.
11674 - ثم للنضال سبيلان مسوّغان: أحدهما - المبادرة.
والثاني - المحاطّة، أمَّا المبادرة، فمعناها أن يتشارطا قرعات معلومة، على أنَّ من يتبدر إلى الفوز بها، فهو فائز، وذلك -لا محالة- إذا ساواه صاحبه في أعداد الأرشاق، فلو رمى كل واحد خمسين، وحصل لواحد عشر قرعات، وللثاني تسع قرعات، فالفوز لصاحب العشر، هذا معنى المبادرة على الجملة.
وأما المحاطة، فمعناها أن من أصاب قرعة حطها من قرعات صاحبه، وإنما يقع الفوز إذا خلصت القرعات لواحد، وهذا قد يطول ويعسر، ولكن المعاملة مع اشتراطها جائزة وفاقاً.
ثم أول ما نذكره بعد تصوير المبادرة والمحاطّة تردُّدُ الأصحاب في أن إعلام الأرشاق هل يشترط؟ وحاصل ما ذكروه ثلاثة أوجه: أحدها - أن إعلام الأرشاق يشترط في المبادرة والمحاطة جميعاً؛ فإن الترامي قد يطول؛ فلا بُد من ضبط مبلغٍ، والأرشاق في المناضلة بمثابة الميدان في السبق.
والوجه الثاني - أنا لا نشترط إعلام الأرشاق، ويكفي إعلام القرعات، فإن الرَّمي لا يجري على نسق واحد، فقد تتوالى القرعات، وقد تندر، فليقع التعويل عليها، لا على الأرشاق، وليس كذلك السبق على الخيل، فإنه لا يختلف اختلاف الرَّمي.
والوجه الثالث - أنا نفصل بين المبادرة والمحاطة، فنشترط إعلام الأرشاق في المحاطَّة، حتى ينفصل الأمر؛ فإن اتفق فوزٌ فيها، فذاك، وإلاَّ حكم بأنَّ العقد قد انتهى نهايته.
ولا استحقاق، وكلٌّ يُحرز ما أخرجه، كما إذا تساوق الفرسان إلى
الغاية المذكورة، وأما المبادرة، فلا نشترط إعلام الأرشاق فيها، فإن نَيْل القرعات على حكم المبادرة ليس عسيراً على الرّماة.
11675 - ومما يتصل بما ذكرناه أنهما لو كانا يتناضلان والمشروط عشر قرعات، وقد توافقا على مائة رشق، ونحن وإن لم نشرط إعلام الأرشاق، جوزنا إعلامها، فلو رمى كلُّ واحد خمسين، وبادر أحدهما فأصاب القرعات العشر، فقد أصاب وفاز، وهل يلزمه أن يستتم المائة أم لا؟ فيه وجهان، وليس الغرض من هذا التردُّدَ في استرداد المال من المبادر، فذاك حكمٌ لا ينقض، ولكن أثر الاختلاف أن من أصحابنا من لم يُلزمه الاستكمالَ؛ من جهة أنه استتم العمل الذي به الاستحقاق، فلا معنى لإلزامه عملاً بعد ذلك، ومنتهى العمل في هذا الكتاب ما يتعلق الاستحقاق به.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه استتمام الأرشاق؛ فإنَّ صاحبه إنما بذل المال لينتفع بالمناضلة، ويستفيد من رمي صاحبه، وإذا فاز صاحبه بالقرعات، قال له من استحق المال عليه: قد فزتَ بالمال، فوفّر العمل 1، وهذا التردد قريب المأخذ مما ذكرناه في أنا عند فساد المعاملة هل نرجع إلى أجر المثل، ووجه التلاقي أنا نقول في وجه: لا أجرة؛ فإنَّ كُلاً يعمل لنفسه، وإنما استحقاق المال بالشرط على حكم المخاطرة، فعلى هذا لا نكلفه إتمامَ الأرشاق بعد استحقاق المال، وإن أثبتنا أجرة المثل عند فساد المعاملة، فقد اعتبرنا العمل، وقدرناه كالمنافع المستحقة، فعلى هذا لا يبعد أن نكلفه استكمال العمل بعد الفوز بالمال هذا في المبادرة.
فأما في المحاطة إذا وقع التشارط على أن يخلص للفائز عشر قرعات، وتوافقا على مائة رشْق، فإذا أصاب أحدهما عشر قرعات خالصة من خمسين، فهل يستحق السبَق؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنه يستحقه كما في المبادرة؛ فإنهما استويا في الأرشاق، وتحقق خلوص العشر لأحدهما، والخلوص في المحاطة كحصول القرعات العشر في المبادرة.
ومن أصحابنا من قال: لا يستحق المال حتى يستتم الرّمي؛ فإن صاحبه يقول: قد [أُصيبُ] 1 في الأرشاق الباقية ما أحطه عن العشر التي خلصت لك، وهذا لا يمكن تصويره في المبادرة؛ فإن الشرط وقع فيها على الاستحقاق بالمبادرة، فمن ابتدر وفاز، فما يقع بعد ابتداره لا يناقض ابتداره السابق.
التفريع:
11676 - إن قلنا: لا يستحق المال ما لم تكمل الأرشاق، فلا كلام، وإن قلنا: يستحق المال، حتى لو فرض استكمال الأرشاق، فلا حطَّ بعد الخلوص، فيتصل تفريع المحاطة من هذا المنتهى بتفريع المبادرة، فقد وقع القضاء باستحقاقه على وجهٍ لا يُنقض، ولكن هل لصاحبه أن يكلفه إتمام العمل، واستكمال الأرشاق؟ فعلى الوجهين المذكورين في المبادرة.
ومما يجب الاعتناء به أن أحدهما في المبادرة لو رمى خمسين، وأصاب العشرة المشروطة، وصاحبه رمى تسعة وأربعين فأصاب تسعة، فلا بُد من ردّ السهم إليه، فلعله يصيب، وليس من المبادرة أن يتقدم أحدهما بقرعة إذا كان صاحبه غير مساوٍ له في أعداد الأرشاق، وهذا واضح لا خفاء به.
ولو أصاب أحدهما من الخمسين عشراً، وأصاب الثاني من تسع وأربعين ثماني قرعات، فقد فاز من أصاب العشر؛ فإن أكثر ما في الباب أن يرد السهم إليه، فيرمي ويصيب، ولو أصاب، فهو على تسعٍ، وصاحبه فائز بالعشر، وهذا متضح.
وإذا لم تكن أرشاق معلومة، أو كانت، وقلنا: لا يجب استكمال الأرشاق، فللفائز ألا يرد السهم إلى صاحبه؛ فإنه يقول: قد استحققت المال، وليس عليَّ بعد استحقاق المال عمل، ولو كانت المعاملة محاطّة، فخلص لأحدهما من الخمسين عشر قرعات وهي المشروطة، وقد رمى صاحبه تسعاً وأربعين ولم يصب فيها، فله أن يقول: ردوا علي السهم، فلعلي أصيب، فلا بد من رد السهم إليه؛ فإنه قد يصيب، فيحط عن عشر صاحبه، ويبطل خلوصها له، فهذا ما أردنا تأصيله في النضال.
فصل
يشتمل على تمهيد أصل عظيم تستند إليه مسائلُ جمّة
11677 - نقل الأئمة تردد الشافعي في أن المتبع في النضال القياسُ، أو العادة التي تجري بين الرُّماة، وهذا مشهور على هذه الصيغة، وهو مشكل؛ فإن القياس حجة في الشرع، فإن كانت العادة موافقة لموجب الشرع، فلا معنى للتردد، والمتّبعُ الشرعُ وقياسُه، وإذا كان للرماة عادة يناقضها [القياسُ] 1 المعتبرُ في الشرع، فلا معنى لاتباع عادتهم، والوجه القطع بالتعلق بالحجة الشرعية، قال الصَّيدلاني: أراد الشافعي عادة الفقهاء.
وهذا [كلام] 2 غير متين؛ فإن الفقهاء الذين تعتبر مذاهبهم أوّلاً هم المجتهدون، والمجتهد الرامي مُعْوِز 3، وقد يوجد في القطر الواحدُ فحسب، فما معنى العادة مع الاتحاد 4، ثم هذا الفقيه بماذا يأخذ؟ فإن أخذ بالقياس، فالرجوع إلى مأخذه، وإن كان يستجيز مخالفة القياس، فما وجهه؟
وقال شيخنا أبو محمد: المعنيُّ بالرجوع إلى العادة أنه لو أطلقت في المناضلة لفظة، والرماة يفهمون منها معنىً، فعادتهم تُتَّبع، وهذا الذي قاله ليس مما نحن فيه، بسبيل؛ فإن الأمر إن كان كذلك، وصح فَهْمُ الرُّماة من الألفاظ التي يطلقونها، فلا يجوز أن يكون في اتباع العادة خلاف إن تحقق اطرادها، وهذا بمثابة حملنا الدراهم على النقود الجارية في العقود، وإنما الذي نطلبه قياسٌ في مقابلة عادة، والذي يقتضيه القياس تنزيل اللفظ على حسب التفاهم، وهذه قاعدة ممهدةٌ في جميع العقود، فلا يبقى إذاً لتنزيل القولين في تعارض القياس والعادة وجه سديدٌ.
وأقصى الإمكان في ذلك أن نقول: إذا رأى الرُّماة أمراً فيما بين أظهرهم (1 من مصالح المعاملة 1)، وليس ما رأوه مما يشهد له قياس، فهل نتبع ما رأوه مصلحةً، أم نرد المعاملة إلى موجب القياس؟ هذا محل التردد، وبيانه بالمثال أن للرماة مناقشة فيمن يبدأ بالرمي، ولهم في ذلك غرض: فالذي يبتدىء يصادف القرطاس نقياً سوياً، ويكون هو على جمام قوته، فيطلب الرمي، وحكم القياس أنه ليس البعض أولى بهذا من البعض.
والذي رآه الرماة مصلحةً أن يفوضوا الحكم في ذلك إلى من يُخرج المال، وهذا يحرّض على إخراج المال، فالاعتبار بالقياس الذي إليه الإشارة في أحد القولين، ولا احتكام لأحدٍ، كما سنفرع عليه.
والاعتبارُ بما يعتاده الرماة في القول الثاني، فلا مرجع لما يتردد فيه المذهب من ذكر القياس والعادة إلا ما ذكرناه.
ثم لست أرى ذلك أمراً مطرداً يُهتدى إليه كالمآخذ التي تبنى المسائل عليها، وإذا عظم وقع القياس، وبعُد ما يُرعى من عادة الرماة عن القياس بُعداً ظاهراً مصادماً للفقه والمعنى، فليس إلا اتباع القياس، وإنما يحتمل مجانبة القياس إذا قرب الأمر، كالبداية التي ذكرناها، فإن الأمر فيها وإن كان مقصوداً ليس [واقعاً] 2، وهذا قريبٌ من التردد في أن إعلام المعاليق هل يجب في الدّابة المكتراة، أم يُقْتَصَرُ فيه على ما يجري العرفُ به؟ هذا هو الممكن في ضبط ذلك وسيزداد أُنْس الناظر به إذا تكررت المسائل.
11678 - والآن إذا ذكرنا البداية، فنستتم القول فيها ونقول: إن وقع التعرّض لمن يبدأ ذكراً، فهو متبع، وإن لم يتعرض المتعاقدان لمن به البداية، ففي المسألة قولان: أحدهما - ينزل العقد على ما يراه الرماة، وقد نقل الناقلون أنهم يحكِّمون مُخرِج السبَق، كالوالي والواحدِ من عُرض الناس، ومن حكمهم المتعارف بينهم، هذا الذي ذكرناه، والأمر فيه قريب، والعقدُ عقد خطر، لا يبنى الأمر فيه على نهاية الإعلام.
هذا قولٌ، وهو ضعيف.1
والقول الثاني - أنا نتبع القياس، ولا نحكّم أحداً فيما يفرض التنافس فيه.
التفريع:
11679 - إن حكمنا باتباع المعنى والقياس -ولم يجر في العقد للبادئ ذكر- فعلى هذا القول قولان: أحدهما - أنَّ العقد يفسد لاشتماله على ما يجرّ تناقشاً، لا سبيل إلى التحكم بقطعه.
والقول الثاني - أنا نُقرع بين الرماة بعد انعقاد العقد؛ فإن البداية إذا جُهلت، لم ينته الجهل بها إلى حد منافاة الصحة، والقرعةُ مرجوعٌ إليها في أمثال ذلك.
ومما يتعلق بذلك أنهم لو شرطوا من يقع البداية به، أو اقتضت القرعة -كما ذكرناه في التفريع- تقديمَ واحدٍ، فإذا وقعت البداية في الرشق الأول، فما السبيل في سائر الأرشاق بعده؟
أمَّا إن اتبعنا آداب الرماة، فالرجوع عندهم إلى تحكّم مُخرج المال مرةً ومراراً، إلى نجاز مقصود المعاملة.
ولكن هذا إنما ينقدح إذا كان [المُسْبِق] 1 واحداً، فأما إذا أخرج الرماةُ أسباقاً 2 وتخلّلهم محلِّلٌ، فليس البعض منهم أولى بالتحكم من البعض، والتفريع يرجع والحالة هذه إلى اتباع القياس.
ثم إن أفسدنا، فذاك، وإن أقرعنا ووضعنا القُرعةَ على تأسيس البداية في كل رشق فهذا الحكم متبع، وإن وقع الإقراع مطلقاً، ففي المسألة وجهان.
وكذلك لو جرى ذكر من يُبدأ به، نُظر: فإن وقع التصريح بتمهيد البداية أبداً، اتبعناه، وإن جرى ذكر البداية مطلقاً من غير تعرض للتخصيص بالمرة الأولى، ففي المسألة الوجهان المذكوران في القرعة: أحدهما - أنا نطرد ما جرى في المرة الأولى إلى انتهاء المقصود.
والوجه الثاني - أنا نعود إلى الإقراع في كل مرة أو نقطع اللبس، فنُجري الإقراعَ على الاطراد تصريحاً به.
وفي كلام بعض الأصحاب ما يدلّ على أن البداية لا تمهد بالقرعة في جميع المعاملة، بل لا بد من إنشاء القرعة في كل رشق إذا تنافسوا، وهذا بعيد لا اتجاه له،
والأمر يطول به، وتبردُ أيدي الرماة ويزيد ضُرُّ هذا على نفعه، فهذا ما أردنا ذكره.
ثم يُتصوَّر في المناضلة عادةً عامة تنزل المعاملة عليها، على قياس تنزيل الإجارة على منازل معتادة، وكذلك القول في كيفية تزجية البهيمة واستحثاثها على السير، فإذا جرت المناضلة وألفينا أمراً 1 لا يشكل، نزلنا المعاملة عليه، وإن تردد الرأي ترتب عليه اختلافٌ 2 في الحكم.
11680 - ونحن نختتم هذا الفصل بمسائلَ توفي بالناظر على استيفاء الغرض في ذلك: فمما تردد الأئمة فيه إعلامُ المسافة التي تكون بين مواقف الرماة وبين الغرض، وقد ذكر الأئمة قولين في ذلك، ومال شيخي إلى إعلامها؛ فإنهما من أصول الأمر، ويختلف الغرض فيها بالقصر والطول، وقوة القسي والرماة وضعفها، ولا يمكن التحكم فيها بمسافة.
وأما إعلام مقدار الغرض في اتساعه، فقد ذكر الأصحاب فيه قولين مرتبين على المسافة، ورأوا هذا أهونَ وأولى بأن ينزل على العادة.
وكذلك ذكروا قولين في مقدار ارتفاع القرطاس من الأرض وجعلوا هذا أهون من الذي يليه، ورتبوه على ما قبله، وإنما ترتبت هذه المسائل على حسب ترتب الأغراض فيها ظهوراً وخفاءً، ثم العادات في اطرادها، وتطرق [المناقشة] 3 إليها تجري على حسب ظهور الأغراض وخفائها، فاقتضى ما نبهنا عليه ترتب هذه المسائل: [فأظهر] 4 الأغراض المسافة، ويليها اتساع الغرض المطلوب، ويلي ذلك ارتفاعه من الأرض.
والبداية في الرماية لا تقع على هذا السنن؛ فإن ما ذكر من تحكيم المُسْبق لا أراه منتهياً إلى الحد الذي خرَّجنا هذه المسائل المتسلسلة عليه، ولولا ضعف الغرَض فيه، لما احتملنا فيه تحكماً، وكذلك لم نقطع القول بالفساد عند إبطالنا التحكم، ورأينا فصل النزاع بالقرعة.
فصل
فيما يطرأ على الرماة من النكبات
11681 - قاعدة الفصل أنَّ السهم إذا أفرط تباعده أو سقط دون المقصود بمسافة بعيدة، فهذا يحمل على سوء الرمي، فهو محسوب على الرامي في الرشق، ولا يرد السهم إليه ليرميَه مرة أخرى؛ مَصيراً إلى أن ما أساء فيه غيرُ معتد به، وما يحمل على نكبةٍ لا ينتسب الرامي فيها إلى تقصير، فذلك السهم غير محسوب عليه.
هذه قاعدة الفصل، وهي تبين بتفصيل المسائل.
فإن سلمت الآلة والْتوت يد الرامي، فهذا من تقصيره، والسهم محسوب عليه، وقال الأصحاب: إذا انقطع الوتر أو انكسر القوس، فهذا من النكبات.
والتفصيلُ الحسن فيه للعراقيين قالوا: إن تجانب السهم على إفراط 1، لم يحسب على الرامي، كذلك إن وقع دون الغرض بمسافةٍ بعيدة، ولو وقع بالقرب من الغرض، بحيث لا يستبعد إصابة مثله، فهل يحسب السهم من أرشاق الرامي؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه غير محسوب عليه؛ لأجل النكبة المعترضة.
والثاني - أنه محسوب لوقوعه على حدٍّ غير بعيد عن توقع الإصابة، فكأن النكبة لم تكن، وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي.
ثم إن كان السهم محسوباً عليه إذا لم يُصب، فلو أصاب، فلا شك أن الإصابة محسوبة له معدودة من القرعات المشروطة، وإن قلنا: لا يحسب السهم عليه من الرشق لو لم يُصب، فإذا أصاب [السهم] 2 فهل تحسب الإصابة له؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه محسوبة له، وهو الذي قطع به المراوزة؛ لأن الإصابة مع النكبة تدلُّ على نهاية الحَذاقة، وأيضاً فالإصابة مشروطة، وقد وقعت، والتوجيه بهذا أولى.
والوجه الثاني - أنها لا تُحسب له كما لا تُحسب عليه لو لم يُصب، وأيضاً فإنَّ الإصابة مع انكسار الآلة تُحمل على الوفاق؛ فإن الرمي [لا ينبني] 1 إلا على سداد الآلة وبقائها.
16682 - هذا بيان حظ الفقه من هذا الفصل، وبعده نظر لا بُد من التنبه له، وذلك أن الأئمة عدّوا انقطاع الوتر وانكسار القوس نكبةً وبنَوْا عليها التفصيل الذي ذكرناه، والوتر لا ينقطع إلا بعد مروق السهم على الموضع الذي يسدده الرامي عليه، وكذلك لا ينكسر القوس إلا بعد نفوذ 2 السهم، وسبب انكسارها صدمةُ الرجوع، فإن انقطع الوتر في النزع، وأفلت السهم من غير حل الرامي شِصَّه، أو انكسر القوس في النزع 3 فذلك نكبة لا شك فيها، ومن لم ينتبه لهذا، فهو جاهل بالرماية، ولم نأت بما ذكرناه مخالفةً للفقهاء، ولكنهم ذكروا فقه النكبة وجنسها، ولم يفصّلوها، ولو تبيّن لهم ما ذكرناه، لحكموا فيه بأن ما يقع بعد نفوذ السهم لا يُعدّ نكبة، وقلما ينقطع الوتر بعد حل الشص من رامٍ ماهرٍ إلا ويقرب السهم أو يصيب، فهذا ما يجب التنبه له.
وانكسار السهم ينقسم فإن كان لِوَهاءٍ فيه غير محسوب، فهو نكبة، وإن كان لسوء الرمي، فهو خُرقٌ، والسهم محسوب، وذلك بأن يخلي الفُوقَ في النزع عن الوتر، فهذا ترك تحفظ، وسوء رمي، وهو مُخْطِر، وكذلك إذا أفرط في النزع حتى انتهى النصل إلى كبد القوس، ونشب فيه وتكسَّر وتشظى، فهذا قلة تحفظ، وسوء رمي، وإذا بان فقه الفصل، فلا معنى للإطناب.
11683 - ولو رمى فاعترض بين السهم في مَرّه وبين الغرض بهيمة، فأصابها السهم، فهذا عارض، والسهم غير محسوب، ولو مرق السهم، وأصاب الغرض، فوجهان، ولعل الأصح أنَّ الإصابة محسوبة له؛ فإنَّ السهم لا يمرق ولا يصيب إلاَّ مع
رعاية السداد في الرمي على أبلغ وجه في الإمكان.
وأما هبوب الرياح، فالتفصيل فيه أن هبوب الريح إن اقترن بابتداء 1 الرمي، فلا مبالاة به، والسهم إن زهق 2 أو مال محسوب عليه، لأنه ابتدأ الرمي مع الريح، فكان هو المقصر، وللرماة نيقة 3 في تسديد السهم مع جريان الريح، وذلك بوضع النصل في المنظر 4 مائلاً قليلاً، حتى إذا انضم إلى الميل صَرْفُ الريح السَّهمَ استدَّ على الغرض.
ولو نفذ 5 السهم، فهجمت ريح، فإن كانت رُخاءً ليّنة؛ فلا أثر لها؛ فإنَّ السهم لا يميل بمثلها، وإن هجمت ريح عاصفة بعد نفوذ السهم، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه معدود من النكبات، وقد مضى تفصيلها.
والثاني - أنه لا يعدّ من النكبات؛ فإنا لو فتحنا هذا الباب، لطال المراء والنزاع، ولا يخلو عن الريح الهواءُ، ويندر هجوم الريح الشديدة؛ فإنه تظهر 6 مباديها، ثم تشتد، والسهم أسرع مَرّاً من الريح، فالوجه حسم ذلك.
ولو انقطع السهم حيث يُعَدُّ ذلك نكبةً، وأصابتْ قطعة منه الغرض، فإن انقلب وأصاب الغرض بفُوقه 7 أو بعَرْضه، فلا يحتسب هذا؛ فإن الإصابة هي التي تجري على استدادٍ في السهم، فإذا انقلب، فلا احتفال بالمماسة التي جرت.
ولو حصلت الإصابة بقطعة مستدّة على سمت طول السهم، فهل تحتسب الإصابة؟ فعلى الوجهين المذكورين في النكبات المعترضة.
ثم اختلف أصحابنا وراء ذلك، فقال قائلون: إن أصاب الجانبُ الذي فيه النصل بل أصاب النصلُ، فهو الإصابة التي فيها الخلاف، ولو أصابت القطعة التي فيها الفوقُ من غير انقلاب، ولكن أصاب موضع الانقطاع، فلا 1 يحسبُ ذلك وجهاً واحداً.
ومن أصحابنا من عكس هذا، وقال: إن أصابت قطعةٌ الفُوقَ مستدةً، فهذه إصابة، وفي احتسابها خلاف؛ فإن هذه القطعة هي المقروعة بالوتر، ولا معنى للرمي إلا قرع الفوق بالوتر، والقطعة التي فيها النصل إذا باينت السهم، لم يبق فيها تحامل اعتمادات الوتر على سداد، فإصابتها وفاق، والمسألة محتملة كما وضحناها.
فصل
في بيان الإصابة المشروطة
11684 - إذا شرط أصحاب النضال إصابة القرطاس، فليست الإصابة خافية، ولكن لا تُحسب الإصابة عَرْضاً، وكذلك إذا انقلب السهم وأصاب فُوقُه، فهذا غير محسوب؛ فإن ذلك لا يُعد إصابةَ السهم المرمى، ولو أصاب السهم شجرة مائلة عن قُبالة الغرض، أو جداراً، ثم ارتد، وردّته الصدمة إلى سنن الغرض، وأصاب فهذا فيه تردّدٌ، والأصح أنه لا يعتد به، فإن سبب الإصابة الصدمة، وإلا فالسهم في مَرِّه مائل عن سنن المطلوب، ولولا الصادم، لبعد موقعه عن القرطاس.
ولو كان السهم على السنن، ولكن صدم الأرضَ قبل الوصول، وارتد من الأرض، وأصاب، فقد اختلف الأصحاب في ذلك أيضاً، وجعلوا الاعتداد بالإصابة في هذه الصورة أولى؛ فإنَّ السهم واحتكاكه بالأرض يدل على انخفاض ممره، وطلب خفض السهم نهاية الحَذاقة، وهو أول الرماية وآخرها.
والأصح عندنا أنَّ الإصابة غيرُ معتد بها، فإنَّ السهم إذا احتك بالأرض، فقد انتهى أثر رَمْي الرامي، وبان أنه سدَّد سهمه على هذا الموضع، ولم يشعر، وما كان من ارتدادٍ، فهو بعد انتهاء السهم.
ولا خلاف بين الرماة أنَّ ذلك غير محسوب، وإنما التردد للفقهاء، ويمكن أن يخرج هذا على العادة وأنها هل تُتّبع؟ فإن اتبعناها، فلا يُحتسَب بها، وإن لم نتبعها، فهذا يُسمى إصابة، وعلى الرامي القصاص إذا قصد إنساناً وأصاب كذلك.
ولو أصاب السهمُ وارتد من الغرض، فالإصابة محسوبة بلا خلاف، ولا يشترط الخزق والثبوت والمشروط الإصابة.
وإذا كان المشروط الإصابة -كما ذكرنا- فأصاب السهمُ طرف الغرض، وخزقه، نظر: فإن تفطّر الطرف وجِرمُ السهم في حيز الغرض بكماله، فهو محسوب، فإن كان بعض جِرم السهم في حيز الغرض، والبعض منه خارج، ففيه خلاف بين الأصحاب، ولعل الأوجه أنه إصابة.
11685 - ولو وقع التشارط على الخوازق والخواسق، فالإصابة لا تكفي حتى يحصل الخروج المشروط، ولو وُجد الخَزْق على الطرف، فهو كما ذكرناه إذا كانت الإصابة هي المشروطة، وكان شيخي يقول: " إذا كان المشروط الخازق، ولم يكن كل السهم في حيز الغرض، فهذا أولى بالا يحتسب ممّا إذا كان المشروط الإصابة؛ فإن هذا قد لا يُسمى خزق الغرض، وإنما هو شق طرفه ". وهذا خيال لا حاصل له، والذي يعترض في الخاسق المشروط شيئان: أحدهما - أن السهم لو أصاب الغرض وخرقه ومرق منه لحموته وقوته، فقد ذكر صاحب التقريب والإمام 1 قولين في أن هذا هل يحتسب خاسقاً: أحدهما - لا يحتسب ما لم يثبت في الغرض، وهذا لا أعرف له وجهاً، ولكني رأيت الرماة يميلون إلى هذا، فالاعتداد به؛ فإن الخزق قد حصل، والمروق بعده زيادةٌ تُشعر بالقوة.
والثاني - أن السهم يحسب، وهو القياس الذي لا دراء له، وهو منطبق على مقتضى اللفظ ومعناه.
ولو كان المشروط الخاسق كما ذكرناه- فأصاب السهم سهماً كان في الغرض، فهذا مما اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من احتسبه، وربما كان يقطع به شيخي.
ومنهم من قال: لا يحتسب، وهو مقتضى اللفظ، وعلى هذا إن أصاب خَزْقاً في الغرض، وثبت فيه، فمنهم من احتسبه، ومنهم من لم يحتسبه؛ فإن النصل صادف هواء الثقب، ولم يؤثر في خزق، والمشروط الخزق.
والأفقه عندنا الاعتداد به إذا كان السهم في قوته بحيث يخرق لو أصاب موضعاً صحيحاً؛ فإن الغرض من ذكر الخَزْق ألا ينبو السهم، ومن ضرورته الإصابة، وليس معنى اشتراط الخاسق أن يرجع الغرض في حق الرمي إلى مواضع لم تُصبها السهام من الغرض؛ فإن هذا في التحقيق قد يرد الغرض إلى نصفه، وهذا يستبينه الفطن، إن شاء الله تعالى.
والمسألة محتملة.
11686 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو أصاب الجريدة، وهي السعفة التي ينتصب الغرض عليها، فقد فصل العراقيون ذلك؛ فقالوا: إن شرطا إصابة الشَّن الذي على وسط الهدف، فلا تحسب إصابة الجريدة.
وإن شرطا إصابةَ الهدف، وهو الترس الذي الشَّن في وسطه، فإصابة الجريدة محسوبة؛ فإنها متصلة بالغرض اتصال إثبات، وهي بمثابة جزء من الغرض، وذكر شيخي قولين في هذه الصورة الأخيرة، وهما متجهان: أحدهما - وهو الذي ذكره العراقيون- أنه إصابة إذا كان المشروط إصابة الغرض.
والثاني - أنه غير محسوب؛ فإن الجريدة تُسمى عماد الغرض وقائمته، وليست من الغرض.
والمسألة محتملة.
والأوجَهُ ما ذكره العراقيون؛ فإن قائمة السرير من السرير، ويجوز أن ينفصل عن ذلك فيقال: قائمة السرير من الخشب الذي منه السرير.
فصل
11687 - إذا وقع التشارط على احتساب القريب، جاز، فإن أبانوا مقدار القرب بشبرٍ أو فترٍ، أو قِيدَ سهم، ولم يعتدّوا بما يقع وراء ذلك، فشرطهم متبع، وكأن الحد الذي راعَوْه من القُرب هو الغرض المطلوب، والقرطاس في وسطه لتسديد النظر، فلو شرطوا الاحتساب بالقريب على الجملة من غير تعرض لضبط، ففي صحة
المعاملة وجهان: الأصح - أنها لا تصح؛ للجهالة، والقرب لا ضبط له.
والثاني - أنها تصح.
ثم في تفريع ذلك وجهان: أحدهما - أنه يحمل على قِيد سهم، وهذا كلام سخيف، لا أعرف له قياساً، ولا أمراً يرجع إلى عادة الرماة، وصاحبه يدعي أن هذا حد القُرب في عادة الرماة.
ومنهم من قال: مطلق القرب محمول على الاعتداد بالقرب، فالأقرب، بتأويل أن القريب يُخرج البعيد، ثم هؤلاء اختلفوا على وجهين آخرين: فقال بعضهم: إذا اتفقت سهام قريبة لأحدهم، والبعضُ أقرب من البعض، وأبعدها أقرب من أقرب صاحبه، فالسهام بجملتها محسوبة له.
ومنهم من قال: أقربه يُسقط أبعده أيضاً.
وكل ذلك خبطٌ، والذي يجب القطع به أنه لا بد من ذكر ذلك وضبطه بالشرط، والرماة يعتادون إبانة ذلك.
ولو ذكروا مقدار القرب، وتعرضوا للغرض والقرب منه، فالسهم الذي يثبت أسفل الغرض على الحد المشروط من القرب، أو على جانبه قريب محسوب، والسهم الذي يقع فوق الغرض، ويثبت على حد القرب المشروط محسوب على الأصح.
وذكر شيخي قولين: أحدهما - ما ذكرناه، وهو الذي يجب القطع به، والثاني - أنه لا يحسب، فإنه يشير إلى الزهوق والسهم الزاهق لا يعتد به، وكان يشير في هذا إلى عادة الرماة، ولا أصل له؛ فإن القُربَ محقّق، والسهمُ سديد ثابت، وفي الرماة من يستحسن ما يقع فوق القرطاس.
وإذا شرط القريب، فوقع السهم بالقُرب من الغرض، ولم يثبت، فهذا غير محسوب؛ فإن القريب وجب أن يثبت أو يصيب ثم يرتد، فإذا لم يُصب، فهو ساقط، والمعنى يُحسب القريب احتساب السهم المصيب لحيّز القُرب، فقد ذكرت أن القُرب إذا ضبط، فكأن الغرض قد اتّسع.
11688 - وممَّا كان يذكره شيخي أن المناضلة إذا عقدت على احتساب القريب، ووقع التعرض لمنتهى القُرب ضبطاً بالشرط، فمقتضى المعاملة أن يُخرج قريبُ أحد
المتناضلين ما هو أبعد منه من سهام صاحبه، إن كان ذلك البعيد في حد القُرب المضبوط المشروط.
وأنا أقول: إن شرطوا أن يُخرج الأقرب ما وراءه، فالشرط متّبع، وإن لم يكن 1 لهذا تعرض، فليس في معنى احتساب القريب ما يشعر بإخراج الأقرب ما فوقه؛ فإن لم يثبت للرماة في ذلك عادة مستمرة، فالوجه الاحتساب بكل ما يقع على حد القُرب المعتبر، وإن ثبت في ذلك عادة للرماة، فيجتمع موجب اللفظ وحكم العادة، فإن اعتبرنا العادة، حكمنا بإخراج الأقرب ما فوقه.
وفي هذا يتبين أمرٌ به انكشاف أغراضٍ، وهو أن القُرب لو كان مفهوماً في عادة الرماة معتبراً بِقِيد سهم، فإخراج القريب يحمل على العادة الجارية، وهذا لا يُدرج تحت القولين، بل هو في معنى حمل الدراهم المطلقة على النقد الغالب، من جهة أن القريب لا ضبط له في اللسان، واللفظ المبهم تبيّنه قرينة الحال، كذلك القول في القريب؛ فإنه لا ضبط له في وضع اللغة، فإن صح ضبط في العادة على اطرادٍ، كانت العادة قرينة اللفظ، فأما إخراج الأقرب لما فوقه، فليس من باب تفسير لفظ مبهم، فلا يصح أن يكون هذا قرينةً للّفظ مفسرةً له، فيثبت القريب مضبوطاً والمسألة مفروضة في الضبط، فالكلام مستقلٌّ إذاً، ولكن يعارضه عُرفٌ يليق بالاستصلاح، فخرج القولان، وهذا كالقولين فيمن يُبدأ به؛ إذ ليس في اللفظ تعرض للبداية، ولا يصير اللفظ مع العادة مشعراً بها، فبقي لفظٌ مستقلٌّ 2 وعادة تعارضه.
11689 - ومما نذكره في فصل القريب أن التناضل إذا وقع على احتساب القريب، فقرب سهم من القرطاس، ولم يلق ما يثبت فيه، فهذا قريب، ولكن أهم أمر فيه التصوير، فإن كان القرطاس مفرداً، ولم يكن وراءه ترس أو تراب، فاشتراط القريب لا يحمل على ما يقرب في مرِّه، فاذا وقع التشارط كذلك 3، اتبعناه، ولكن هذا
لا يراه أحد، ولا يعتاده جيل 1 من الرماة، غير أن شرط القرب -والحالة كما وصفناها- تصريح بوضع المعاملة على خلاف العادة، ونحن إنما نتبع العادة في قولٍ إذا كان اللفظ مطلقاً، فأما إذا صرح اللفظ بمناقضة العادة، ولم يخالف مقتضىً شرعيّاً، فلا تعويل على العادة.
وهذا بمثابة البيع بدراهم غريبة موصوفة، غير الدراهم الجارية في عرف المعاملة، ولو كان القرطاس أمام تراب أو ترس، فلا يتصور الاحتساب بقريب لا يلقَى الترابَ في مرِّه، فإن وقع الشرط كذلك، عاد التفصيل الذي ذكرناه، وإلا فالقريب لا بُد وأن يثبت فيما وراء القرطاس، ثم القول في القرب والبعد ما ذكرناه.
فصل
مشتمل على أنواع القسي والسهام، والتعامل عليها
11690 - فنقول: تقدم أنَّ التناضل على جميع أجناس القسيّ والسهام جائز، ونحن نصدر هذا الفصل بأمور متفق عليها: أجمع الأصحاب على جواز التناضل مع اختلاف أجناس القسيّ، فلا يمتنع أن يرمي البعضُ عن القوس العربية، والبعض عن الفارسية، وهذا بمثابة المسابقة بين البراذين والعتاق العربية، وسنختم هذا الفصلَ، إن شاء الله تعالى بطرف من الكلام في هذا، ونعطفه على أصول المسابقة، [وإذا كان لا يمنع المسابقة] 2 بين البرذون والعربي، مع أن التعويل في المسابقة على الفرس، والتعويل في الرماية على الرامي، فاحتمال اختلاف الأنواع في القسي أقرب، والمسابقة بين الفرس والحمار والبغل -إذا جوزنا التسابق على الحمر والبغال- بعضها مع بعض مختلف فيه:
فمن أصحابنا من منع المسابقة بين الفرس والحمار والبغل؛ لاختلاف الجنس والتفاوت العظيم، ثم ذكر الفقهاء في مناظرة الفرس والحمار، السهم والمزراق،
وأَجْرَوْا وجهين في جواز التعامل بينهما في إصابة مُعيَّنٍ شاخص، ورأَوْا هذه المعاملة أقربَ إلى الجواز؛ لما أشرنا إليه من ظهور التعويل على الرمي والرامي فإن قيل: لم قلتم التعويل في المسابقة على الفرس، والتعويل في المناضلة على الرامي؟ قلنا: لسنا ننكر أثر الفارس، ولكن الأثر الأغلب محال على الفرس، وليس المقصود من الركض تعلم الفروسية، فإن الفروسية لا تتعلم بهذه الجهة، وإنما تتعلم بمعرفة الرياضة ثم كيفية الرِّكْبة 1 والهيئة، وضبط العِنان في الخبب والهرولة، والإدارة على الحلقة المسماة (آورد) 2، والغرض الأظهر من ركض الخيل تضميرها وتمرينها على العدو، وهذا لا يحصل إلا بالركض، وأما القسي فلا تصلح بالرمي، وإنما يصلحها القواس، والغرض تمرن الرامي على الرمي، والعبارة القريبة في الفرق: أنَّ الفرس حيوانٌ يعدو باختياره، وليس على الفارس إلا تزجيته، والاختيار كله في الرمي للرامي.
11691 - ومما نقدمه أنَّ التعامل إذا وقع على القسي العربية، فأراد أحد المتناضلين أن [يُبدّل] 3 القوس العربية بالفارسية 4، لم يكن له ذلك لما بين الفارسية والعربية من البَوْن البعيد، والفارسية أشدّ، والرمي منها أسدّ، ومدى سهمه أبعد، ونحن لا ننكر أثر الآلة، وإن كان التعويل على الرامي.
ولو وقع التناضل على القسي الفارسية، فأبدل أحدُهما القوسَ بعربية، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك جائز؛ فإنه انتقل من الأجود إلى ما دونه، فليس فيما فعل إجحاف.
والثاني - لا يجوز ذلك حسماً لإبدال الجنس بالجنس، وقد يكون أعرف بالرمي