كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أم كثر، وقد مضى التفصيل في أن الواجب ربع العشر أو الخمس.
2177 - وإن قلنا: يعتبر النصاب، ولا يعتبر الحول، [فلا يخلو] إما أن لا يكون له ذهب وفضة إلا ما يستفيده، وإما أن يكون له سوى ما يستفيده من النَّيْل، فالنيل المتواصل بعضُه مضموم إلى بعض، وذلك بأن يدوم العمل على العادة في مثله، ويدوم النَّيْل، فإذا اجتمع من دفعاتٍ نصاب، وجب الحق في الجميع، ما تقدم وما تأخر، وكانت الدَّفَعات مع الاستمرار والتواصل، بمثابة ما يتقدم وما يتأخر في ثمار النخيل، فالبعض مضموم إلى البعض، على التفصيل المذكور في الثمار، وذلك لأنها وإن ترتبت؛ فإنها تُعد دخلَ سنةٍ واحدة، فيعتبر هذا المسلك في النَّيْل، ثم الثمار 1 يضبطها [السنة] 2، ونيل المعدن [لا يضبطه] 3 السنة، والرجوع في التواصل إلى العرف الواضح بين أهله في الباب، فإن كان العمل متواصلاً، ولكن انقطع النَّيل، ثم بعد تخلل فصل عاد، ففي ضم الأول إلى الثاني اختلاف بين الأئمة: منهم من نظر إلى انقطاع النَّيْل، ولم يضم الأول إلى الثاني.
ومنهم من نظر [إلى] 4 تواصل [العمل] 5، ولم ينظر إلى النَّيل تواصَلَ، أو انقطع، ورأى الضَّم.
ولو انقطع العمل، وتخلل فصل يُعدّ مثله [قطعاً، نُظر: فإن أعرض العامل] عن العمل، فهذا باتفاق الطرق يتضمن قطع الأول عن الثاني، [وهذا فيه إذا أعرض مِن] غير عذر، فأما إذا انقطع العمل بعذر، نُظر: [فإن كان ذلك الانقطاع بسبب] الاشتغال بإصلاح آلات العمل كالمعاول وغيرها، [فهذا يعد من تواصل العمل، فلا انقطاع]، وإن كان بسبب مرض أو عارض شغل، [ففيه وجهان: أحدهما - أن ذلك قطع، والثاني - ليس] قطعاً.
ورأى الأئمة قطعَ العمل بعذرٍ، بمثابة انقطاع النَّيل في المعدن.
2178 - وانتظم من ذلك أن العمل والنَّيل إذا تواصلا، فالضم، وإن تواصل العمل وانقطع النيل، فوجهان.
وإن أعرض من غير عذر، وظهر قطعه للعمل، انقطع وفاقاً.
وإن كان معذوراً: [فإصلاح] 1 الآلات بمثابة العمل على المعدن، وفي القطع بعذر المطر وغيره وجهان، ثم نفس قصد الإعراض لا يقطع، ما لم يحقق قصده بالترك زماناً، وليس كقصد القِنية؛ فإن نفسه يقطع الحول في التجارة، ثم إذا لم يقطع ضممنا جميع الدُّفَع، فإذا تم النصاب، فإذ ذاك، نوجب الحق 2.
ومن ذلك الوقت ينعقد حول الزكاة في المستقبل.
وإن حُكم بالانقطاع في بعض الصور، وكان قد استفاد مثلاً على التواصل تسعةَ عشرَ دينار، ثم انقطع، واستفاد بعد الحكم بالانقطاع ديناراً، أما التسعةَ عشرَ السابقة، فلا واجب فيها، وأما الدينار الذي استفاده آخراً بدَفعة أو على التواصل، فقد ضمّه الأئمة إلى التسعةَ عشرَ؛ فإنه مع الذي تقدم نصابٌ، وقد تحقق كمال النصاب، والحول ليس معتبراً، فيجب إخراج حق المعدن من الدينار الأخير.
هذا ما صار إليه جماهير الأئمة، وعلى ذلك بنى ابن الحداد.
2179 - وذكر الشيخ أبو علي في الشرح وجهاً بعيداً عن الأصحاب: أنه كما لا يضم الأول إلى الثاني، لا يضم الثاني إلى الأول، فلا يجب في الدينار شيء من حق المعدن، كما لا يجب في التسعةَ عشرَ، وقال في توجيهه: التسعةَ عشرَ لو بقيت سنين، لم يتعلق بها واجب، فهي كالمنعدمة في هذا المعنى، فكأنها عَرْضُ قِنية، وهذا بعيدٌ، والمذهب كما تقدم.
ثم إذا تم النصابُ، فلا خلاف أنا من وقت 3 تمام النصاب نحكم بانعقاد حول الزكاة في المستقبل.
وهذا الذي ذكرناه تفريع على أن النصاب شرطٌ، والحول غير معتبر.
وما كان له مالٌ سوى ما يستفيد من النيل.
2180 - فأما إذا شرطنا الحولَ مع النصاب، فنشترط في النيل المتواصل وقتَ كمال النصاب حولاً كاملاً، وابتداء الحول من تمام النصاب، واشتراط الحول بعيدٌ عن قاعدة المذهب.
فأما إذا كان له مالٌ سوى ما يستفيده من النيل، والتفريع على أن النصاب شرطٌ في واجب المعادن، والحول ليس بشرط، فذلك المال لا يخلو إما أن يكون نقداً، وإما أن يكون مال تجارة، فإن كان نقداً؛ مثل إن كان معه مائة درهم، فوجد مائة درهم من المعدن، فالذي ذكره ابن الحداد وتابعه المحققون عليه أنا نوجب في المستفادة من المعدن حقَّها؛ فإنها قد كملت بالمائة العتيدة الموجودة عند العامل على المعدن؛ فإن الشيء في النصاب مضمومٌ إلى جنسه، والحول غير معتبر في النيل على القول الذي نفرع عليه، فقد كمل النصاب لاتحاد الجنس، ولا حول.
وذكر الشيخ 1 وجهاً بعيداً: أن حق المعدن لا يجب في هذه الصورة، وهذا وإن أمكن توجيهه على بُعد، فالمذهب ما قدمناه.
2181 - فأما إذا كان عنده مال تجارة، مثل إن كان قد اشترى عرضاً للتجارة بمائة، وبقيت قيمته مائة، واستفاد من نيل المعدن مائة، فنذكر في ذلك ثلاث صور: إحداها - أن يجد المائة مع آخر جزء من الحول، بحيث يتم حول المائة مع هذا النيل، من غير فرض تقدم ولا تأخر، فإن كان كذلك، فحق المعدن واجب في المائة جرياً على ما مهدناه، وتجب زكاة التجارة في العرض المشترى للتجارة، والتفريع على أن الاعتبار في النصاب بآخر الحول، وقد تم النصاب بالنيل، في آخر الحول، فوجب زكاة التجارة في المائة، لكمالها بالنيل في آخر الحول، ويجب حق المعدن في المائة المستفادة لكمالها بمال التجارة، وهذا حسن.
ولكن نَيْل المعادن غيرُ مستفاد من جهة التجارة، وقد ذكرنا في زكاة التجارة فرعاً عن ابن سريج أن الجارية المشتراة للتجارة، إذا ولدت، لم يُضم الولد إليها في القيمة، على تفصيلٍ تقدّم، وإن صح أن ولدها لا يضم إليها، فالنَّيل أولى بأن لا يضم، وقد ذكرنا في شراء الأشجار للتجارة أن الثمار في حساب التجارة مضمومة، وهذا أيضاًً يخالف ما ذكره ابن سريج في الولد، ولسنا نحكم بقول ابن سريج على هذه الأصول، بل نستدل بما أجراه 1 على تزييف ما حكيناه عن ابن سريج.
ثم هذا فيه إذا وجد المائة مع آخر حول للتجارة.
2182 - فأما إذا كانت عروض التجارة في أثناء حَوْلها وقيمتها مائة، فوجد مائة من النيل 2، فقياس قول ابن الحداد إيجاب حق المعدن في المائة التي وجدها، فإنا نكمل النصابَ بالمائة في مالية التجارة، ونوجب حق المعدن، وإن كنا لا نوجب إلا زكاة التجارة في مال التجارة، فإن الحول إن كان معتبراً في مال التجارة، فهو غير معتبر في نيل المعادن، على القول 3 الذي نفرع عليه.
وفي المسألة وجه آخر، حكاه الشيخ، وذكره العراقيون: أنه لا يجب في النيل حقُّه، وقد تقدم هذا الوجه.
2183 - ولو اشترى عرضاً بمائةٍ للتجارة، وقيمتها مائة، وانقضى حول، ولم تزد قيمة السلعة، ومضى مثلاً شهر من الحول، ثم وجد مائة 4 من نيل المعادن، فهذا ينبني على أنا إذا قومنا سلعةَ التجارة، فلم تبلغ قيمتُها نصاباً، ثم مضى شهر، فارتفعت القيمة، فبلغت نصاباً، فهل نوجب الزكاة الآن؟ فيه خلافٌ شرحته فيما تقدم.
فنقول: إذا وجد النيلَ بعد شهر من انقضاء الحول الأول، فهذا على الأصل الذي
مهدناه، بمثابة ارتفاع السعر، [بعد انقضاء الحول] 1 ثم في ارتفاع السعر خلاف، فإن أوجبنا فيه زكاةَ التجارة، [فنقول: إذا وجد مائة] من نيل المعدن في الحول الثاني، فإن قلنا: تجب زكاة [التجارة بارتفاع السعر]، فتجب زكاة التجارة بسبب وجود النيل، ثم [إذا وجبت زكاة التجارة بسبب] وجود النيل، فلا شك في وجوب حق المعدن [في النيل، وإن قلنا: لا تجب زكاة التجارة] بارتفاع السعر، فلا تجب أيضاًً زكاة التجارة بسبب وجدان النَّيْل، وهل يجب حق المعدن، وإن لم تجب زكاة التجارة؟ الظاهر أنه يجب، وفيه وجه آخر، وهو بعينه في هذا المنتهى بمثابة ما لو وجد النيلَ قبل انقضاء الحول الأول على مال التجارة، فهذا تمام البيان في ذلك.
2184 - وذكر الشيخ أبو علي في الشرح هذه الأحوالَ الثلاثة، ولم يصوّر المال الأول في عرض التجارة، بل صور مائة درهم عتيدة، ووجد مائة من النيل، ثم حكى ثلاثة أحوال: أحدها - أن يجد النَّيْل قبل انقضاء حول المائة العتيدة، وذكر فيه المذهبَ الظاهر، والوجهَ البعيد، وهو بعينه صورة مسألة ابن الحداد، وهذا مستقيم، ثم فرض فيه إذا وُجد [النَّيلُ] 2 مع آخر جزءٍ من حول المائة، فتجب الزكاة في المائة العتيدة، وفي النَّيل حقُّه، وهذا سهو عظيم، فإن المائةَ لا ينعقد عليها حول، حتى يفرضَ له وسط وآخِر، ولا شك أن المائةَ لا زكاة فيها، في الصورة التي ذكرها، وإنما انتظم ما ذكرناه في عَرْض التجارة، والحَوْلُ على ظاهر المذهب ينعقد عليه، والاعتبار فيه بآخر الحول بالنصاب 3.
فأما إذا كانت المائة نقداً، ولم يكن متَّجِراً فيها، فمهما وجد المائة من النيل، ففي حق النيل ما قدمناه، والمائة العتيدة تجري في الحول من وقت الكمال، هذا مما لا يتمارى [فيه الفقيه.
وقد نجر] الآن تفصيل القول في النصاب، والحول، والتكميل، [والضم.
وما ذكره] الأئمة في اختتام الكلام أنا إذا أوجبنا الخمسَ [في نيل المعدن، فإنا] نكمل المستفاد من النيل، بمال التجارة، وإن كان [واجبهما يختلف، فالنظر في] التكميل إلى اجتماعهما في اشتراط [النصاب].
فصل
2185 - إنما يخرج حق المعدن عند التنقية، ولا يُجزىء إخراج تراب المعدن مختلطاً بالنَّيْل؛ فإن المقصود مجهول، وعلى العامل على المعدن القيام بمؤنة التنقية، كما على صاحب الزرع تنقية الحب، وعلى صاحب الثمار القطافُ والتجفيفُ على الجرين.
ثم قال الأئمة: بيع تراب المعدن وفيه نيله باطل؛ لأن المقصود مجهول، والجهالة مؤثرة في البيع، واشتهر خلاف الأئمة في التعامل بالدراهم المغشوشة، التي لا ينضبط مبلغ التبر فيها، فمن منع وجّه المنع بما ذكرناه من الجهالة، ومن جوّز يستدل بأن المقصود من النقود نفاذُها وجريانُها، وهذا متحقق مع الجهالة بمقدار التبر.
قال الشيخ أبو بكر: بيع المعجون جائز، فإن آحاد الأخلاط غيرُ مقصودة، وإنما المقصود المعجون في نفسه، فكأنه في حكم جنس [متحدٍ] 1 وهذا الذي ذكره من تصحيح البيع صحيح، ولكن التعليل بما ذكره مختلّ؛ فإن الغرض يختلف بأقدار الأخلاط، اختلافاً ظاهراً؛ إذ لو رددنا إلى ما ذكرناه من جهالة المقصود، لَمَا صححنا البيع، ولكن السبب الظاهر في تصحيح البيع مسيسُ الحاجة؛ فإن المعاجين لو لم تكن عتيدة مهيّأة عند الاحتياج إلى [استعمالها، لجر ذلك] ضرراً عظيماً، فلا يستقل تعليل صحة البيع، ما لم يعضد [بما ذكرناه، من معنى] الضرورة، فليفهم الناظر ما يمر به.
وحكى [الصيدلاني عن القفال] أنه سئل عن بيع الثمار الجافة المختلطة [على ما قد
يعتاد في نيسابور،] فقال: إنه جائز، كما يجوز بيع المعجون؛ فإنه يُقصد كذلك، وهذا لا أراه متفقاً عليه؛ إذ لا ضرورة، والأجناسُ المختلفة مشاهدة معاينة.
والأطعمة التي تطبخ من أجناس وتباع، كالحلاوات، وما يشبهها، يجوز بيعها، وقد يقال: لا يتحقق فيها من الضرورة ما يتحقق في الأدوية، ولكن لا ينظر إلى تفاصيل الأحوال، والحاجة ماسة إلى الأطعمة، والأدوية، والضرورة الحاقّة المرهقة ليست شرطاً؛ وإذا اشتهر الخلاف في النقود مع نفوذها، فلأن يجري الاختلاف في الفواكه أولى، والأجناس مشاهدة، والناس يتشاحون في أقدار تلك الأجناس.
فصل
2186 - مضمون هذا الفصل الكلام في الركاز والغرض يتعلق بفصولٍ، منها: القول في تصوير الركاز، وصفته، ومكانه.
ومنها: التفصيل في التداعي فيه.
ومنها: بيان حق الله تعالى فيه.
والذي أراه تقديمَ حكم الركاز، وبيان حق الله تعالى فيه، فنقول: الكلام في هذا يتعلق بشيئين: أحدهما - الجنس الذي يتعلق به حق الله تعالى.
والثاني - مقدار الواجب.
فأما الجنس، فقد قال الشافعي في بعض كتبه في الركاز: لو كنت أنا الواجد، لخمّستُ القليل والكثير، ولو وجدت [فخارة لخمّستها] 1، [والظاهر] 2 من المذهب أن الركاز الذي يتعلق به الحق [هو التِّبران، كما] ذكرناه.
وذكر أصحابنا قولاً آخر من تردد الشافعي: [إن كل ما يصادف] موضوعاً على
أوصاف الكنوز، فيتعلق به حق [الله تعالى.
وذكر الشيخ] أبو علي في شرح التلخيص وجهاً عن بعض الأصحاب [أن حق المعدن] لا يختص بالتبرين، بل يعمّ كلَّ مستفادٍ كما ذكرناه في القول البعيد في الكنز، ثم على هذا لا يختص بما ينطبع ويتطرق كما قال أبو حنيفة، بل يعم كل مستفاد، وهذا بعيد.
2187 - فأما الكلام في المقدار الواجب، والحول، والنصاب، فلا خلاف أن الحول غير مرعي فيه، وواجبه الخمس، وفي اشتراط النصاب قولان: أحدهما - ليس بشرط فيه، والثاني - إن النصاب مرعي فيه، والأصح أن النصاب لا يراعى فيه.
ونحن نذكر مراتب في النصاب في أصولٍ متفاوتة، حتى يبين مأخذُ الكلام فيها، فنقول: الزروع والثمار يعتبر النصاب فيها؛ فإنها مطلوبة بالأفعال الاختيارية وإن كان المستفاد منها موكولاً إلى أمور غيبية، فالحاصل منها متعلق بالتعب الذي يكاد أن ينضبط، فاعتبر أن يكون المستفاد بحيث لا يستوعبه مؤن [التحصيل] 1، وأقدار التعب، والنَّصَب.
وأما نيلُ المعادن، فإنه متعلِّق بالعمل بعضَ التعلق، ولكن الاختيار أبعدُ عن هذا الباب منه عن الزروع والثمار.
وأما الركاز، فإنه ليس مما يُجرَّدُ الطلب إليه، بل هو مما يقع وفاقاً [غير متعلق بقصد] مضبوط؛ فيبعد اعتبارُ النصاب فيه، فهذا بيان القول [في هذه المراتب.
2188 - ثم] إذا وضح أن واجب الركاز الخمس، فالمذهب الظاهر [أنه يصرف إلى مصرف] الصدقات، وذكر بعض الأئمة قولاً بعيداً: [أنه يصرف مصرف الفيء] وهذا يوجه بأن الركاز مال جاهلي، كما سنصفه [إن شاء الله تعالى، فلا يبعد أن يكون] واجبه مصروفاً إلى مصارف الفيء؛ فإنه في الحقيقة مال جاهلي، اتفق الظفر به من غير إيجاف خيل وركاب، وهو صورة الفيء، وهذا بعيد.
والوجه أن يُصرف إلى مصارف الصدقات؛ إذ لو كان كالفيء، لما اختص واجده به، ولصرفت أربعة أخماسه إلى المرتزقة.
فإن قلنا: إنه يصرف إلى الصدقات، فواجب المعادن بذلك أولى، وإن قلنا: إنه يصرف إلى مصارف خمس الفيء، فنقول في نيل المعادن: إن قلنا: واجبه ربع العشر، فهو صدقة، وإن قلنا: واجبه الخمس، فالأصح أنه صدقة، بخلاف واجب الركاز، فإن من صرف واجب الركاز إلى الفيء فمتعلقه أن الركاز مال جاهلي، وهذا لا يتحقق في نيل المعادن.
وأبعد بعضُ أصحابنا، فذكر في واجب المعادن على قولنا إنه الخمس قولاً آخر: إنه يصرف إلى جهة الفيء، وهذا ساقط، غير معدود من المذهب.
ثم من قال: مصرفه مصرف الصدقات، فلا بد من النية، كالزكوات، ومن قال مصرفه مصرف خمس الفيء، فلا يشترط النية أصلاً، ولا ينحو به نحو القُرَب والعبادات.
فهذا منتهى قولنا في هذا الفصل.
2189 - فأما الكلام في الركاز: قال العلماء: هو مال جاهلي، في مكان جاهلي، ونحن نوضح المقصود [في ذلك]، فنقول: نتكلم أولاً في الركاز المأخوذ في بلاد الإسلام، [ثم نذكر ما يوجد في بلاد الكفر.
قلنا: ما يوجد في بلاد] 1 [الإسلام، فالكلام] 2 أولاً في صفته، ثم في مكانه.
2190 - فأما في صفته [فينبغي أن يكون مالاً من] ضرب الجاهلية.
فإن كان الموجود دراهمَ [من ضرب الإسلام، فليس] له حكم الركاز أصلاً.
قال الأصحاب: ما يوجد منه لقطة، ثم ظاهر كلام المعظم أن واجده ينحو به نحو اللقطة، فيعرفه سنة، ثم يتخير بعدها في تملكه.
وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: أن ما يوجد على هذه الصفة، فهو محفوظ لمالكه أبداً، وإن أخذه السلطانُ، فهو مال لا يدرى مالكه، فإن رأى حفظَه،
حفظه، وإن رأى الاستقراضَ منه لمصلحةٍ، فعلى ما سنذكر -في المعاملات- تفصيلَ القول في الأموال الضائعة.
قال الشيخ: اللقطة هي التي تنسلُّ من مالكها، فتقع في مضيعة، فأثبت الشارع لآخذها سلطانَ التملك، ليكون ذلك ذريعة في استحثاث الأمناء على الأخذ، فأما ما وضعه مالكه كنزاً، فاتفق العثور عليه، بسبب احتفار الأرض، فليس يثبت فيه حق التملك.
قال: وكذلك إذا طيرت الريحُ ثوباً في دار إنسان، فليس ذلك لُقَطة تُملّك بعد التعريف.
وذكر غيره أن حكم اللقطة يثبت في هذه المواضع كلها.
وهذا قياسٌ متجه.
وفيما [ذكره] الشيخ أبو علي فقهٌ.
ولو انكشفت الأرض عن كنز بسبب [رجفة، أو سيلٍ] 1 جارفٍ، فصادفه إنسان، فلست أدري ما يقول [الشيخ أبو علي في] ذلك، والمال البادي ضائع الآن، والذي يليق [بقياسه أنا لا نثبت حق] التملك، اعتباراً بأصل الوضع، قياساً على ما [حكيناه عنه، في الثوب تلقيه] الريح في دار إنسان.
هذا إذا كان على المال آثار الإسلام.
فإن كان الموجود تبراً، أو أواني، وكان يجوز تقديرها جاهلية، ويجوز تقديرها إسلامية، فقد ذكر العراقيون وجهين فيها: أحدهما - أنها كنز، إذ 2 لم يظهر عليها أثر الإسلام.
والثاني - أنها لقطة، كما تقدم، إذ لم يظهر عليها آثار الكفر.
فهذا قولنا في صفة المال.
وذكر الشيخ أبو علي وجهين فيما يتردد بين الجاهلية والإسلام، كما ذكرناه.
ثم قال: إن لم نجعله ركازاً، فهل نجعله لقطة؛ حتى تُملَّك بعد سنة التعريف؟ فعلى وجهين، وسبب ذلك ضعفُ أثر الإسلام فيه، فخص الخلاف في التملك بهذه الصورة.
2191 - فأما الكلام في مكانه، فإن وجدها واجدها في مكان جاهلي، عليه آثار الكفر القديمة، فهذا كنز، في حقه، وكذلك إن صادفها واجدها في مواتٍ، ليس عليه أثر الإحياء.
فأما إذا كان في موضع، عليه أثر عمارة الإسلام، فنقدم على ذلك أصلاً، ونقول: من أحيا أرضاً ميتة، وملكها بالإحياء، فإذا فيها كنز جاهلي، صار محيي الأرض أولى به.
كذا ذكره الأئمة.
ثم هذا يخرج على أصلٍ سيأتي في موضعه وهو أن ظبيةً لو دخلت دار إنسان، فأغلق صاحبُ الدارِ البابَ، فإن قصد بذلك ضبطَ الظبية، ملكها، وإن جرى منه الإغلاق على وِفاقٍ، من غير [قصد]، فهل يصير مالكاً للظبية بصورة الإغلاق؟ فيه وجهان.
[والأظهر] أنه لا يملك، لعدم القصد.
كذلك من أحيا أرضاً، [ولم يتعرض للكنز]، فلا يصير مالكاً لعين الكنز، ولكن يصير أولى [به من غيره.
ومما تعرض] له الأئمة في هذا، أن من أحيا أرضاً، ثم باعها، فإذا فيها كنزٌ، فهو مردود على من أحياها، ولو تداولتها الأيدي، لم يملكوها، وهي مردودة إلى من أحيا.
وللكلام في هذا مجال.
فإذا قلنا: من أغلق باب داره، لم يملك الظبية، إذا لم يكن قصدٌ، فلو فتح البابَ، وانطلقت الظبية، واصطادها إنسان، [ملكها] 1، فلا يبعد أن يقال: من أحيا أرضاً، وفيها كنز، فيصير أولى بالكنز، حتى لا يؤخذ والأرض في يده.
فإذا زال ملكه، وبطل اختصاصه برقبة الأرض، فلا يبعد أن يقال: ينقطع اختصاصه بالكنز.
وما قيل من 2 بقاء حقه يخرج على أنه يملك الركاز بالإحياء، على مذهب من يرى مغلِقَ الباب من غير قصد مالكاً للظبية.
فليتأمل الناظر ما ذكرناه في ذلك.
2192 - وتحصل منه أن كون الركاز مالاً جاهلياً، لا بد منه، فأما كونه في مواتٍ، أو مكانٍ جاهلي، فليس شرطاً فَي كونه كنزاً؛ فإن من أحيا مواتاً وفيه كنز، وتمادى
الزمان، فصاحب الإحياء أولى به، ولكن إذا أخذه، وكان كنزاً ففيه الخُمس، كما تقدم، فرجع ذكر المكان إلى تخصيص من يأخذ، لا إلى كونه كنزاً.
والمعنى المعتبر في كونه كنزاً أن يكون عليه علامة الجاهلية، ولكن إن كان [المكان] 1 عاماً، فمن سبق إليه أخذه، وإن كان عليه عمارة الجاهلية، [ولم يملكها] مسلم على التعيين، فهو في معنى العموم، [ولا بد من التنبيه لشيء]، وهو أن المكان الذي عليه أثر الجاهلية، لم يتفق [فيه اختصاصٌ، لا للعام]، ولا لمن يستحق الفيء، حتى يلتحق في أنه لا يختص به أحد كالموات الذي لا اختصاص لأحد به، فهذا تصوير الركاز في بلاد الإسلام.
2192/م- فأما إذا وجد الركاز، في بلاد [الكفار] 2، نُظر: فإن وُجد في عمارة الكفار، فهو بمثابة أموالهم، فإن أخذناه قهراً بإيجاف الخيل والركاب، فهو غنيمة، وإن ظهرنا عليه، من غير قتال، فهو فيء، ومستحقه أهل الفيء.
وإن وجدنا ركازاً في مواتهم الذي لا عمارة فيه، فإن كانوا لا يذبّون عنه، فوجدانه في مواتهم كوجدانه في موات الإسلام، وإن كانوا يذبون عن مواتهم، كما يذبون عن عمرانهم، فقد قال الشيخ أبو علي في هذه الصورة: سبيل ما نجد من مثل هذا الموات، كسبيل ما نجده في عمرانهم، وعمم غيره من الأصحاب القولَ في ذلك، وقالوا ما وجد في موات الكفار، فهو كما يوجد في موات الإسلام، وإن كانوا يذبون عنه.
والمسألة محتملة من طريق المعنى.
هذا منتهى ما أردناه في تصوير الركاز.
2193 - ومما يتعلق بذلك تفصيل الاختلاف في الركاز، فنقول: قد يمتزج بهذا الفصل ما تمهد من القول في أنه متى يحل للآخذ الركازُ الذي يصادفه؟ ومقصود الفصل بيان الاختلاف، فنقول: من اشترى داراً، فوجد فيها ركازاً، فلا يحل له أخذه بينه وبين الله، ولكن يعرضه على البائع الذي كان قبله مالكاً، ثم إن كان ذلك البائع
وضعه، فيأخذه، وإلا عرضه على من كان بائعاً قبله، فلا يحل إلا [لمن] 1 وضعه، وإلا نرتقي حتى ننتهي إلى من أحيا تلك البقعة [أول مرة]، فنحكم له بأنه يحل له أخذُه، وإن لم يضعه؛ فإنا [قد ذكرنا أن] من أحيا بقعةً، فيصير أولى بركازها.
فهذا إذا [أردنا بيانَ ما يحل.
2194 - فإن] رددنا الكلامَ إلى التداعي، فنقول: من اشترى داراً، فوجد فيها ركازاً، ثم قال: أنا وضعته، [فهو لي، وقال بائع الأرض: بل أنا وضعته] 2، فالقول في صورة التداعي قولُ المشتري، الذي هو صاحب اليد، فإنا نصادف الدار، والركاز في يده.
قال الشيخ أبو علي: هذا إذا كان ذلك الموضع، بحيث يتصور من المشتري وضعه في المدة التي تثبت يده فيها على الدار، فإن كان موضعه وصفته، تنافي دعواه على قطعٍ، وكنا نعلم أنه لا يتأتى منه في هذه المدة [هذا الوضع] 3 فلا نصدقه، بل نصدق من كان قبله، على شرط الإمكان الذي ذكرناه، ولا شك فيما ذكره.
وإن كان وضعه لا ينافي دعوى المشتري، ولكن كان يغلب على القلب كذبه، فإن كان يمكن على البعد صدقه، فنصدقه 4 بناءً على يده.
ومما يتعلق بذلك أنه لو استأجر داراً، أو استعارها، ثم وجد ركازاً، واختلف المكري والمكتري في وضعه، فالقول قول المكتري؛ إذ وضعُه ممكن، وظاهر 5 اليد على الركاز له، فليكن النظر إلى اليد على الركاز.
ولو كان استأجر داراً، ثم ردها، ورجعت الدار إلى يد مالكها، ثم قال المستأجر: كنتُ وضعتُ الركاز في الدار، إذ كانت في يدي، وقال المكري: بل كنتُ وضعته قبل أن أكريت الدار منك، فنقول: أولا - لو قال: أنا وضعته بعد رجوع
الدار إلى [يدي] 1، وكان ما قاله ممكناً، فالقول قوله، وإن قال: أنا وضعته قبل [أن أكريتها]، فقد سلَّم مرور الكنز بيد المستأجر وليس [يدعي ابتداء الوضع] بعد رجوع الدار إلى يده، فقد ذكر الشيخ الإمام [في ذلك تردداً، وهو] لعمري محتمل.
والظاهر عندي أن القول فيه قول المكتري، لما نبّه عليه في تصوير المسألة من [أن] 2 تسليم المالك للمكتري حالةٌ تنسخ يد المالك في الكنز، ولو أنشأ المكتري الدعوى فيها، لقبلت دعواه، فإذا أسندها إلى تلك الحالة، قُبلت أيضاًً.
فرع:
2195 - إذا وجد الإنسان ركازاً في ملك إنسان، وكان ذلك مستطرَقاً، يستوي الناس في استطراقه من غير منعٍ، فقد ذكر صاحب التقريب في ذلك خلافاً، وفي موضع الخلاف تأمل، وظاهر كلامه أنه أورده في حكمين: أحدهما - أنه إذا وَجَد من ليس مالكاً لتلك الساحة الركازَ، ولم يكن مالك الأرض محيياً على الابتداء، وكان لا يستبين لنا من الذي أحيا تلك الأرض ابتداء، فهل له أخذه؟ فعلى وجهين:
أحدهما - لا يأخذه؛ لأنه لم يصادفه في مكان مباح، لا اختصاصَ لأحد به، وقد ذكرنا في تصوير الركاز اشتراط ذلك.
والثاني - يحل له أخذه؛ فإن الملك، وإن كان مختصا بشخصٍ، فالاستطراق شائع 3، والمنع زائل، وليس مالك الأرض محيياً، حتى يثبت له الاختصاص، كما سبق.
والظاهر عندي أنه لا يصير واجد الركاز في الأرض المملوكة مالكاً له، وإنما الخلاف في حكم التنازع، فإذا قال الواجد: كنت وضعتُه، وقال المالك: بل أنا وضعته، والساحة مستطرقةٌ لا منع فيها، فالقول قول من؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
أحدهما - القول قول المالك، لظاهر حقه، ويده في الأرض، وهذا هو الظاهر.
والثاني - القول [قول الواجد، لأن] يده ثابتة على الكنز الموجود في الحال، وهذا فيه إذا [أخرج الكنز].
فأما إذا تنافس المالك وغيرُه في إخراج الكنز، فهو [مسلَّم إلى المالك] والقول قوله في هذه الصورة، مع يمينه بلا خلاف.
فرع:
2196 - من أحيا أرضاً، فظهر [فيها] 1 معدن 2، [فقد] 3 ملكه، وما يخرجه من نيله يلزمه أن يخرج الحق منه، كما يخرجه من المعدن الذي لم يجر الملك في رقبته، ولو اشترى إنسان تلك الأرض، وقد ظهر فيها المعدن، فإنه يملك الأرض والمعدن، ثم إذا عمل فيه، التزم واجبه.
ولو أحيا أرضاً، فإذا فيها ركاز، فقد ذكرنا أنه يصير أولى بالركاز، فلو باع الأرض، لم يصر المشتري أولى بالكنز؛ فإنه ليس من أجزاء الأرض، بل هو [مودع] 4 فيه، ونيل المعدن متَّصِل بالأرض خِلقةً وفطرة.
فرع:
2197 - إذا عمل ذمي على معدنِ من معادن الإسلام، فإنا نمنعه، كما سنذكره في كتاب إحياء الموات؛ فإن ابتدر العمل وصادفَ شيئاً، أو صادف ركازاً في موات، فهو ممنوع منه ابتداءً، ولكنه إذا ابتدره، وصادفه، فقد قال الأئمة: إنه [يملكه كما] 5 يملك المسلم الواجد، وليس كرقبة الأرض، فإنه لا يملكها بالإحياء، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأنا أقول: أما نيل المعدن إذا صادفه، فلا شك أنه يملكه ملكه الحشيش والصيد، فأما واجب [المعدن] 6، فإن جعلناه صدقة، وهو المذهب، فلا يجب على الذمي، ولكنه يفوز بجميع ما وجده، وإن [قلنا: يسلك] به مسلك الفيء،
على قولِ الخمس، فيلزمه إخراج الواجب.
[فأما إذا وجد] ركازاً على صفته في مكانه، فالذي ذكره الأصحاب أنه يملكه [كما ذكرناه في نيل المعدن] وفي هذا أدنى احتمال عندي؛ فإن الركاز كالحاصل [في قبضة الإسلام، وهو] في حكم مُحَصَّلٍ للمسلمين ضالٍّ عنهم.
ثم إذا وقع 1 الحكم بأنه يملك ما يجده، فالقول في الواجب على ما ذكرناه.
فإن صرفناه مصرف [الصدقات، لم نوجب عليه شيئاًً، وإن صرفناه مصرف] 2 الفيء، فنأخذ منه خمسه.
والله أعلم.
...
باب ما يقول إذا أخذ الصدقة
2198 - يستحب للساعي أن يدعو لصاحب المال إذا أخذ الصدقة، لظاهر قوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة أبي أوفى فقال: "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى" 1، ثم المستحب الذي ورد به الأثر، وهو لائق بالحال، أن يقول الساعي: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت.
2199 - ثم تكلم الأئمة في اختصاص الصلاة بالأنبياء صلى الله عليهم أجمعين، إذ جرى ذكر الصلاة في قوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]، فقالوا: لا ينبغي أن يصلّي أحد على غيرهم قصداً، والمتبع فيه ما كان الناس عليه في الأعصار السابقة، قبل ظهور الأهواء، فما كان أحد في الأولين يقول: أبو بكر صلى الله عليه.
وهذا كما أن قول القائل: الله عز وجل مما [لا يسوغ] 2 استعماله في حق غير الله.
وإن كان الجليل من الجلال، والعزيز من العزة، ثم [ما كان مما] 3 لا يمتنع منه السلف ذكر الصلاة تبعاً للأنبياء في حق غيرهم، إذا ذُكِروا تبعاً، كقول القائل: صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه وأصهاره.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمل لفظ [الصلاة في حق] 4 غيره، كما ورد في الحديث، أنه قال: "اللهم صلِّ على آل [أبي أوفى" فقال الأئمة: كان الصلاة] حقَه، فله وضعها فيمن شاء،
[ممّن] 1 يحل له [الدعاء، وهو كمجلس] الكرامة في دار الإنسان، هو أولى به، وله أن يُجلس فيه من أراد.
وكان شيخي 2 يقول: السلام بمنزلة الصلاة فيما ذكرناه، فلا نقول: أبو بكر وعليّ عليهما السلام.
وظاهر ما ذكره الصيدلاني أن الصلاة على غير الرسل في حكم ترك الأولى والأدب، وهذا لا يبلغ ما يوصف بالكراهية، [وفي هذا نظر] 3؛ فإن المكروه يتميز عندنا عن ترك الأولى، بأن يُفرض فيه نهي مقصود، كالنهي عن الاستنجاء باليمين، وقد ثبت نهي مقصود في التشبه بأهل البدع، وإظهارِ شعارهم، وذكر الصلاة والسلام [مما اشتهر] 4 بالفئة الملقبة بالرفض، وينضم إليه توقي السلف عن إطلاق ذلك مقصوداً في حق غير الأنبياء، فالقول في ذلك قريب.
والله أعلم.
...
باب من تلزمه زكاة الفطر
2200 - قال الشافعي: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرض زكاة الفطر في رمضان على الناس، صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعير، على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين" 1.
وفي بعض الروايات: "أو صاعاً من بُرّ".
وذكر الأئمة: أن أبا حنيفة خالف هذا الخبر، من وجوه كثيرة، ولا حاجة [بنا إلى ذكرها، وإن مست الحاجة إلى ذكر مذهب أبي حنيفة في مجاري] 2 الكلام، ذكرنا قدرَ الحاجة منه.
2201 - وزكاة [الفطر تجب] 3 على المرء في نفسه، وتجب عليه بسبب غيره.
فأما الشرائط [المرعية في] وجوب الفطرة على الرجل في نفسه، سيأتي 4 فيها فصل يحوي [المعتبرَ فيها].
والشافعي صدّر الباب بتفصيل القول فيمن تجب الفطرة [بسببه على الإنسان] ونحن نقول: لو رددنا إلى القياس الذي عقلناه، لما أثبتنا على الإنسان صدقة فطرة غيره؛ فإن القُربات بعيدة عن التحمل، وإن نحن قلنا: الفطرة غير محتملة، بل وجوبها بسبب الغير، بمثابة وجوب زكاة المال بسبب المال، فهذا بعيد أيضاًً، من جهة أن قريبَ الإنسان ليس محلّ ارتفاقه، كماله، فبَعُد إيجاب إخراج الفطرة عنه قياساً على زكوات الأموال، ولكن أجمع المسلمون على أن الفطرة تجب على الغير، بسبب
الغير، ثم اضطربت المذاهب، فاعتبر أبو حنيفة 1 في ذلك الولاية، وأوجب على الولي إخراجَ الفطرة عن المُولَّى عليه، ثم نقض هذا، ولم يطرده، وسبيل الرد عليه موضَّح في الأساليب 2، ونحن لم نستمسك بتعليل 3، ولكنا [نعتمد] 4 حديثا نقله الأثبات، عن الرسول صلى الله عليه وسلم [وذلك أنه صلى الله عليه وسلم] 5 قال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" 6، فالفطرة تتبع المؤنة في أصلها، ثم يعتبر في وجوبها بسبب الغير كونه من أهل الطهرة، على ما سيأتي ذلك في [أثناء] 7 الكتاب -إن شاء الله تعالى-
والغرض الآن مقصور على الجهات المرعيّة.
ثم نستفتح الآن تفصيلَ ما أجملناه، فنقول:
2202 - الجهات المقتضية للمؤنة تنقسم ثلاثة أقسام: قرابة، وزوجية، وملك.
أما القرابة، فتفصيل القول فيما يوجب النفقة منها، وفي الصفات المرعيّة مع القرابة سيأتي مستقصى في كتاب النفقات، إن شاء الله تعالى، وفيه نذكر محل الخلاف والوفاق، فإذا وجب على الأب نفقةُ ولده: صغيراً كان، أو كبيراً، وجب عليه إخراجُ [الفطرة] 8 عنه، إذا كان من أهل الطُهرة، وإذا لم تجب النفقة، لم تجب [الفِطرة] وإذا اختلف المذهب في النفقة، تبعه الاختلاف في [الفِطرة، وهذا] يطّرد، وينعكس، كدأب الحدود الجامعة، المانعة.
[وقد ذكر شيخنا] أبو بكر فصلاً بين الصغير والكبير من الأولاد، في حكمٍ يتعلق بالنفقة، ثم ألحق به حكمَ الفِطرة، وذلك أنه قال: إذا استهل هلال شوال، وللطفل الصغير من خاصِّه 1 قوتُ يومه، فلا يجب على الأب نفقته في ذلك اليوم، ويجب عليه فطرته.
ولو فرضت هذه الصورة في الابن البالغ، لقلنا: لا فطرة على الابن [البالغ] 2، لأنه لا يفضل من قوته شيء، ولا تجب الفطرة على الأب أيضاًً، لسقوط النفقة عنه في يوم وجوب الفطرة.
ثم قال: نفقة الصغير آكد، ولهذا تتسلط الأم على الاستقراض على الأب في غيبته، وعند امتناعه؛ لمكان نفقة الصغير.
وهذا يفضي إلى تقرير النفقة في الذمة من جهة الاستقراض، ومثل ذلك لا يثبت [للابن البالغ] 3 المعسر، فإن كانت نفقة الصغير آكد، عُدّت الفطرة جزءاً من النفقة.
وهذا بعيد عن القياس.
وقد قال شيخي: لا تجب فطرة الطفل في الصورة التي ذكرها، والقياس ما ذكره.
وتردد شيخي في جواز الاستقراض، وقال: القياس المرتضَى امتناعُ ذلك من الأم، إلا أن يسلطها السلطان، فيجري استقراضها مجرى [استقراض] 4 السلطان.
فإن جرينا على ما ذكره أبو بكر، كان حكم الطفل في الصورة المذكورة مستثنىً [في العكس، وظاهر المذهب عندي ما ذكره الشيخ أبو بكر، والأقيس ما ذكره] 5 شيخنا.
فهذا غرضنا الآن في جهة القرابة.
2203 - فأما الزوجية، فالزوج يخرج فطرةَ زوجته، معسرة كانت الزوجة، أو موسرة، بناء على ما مهدناه تلقِّياً من خبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" والقول في تفصيل الزوجة الأمة، والمكاتبة، منصوص في أثناء الباب، فلم نذكره هاهنا.
[فرع 1:
2204 - الابن إذا أعف أباه، فزوجه، فعليه الإنفاق على زوجة أبيه، وهل يجب عليه إخراج الفطرة عنها، فعلى وجهين: أحدهما - تجب، جرياً على إتباع الفطرة النفقةَ، والوجه الثاني - لا تجب، لأن الابن ليس أصلاً في التزام نفقة زوجة الأب، بل الأصل في التزامها الأب، بحكم الزوجية، ولكنها نثبتها وفاءً بالإعفاف، وإذا انحسم القياس، وتعين اتّباع لفظ الشارع، ولم يرد لفظه، والأصل أَنْ لا تُحملَ 2، فلا نوجب التحمل.
والأصح عندي إيجابُ الفطرة؛ لأندراج زوجة الأب [المعسر] 3 فيمن يمونه الابن الموسر.
ومما يخرج على هذا الخلاف أن الأب المعسر إذا كان يتعفف بمستولدةٍ له، فالابن يُنفق عليها، وفي إيجاب الفطرة الخلاف المقدم] 4.
فرع:
2205 - الزوجة إذا كانت مخدومة، [فعلى الزوج أن يَقيم لها خادمة] 5 تكفيها المَهْن 6 والخدمة، ثم إن استأجر امرأة لخدمتها، لم يخرج الفطرة [عن المستأجرة؛ فإن الأجرة] عوض مَحْض، وليست من المؤن، وإن أخدمها الزوج واحدةً من مماليكه، ففطرتها تجب عليه بحكم الملك، وإن كان ينفق على أمة الزوجة لتخدمها، فقد قال بعض أئمتنا: على الزوج إخراج الفطرة عنها، نظراً إلى
المؤنة.
والأصح عندنا أن ذلك لا يجب، لأمرين: أحدهما - أن نفقة الخادمة قد لا تجب؛ إذ لو حصل الغرض بمستأجرة، أو متبرعة، لكان ذلك ممكناً.
والوجه الثاني - أن مؤونة الخادمة تتمة نفقة الزوجة وقد أخرج الفطرة عن زوجته.
2206 - وأما جهة الملك، فعلى المولى فطرة عبيده، وإمائه، وأمهات أولاده، إذا كانوا من أهل الطُهرة.
ثم الذي ذهب إليه المحققون أن صدقة الفطر في المملوكين، لا يُنحى بها نحو زكاة الأموال، حتى يراعى في إيجابها تمكن السيد من مملوكه؛ فإن الماليةَ غيرُ مرعيةٍ في هذه القاعدة، ولهذا وجبت الفطرةُ بسبب الابن، والزوجة.
والمالية مختلة، في المستولدة، والفطرة واجبة، ولا يمتنع إيجاب الفطرة، وزكاة التجارة 1، كما تقدم في باب التجارة.
وذهب بعض أصحابنا إلى تنزيل فطرة العبد منزلة زكاة الأموال، وبنوا على ذلك أحكاماً: منها - تخريج فطرة العبد المغصوب على القولين المذكورين في زكاة المال المجحود والمغصوب.
ْومنها - أن الحول إذا حال على نصاب زكاتي، ولم يتمكن المالك من إخراج الزكاة، حتى تلف [المال، فلا زكاة وإنما الخلاف في أنها وجبت، ثم سقطت، أو لم تجب أصلاً، ولو استهلّ الهلال، ولم يتمكن من إخراج الزكاة حتى تلف] 2 العبد، قال هؤلاء: تسقط الفطرة بتلفه، وهذا بعيدٌ جداً.
ثم من سلك هذا المسلك، قال: إن أوجبنا الفطرة بسبب العبد المغصوب، ففي وجوب إخراجها على التعجيل وجهان: أحدهما - أن لا تعجَّل، كما لا تعجَّل [زكاة المال] 3 المغصوب، وإن فرعنا على وجوب الزكاة 4.
والوجه [الثاني - أنه يجب] تعجيلها، والفارق بين البابين في ذلك، هو الذي أوجب [عدم] 1 [ترتيب صدقة الفطر على زكاة] المال.
وقياسهم هذا يقتضي تخريج هذا الخلاف في موت العبد قبل الإمكان، وكل ذلك تخليط.
والوجه القطع بايجاب الزكاة وتعجيلها.
فرع:
2207 - إذا أبق العبد، والتفريع على المسلك الضعيف في أن المغصوب لا تجب الفطرة فيه على المولى، ففي الآبق على ذلك تردد: قال قائلون: إنه كالمغصوب؛ لأنه غير مقدور عليه، وقال آخرون: ليس كالمغصوب؛ إذ لا يد عليه.
ولا حاصل لهذا، نعم، لو خرج هذا على خلاف الأصحاب في أن الآبق هل، يستحق النفقة، لكان قريباً، وفيه خلاف سنذكره في النفقات، إن شاء الله تعالى.
ولا خلاف إذا كانت ناشزة في وقت وجوب الفطرة، فلا يلزم الزوج فطرتَها، فمن جعل إباقَ العبد كنشوز الزوجة في إسقاط النفقة، لم يبعد أن يُسقط الفطرة، ومن لا، فلا.
ولنا إلى هذا عودة، على أثر هذا الفصل.
وقد نجز عقدُ المذهب، في الجهات التي تقتضي إيجابَ الفطرة بسبب الغير، ولم نَرَ بسط القول في تفاصيل النفقات؛ فإنها مذكورة في موضعها.
2208 - ونحن نختم هذا الفصل ببيان القول في أن الزكاة يلاقي وجوبُها ذمةَ من منه التحمل أم لا ملاقاة معه، وإنما الوجوب على المخاطب ابتداءً؟ والترتيب في ذلك يستدعي صورتين: [إحداهما - أن الكلام] 2 إذا كان في الزوجة وهي موسرة، فإذا أوجبنا الفطرة [على الزوج، فيظهر] في هذه الصورة الخلاف في أن الوجوب هل [يلاقيها؟ وربما] كان يقول الإمام: فيه قولان مستخرجان من معاني كلام الشافعي
رضي الله عنه: أحدهما - أن الوجوب يلاقيها.
والثاني - لا يلاقيها، وعلى الزوج الفطرةُ ابتداء؛ لأنه صاحب زوجة، فيصير منفعته 1 فيها كملكٍ في نصاب.
ثم يُبتنى على القولين أمران: أحدهما - أن الزوج إذا كان معسراً، فهل يلزمها الفطرة، فإن جعلناها بمثابة نصابٍ في زكاة المال، فلا يلزمها شيء، وكأنها بالزوجية مستخرجة عن المخاطبة بالفطرة، وإن جعلناها متأصلةً، وقدرنا الزوج حاملاً عنها، فإذا عسر التحمل بالإعسار، استقر الوجوب عليها.
فهذا أحد الأمرين.
والثاني - أن المرأة مع يسار الزوج إذا أخرجت فطرة نفسها من غير إذن الزوج، فهل يقع ما أخرجته الموقع؟ فعلى ما ذكرناه، فإن لم يُربط الوجوب بها، لم يُجْزىء ما أخرجت.
وإن جعلناها الأصل، وقدرنا الزوجَ حاملاً، أجزأ ما أخرجت.
ثم لم يختلف أئمتنا في أن الزوج الموسر إذا أخرج الفطرة عنها، لم يحتج إلى مراجعتها، ولا حاجة إلى نيتها، ثم إلى استنابتها زوجَها، ووجوب الإخراج على الزوج يقطع هذا الخيال.
ولو نشزت المرأة وأسقطنا 2 الفطرة عن الزوج، لمكان سقوط النفقة، فالوجه 3 عندي القطع بإيجاب الفطرة عليها، في هذه الحالة، وإن حكمنا بأن الوجوب لا يلاقيها؛ لأنها بنشوزها بمثابة المخرجة 4 نفسَها عن إمكان التحمل عنها.
فليفهم الناظر ذلك.
وهذا يخالف الإعسار من الزوج، وما ذكرناه ليس خالياً عن احتمال.
فهذا بيان إحدى الصورتين.
2209 - فأما الأخرى، فمضمونها فطرة المملوك، والقريب [الفقير، وقد قال] 5 طوائف من المحققين: نقطع بأن الوجوب لا يلاقي هؤلاء، [أما العبد، فلا يقدر]
على شيء، وأما الفقير المعسر، فلا تجب [عليه] 1 -لو [لم] 2 يكن عنه متحمِّل 3 - فطرة 4 نفسه، فكيف يقال: إن الوجوب يلاقيه.
وما قدمناه من اختلاف القول في الزوجة الموسرة قد يتجه؛ من جهة أنها تلتزم فطرة نفسها لو لم يكن عنها متحمل.
وقال قائلون: الخلاف في هؤلاء، وأن الوجوب هل يلقاهم، كالخلاف في الزوجة.
وهذا بعيد، ولولا لفظ الحديث، لما عددت إجراء الخلاف من المذهب في هذه الصورة، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فرض زكاة الفطر على الناس، على كل حر، وعبد" واللفظ تضمن إضافة الوجوب إلى العبيد والأحرار، فإن قيل: هل وراء التعلق باللفظ مسلك في المعنى؟ قلنا: الممكن فيه أن المولى في حكم الفطرة مادّة العبد ومتعلّقه، وكذلك القول في يسار القريب الملتزم للنفقة، بالإضافة إلى من يُخرج الفِطرة عنه، وإن غمض مُدرك المعنى في واقعة، عسر إجراؤه في التفصيل.
فهذا هو الضبط البالغ على حسب الإمكان.
2210 - ثم فيما يجري فيه لفظ التحمل في الشرع مراتب، نذكرها لتُعِين على ضبط الأصول: فالمرتبة العليا - كتأدية الزكاة صَرْفاً إلى الغارم، وهذا [تحمل] 5 على الحقيقة، وارد على وجوبٍ مستقر.
والمرتبة الثانية - في تحمل العقل، وقد اضطرب المذهب في أن الوجوب هل يلاقي القاتل؟ أم لا؟ ويظهر الحكم [بإثبات] 6 الملاقاة من [جهة أنه المتلف] 7،
والتحمل تخفيف عنه، والذي يظهر ذلك أن العواقل [لو افتقروا، تعلق الغُرم] بمال القاتل، وهذا ظاهر جداً في أن الوجوب يلاقيه.
فإن قيل: فإذ [قد] 1 قطعتم بهذا، فأي أثرٍ لقول من يقول: الوجوب لا يلاقيه؟ قلنا: أثره أن الإبراء لو وُجه عليه، مع تحمل العقل، لغا.
ولو فرض ذلك ممن القاتل وارثه، لم يكن وصيّة لوارث، ويجوز أيضاًً أن يقال: هو مع العاقلة كالبعيد منهم مع القريب، ثم لا توجيه 2 على البعيد مع إمكان مطالبة القريب.
والمرتبة الثالثة - ما نجز الفراغ منه في صدقة الفطر.
ثم هذا ينقسم إلى صورتين، والتحمل في إحداهما أخفى منه في الأخرى، كما سبق تقريره.
ومن ضعف التحمل في هذه المرتبة، أن المتحمل لو عجز بعد الالتزام، فلا عَوْد إلى من منه التحمل، بخلاف ما ذكرناه في [الدية] 3.
والمرتبة الرابعة - ما سيأتي في كتاب الصوم، في كفارة الوقاع، فإنا نقول: الزوج قد يتحمل عن زوجته الكفارة، وهذا أبعد المراتب؛ إذ فيها أمران غامضان: أحدهما - يوجد في المرتبة المتقدمة، وهو تحمل القُرَب.
والثاني - إيجاد الكفارة.
وليس الأمر في صدقة الفطر كذلك، فإن الإنسان يُخرج الفطرة عن نفسه، ثم عمّن يمونه.
فرع:
2211 - إذا قلنا: الزوج هو المخاطب بفطرة الزوجة، ثم كان معسراً، فنفقة الزوجة قارّة في ذمته، إلى أن يجدها، وليس الأمر في فطرة الزوجة كذلك، وذلك أن الفطرة لا تكتفي بالذمة ما لم يقترن بها إمكان، ولهذا لا تجب الفطرة على من كان معسراً حالة الإهلال عن نفسه، فالقول في فطرة زوجته بهذه المثابة.
فصل
قال الشافعي "وإنما يجب عليه أن يزكي عمن كان عنده [منهم في شيء من نهار آخر] شهر رمضان ... إلى آخره" 1.
2212 - في وقت وجوب الفطرة أقوال: [أحدها - وهو -المنصوص] 2 عليه في الجديد- أن الفطرة تجب مع أول جزءٍ من الليلة الأولى من شوال، ووجه ذلك أن الصدقة منسوبة إلى الفطرة عن رمضان، وهذا يتحقق بانقضاء شهر رمضان.
والقول الثاني -وهو المنصوص عليه في القديم- أن الفطرة تجب مع أول جزء من يوم العيد، وهو طلوع الفجر، وذلك مذهب أبي حنيفة 3 رضي الله عنه، ووجهه أن أثر الفطر إنما يظهر بالوقت القابل للصوم، وعلى الجملة، فيوم العيد في الفطر وتعينه، كأيام رمضان في تعيّن الصوم.
والقول الثالث -حكاه صاحب التلخيص- أن الزكاة لا تجب إلا بالوقتين جميعاًً، وهذا لا يكاد يتجه.
التفريع على الأقوال:
2213 - إن حكمنا بأن وقت الوجوب الجزء الأول من ليلة العيد، فلو اشترى مملوكاً بعده، أو ولد له ولد بعده، فلا فطرة عليه فيهما، ولو كانا موجودين ملكاً وولادة في الوقت الأول، ثم زال الملك، ومات المولود، لم تسقط الزكاة.
وإذا فرعنا على القديم، أجرينا هذه التفاصيل مع طلوع الفجر من يوم العيد.
وإن اعتبرنا الوقتين، قلنا: لو ملك عبداً مع الجزء الأول من ليلة العيد، ثم زال ملكه قبل طلوع الفجر، فلا زكاة، وهذا لا خفاء به.
ثم نفرع على اعتبارهما فرعين: أحدهما - أن من ملك عبداً مع الجزء الأول من ليلة
العيد، ثم مات قبل طلوع الفجر، وخلفه وارثه، وطلع الفجر، فلا زكاة؛ إذ لم يجتمع الوقتان 1 في ملك مستمر.
[قال الشيخ أبو علي] 2 في شرح الفروع: من أصحابنا من أوجب الزكاة [تفريعاً على قول للشافعي] قديم، في أن حول الوارث يبتني على حول المورّث، [وهذا ضعيف].
والفرع الثاني - أن من ملك عبداً مع الوقت الأول، فزال ملكه قبل طلوع الفجر، ثم عاد، [مَطْلع] 3 الفجر، والتفريع على اعتبار الوقتين، ففي وجوب الزكاة وجهان يلتفتان على عود ملك المتّهب، بعد زواله في حكم الرجوع في الهبة.
وكذلك إذا فرض هذا في الصداق في حكم الرجوع إلى عين 4 الصداق، عند فرض الطلاق قبل المسيس.
2214 - ثم اتفق الأئمة على أن الاعتبار بوقت الوجوب، فإذا حكم به، ثم طرأ الإعسار 5، فالزكاة مستقرة في الذمة، وملتزمها مُنْظَر إلى الوجود، والتمكن، ولو لم يكن من أهل الالتزام في الوقت الأول، ثم استجمع الصفاتِ المرعيةَ بعد ذلك، فلا وجوب.
والمذهب أن من صدر منه موجِب كفارة، وكان معسراً، وعاجزاً عن إقامة البدل، ببدنه، فلا تسقط الكفارة.
وإن حكمنا بأن الاعتبار في صفتها بحالة الوجوب، فقد ذكر صاحب التقريب وجها 6 أنها لا تجب، قياساً على زكاة الفطر، وأخذاً من حديث الأعرابي 7 كما سنرويه في موضعه.
والفرق على [ظاهر] 8 المذهب أن الكفارة شبيهة
بقيم المتلفات، وجبران ما تحدثه الجناية من نقص، فلم تسقط، وقرّت في الذمة، وليست زكاة الفطر كذلك، بل هي شبيهة بزكاة المال، إذا انقضى الحول والنصاب ناقص.
فصل
[قال] 1: "وإن كان عبد بينه وبين آخر ... إلى آخره" 2
2215 - تجب فطرة العبد المشترك على الشريكين، خلافاً لأبي حنيفة 3، وأصلنا خارج على القاعدة الممهدة في إتباع الفطرة المؤنةَ، فإذا وجبت المؤونة على الاشتراك، وجبت الفطرة كذلك.
وأبو حنيفة خالف أصله في إتباع الفطرة الولايةَ؛ فإن ولاية الملك ثابتة على الاشتراك ولا زكاة.
وقد قال: لو اشترك رجلان في عبدين، لكل واحد منهما النصف من كل عبد، فلا زكاة وإن كان يبلغ ما يخاطب به كل واحدٍ صاعاً، لو قدر ثبوته، وقالوا: لو اشترك رجلان في ثمانين من الغنم، فعلى كل واحد منهما شاة، والأشقاص تقدر أشخاصاً، فجرى 4 مذهبهم في العبد المشترك خارجاً عن قوانينهم، واستمر قولنا على الأصل.
2216 - ثم لا يخلو العبد المشترك من أحد أمرين: أحدهما - أن لا يكون فيه مهايأة بين الشريكين، والثاني - أن تجري 5 مهايأة بينهما، فإن لم تجر مهايأة، فالأكساب والمؤن على الاشتراك، ما يعم منها، وما يندر، وصدقة الفطر تجري كذلك مشتركة.
ثم المذهب يتفصل فيما يخرجه كل واحد منهما، إذا اعتبرنا قوت كلّ مخرِج، وقد
اختلف قوتاهما.
وهذا سيأتي بعد ذلك.
2217 - وإن جرت مهايأة وتواضع الشريكان على أن يستعمله كل واحد منهما في يوم، فأصل المذهب أن المهأياة لا تلزم، وسيأتي شرحها، في كتاب الرهن -إن شاء الله تعالى- وحقيقتها ترجع إلى مفاصلة في المنافع، وينفرد كل واحد [بمنفعته] 1 في نوبته، ثم المنافع تنقسم فؤائدها، فيما يجري على العادة في الاستفادة، فحكم الاختصاص به جارِ على حكم المهايأة، ثم المؤنة الراتبة تنزل على المنافع، فمن اختص بمنفعة في نوبةٍ، اختص بالتزام مؤنة العبد في تلك النوبة؛ فإن المؤنة تتبع المنافع، وإليه أشار الرسول صلى الله عليه وسلم، في المرهون؛ إذ قال: "الرهن محلوب ومركوب، وعلى من يحلبه ويركبه نفقته" 2.
ولئن اختلف المذهب [في نفقة العبد الموصى] 3 بمنفعته أبداً، وكان الأصح توجه النفقة على [الورثة لملكهم] الرقبة، فالسبب فيه مفارقة الملك جهة المنفعة، ولا خلاف أن استحقاق المنفعة لو كان إلى أَمدٍ 4، فالنفقة على مالك الرقبة.
ونفقة الأمة المزوّجة [على زوجها] 5 وإن كان الملك للسيد المزوِّج، تنزيلاً للنكاح في الأمة، منزلة النكاح في الحرة.
وما أشرنا إليه فيه إذا افترق الملك واستحقاق المنفعة، فأما إذا اجتمعا، فلا شك أن النفقة تتبع المنفعة، وملكَ الرقبة.
وأما الأكساب النادرة كصيدٍ يتفق من عبدٍ ليس اكتسابه بالاصطياد، أو كقبول هبةٍ ووصيةٍ، فالمذهب الأصح أنها لا تختلف بالمهايأة، بل تكون مشتركة أبداً؛ والسبب فيه أن المهايأة مقصودها تفاصُلٌ في المنافع، وإنما يُحتمل ذلك في المعتاد منها المعلوم، وما يندر لو دخل تحت المهايأة، لجر دخولُه جهالةً في [المفاصلة] 6.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنها داخلةٌ تحت قضية المهايأة، مَصيراً إلى أن التفاصُل وقع في المنافع، والأكسابُ [نتائجها، فلا مبالاة بالندور فيها.
ثم كما اختلف الأئمة في الأكساب] 1 النادرة، اختلفوا في المؤن النادرة، جرياً على إتباع المنفعة المؤنةَ، في محل الوفاق، والخلاف.
2218 - فإذا تمهد ذلك، بنينا عليه أمر الفطرة، وقد اختلف أئمتنا فيها، فذهب بعضهم إلى أنها من المؤنة النادرة، فتخرج على الخلاف المقدم، وقال آخرون: هي من المؤن [المعتادة] 2؛ لأنها وظيفةٌ معلومة الوقت والمقدار، وهي أقرب [إلى] 3 الضبط من النفقة؛ من جهة أن بناءها على الكفاية، وهي تختلف باختلاف الرغابة والزهادة.
ومن قال بالأول، [انفصل] 4 عن هذا بأن قال: يومُ العيد لا يتعين في السنة؛ من جهة اختلاف الأهلة؛ فلا يدرى أن العيد في أي نوبة يقع، وأيضاًً، فالمؤنة الراتبة هي التي تقيم البدن، وتديم التمكن من المنفعة، وليس كذلك زكاة الفطر.
فإن جعلناها نادرة [خرجت الآن على] 5 الاختلاف، وإن جعلناها راتبة، فالفطرة على من يقع وقتُ [الوجوب في نوبته] 6 ولم يختلف العلماء في أن العبدَ المشترك لو جنى، لم يختص الأرش بالتزام أحد الشريكين، لمكان المهايأة، وإن جرت الجناية في نوبته؛ والسبب فيه أن الجناية يتعلق أرشها بالرقبة، والملك مشترك، ولم يجر فيه تفاصُل، وآية ذلك: أن المولى لا يلزمه الفداء، بل يخاطَب [بالخِيَرة] 7 كما لا يخفى.
2218/م- ولو كان نصف الشخص عبداً، ونصفه حراً، فالفطرة واجبة، وترتيب
المذهب في تفصيل ما بين مالك الرق وقدر الحرّية، كتفصيله بين الشريكين في العبد المشترك.
ولو فرعنا على أن الفطرة تجب بإدراك الوقتين: غروب شمس النهار الأخير، وطلوع فجر العيد، فاتفق [وقوع] 1 أحد الوقتين في إحدى النوبتين، ووقوع الآخر في الأخرى، فإن كنا نرى لزوم الفطرة على الاشتراك، فلا إشكال، وإن حكمنا بتأثير المهايأة فيها، فنقطع القول في هذه الصورة بثبوتها مشتركة؛ من جهة أنه لم ينفرد واحد منهما في نوبته بموجب الفطرة.
فصل
وقال: "وإن باع عبداً على أن له الخيار ... إلى آخره" 2.
2219 - من اشترى عبداً بشرط الخيار، ثم استهل الهلال في زمان الخيار، فالقول في زكاة الفطر يبتنى على الملك.
وقد تفصل المذهب في حصول الزهو في زمان الخيار، والقول الجامع 3 الآن أن زكاة الفطر يُنحى بها [نحو] 4 زكاة المال في جميع ما قدمناه، إلا أن زكاة الفطر أحق بمجامعة الملك الضعيف، والاكتفاء به؛ من جهة أنها لا [تعتمد المالية] 5 اعتماد زكاة المال، ولذلك اتجه القطع بإيجاب صدقة الفطر [في العبد المغصوب] وكان تنزيله على القولين المذكورين في زكاة المال بعيداً!
2220 - وقد ذكر الشافعي بعد هذا وقوعَ العبد موصىً به، ونحن نرى ضمّ ذلك الفصل إلى هذا، فنقول: إذا أوصى رجل بعبدٍ لرجل، ثم مات الموصي، فاستهل الهلال، وجرى قبول الوصية أو ردها، فالقول بوجوب الفطرة يستدعي تقديمَ مراسم الكلام في الملك، فإذا مات الموصي، ففي الملك الموصى به ثلاثة أقوال - أحدها - أن الملك يحصل للموصى له بموت الموصي، فإن قبل الموصى له الوصية، استمر
الملك، وإن ردَّها، انقطع الملك من وقت ردّه.
والقول الثاني - أن الملك يحصل للموصى له بالقبول.
والقول الثالث - أن الملك موقوف، فإن قبل الوصية، تبينا حصول الملك له مع موت الموصي، وإن رد، تبينا أن الملك لم يحصل أصلاً.
وتوجيه الأقوال وتفريعها يأتي في كتاب الوصايا - إن شاء الله تعالى.
2221 - ومما 1 تمس الحاجة إليه في غرض الفصل أنا إذا قلنا: الملك يحصل بالقبول، ففي الملك للموصَى به ما بين موت الموصي إلى اتفاق القبول وجهان: أحدهما: أن الملك فيه للورثة، والثاني - أن الملك فيه مستصحب للميت في ذلك الزمان.
ونحن نفرع بعد ذلك الزكاة، فنقول: إن قبل الموصَى له الوصية، والتفريع على أن الملك يحصل له بموت الموصي، وقد جرى الاستهلال بين الموت والقبول، فزكاة الفطر تجب على الموصى له.
وهذا يناظر ما قد تقدم في زمان الخيار، إذا فرعنا على أن الملك للمشتري، وفرضنا انفراده بالخيار.
وإذا كان كذلك، [فوجوب الزكاة] 2 مقطوع به، أعني زكاة المال، وإذا قطعنا بوجوبها، فزكاة [الفطر أولى] بالوجوب.
وقد ذكرنا وجهاً لصاحب التقريب في أن [الزكاة لا تجب في الملك في زمان الخيار، وإنما قال ذلك إذا كان الخيار لهما؛ فإن ذلك يقصر تصرّفَ المشتري، وقصور التصرف قد يمنع وجوبَ الزكاة في قول مخرّج 3 على المغصوب.
وملك الموصَى له على القول الذي نفرع عليه يناظر الانفراد بالخيار، مع ثبوت الملك، من جهة أنه قادرٌ على التصرف والوصول إليه من غير معترض عليه.
وإن قلنا: الملك موقوف، فالزكاة تابعة له، وقد قبل الوصية فتبينا وقوع الاستهلال في ملكه.
وإن قلنا: الملك يحصل بالقبول، فلا زكاة على الموصَى له؛ فإن الاستهلال مقدّم على حصول الملك.
ثم إن حكمنا على هذا القول بأن الملك قبل القبول للورثة، وقد جرى الاستهلالُ في ملكهم، ففي وجوب الزكاة عليهم وجهان: أحدهما - أنها تجب لمصادفة الوقت الملكَ.
والثاني - لا تجب؛ فإن الملك المحكوم به تقدير في حقوقهم، وقد ذكرنا في زكاة الثمار في مثل هذه الصورة، أن الأصح نفيُ الزكاة عنهم، وزكاة الفطر أحرى بالوجوب، لما مهدناه.
فإن حكمنا بأن الملك قبل القبول مستدام للميت، فالذي قطع به الأئمة أن الزكاة لا تجب؛ فإن الحكم بوجوبها ابتداءً إيجاب قُربة على الميت؛ وهذا بعيد.
وفي بعض التصانيف وجهان: أحدهما - ما ذكرنا.
والثاني - أن الزكاة تجب؛ فإن معتمدها الملكُ، والإرفاقُ على أصل الشافعي؛ ولذلك انقدح وجوب الزكاة على الصبي، والمجنون، وإن كان لا يثبت تكليفهما.
وهذا الخلاف يخرج عندي على مسألة تردد فيها الإمام، [والدي] 1 [وهي أن الزكاة] هل تجب في نصاب يعزى ملكه إلى حَمْل، فالذي ذهب إليه الأئمة [أن الزكاة لا تجب] فيه؛ فإن حياة الحَمْل غيرُ موثوق بها، وكذلك وجودُه، فإنا [وإن قضينا بأن] الحَمْل يعرف، فالحكم يتعلق به عند انفصاله، وهذا قبل الانفصال غير موثوق به.
وذكر شيخي وجهاً في وجوب الزكاة إذا انفصل؛ فيخرج على ذلك ما حكيناه الآن من إيجاب الزكاة على الميت، ولا فصل بأن يقال: الحمل إلى الوجود مصيره؛ فإن الاستصحاب في حق الميت مستند إلى وجوبٍ محقق سابق؛ فيعتدل الأمران في نظر الفطن.
فهذا تفريعُ الزكاة مع تصوير القبول من الموصَى له.
2222 - فأما إذا ردّ الوصيةَ، فإن فرعنا على أذن الملكَ حصل له بالموت، ثم انقطع بالرد، فالذي 1 ذكره الأصحاب وجوبُ الفطرة إذا جرى الاستهلال قبل رده، بناء على الملك.
وذكر الشيخ أبو علي وجهاً آخر: أن 2 الفطرة لا تجب في صورة الرد، لضعف الملك، وإفضاء الأمر آخراً إلى الرد، وهذا ضعيف جداً، سيّما في صدقة الفطر.
وإن فرعنا على أن الملك يحصل بالقبول، فلا زكاة على الموصَى له، وإن قلنا: الملك للورثة، فيعود الخلاف، ووجوب الزكاة عليهم في صورة الرد أولى؛ فإن الذي كنا نقرره في الملك، أفضى إلى التحقق بسبب الرد، وإن قلنا: الملك للميت، فالكلام كما مضى في نفي الزكاة عنه، أو إيجابها على الوجه البعيد، ولا ينقدح فصلٌ في ذلك بين الرد والقبول.
فهذا ما أردناه في ذلك.
2223 - ولو كانت المسألة [بحالها] 3، ولكن مات الموصي، واستهل الهلال، ثم مات الموصى له قبل الرد والقبول، فهذا فرعه ابن الحداد في صدقة الفطر.
ونحن نقدم على غرضه أصلين: أحدهما - في الملك، فنقول: ورثة الموصَى له يتخيّرون بين الرد والقبول تخيّرَ الموصى له لو بقي، خلافاً لأبي حنيفة 4، فإن قبلوها، فالملك على الأقوال، ففي قولٍ هو حاصلٌ بنفس 5 [موت الموصي] 6، وقبول الورثة يقتضي إلزاماً و [تثبيتاً] 7، وفي قولٍ الأمر على [التبيّن، فإن] قبلوا، بان أن الملك حصل بنفس موت الموصي، وفي قولٍ يحصل الملك بالقبول، فعلى
هذا يستعقب قبولُ الورثةِ الملكَ، ثم يثبت الملكُ للموصَى له الميت في ألطف لحظة، وينتقل إرثاً إلى ورثته القابلين، وسبيله سبيل التركة، يُقضى منها ديون الموصَى له، وتنفذ وصاياه، ثم لا نقول: يتقدم الملك على قبولهم، مستنداً إلى وقت موت الموصى له؛ فإن قول القبول لا يحتمل إلا استعقابَ الملك.
فهذا ما أردناه من القول في الملك.
والأصل الثاني - في بيان المذهب فيمن يملك عبداً، لا يملك سواه، واستهل الهلال، فهل يلزمه إخراج الفطرة عنه، وقد تردد الأئمة في ذلك: فذهب الأكثرون منهم إلى إيجاب الفطرة عن العبد، وإن كان لا يملك مولاه غيرَه؛ فإن المعتمد في المال المعتبر في إيجاب الفطرة أن يفضل عن القوت يوم العيد مقدارُ الفطرة، والعبد في نفسه فاضل عن القوت.
ومن أصحابنا من قال: لا تجب الفطرة عن العبد؛ فإن الفاضل ينبغي أن يكون مالاً غيرَ ما منه الإخراض.
ومن أصحابنا من [فصل] 1 بين أن يكون العبد مستغرَقاً بحاجة الخدمة، وبين أن لا يكون كذلك، فإن كان مستغرقاً بالحاجة، فلا فطرة [فيه] 2 لتعذر تقدير بيعه، وإن لم يكن الرجل محتاجاً إلى الخدمة، فالعبد مال كسائر الأموال.
وهذه المسألة فيها وقفة: أما من أوجب الفطرة، فلا التفات له إلاّْ على الذمة، ووجود [المالية في الرقبة] 3، وأما من يلتفت على تقدير صرف العبد إلى هذه الجهة، [فقد يقال له:] مقدار الصدقة من الرقبة إن كان ينقص من المالية، فالزائد عليه يجب أن يُخرَج قسط من الفطرة عنه، تخريجاً على إيجاب الفطرة عن العبد المشترك، وهذا لا بد منه.
ولكن الذي أطلقه الأصحاب نفيُ الزكاة في وجه، ولست أرى لذلك وجهاً، وقد نص الشافعي على أن الطفل إذا كان لا يملك إلا عبداً، وكان مستغرَقاً بحاجة خدمته،
فعلى الأب الموسر إخراجُ الفطرة عنه، وعن عبده، فأما إخراجُ الفطرة عنه، فبين؛ فإن العبد من حيث كان مستغرقاً بحاجته كالمعدوم، وأما إيجابه 1 الفطرة عن العبد، فيدل على أصلين: أحدهما - أن الابن إذا أعفَّ أباه بزوجةٍ، فقد ذكرنا في فطرتها وجهين، فإذا أوجب الشافعي إخراج الفطرة عن عبد الطفل، اتجه به وجوب إخراجها عن زوجة الأب، وحاجةُ الإعفاف، ثَم كحاجة الخدمة هاهنا.
وليس ينحسم عندي [تقدير] 2 الخلاف في عبد الطفل، على ما تمهد في زوجة الأب، [ويدل]، 3 نص الشافعي على أنه لا يقدّر بيع العبد، ولا بيع شيء منه، ولا يتغير أمر الفطرة بهذا التقدير، ويتطرق إلى محل النص الإمكان، فليتأمل الناظر ما انتهى [إليه] 4.
هذا منتهى الغرض في الأصلين الموعودين، قبل كلام ابن الحداد.
ونقول الآن:
2224 - إذا أوصى بعبدٍ لإنسانٍ، ومات الموصِي، واستهل الهلال، ومات الموصَى له، وقبل ورثتُه، فإن فرعنا على حصول الملك بموت الموصي، أو على [قول] 5 الوقف، فقد تحققنا أن الاستهلال وقع في ملك الموصَى له، فتجب الفطرة.
قال ابن الحداد: إنما تجب إذا مات موسراً، ولم [يُقدَّر] 6 ملك العبد يساراً مغنياً، تفريعاً على أضعف الوجوه المتقدّمة فيمن لا يملك إلا عبداً.
وإن [فرعنا على] 7 أن الملك يحصل بالقبول، فلا زكاة في تركة الموصَى له ولا على [ورثته؛ فإن] الاستهلال سابق على حصول الملك، وهل تجب الفِطرة على
ورثة الموصي، أو الموصي نفسه؟ فيه التفصيل المقدم في صدر الفصل.
2225 - ومن تمام البيان في هذا أن ما ذكرناه مفروض فيه إذا وقع الاستهلالُ بعد موت الموصي، وقبل موت الموصَى له.
فأما إذا وقع الاستهلال بعد موت الموصى له، وقبل قبول الورثة، فإن فرعنا على أن الملك يحصل بموت الموصي، فالأصح أنه لا فطرة في تركة الموصَى له؛ فإن سبب الوجوب 1 وجد بعد موته، فلو أوجبنا الفطرة، [لانتسبنا] 2 إلى إثبات إيجابها ابتداءً على ميت.
وقد ذكرنا وجهاً عن بعض التصانيف أن الزكاة في مثل هذه الصورة قد يلقى وجوبُها الميتَ ابتداء.
وإن وقع الاستهلال مع موت الموصَى له، فهو كما لو وقع بعد موته.
وباقي التفريع لا خفاء به.
2226 - ثم إن ابنَ الحداد أجرى في بعض الاستشهاد مسألةً من العتق نحن ذاكروها: وذلك أنه قال: لو أوصى لرجل ببعض أبيه أو ابنه، ومات الموصي، ثم مات الموصَى له قبل القبول، ثم قبل وارثه، فإن صح القبول، وعتَقَ المقبول، فإن كانوا ورثوا عنه مالاً سواه، قُوِّم باقيهِ في تركة الميت، وإن لم يكن ترك الميت شيئاًً، اقتصر العتق 3، ولم يقوّم عليه، وكلام ابن الحداد [يجرّ] 4 أموراً يقع بيانها في منازل: فمما تقع البداية به أن الأئمة ذكروا وجهين في [أن قبول الورثة] 5 هل يصح في هذه الصورة؟ أحدهما - أنه يصح، وهو القياس، [اعتباراً بقبول] سائر الوصايا.
والثاني - لا يصح منهم القبول؛ إذ لو صح، لعتق الشقص المقبول عن الميت
الموصَى له، وثبت الوَلاء له، وصَرْفُ العتق إلى الغير، وإثبات الولاء له بعيد، وليس ذلك كقبولهم سائر الوصايا؛ فإن الملك مقدر للموصَى له، ثم ينتقل [منه] 1 إليهم، فاستقرار الملك عليهم.
وهذا يناظر اختلافَ القول في أن من مات وعليه كفارة يمين، فاختار الورثة من الخلال الثلاث الإعتاق، فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان: والأصح أن الورثة لو تبرعوا بإعتاق عبدٍ عنه، لم يقع الموقع، ومما يشابه ما ذكرناه بعضَ المشابهة أنه إذا وُهب لطفل من يعتِق عليه، فهل يقبله وليُّه؟ فيه اختلاف -وسيأتي بيان هذه الأصول في كتاب العتق- والأصح تصحيح القبول، وتنفيذ العتق، على تفصيلٍ سنذكره على أثر ذلك، والسبب فيه أن قبول الوارث حالٌّ [محل] 2 قبول المورِّث، فليصح 3 منه ما يصح من قبول الموصَى له.
فهذا بيان حكم منزلة المنزلة الثانية في 4 البحث عن تنفيذ العتق في جميع المقبول.
والتفصيل فيه إذا فرَّعنا على أن الملك يحصل بموت الموصي مثلاً، فالموصَى له إما أن يقدر صحيحاً إذ ذاك، أو يقدر مريضاً مرض موته، فإن كان صحيحاً، ثم جرى القبول من الورثة، فينفذ العتق في كمال القبول لا محالة، وإن كان مريضاً مرض الموت، فهذا يخرج على أن المريض لو وُهب منه من يعتق عليه، فقبله، فالعتق فيه من ثلثه، أو من رأس ماله؟ وفيه اختلاف مشهور، وهذا بعينه يخرج فيما [نحن] 5 فيه.
المنزلة الثالثة في البحث عن [سريان] 6 العتق بعد تقدير نفوذه في المقبول - قال [ابن الحداد] 7: يختلف ذلك بيسار الموصَى له وإعساره، وزعم أنه إن كان