كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
من التجارة قبلُ، فما تخلل من البيع لا يقطع الحول؛ فإن الماليّة هي المرعية، وهي متصلة لم تنقطع، وبيان ذلك بالمثال: أن من اشترى أولاً ثوباً للتجارة، ثم باعه بعبد على قصد التجارة، أو مطلقاً، فإذا رد عليه الثوب بالعيب، فقد زال ملكه عن الثوب وعاد، والحول مستمر؛ فإن العبد قام مقام الثوب، وبه استمرت مالية التجارة، ولا تعويل في التجارة على الأعيان، وإنما المتبع فيها المالية.
2120 - ولو كان عنده ثوبٌ للقنية، فباعه بعبدٍ، ولم يقصد التجارة، ثم وجد بالعبد عيباً، فرده بالعيب، وقصد بالرد التجارة في الثوب الذي يسترده، فلا يصير متجراً؛ فإن الاسترداد بالعيب ليس معدوداً من المعاوضة، والتجارة إنما تثبت إذا اقترنت النيةُ بما هو معاوضة، والدليل عليه أن الشفيع إذا أبطل حقَّه من الشفعة في البيع، ثم اتفق رده، فلا تثبت الشفعةُ بسبب الرد، وقد قطع الشافعي بأن الشفعة تثبت في المهور، وبدل الخلع، والصلح عن الدم، وقد ذكرنا خلافاً في أن التجارة هل تحصل مع النية في هذه الجهات، ثم الشفعة لا تثبت في الرد، فكيف تثبت التجارة في الرد.
ْومما نذكره أن الثوب أولاً لو كان عنده للقنية، ثم اشترى عبداً بذلك الثوب للتجارة، ثم ردّ الثوب عليه، فلا تثبت التجارة، فإن الرد يرفع العقد، ولا تثبت التجارة من غير عقدِ تجارة، ولم يكن الثوب قبل البيع للتجارة، حتى يقال: انقطع البيع، وعاد إلى ما كان قبل البيع من التجارة.
2121 - ولو كان الثوب عنده في حول التجارة، فاشترى به عبداً لقصد التجارة، ثم نوى اقتناء العبد، ثم رد الثوب عليه، فهذه صورة فيها لطف، فليتأملها الناظر.
ْفنقول: نية القنية تقطع الحول أولاً، فإذا رد الثوب بالعيب، فلا نقول: نقدر كأن الحول لم ينقطع؛ فإن المالية المرعية في التجارة قد انقطعت بنية القنية، وإذا انقطعت، انقطع الحول بانقطاعها، وكان ذلك بمثابة زوال الملك عن الأعيان في زكاة الأعيان.
فإن قيل: إذا رد الثوب فاجعلوا كأن البيع لم يكن، وافتتحوا حول التجارة؛ فإن
الثوب كان للتجارة في أصله، قلنا: هذا تخيل ظاهر، ولكن القِنية في العبد قطعت حول التجارة، والرد ليس تجارة مستجدة، ولو نوى القِنية ثم نوى التجارة، انقطع الحولُ بنية القِنية أولاً، ثم لم يعد بنية التجارة، حتى تجري تجارةٌ مع نية مقرونة بها، وإنما موضع التخييل والإشكال أن نية القنية لم تجر في الثوب، ولكن الزلل كله يأتي من النظر إلى الأعيان في هذا الباب، ومتعلق الحول والزكاة الماليةُ، ولهذا لا ينقطع الحول بالمبادلات، بخلاف القول في زكاة العين، والمسألة فيها احتمالٌ، في عود الثوب إلى التجارة حتى يبتدىء من وقت الرد في الثوب، وهذا احتمالٌ في مسلك النظر، وإلا، فلا شك في انقطاع الحول بنية الاقتناء، فإذا انقطع الحول، ثم لم يتجدد تجارة، فلا وجه إلا الحكم بارتفاع التجارة، فإن ابتدأ عقدَ تجارة ثبت حكمها، إذ ذاك ابتداءً.
فصل
قال الشافعي: "إذا اشترى نخيلاً للتجارة ... إلى آخره" 1.
2122 - قاعدة الفصل أنه إذا اجتمع في مالٍ سببُ وجوب زكاة التجارة، وزكاةِ العين جميعاًً، مثل أن يشتري أربعين من الغنم السائمة للتجارة، وينقضي الحول في الحسابين، جميعاًً، فلا خلاف أنا لا نجمع بين الزكاتين، وإنما نوجب إحداهما، وفيما 2 نوجبه قولان مشهوران: أحدهما - أنا نوجب زكاة التجارة؛ فإنها أعم وجوباً؛ إذ تعم جميع صنوف الأموال.
والثاني - أنا نوجب زكاة العين؛ فإنها متفق عليها، فكانت أقوى وأولى.
هذا إذا اشترى أربعين سائمة للتجارة.
ولو اشترى أربعين معلوفةً للتجارة، فقد تجرد فيها جهةُ التجارة، فلو أسامها في أثناء الحول، ولم يقصد القِنية، فقد ذكر أئمتنا طريقين: منهم من قال: المتأخر من
السببين يرفع المتقدم، ويتجرد قولاً واحداً، ومنهم من قال: المتقدم يمنع المتأخر قولاً واحداً.
والفريقان يقولان: صورة القولين إذا وقع السببان معاً، والصحيح طرد القولين في الطارىء أيضاًً.
ولكن يحتاج هذا إلى فضل بيان.
2123 - فنقول: إذا اشترى أربعين من المعلوفة للتجارة، ومضت ستة أشهر، وأسامها، واطرد السوم فيها؛ فإن قلنا في اقتران السببين: المغَلَّبُ زكاة التجارة، فلا كلام.
وإن قلنا: المغَلَّبُ زكاة العين، فإذا مضت ستة أشهر من وقت شراء الأصل، فأسام، ثم مضت ستة أشهر من وقت الإسامة، فقد تم حول التجارة، ولم يتم حول العين، والتفريع على تغليب زكاة العين، ففي هذه الصورة خلاف: من أئمتنا من قال: نوجب في آخر حول التجارة زكاة التجارة، ونعطل الأشهر الستة الأخيرة من حساب السوم، ثم نبتدىء حولَ السوم وزكاة العين من منقرض سنة التجارة.
ومنهم من قال: نبتدىء من وقت الإسامة حولَ زكاة العين، فإذا مضت سنة من وقت الإسامة، وجبت زكاة العين، وعلى هذا تتعطل الستة الأشهر المتقدمة على الإسامة.
2124 - ومما يتعلق بما نحن فيه: أنا إذا رأينا تقديمَ زكاة التجارة، وقد اشترى أربعين من الغنم السائمة، ومضت سنةٌ من وقت الشراء، والسوم دائم، ثم قوّمنا الأربعين، فلم تبلغ قيمتُها بالنقد نصاباً، فلا وجه لإيجاب زكاة التجارة.
وهل تجب زكاة السوم في هذه الصورة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نوجب زكاة السوم؛ فإنا أسقطنا حكمها على القول الذي نفرع عليه، فلا نرجع إليها.
والوجه الثاني - أنا نوجب زكاة العين في هذه السنة، وذلك أن سببي الزكاتين قد اجتمعا، وعسر الجمع بينهما؛ إذ ازدحما، فإن قدمنا أحدهما، فليس ذلك إسقاطَ الثاني أصلاً، ولكنه تقديمٌ، وهو بمثابة ما لو قتل رجلٌ رجلين على ترتيب؛ فإنه يُقتل بالأول، ولأولياء الثاني الدية.
فلو عفا أولياء الأول، ثبت حق الاقتصاص لأولياء الثاني؛ فإن القصاص كان ثابتاً في حق القتيل الثاني، ولكن قدّم الأول، فإذا سقط، فحق الثاني ثابت، وقياس هذا بيّن في الأصول، لا إشكال فيه.
ولو رأينا تقديم زكاة العين، وقد اشترى أربعين سائمة فنقص عدد الأربعين، ولكن قوّمنا ما بقي، فكان يبلغ نصاباً بالنقد، ففي المسألة الوجهان المقدمان، ففي وجهٍ لا نوجب زكاة التجارة، كما لا نوجب زكاة العين، وفي وجه نوجب زكاة التجارة، كما تقدم.
2125 - ولو اشترى عبداً للتجارة، فاستهل شوال، وجبت فيه زكاةُ الفطر، ولم يمتنع وجوبها مع وجوب زكاة التجارة، خلافاً لأبي حنيفة 1.
2126 - ولو اشترى رجل ثمرة لم يبد الصلاح (2 فيها على قصد التجارة، ثم بدا الصلاح 2) فيها، فتعتبر زكاة العين، وهو العشر، أو زكاة التجارة عند انقضاء الحول من وقت العشر؟ فعلى القولين المقدمين، فإن قدمنا زكاة العين، أوجبنا العشر، وإن قدمنا زكاة التجارة، لم نوجب العشر.
ولو قصرت الثمار عن خمسة أوسق، وبلغت قيمتها في آخر الحول نصاباً، ففيه الخلاف المقدم الذي سبق، وكذلك لو بلغت خمسة أوسق، ونقصت قيمتها عن النصاب باعتبار النقد، ففيه الخلاف المذكور.
2127 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا غلبنا العينَ، فإذا أخرجنا العشرَ، فلسنا ننتظر بعد هذا تجدد العشر، وزكاة التجارة إذا استجمعت شرائطها تتجدّد.
ولا نقول على تغليب العين يسقط اعتبار التجارة في المستقبل بالكلية؛ فإن التجارة قائمةٌ متجددة في الأحوال المستقبلة، فيجب اعتبارها، فليس للفقيه أن يلتفت إلى كل خيال بعيد، فالوجه إذن أن يبتدىء حولاً بعد العشر للتجارة، ثم لا ينبغي أن يبتدىء حول التجارة من وقت بدو الصلاح، وإن كنا قد نطلق أن العشر يجب عند بدو الصلاح؛ فإن ذلك تقدير، وليس تحقيقاً.
والذي يكشف الحق فيه أن الصلاح إذا بدا، فعلى مالك الثمار أن يربي العشر2
للمساكين، إلى الجفاف، فيستحيل أن يكون في تربية العُشر، ويكون ذلك الزمان محسوباً من حول التجارة.
هذا منتهى المراد.
2128 - وكل ما ذكرناه فيه إذا اشترى ثمرةً لم يبدُ الصلاح فيها، ثم بدا، وكان قَصَدَ التجارةَ لما اشترى، واشترى الثمرة وحدها، فأما إذا اشترى الأشجار ومغارسَها من الأرض، وعلى الأشجار ثمارُها، غيرَ مُزهية، ثم أزهت، فالقول في الثمار ما ذكرناه.
فإن رأينا تغليبَ زكاة التجارة، فنوجب ربعَ العشر في قيمة الأراضي، والأشجارِ، والثمارِ، ولا إشكال.
وإن قلنا بإيجاب العشر في الثمار، ففي الأشجار وجهان: أحدهما - أنه لا يجب فيها شيء؛ فإن العشر وإن وجب في الثمار، فهو يكفي عن زكاة الأشجار؛ فإن الثمار كما أنها فائدة المالك من الأشجار فالعشر منها فائدة المساكين، فليكتفوا به.
والوجه الثاني - أنه تجب زكاة التجارة في الأشجار؛ فإن التجارة فيها [متجردة] 1، والعشر يختص بالثمار، والدليل عليه أنه يتصور تجرد الثمار في الملك عن الأشجار، ثم يجب العشر فيها، والملك في الأشجار لغير مالك الثمار.
وإن قلنا: تجب زكاة التجارة في الأشجار، فالأراضي بذلك أولى، وإن قلنا: لا تجب زكاة التجارة في الأشجار، ففي المغارس وجهان: [والفرق] 2 بُعْدُ الأراضي عن التبعية؛ فإن الثمار جزء من الأشجار، وليست جزءاً من الأراضي.
ثم ينبغي أن يقال: كل ما يدخل في معاملة المساقاة يدخل (4 في الخلاف، من 3 الأراضي التي بين الأشجار، وكل ما لا يدخل 4) في معاملة المساقاة 5، فتجب زكاة4
التجارة فيه قطعاً.
وسيأتي ذلك مشروحاً في المساقاة إن شاء الله تعالى.
2129 - ولو اشترى نخيلاً للتجارة، ولم تكن قد أطلعت، ثم أثمرت، فالثمار المتجددة بعد الشراء بمثابة الولد المتجدد لا محالة، وقد ذكرنا فيما تقدم من الفروع عن ابن سريج أن من اشترى جارية للتجارة، فولدت في آخر الحول، ولم تنقص قيمتها، فلا نضم قيمة الولد إلى قيمتها.
وقد ذكر الصيدلاني أن الذي ذكرناه من تقديم زكاة التجارة يجري في الثمار المتجددة، ونص على هذا في مجموعه، فعلى هذا نقول: إذا تم حولُ التجارة من وقت شراء الأشجار، قوّمناها مع الثمار، ونجعل الثمارَ بمثابة زيادةٍ متصلةٍ، وبمثابة أرباح متجددةٍ في قيمة العروض، ولا نجعلها كأرباح تنضّ في أثناء الشهر 1، حتى نجعل المسألة على القولين المقدمين في نضوض الأرباح.
وقول ابن سريج يخالف هذا لا محالة.
وإذا جمعنا قوله إلى هذا انتظم منه الخلاف لا محالة، ووجه الاحتمال لائحٌ لا خفاء به.
وقد يظهر عندي أن يبتدىء -على ما ذكره الصيدلاني- حول التجارة من وقت وجود الثمار، على قولنا بابتداء حول الربح الناض في أثناء السنة، والسبب في ذلك أنا على أحد القولين نبتدىء حولَ الربح من حيث استيقنا حصوله، وهو ما دام في السلعة من حيث القيمةُ غيرُ موثوق به، واستيقان الوجود متحقق في الثمار، فليس كالزيادة المتصلة؛ فإنه لا يمكن إفرادها بالتصرف، وهذا ظاهرٌ في الاحتمال.
ولكن الصيدلاني لم يفصّل، وظاهر قوله أن الثمار بمثابة الزيادة المتصلة.
ومما ذكره الصيدلاني في ذلك أن من اشترى أرضاً مزروعة على نية التجارة، ففي العشر الخلاف المقدم.
فإن قلنا: المغلب زكاة التجارة، فنقوم الجميع كما تقدم.
وإن قلنا: نغلب زكاة العين، فالعشر ثابت في الزرع.
وفي زكاة التجارة في الأراضي الخلافُ الذي تقدم.
2130 - ولو اشترى أرضاً للتجارة، واشترى بذراً للتجارة أيضاًً، ثم زرع الأرض بذلك البذر، فقد قال الشيخ: إن غلّبنا زكاة التجارة، فلا إشكال، والوجه تقويم الجميع، ثم لا يخفى ما يزداد في البذر في حكم زيادة متصلة، وإن قلنا: يقدّم العشر، فقد ذَكَر في إتباعِ الأرض العشرَ خلافاً، كما تقدّم.
وقد يخطر للفقيه أن التبعية بعيدة في هذه الصورة؛ من حيث تميز البذر عن الأرض أولاً، ثم فرض الزرع، وليس كما لو اشترى الأرضَ مزروعةً.
ووجه تخريج الخلاف أن أحد القائلين يعتقد أن من أدى عشر الزرع، فهذا تأدية حق الأرض؛ فإن الزرع فائدة الأرض، وهذا بعيدٌ من مذهبنا؛ فإن العشرَ حق الزرع، ولا تعلق له بالأرض.
ثم قال: لو اشترى بذراً للقِنية، وأرضاً للتجارة، ثم زرع أرضَ التجارة ببذر القِنية، فأما الزرع، فواجبه العشر، ولا تبعية أصلاً، وفي الأرض زكاة التجارة هاهنا وجهاً واحداً.
وهذا لا شك فيه.
باب زكاة مال القراض
2131 - عامل القراض إذا ربح في مال القراض، فقد ظهر اختلاف القول في أن العامل هل يملك حصتَه المسماةَ له من الربح؟ وسنذكر القولين وحقيقتَهما في كتاب القراض، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: لا يملك العاملُ شيئاً من الربح إلا عند المقاسمة، فقد قال الأئمةُ: تجب زكاة رأس المال والربحِ على المالك، ثم إذا أخرج الزكاة، فقد اختلف أئمتنا في أن الزكاة كيف سبيلُها إذا أخرجها من عين مال القراض؟ فقال بعضهم: الزكاةُ بمثابة المؤن: كأجرة الدلاّل والكيّال، فعلى هذا الزكاة محسوبة من الربح.
ومن أئمتنا من قال: ما أخرجه من الزكاة بمثابة طائفة من المال يستردّها المالك، وإذا استرد صاحب المال طائفة من المال، فالمسترد محسوبٌ من رأس المال، والربحُ جميعاً مفضوضٌ 1 عليهما، وعلى ما تقتضيه القسمة والتوزيع، وسيأتي شرحُ ذلك في كتاب القراض.
2132 - وذكر بعض الأئمة [ترتيباً] 2 في هذا الخلاف، فقال: هذا ينبني على أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة، فإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، فهي كالمؤن وجهاً واحداً.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فإذا أخرجها من عين مال القراض، فهي مؤنة، أو استرداد طائفةٍ من المال؟ فعلى الوجهين المقدّمين.
وهذا الترتيب ليس بالمرضي؛ فلا يمتنع تخريج الخلاف على قول زكاة العين أيضاًً، من جهة شيوع تعلق الزكاة في الجميع، ثم المشكل في ذلك أن الأئمة قطعوا
بإيجاب الزكاة في جميع المال للأصل والربح، وهذا بيّنٌ في رأس المال وحصّةِ المالك من الربح، فأما حصةُ العامل، فالاحتمال فيها لائح، وذلك أنا وإن لم نملِّك العاملَ، فملك المالك في حصة العامل ضعيفٌ.
وقد قدّمنا اختلافَ القول في زكاة المجحود، والمغصوب، والمتعذّر، وحقُّ العامل متأكد في حصته، ولو أراد المالك إبطال حقه من حصته، لم يجد إليه سبيلاً.
وإن قلنا: يملك العاملُ حصته بالظهور قبل المقاسمة، فقد ذكر بعض الأصحاب في حصته ثلاثَ طرق: إحداها - تخرج الزكاةُ في حصته على قولين على أصل المغصوب، والمجحود، ووجهُ ذلك: أن العامل لا يتمكن من التصرف في حصته قبل المقاسمة.
ومن أصحابنا من أوجب الزكاة على العامل؛ فإنه وإن كان لا يتصرف فيه لنفسه ما دام مختلطاً، فهو قادرٌ على الوصول إليه، بأن يستقسم ويفاصل، فإذا ثبت الملك، والتمكن من الوصول إلى التصرف، فالوجه القطع بوجوب الزكاة.
وذكر بعض الأصحاب طريقةً أخرى عن القفال: أن الزكاة لا تجب على المقارض قولاً واحداً، وإن قلنا: إنه يملك حصته؛ وذلك أن الملك وإن ثبت، فهو ضعيف، فكان كملك المكاتب.
وهذا ضعيف.
والذي قطع به الصيدلاني وجوبُ الزكاة.
ثم إن قلنا: ملكه متعلَّق الزكاة، فإن كان نصاباً، وجبت الزكاة، وإن لم يكن نصاباً أخرج على الخلطة، وقد مضى التفصيل [في] 1 الخلطة، فلا نعيده.
ثم إذا أوجبنا الزكاة على العامل، فإن أخرج الزكاة من مالٍ آخر، فلا كلام، وإن أراد الإخراج من مال القراض، فقد اختلف الأئمة فيه، فقال بعضهم: لا يجوز للعامل الإخراج منه، فإنا وإن ملكناه، فلا نسلطه على التصرف بنفسه، فلا يُخرج الزكاة منه، ما لم يأذن المالك.
والوجه الثاني - ذكر العراقيون أن له أن يُخرج الزكاة من مال القراض، وهذا يمكن
تخريجه على ما ذكرناه، من أن الزكاة مؤنةٌ أم استرداد طائفةٍ؟ فإن قلنا: إنه مؤنة، فلا يمتنع أن يخرجها من عين المال، وإن قلنا: الزكاةُ كإخراج طائفةٍ، فيمتنع عليه إخراجُ الزكاة دون الإذن، كما يمتنع عليه التصرف في نصيب نفسه قبل المقاسمة.
2133 - ومما يتم به التفريع أنا إذا أوجبنا الزكاة على العامل، فابتداء حوله من أي وقتٍ يحتسب؟ اختلف أئمتنا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أن ابتداء الحول من ظهور الربح، بارتفاع السعر، ووجه ذلك بيّن.
وذهب بعضهم إلى أن الحولَ يحسب من حول رأس المال؛ فإنه الأصل، ووجهه استفادة الربح للمالك والعامل على وتيرة، فإذا كان حول نصيب المالك من يوم ما ملك رأس المال، فكذلك نصيبُ العامل يجب أن يحتسب حولُه من حول رأس المال.
2134 - ومن تمام البيان في هذا الفصل أنا [إذا] 1 قلنا: يجب على العامل زكاةُ نصيبه، فالمالك يُخرج زكاة المال، وزكاةَ نصيبه، والظاهر على هذا القول أنه يكون ما يخرجه من المال بمثابة استرداد طائفة؛ فإن العاملَ اختص بالتزام ما اختصه، والمالك كذلك؛ فبعُد تقدير المؤنة فيه، وإنما يتجه الوجهان على قولنا: لا يملك العامل، ويخرج المالكُ زكاة جميع المال، فكأنَّا في وجهٍ نقول: لا نشترط تمام الملك، فيما شرط للعامل، بل نوجب الزكاة، كما نوجب المؤن، فأما إذا تخصص كلُّ واحد بالتزام ما عليه، فيبعدُ تقدير المؤنة، وقد أشار إلى ما ذكرناه من الفرق بين القولين الصيدلاني، وهو فقيه حسن، ولم يتعرض لتخصيص الوجهين بأحد القولين أحد غيره.
وبالجملة القطع بإيجاب الزكاة في جميع الربح على المالك على أحد القولين مشكل، والوجه تخريجه على المغصوب والمجحود والأملاك الضعيفة.
...
باب الدين مع الصدقة
2135 - اختلف قولُ الشافعي في أن الدين هل يمنع تعلّق الزكاة بالعين؟ فقال في أحد القولين: "إنه يمنع وجوب الزكاة"، وهو مذهب أبي حنيفة 1. وقال في القول الثاني: "لا يمنع".
وتوجيه القولين يتعلق بمسائل الخلاف، ولكنا نذكر ما يتعلق بربط التفريع ونظم المذهب.
فمن قال بوجوب الزكاة، فمتعلقه تمامُ الملك، وآيتُه نفوذُ تصرف المالك بما شاء، بما في يده.
ومن قال: لا تجب، استدل بمعنيين: أحدهما - ادعاء ضعف الملك؛ من جهة أنه مأمور بصرف ما في يده إلى دينه، وقد يتسلط مستحق الدين على أخذه عند تعذر استيفاء الدين.
والثاني - أن الزكاة تجب في الدين، وسبب وجوبها المال الذي في يد من عليه الدين، فلو أوجبنا الزكاة فيما في يده، لكان مالُه سببَ الزكاتين.
2136 - وإذا وضح هذا، فرّعنا عليه، وقلنا: إن حكمنا بأن الدَّين لا يمنع تعلّق الزكاة بالعين، فلو انضم إليه انقطاعُ تصرف المالك، وذلك يُفرض من وجوهٍ نذكرها، منها: أنه لو [أحاط] 2 به الدين، فحجر القاضي عليه لمكان الديون، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك يمنع الزكاة.
وإن كان الدين لا يمنع التصرفَ، فلا يتضمن تضعيف الملك، وإذا حجر عليه انْسدَّ طريق التصرف، ولم يستمر ادّعاء
الملك التام، فإن لم نجعل الحجرَ مانعاً، فلو مضت سنةٌ، والحجر مستمر، ولم يتفق صرفُ ماله إلى جهة الديون، فتجب الزكاة.
وإن جعلنا الحجرَ مانعاً، فلا تجب الزكاة.
وإذا جرى الحجر في أثناء الحول، فينقطع الحول بطريان الحجر.
ومن الصور في منع التصرف أن من كان عليه دين فرهنَ به النصابَ الزكاتي الذي في يده، فتم الحول، والتفريع على أن الدين لا يمنع تعلق الزكاة، ففي هذه الصورة وجهان، كما قدمناه في المحجور، ومأخذ الخلاف في ذلك انسداد 1 التصرف.
فهذا إذا قلنا: مجرد الدين لا يمنع تعلق الزكاة.
فأما إذا قلنا: الدين يمَنع تعلق الزكاة بالعين، فلو ملك الرجل أربعين من الغنم السائمة، وكان عليه أربعون من الغنم ديناً في ذمته عن جهة السلم، فهل يمنع هذا الدينُ تعلقَ الزكاة بالغنم السائمة؟ فعلى وجهين مأخوذين من المعنيين اللذين ذكرناهما في توجيه هذا القول، فإن قلنا: المانع تعرُّضُ ماله للصرف إلى دينه، فلا تجب الزكاة.
وإن قلنا: المانعُ أداءُ ذلك إلى إيجاب زكاتين بسبب مالٍ واحد، فتجب الزكاة في هذه الصورة؛ فإن مستحق الدين لا يستوجب الزكاة؛ فإن الغنم إذا كانت ديناً، لم تكن متصفة بالسوم، والزكاة لا تجب إلا في السائمة، وسبب ذلك أن الشارع خصص الزكاة بالمال النامي، والدين لا ينمو، وإذا كانت الدراهم ديناً، فهي في معنى النقد؛ من جهة أن سبب الزكاة في النقد تهيؤه للتصرف، وهذا متحقق في الدين على المليء الوفيّ.
2137 - ومما يتفرع على هذا أن من ملك مائتي درهمٍ، وكان عليه [مائة] 2 درهم ديناً، والتفريع على أن الدين مانع، ففي هذه الصورة وجهان، مأخوذان من المعينين، من جهة أن المئة التي هي دين لا تتعلق الزكاة بها، لكونها ناقصة عن النصاب.
وكذلك الخلاف لو كان مستحق الدين كافراً أو مكاتباً.
ولو ملك الرجل نصاباً زكاتياً، وكان عليه دين، وكان يملك من العقار وغيره من صنوف الأموال، ما يؤدي به الدين، فالذي قطع به أئمتنا في الطرق أن الدين لا يمنع تعلّق الزكاة في هذه الصورة.
ومذهب أبي حنيفة أن الزكاة لا تجب في هذه الصورة، وقد ذكر شيخي تردداً في هذه الصورة؛ أخذاً مما ذكرناه؛ فإن مستحق الدين يجب عليه الزكاة، بسبب المال الزكاتي، فلو وجبت الزكاة على مالك المال، لأدّى إلى إثبات زكاتين بسبب مالي واحد.
وهذا بعيد لا أعدّه من المذهب.
2138 - ومما يتفرع على هذا القول أن الدين إذا لم يكن من جنس المال الزكاتي، مثل أن يكون المال نصاباً من النعم، والدين دراهم، أو كان المال دنانير، والدين دراهم، فالأصح المنع.
2139 - ومما ذكره بعض المصنفين أن الشافعي نص في القديم على أن الدين لا يمنع تعلق الزكاة بالأموال (1 الظاهرة، ويمنع تعلقها بالأموال 1) الباطنة، وقال: من أصحابنا من جعل هذا قولاً ثالثاً، وهذا لا اتجاه له.
والصحيح عندنا، أن المراد بهذا أن من ادّعى أن عليه ديناَّ -وإنما ذكر هذا لتسقط الزكاة- فالإمام لا يصدّقه في زكوات الأموال الظاهرة، وأما الأموال الباطنة، فالإمام لا يتولّى، أخذَها، فإذا علم الإنسان أن عليه ديناً، وقلنا: الدين يمنع تعلق الزكاة بالعين، فلا يلزمه إخراج الزكاة.
وهذا فيه نظر.
فإن قلنا: إن الدين يمنع تعلق الزكاة، واعترف صاحب المال بدين، فالظاهر عندي تصديقه، كما يصدق في ادعاء انقطاع الحول، أو غيره، مما سبق تقريره، فإن المالك مؤتمن فيما يدّعيه من الممكنات، وهذا في الدين أظهر؛ فإن إقراره بالدين ثابت، وهو مطالب بموجبه.1
فرع:
2140 - إذا ملك نصاباً زكاتياً، وانعقد الحول عليه، فقال قبل انقضاء الحول: لله عليّ أن أتصدق بهذا، ثم حال الحول، ففي وجوب الزكاة فيه طريقان: من أئمتنا من قطع بأن الزكاة لا تجب قولاً واحداً، لأنه صار المال مستحقاً قبل دخول وقت الوجوب.
ومنهم من خرج الزكاة على القولين، وهذا يقرب مأخذه من مال المحجور عليه المفلس، من حيث إن من جعل ماله صدقة، انحسم التصرف عليه فيه.
والظاهر أن لا زكاة؛ لأن ما جعل صدقة، لا يبقى فيه حقيقة ملكه.
وكذلك لو كان يملك خَمساً من الإبل، فقال: جعلتها هدايا، ففي وجوب الزكاة التردد الذي ذكرناه، والظاهر أن لا وجوب.
وقد ينقدح فرق بين أن يقول جعلته صدقة، وبين أن يقول: لله عليّ أن أتصدق به، فإذا عيّن، ولم يذكر عبارة في الالتزام، فهذه الصورة أولى، بأن يمتنع فيها وجوب الزكاة عند انقضاء الحول.
ولو كان له نصاب زكاتي، فقال مطلقاً: لله عليّ التصدق بأربعين شاة، وكان في ملكه أربعون، فحال الحول، وما كان عين المال في نذره، فإن قلنا: الدين لا يمنع تعلّق الزكاة بالعين، فتجب الزكاة.
وإن قلنا: الدين يمنع تعلقَ الزكاة، ففي هذه الصورة وجهان: أصحهما - أن الزكاة تجب؛ فإن الوجوب بالنذر ضعيف، وهو مشابه للتبرعات، والناذر بالخيار في نذره، والزكاة وظيفة لله تعالى على عباده، فلا يؤثّر النذر فيما يجب شرعا وظيفةً للمساكين.
2141 - ومما يتعلق بهذا أنه لو وجب الحج على إنسان، فوجوب الحج هل يكون ديناً مانعاً من وجوب الزكاة على قولنا الدين يمنع وجوبَ الزكاة؟ فيه وجهان، وسبب خروجهما أن دين الحج لا يتضيّق، ودين الزكاة لا يقبل التأخير، والمال ليس مقصودَ الحج، ثم دين الحج، ودين النذر [يعتدلان عندي؛ إذ] 1 أحدهما يجب من
غير اختيارٍ 1، ولكن ليس المال مقصوداً، والمنذور 2 مقصودٌ في المالية، ولكنه يُدخله الناذر على نفسه متطوعاً.
فرع:
2142 - إذا قلنا: الدين لا يمنع تعلّق الزكاة، فإذا وجبت الزكاةُ، فمات قبل أدائها، واجتمعت الزكاة ودين الآدمي، فمن أئمتنا من قال: في تقديم الدين أو الزكاة ثلاثة أقوالٍ ستأتي مشروحة في الوصايا: أحدها - أن دين الله أحق بالتقديم، (4 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دين الله أحق بالقضاء" 3.
والثاني - أن دين الآدمي أحق بالتقديم 4) اعتباراً باجتماع القصاص، وحق قطع السرقة؛ فإن القصاص مقدمٌ.
والثالث - أنهما يستويان؛ فإن الحق المالي الذي يضاف إلى الله، عائدته وفائدته ترجع إلى الآدميين أيضاًً، وهم يأخذونها وينتفعون بها.
فيجب أن يستويا، وليس كالحد والقصاص؛ [فإن الحد عقوبة مبناها على الدفع، والاندراء، ومن أصحابنا من قطع بتقديم الزكاة؛ فإنها متعلقة] 5 بالعين؛ فلتقدّم على الدين المطلق الذي لم 6 يتعلّق بالعين في حياة من عليه الدين.
وكان شيخي يقطع بهذا ويخُصّ إجراءَ الأقوال بالكفارات الماليّة -التي لا تتعلق بالأموال-[مع] 7 الديون المطلقة، ومن أجرى الأقوال في الزكاة بنى ما قاله على أن الغالب في الزكاة التعلُّق بالذمة.4
فصل
مقصود هذا الفصل وجوب الزكاة في الديون
2143 - فإذا ملك رجل ديناً بالغاً نصاباً على مليّ وفيّ، وكان الدين حالاًّ، فالوجه القطع بوجوب الزكاة إذا حال الحول، ويجب إخراج الزكاة عاجلاً، وقد حكى الزعفراني 1 قولاً في القديم عن الشافعي أن الزكاة في الديون لا تجب أصلاً، وهذا بعيد في حكم المرجوع عنه.
والمقطوع به في الجديد وجوب الزكاة: ثم إن كان الدين مجحوداً وعليه بيّنة، فلا حكم للجحد، وإن كان من عليه الدين معسراً، فهو كالمال المغصوب، فأما الدين المؤجل، ففي بعض الطرق أنه غير مملوك عند بعض الأصحاب، فإذاً لا زكاة فيه.
وهذا وإن كان يُلفى مذكوراً في نقل المذهب، فهو مزيّف غير معتدّ به.
وإن قلنا: هو مملوك، فقد اختلف الأئمة فيه: فقال بعضهم: هو بمثابة المال الغائب الذي يسهل إحضاره، ومنهم من جعله كالمجحود والمغصوب، من حيث إنه لا يتوصل إلى التصرف في المؤجل اختياراً.
فإن قلنا: ليس كالمجحود، فهل يجب إخراج الزكاة عنه في الحال إذا وجبت؟
فعلى وجهين: والأصح عندي أنه لا يجب إخراج الزكاة؛ فإنه لو أخرج خمسة نقداً [وماله مؤجل، لكان ذلك إجحافاً به، وما يساوي خمسةً نقداً] 2 يساوي ستةً نسيئة، [ويستحيل] 3 أن نقنع 4 بأربعة مثلاً، فالواجب في توقيف الشرع خمسة 5.
2144 - ولا شك أنه لو أراد أن يُبرىء فقيراً عن دينٍ له عليه 1، فلا يقع ذلك عن الزكاة؛ فإن تأدية الزكاة من ضرورتها [أن تتضمن] 2 تمليكاً محققاً.
فصل
2145 - من التقط لُقَطَة 3 فكانت نصاباً، فإنه يعرّفها سنة، ثم له أن يتملكها في السنة الثانية، وإذا تملكها، كان بمثابة القرض، وفي ملك القرض قولان: أحدهما - أن المستقرض يملك بنفس الإقراض.
والثاني - أنه إذا تصرف تصرفاً يستدعي الملك، فيتبيّن حصول الملك قُبيل التصرف.
فإذا مضت سنتان من وقت الضياع، ولم يتفق من الملتقط التملك في السنة الثانية، فعثر عليها المالك، ففي وجوب الزكاة عليه 4 في السنة الأولى قولان تقدم ذكرهما، وهما القولان في الضال، والمغصوب، وفي وجوب الزكاة في السنة الثانية قولان مرتبان على القولين في السنة الأولى، وهذه السنة [أولى بسقوط الزكاة من السنة الأولى؛ فإن الملك في هذه السنة معرضٌ للزوال؛ فإنه يتصور] 5 من الملتقط أن = المؤجلة؛ فإن واجب الشرع خمسة، ولا سبيل إلى قبول ما دونها.
(راجع أيضاًً فتح العزيز: 5/ 502).
يتملك، ويده قاصرة عن ذلك في السنة الأولى 1.
وإن تملك الملتقط اللقطة في السنة الثانية، وقلنا: يملكها قبل التصرف، فإذا مضى حول كامل، فلا زكاة على صاحب اللقطة في اللقطة، فإن الملك قد زال، وهل تجب الزكاة على الملتقط المتملّك؟ هذا يخرج على أن الدين هل يمنع تعلّق الزكاة بالعين، أم لا؟ وقد مضى تفصيل ذلك على ما شرحناه، ثم صاحب اللقطة يستحق قيمتَها على الملتقط المتملك، ولكنها في حقه ملكٌ ضالٌّ إذا لم يكن عالماً بالملتقط، وقد سبق التفصيل في إيجاب الزكاة في الملك الضال.
فصل
قال: "ولو أكرى داراً أربع سنين بمائةٍ وستين ديناراً ... إلى آخره" 2.
2146 - إذا أكرى داراً أربع سنين بمائةٍ وستين ديناراً، وسلّم الدارَ وكانت الأجرة حالّة، فإذا مضت سنة، فالذي نقله المزني أنه لا يجب إلا إخراج زكاة ربع الأجرة.
والمسألة من أولها إلى آخرها مفروضة فيه، إذا كانت أُجَرُ السنين لا تتفاوت.
فإذا مضت السنة الثانية، وجبت زكاة نصف الأجرة لسنتين، ويحط ما أدّاه في السنة الأولى، وهو زكاة [رَيْع السنة] 3. ويجب في السنة الثانية ثلاثةُ أرباع الأجرة لثلاث سنين، ونحط عنه زكاة النصف لسنتين، ونوجب الباقي.
ويجب في انقضاء السنة الرابعة زكاة المائة والستين لأربع سنين، ونحط ما مضى من تأدية زكاة ثلاثة الأرباع لثلاث سنين 4. هذا ما نقله المزني.
ونقل غيره عن الشافعي إيجابَ الزكاة في تمام المائة والستين عقيب السنة الأولى، وهذا قياس المذهب.
وحقيقة الفصل يُتلقَّى من القول في ملك الأجرة، فظاهر المذهب أن المكري يملك الأجرة التامة بنفس العقد، ثم إن فُرض انفساخ العقد بسبب انهدام الدار، فينتقض الملك بعد ثبوته، وهذا التقدير لا يمنع ثبوت الزكاة.
ثم من سلك هذا المسلك وجّه القولين بما نصفه، فقال: إن قلنا: تجب زكاة المائة والستين، فوجهه ظاهر؛ فإن الملك ثابت، فإن فُرض فسخ، زال وانقطع، ولا يتبين أن الملك لم يكن ثابتاً قبلُ، فأشبه الصداق قبل المسيس، فإذا قَبضت الصداقَ، ومضى حَوْل، وجبت عليها الزكاة، في جميع الصداق، وإن كان ملكُها في الصداق عرضةً للتشطر، لو قدر طلاق الزوج.
ومن قال بما ذكره المزني نقلاً، حاول الفرقَ بين الصداق والأجرة، بأن الصداق إنما يتشطر بتصرفٍ من الزوج في ملكه، وليس ذلك رفعاً للعوض - (1 تبعاً للعقد الموجِب للعوض- 1) بالفسخ، وما يفرض من انفساخٍ، فهو معترض على أصل العقد.
2147 - ومن أئمتنا من قال: القولان في تأدية الزكاة مأخوذان من الملك: فإن قلنا: تجب الزكاة في الكل دفعةً واحدة، عقيب السنة الأولى، [فهذا] 2 جواب على أن الملك يحصل في الأجرة دفعة واحدة مع العقد، وهذا قاعدةُ المذهب والقياش.
والقول الثاني - أنه يؤدي الزكاة على التدريج الذي ذكره المزني، وهذا يبتنى على أنا لا نحكم بالملك في الأجرة دفعة واحدةً، ولكن نقف الأمر، فإن مضت المدة سالمةً عن اعتراض ما يوجب الانفساخ، تبيّنا بالأخرة أن الأجرة مُلكت عند العقد، وإن طرأ الانفساخُ بعد مضي ربع المدة، تبيّنا أنه لم يجر الملك إلا في ربع الأجرة، فقد حصل طريقان في الملك، فمن الأئمة من حصَّل الملك قولاً واحداً، وخرّج قول المزني على ضعف الملك، من حيث يتعرض للانفساخ.
ومنهم من قال: قول المزني خارج عن ابتناء أمر الأجرة على التبيّن عند طريان1
فاسخٍ أو استمرار سلامةٍ، وقد ذكر الصيدلاني الطريقين جميعاًً في الملك.
فرع:
2148 - قال: "فإن غنموا، فلم يقسمه ... إلى آخره" 1.
القول في أن الغانمين إذا أحرزوا الغنائم، هل يملكون ما غنموه قبل القسمة، يأتي في كتاب السير، ولكن القدر الذي تَمَسُّ الحاجة إلى ذكره الآن: أن من أئمتنا من قال: لا يملكون، ولكنهم ملكوا أن يملكوا.
ومنهم من قال: ملكوا ملكاً ضعيفاً، ومن أعرض منهم عن حقه، سقط حقُّه، كما سيأتي.
وحظّ الزكاة من هذا الفصل: أنهم إذا غنموا أنصُباً زكاتية، فإن قلنا: لا يملكون قبل القسمة، فلو حال حول قبل القسمة، فلا زكاة فيها.
وإن قلنا: إنهم مالكون، فحاصل ما قاله الأئمة ثلاثةُ أوجه: أصحها -وهو المذهب- أن لا زكاة؛ فإن الملك إن ثبت، فهو في نهاية الضعف والوَهاء.
والثاني - أنه تجب الزكاة.
والثالث - إن كان فيما غنموه ما ليس بزكاتي، ونحن نقدر أن يقع الزكاتيُّ خُمساً، ولا زكاة في الخمس، فلا زكاة أصلاً؛ فإن للإمام أن يوقع القسمة على الأجناس، على شرط التعديل، فيوقع الزكاتي في الخمس، وإن كان ذلك ممكناً مُقدّراً، فلا زكاة لضعف الملك، وانضمامِ هذا التقدير إلى ضعف الملك.
والذي قطع به أئمة المذهمب نفيُ الزكاة، وقد يمتزج بهذا الذي ذكرناه تفاصيلُ القول في الخلطة وهي بينة 2.
باب البيع في المال الذي فيه الزكاة بالخيار
قال الشافعي: "ولو باع بيعاً صحيحاً على أنه بالخيار ... إلى آخره" 1.
2149 - إذا جرى البيع في مال زكاتي بشرط الخيار، أو فرضنا الكلامَ في خيار المجلس، فاختلاف القول في أن الملك في زمان الخيار لمن؟ مذكور في كتاب البيع، ولا نَضْمن استقصاءَه هاهنا.
فنفرض البيع قبل وجوب الزكاة، فإن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع، فتم الحول في زمان الخيار، وجبت الزكاة، ثم يتفرع ما تقدّم، وهو البيع هل يبطل في قدر الزكاة؟ وإن بطل، فهل يتداعى إلى الباقي؟ هذا قد تقدم مشروحاً، مبيّناً على تعلق الزكاة بالعين، أو بالذمة، وعلى تفريق الصفقة، فلا نعيد ما مضى.
وإن حكمنا بأن الملك في زمان الخيار للمشتري، فيبتدىء عقدُ الحول في حقه من وقت الشراء، والأولى فرض هذه المسائل في زكاة الثمار، حتى [نفرض] 2 بدوّ الزهو في مدة الخيار، ونقول بحسبه: إن يُقدّر ذلك في الخيار، وقلنا: الملك للمشتري، وجبت الزكاة عليه.
هذا ما قطع به الأئمة إلا صاحبَ التقريب؛ فإنه قال: وجوب الزكاة على المشتري يُخرّج على قولين، لمكان ضعف ملكه، والعقد عرضة الفسخ، ثم قال: إذا كنا نخرج المسألة في المغصوب على قولين مع قرار الملك، لتعذر التصرف، فالتصرف يتعذر في زمان الخيار، والملك ضعيف، وقد مضت مسائل في ضعف الأملاك، وأوردنا فيما انتهينا إليه ما يليق به.
= (ومن هنا كانت المراجعة على نصوص ثلاثة فقط: الأصل، (ط)، و (ت 1)، إذ هذا الجزء ساقط من (ك) ".
ونحن الآن نذكر كلاماً جامعاً في الأملاك إن شاء الله تعالى.
2150 - من اشترى نصاباً زكاتياً، ولم يقبضه حتى انقضى الحول، فقد قدمنا فيه طرقاً للأصحاب، في أول الكتاب، عند ذكر المجحود والمغصوب: فمن الأصحاب من قطع بوجوب الزكاة، ومنهم من خرّجه على المغصوب لتعذر التصرف، قبل القبض، ومن قطع بالوجوب فصَّل بأن المشتري قادر على التوصّل إلى التصرف بأن يوفّي الثمن، أو يقبض دون التوفية، وحكى بعضُ الأصحاب القطع بأن لا زكاة؛ لأن المبيع ليس من ضمان المشتري، فهذه مرتبة في الملك.
ومما يلي هذا الكلامُ في الكراء العاجل، وقد تكلمنا عليه، فإن جرينا على الأصح، وهو أن الملك ثابت في الجميع، فإن طرأ انفساخ، انقطع من غير تبيّن، فالكراء المقبوض أولى بالزكاة من البيع؛ فإن التصرف نافذ فيه، وإنما فيه توقع الانفساخ.
وإن قلنا: الملك في الأجرة موقوف، فالمبيع أولى بوجوب الزكاة؛ فإن الملك فيه متحقق، وهو عِمادُ الزكاة، والتصرف المجرد مع التوقف في الملك لا يؤكد الزكاة ووجوبَها.
2151 - ومما يتعلق بالملك ملكُ المشتري في زمان الخيار، فالذي ذهب إليه الأئمة أنا إذا حكمنا بأن الملك في زمان الخيار للمشتري، فهو ملك الزكاة، وإن كان يمتنع عليه معظم التصرفات، وإنما قالوا ذلك لأن الملك مصيره إلى اللزوم، والعقد معقود له، فكان الجواز في أوله محتملاً.
وذكر صاحب التقريب في ذلك تردداً؛ من جهة امتناع التصرف أخذاً 1 من المجحود والمغصوب.
وهذا منقاس.
ولم يذكره غيره، ثم تردد فيه إذا كان الخيار مشروطاً لهما جميعاًً، أو للبائع.
فأما إذا كان الخيار للمشتري وحده، والتفريع على أن الملك له، فملكه ملك الزكاة بلا خلاف؛ فإن الملك ثابت، والتصرف نافذ، وتمكنه من رد الملك لا يوجب توهيناً، وكذلك إذا قلنا: الملك للبائع، وكان الخيار ثابتاً له، فملكه ملك الزكاة؛ فإن تصرفاته فسخ، وهو منفرد بالفسخ.
2152 - ومن الأملاك التي يتعلق الكلام بها ملك الغانمين قبل القسمة، فإن قلنا: إنهم لا يملكون، فلا يثبت حكمُ الزكاة، وإن قلنا: إنهم يملكون، ففيه التفصيل الذي قدمناه، والأصح أن لا زكاة، والسبب فيه أن الملك في المغنم غير مقصود، وإنما يتحقق القصد عند القسمة، والغرض من الجهاد إعلاء كلمة الله، والذب عن دين الله، ولما كان كذلك، انحط ملك الغانم قبل القسمة، عن ملك المشتري في زمان الخيار.
وينحط عن هذا الملك ما نصوّره: إذا أوصى رجل بثمار لإنسان، ومات الموصي، فأزهت الثمارُ بعد موته، وقبل قبول الموصى له، ففي أصحابنا من قال: الملك يكون للورثة إلى القبول، فإذا حصل الزهو، ثم القبول بعده، فالأصح الذي لا يسوغ غيره أن ملك الورثة لا يكون ملك الزكاة، ولا يلزمهم العشر، ولا زكاة فطر العبد الموصى به، في مثل هذه الصورة؛ فإن هذا الملك تقدير، اضطررنا إليه، لما لم نجد مالكاً متعيّناً في هذا الزمان، فلا حاصل لهم في هذا الملك، وهذا الذي ذكرته فيه إذا قدرنا هذا الملك، ثم قبل الموصى له الوصية، فأما إذا ردّ الوصيةَ، فيظهر وجوب الزكاة على الورثة، إذا كان الزهو بين موت الموصي وبين القبول؛ فإن الملك قد رُدّ، ثم تحقق، وفيه الخلاف الذي تكرر أمثاله في الأملاك الضعيفة، التي لا يثبت التصرف فيها.
2153 - فهذه رتب في الأملاك: أعلاها المبيع قبل القبض، والقول في الأجرة منقسم، كما ذكرته، والصحيح أنها مملوكة، وهي أولى بالزكاة من المبيع، لأنها محل التصرف، ثم ينحط عنهما ملك المشتري في زمان الخيار، ثم يليه ملك الغانم قبل القسمة، ويتأخر عن الجميع الملك المقدر كما فرضناه 1.
2154 - ثم من اشترى زوجته، وقلنا: إنه يملكها، فينفسخ النكاح بهذا الملك، وإن كان ضعيفاً وفاقاً؛ فإن سبب ارتفاع النكاح (2 ما بين النكاح 2) وملك اليمين من2
المضادة في وضع الشرع، وإن كان كذلك، فالمضادة تثبت مع الملك الضعيف، ولو قدرنا للوارث ملكاً في زوجته الأمة، وكانت موصى بها لإنسان، فهل ينفسخ النكاح بالملك المقدر؟ فيه وجهان.
فليتأمل الناظر منازل الأحكام.
والظاهر أنا إذا أثبتنا الملك للغانم، في زوجته قبل القسمة، حكمنا بانفساخ النكاح، وفيه خلاف ظاهر.
2155 - ومن ملك من يعتِقُ عليه ملكاً ثابتاً عَتَق عليه، وإن اشتراه، وقلنا: الملك له في زمان الخيار -ففي عتقه عليه خلاف- إن قلنا: يجوز شرط الخيار في شراء من يعتق على المشتري.
وفي حصول العتق في ملك الغنيمة كلامٌ وخلاف، ويبعد العتق ْفي الملك المقدّر كما صورناه، وفيه شيء.
فلينظر الناظر إلى هذه الأحكام في هذه المراتب، فأولاها بالنفوذ ما يبتنى على المضادة، كانفساخ النكاح، ويليه العتق لسلطانه، ويتأخر عنه أمر الزكاة التي نحن فيها.
2156 - ومما يتصل بتمام الغرض أنا وإن ترددنا في أن الزكاة هل تجب بملك المشتري في زمان الخيار، فإذا فرّعنا على هذا القول، فينقطع لا محالة [حول] 1 البائع؛ فإن زوال الملك إذا تحقق، قطع الحولَ، وإن لم يكن متأكداً.
فهذا منتهى الغرض في الأملاك، وما يتعلق بها في غرضنا.
فرع لابن الحداد:
2157 - إذا مات رجل، وخلف نخيلاً مثمرة، وديوناً مستغرقة للتركة، ثم أزهت الثمارُ قبل صرف التركة إلى الديون، فمن أصحابنا من قال: الدين يمنع ثبوت الملك للورثة، فعلى هذا لا عشر عليهم، ولا يجب أيضاًً على الميت؛ فإنه لا يتعبد بعبادة بعد انقطاع التكليف عنه بالموت، ولا شك أنها لا تجب على الغرماء.
وإن جرينا على المذهب، وحكمنا بأن الملك يثبت للورثة في التركة، وإن كانت الديون مستغرِقةً لها، وقلنا: لا يمنع الدينُ الزكاةَ، فالتركة كالمرهون، وفيه الخلاف المقدم.
فإن قلنا: بوجوب الزكاة في المرهون، فمن أئمتنا من قال: إن حكمنا بأن الزكاة تتعلق بالعين، فهي مقدمة، وإن قلنا: إنها تتعلق بالذمة، فعلى ثلاثة أقوال: قال الشيخ أبو علي: الصحيح تقدم الزكاة، وإن قلنا: إنها تتعلق بالذمة، فإن لها تعلقاً على حالٍ بالعين، أقوى من تعلق الدين بالرهن.
والدليل عليه أن من وجبت الزكاة في ماله، فتلف قبل الإمكان، سقطت الزكاة، ولو تلف الرهن، لم يسقط الدين، والدين يتعلق بالتركة أيضاًً تعلق استيثاق، فلا وجه لتقديم الزكاة؛ فإنها لا اختصاص لها بالعين، فالوجه التسوية عندي.
ثم الأقوال الثلاثة لا تخفى.
فإن لم يجد الوارث ما يخرج منه العشر، أخرج العشر لا محالة من ثمار التركة، ثم إذا وجد الوارث بعد هذا ما يفي بمقدار الزكاة، فهل يلزمه أن يغرم للغرماء ذلك القدرَ؟ ذكر وجهين: أحدهما - أنه يجب ذلك؛ فإن العشر إنما وجب على الوارث، وهو المخاطب بها 1، والتركة مستحقة للغرماء.
قال: هذا هو الأصح.
ومن أئمتنا من قال: لا يجب على الوارث أن يجبر ذلك؛ فإنه لم يفرط فيه، وإنما وجبت الزكاة بإيجاب الله تعالى، ثم أُخذت من المال، فكانت بمثابة المؤنة في المال، ولا خلاف أن نفقة التركة من وَسَطها، إلى أن يتفق صرفُها إلى الغرماء، فإن كانت النفقة تجب على المالك، فلتكن الزكاة كذلك.
ومن قال بالوجه الأول الذي صححه الشيخ 2، انفصل عن النفقة بأن قال: الزكاة عبادة مقصودة، وجبت فيه، وخُوطِبَ الوارث بها، والنفقة ليس لها تعلق بالذمة على التحقيق، فأخذت من التركة، وهذا إذا كان الوارث لا يجد ما يؤدي العشرَ منه، فأما
إذا وجد ما يُخرج العشرَ منه، فإن قلنا: لو لم يجد الوارث شيئاً، ثم وجد، جبر ما أخرج من التركة، فإذا كان واجداً، لزمه الإخراج منه، وتخليص التركة.
وإن قلنا: لا يجب الجبران في الصورة الأولى، فلا تجب تأدية الزكاة في هذه الصورة على الوارث، وإن كان غنيّاً كالنفقة 1.
فرع آخر لابن الحداد:
2158 - إذا اشترى رجل شقصاً فيه الشفعة على نية التجارة بعشرين ديناراً، ثم لم يتفق أخذه بالشفعة، حتى مضى حولٌ، وبلغت قيمة الدار 2 مائةً، قال ابن الحداد: يؤدي المشتري الزكاةَ عن مائةِ دينارٍ، والشفيع يأخذ الدار بعشرين ديناراً، والسبب فيه أن ملكه استمر سنة، وأمر الزكاة منقطع عن أمر الشفعة، فجرى كل حكم على مقتضاه.
والقياس ما قاله الشيخ أبو علي: من أئمتنا من خرج قولاً في نفي الزكاة لتعرض ملك المشتري للزوال والقطع، ولو تصرف في الدار، فتصرّفه بصدد النقض من جهة الشفيع، وليس كالصداق؛ فإن تصرفات المرأة لا تُنْقَضُ في شيء من الصداق، إذا طلقت قبل المسيس، وقد كانت وهبت وسلَّمت، أو باعت.
وهذا الذي ذكره إن كان يتجه تفريعه، فالوجه أن يستثنى منه مقدار عشرين ديناراً؛ فإن ملكه إن كان يعترض عليه، فيُبذل له في مقابلته عشرون، وعين المال غيرُ مقصودٍ في زكاة التجارة، وإنما المقصود المالية، والمالية دائمة في مقدار العشرين.
[وقد] 3 يجوز أن يقال في العشرين: إنها وإن كانت قائمة، فتحكُّم المالك مختل فيها أيضاً.
وإنما تتحقق التجارة من متحكم مختار، أما الدار، فتصرفه فيها منقوض، والعشرون لا يملك التصرف فيه، قبل قبضه من الشفيع، وهذا تكلُّفٌ، والوجه ما ذكرته من إبقاء الزكاة في العشرين؛ لتحقق المالية على الاستمرار في ذلك المقدار.
ثم ذكر الشيخ في التفريع على ما ذكره ابن الحداد وجهاً، وذلك أن المشتري يقول: قد وجبت الزكاة في مالية الدار، فتَخرج الزكاة منها، ثم يكون ذلك بمثابة نقصان في صفة الشقص المبيع، فالشفيع يأخذه إن أراد بعد الزكاة، بتمام العشرين كما لو نقص الشقص بآفة سماوية، وهذا خرجه على الأصل الذي ذكرناه في الفرع المتقدم على هذا، وهو أن العشر إذا أُخرج من التركة، فالوارث لا يجبره، وتكون الزكاة كالمؤنة والنفقة.
وهذا الوجه في هذه المسألة ضعيف عندي؛ فإنه إن اتجه في تلك المسألة ما تقدم؛ من جهة أن الورثة لم ينتسبوا إلى شيء لأجله وجب العشر في الثمار، والمشتري لما قصد التجارة، فسبب وجوب الزكاة قصدُه، فحَسْبُ 1 نقصان الزكاة التي وجبت بسبب قصده على الشفيع بعيدٌ، وقد نجز غرض [الفرع] 2.
فرع:
قال في الكبير 3: "لو باع ثمرةً قبل بدو الصلاح ... إلى آخره".
2159 - نقل الصيدلاني هذا النص عن الكبير، ونحن نصوّر موضعَ النص أولاً، ثم نستوعب تفصيل المذهب فيه.
إذا أثمرت نخيلُ إنسانٍ، فباع الثمار قبل بدوّ الصلاح، مطلقاً؛ من غير شرط القطع، فالبيع باطل عندنا، والثمار باقية على ملك البائع، فإذا بدا الصلاح في يد المشتري، فيده ليست يد استحقاق، والعشر يتعلق بعين الثمار -على ما تقدم تفصيل التعلق- والبائع متعبد؛ فإنه المالك، والبيع فاسد، فلو أتلف المشتري الثمارَ، ثم أفلس البائع، وحجر عليه، وأحاطت الديون به، فقد تقدم في باب الثمار اختلافُ
القول في أن الخرص حيث يجري - عبرةٌ أو تضمين، ثم ذكرنا أنا إذا جعلناه عبرة، فإذا أتلف 1 الثمارَ، فحق المساكين في الرطب، وإن جعلناه تضميناً، فحقهم بعد الخرص في التمر.
وإن بدا الصلاح ودخل [وقت] 2 الخرص، ولم يتفق الخرص فأتلفت الثمار -والتفريع على قول التضمين- ففيما يجب وجهان: أحدهما - على المتلف المالك التمر الجاف، ودخول وقت الخرص كالخرص.
والثاني - أنه لا يجب التمر ما لم يجر الخرص، ونص الشافعي في الكبير يدل على أن وقت الخرص بمثابة الخرص، في إيجاب العشر.
2160 - ثم إذا تجدد العهدُ بمواضع الخلاف في ذلك، فنقول: إذا أفلس البائع والديون عليه، والزكاة من جملة الحقوق الواجبة عليه، فإن قلنا: الواجب عشر الثمر رطباً، فيغرم الرطب، أم قيمته نقداً؟ هذا ما تقدم ذكره، تخريجاً على أن الرطب من ذوات الأمثال أم لا، والجريان على أنه مضمون بالقيمة، فقيمة العشر ثابتة في ديونه، ثم يخرج الآن ما قدمناه، من أنه إذا اجتمع دين الله، وديون الآدميين، فما المقدم؟ ففي قولٍ يقدم حقُّ الله تعالى، وفي قولٍ يقدم حق الآدمي، وفي قولٍ لا تقديم، ولا تأخير، وتثبت الديون فوضى 3 على [التضارب] 4 في ماله، وإن ضاق المال أخذ كلٌّ ما يخصه، ومسألة الشافعي في الكبير مفروضة فيه إذا أتلف المشتري الثمار في البيع الفاسد، فالقيمة المأخوذة منه تتعلق بها الزكاة، حسب تعلقها بالعين في بقاء العين، والتفريع على الأصح: وهو أن من وجبت عليه الزكاة، (5 فمات، وخلف ذلك المال، وأحاطت الديون، فالوجه تقديم الزكاة 5)، كما نُقدِّم ديناً متعلِّقاً بالرهن على الديون المرسلة في مرتبةٍ واحدة.
ثم قال الشافعي في الصورة التي ذكرناها: إذا ْأفلس البائع، وقد كان أتلف المشتري الثمار -على حكم الفساد- فتؤخذ القيمةُ من5
المشتري المتلِف، وهي مائة درهم مثلاً، ثم يصرف عُشرها -وهو عشرة- إلى مستحقي الزكاة يقدَّمون بها، وكان قيمة نصيب المساكين تمراً يساوي عشرين، قال: فهم مقدّمون بالعشرة التي تقدمت، ويضاربون الغرماء بعشرةٍ أخرى إلى تمام قيمة العُشر تمراً، وهذا فرَّعه على أن الخرص تضمين، ثم فرعه على أن دخول وقت الخرص يفيد ما يفيده جريان الخرص على حقيقته، ولهذا أوجب التمرَ، واعتبر قيمته، ولم يعتبر قيمة الرطب، ثم وجد العُشر من قيمة الرطب متعلِّقاً بالقيمة التي غرمها المشتري، والباقي إلى تمام قيمة التمر يُصادف الذمة، فتضارب 1 سائرَ الديون.
هذا نص الشافعي، والذي ذكره منقاسٌ على قول الخرص.
2161 - وتمام البيان: أنا إن قدمنا حق الله تعالى، وإن كان مرسلاً، فنقدم العشرين، وإن رأينا تقديم الزكاة لكونها متعلقة بالعين، فإذا غلَّبنا تعلق الزكاة بالذمة، فهو وجه بعيد، فعلى هذا تقع المضاربة بالجميع، من غير تقديم في شيء.
وقد يخرج عليه 2 تقديم حقوق الآدميين، تفريعاً على تقديم ديونهم.
وإن قدمنا ما نراه متعلّقاً بالعين، فقد يتجه فيه أن ثمن [التمر] 3 بكماله متعلِّق بقيمة الرطب، كما تتعلق الشاة بخمسٍ من الإبل، وإن اختلف الجنس، ولا وجه إلا ما ذكره 4 الشافعي؛ لم 5 يحد عن القياس الظاهر، إلا أن القول قد يعتدل بين مذهب العِبرة والتضمين، ثم على قول العِبرة لا يجب إلا عشرة، وهي مقدّمة على قياس النص، وعلى قول التضمين التقديم بعُشر قيمة الرطب، وإن كان الضمان في قيمة التمر، وهذا لطيفٌ في مأخذه جداً.
فصل
قال الشافعي: "ولو اشتراها قبل بدو الصلاح على أن يجُدَّها ... إلى آخره" 1.
2162 - هذه الصورة مصوّرة في بيع يصح، وبيانها أن يشتري الثمارَ قبل بدوّ الصلاح، على شرط القطع، فيصح البيع، فلو لم يتفق القطع وفاء بالشرط، حتى بدا الصلاح، فالزكاة تجب لا محالة، وإن وجبت، فالقطع يُبطل حق المساكين من الثمر المتوقع، ثم إذا أبقينا الثمار، كان ذلك خروجاً عن الشرط المستحق في العقد، فيعسرُ الأمرُ في ذلك قطعاً وإبقاء.
2163 - فأول ما نصفه في ذلك اختلاف القول في أن الفسخ هل يثبت أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما - أن الفسخ يثبت؛ فإن العقد تعذر إمضاؤه لما تقّدم، وكل عقد يتعذر إمضاؤه، فيثبت فيه الفسخ.
والثاني - لا يفسخ؛ لأن سبب التعذر طارىء فيه، بعد لزوم العقد، وتسليم الثمن إلى المشتري.
فإن قلنا يثبت الفسخ، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن العقد ينفسخ كما 2 بدا الزهو، من غير حاجةٍ إلى إنشاء فسخ؛ فإن هذا سبب التعذر، فنفسه يوجب الانفساخ، وهذا القول سيأتي في كتاب البيع، في أن من اشترى حنطة، فانثالت على حنطة أخرى قبل التسليم، فنقول: في قولٍ نفسُ هذا يوجب انفساخ البيع، والأصح أن العقد لا ينفسخ، ولكن للبائع حق الفسخ فيه، فإن اختاره، نفذ، وإلا ْبقي العقد، ثم إن حكمنا بالفسخ، أو الانفساخ، فالتفريع: إن قلنا بالانفساخ، نفذ الفسخ، وارتفع العقد، سواء رضي المتعاقدان بتبقية الثمار، أو طلب البائع الوفاء بالقطع؛ فإن الانفساخ متعلق بصورة الحال، لا يتوقف على تراضيهما،
واختلافهما، وإن أثبتنا حق الفسخ، فنقول: إن طلب البائع، فحق الفسخ يثبت لتعارض حق المساكين وحق الوفاء بالشرط، وإن رضي البائع والمشتري بالتبقية، بقّينا الثمار إلى الجِداد، ولا يفسخ البائع ولا المشتري، وإن رضي البائع بالتبقية، وأبى المشتري إلا الوفاء بالشرط، ففي المسألة قولان.
أصحهما - أن لا فسخ، وتبقى الثمار؛ فإن الحق في تخلية الأشجار والوفاء بالقطع للبائع، فإذا ترك حقَّ نفسه، كفى ذلك، ولم يكن للمشتري عذر في طلب القطع.
والقول الثاني - أن طلبه ثابت؛ فإنه يقول قد استحقت القطع شرطاً، فلا أقبل من البائع تركَ الثمار، وربما يكون للمشتري غرض ظاهر في القطع، والوفاءِ [بشرطه] 1 الذي جرى في طلب القطع.
ثم إن حكمنا بالانفساخ أو أثبتنا للبائع حقَّ الفسخ، ففسخ، فالزكاة في الثمار على من؟ فعلى قولين: أقيسهما - أن الزكاة تجب على المشتري؛ فإن بَدْوَ الزهو كان في ملكه، والفسخ لا يرفع العقدَ من أصله تبيناً وإسناداً إلى ما تقدم، ولكنه يقطع العقد في الحال.
والقول الثاني - أن العشر يجب على البائع؛ فإن ملكه وإن زال، فسبب العَوْد إليه إنما يمتنع من قطع الثمار، لما فيه من إبطال حق المساكين.
ولو قلنا: يفسخ، فالزكاة في الثمار باقيةٌ، فلزم منه أن تبقى الثمار بسبب الزكاة، بعد الفسخ، وكل ما أثبت حقَّ الفسخ من جهة التعذر، فينبغي أن يرتفع بسبب الفسخ، فكأن الملك لم يزل، فرفعناه رفعاً على هذا التقدير، وأوجبنا العشر على البائع، وجعلنا كأنه لم يبع، وقد بدا الصلاح في ملكه، وهذه المسألة لا تبين إلا عند النَّجاز منها؛ فإن الأصل فيها والتفريع عليه يلتف أحدهما بالآخر التفافاً يعسر فيه التفصيل.
وهذا منتهى غرضنا الآن، في أنه يتطرق الفسخ إلى العقد.
2164 - وفي المسألة قول آخر أن: لا فسخَ، ولا انفساخَ، ولكن إن طلب البائع القطعَ، قطعت الثمار، وإن قيل: هذا يؤدي إلى أن تنقص حقوق المساكين، قلنا
في جوابه: الثمرةُ إذا مُلكت على قضية الشرط، فحق المساكين يثبت فيها على جريان القطع؛ إذْ شرطُ القطع متقدم على وجوب الزكاة، ثم الشرط ثبت على الصحة، ثبوتاً شرعياً، ونحن قد نقطع الثمار بعد وجوب العشر لحاجةٍ داعيةٍ إليه، مثل أن يخاف أن يضرّ بالنخيل إذا قل الماء، فإن قلنا: يقطع الثمار، فقد نقول: لا يُخرِج حق المساكين من عين الثمار؛ فإن قسمة الرطب ممتنعة، وقد تقدم نظيرُ هذا في قطع الثمار، بسبب عطش الأشجار، فعلى هذا يُخرج عشر قيمة هذه الثمار إذا قطعها، وإن جوزنا قسمة الثمار، فيسلم عشر الثمار التي قطعها إلى المساكين، ثم نقول عند ذلك: إذا قلنا: الخرص عِبرة، أو الخرص إذا جرى تضمين، فلا يجب ضمان [التمر] 1 قبل جريانه، فالجواب ما ذكرناه.
وإن قلنا على قول التضمين: نفسُ بدو الصلاح يضمّنه [التمر] (1)، فالذي يظهر في هذه الصورة أنه لا يضمن [التَّمْرَ] (1)، وإن فرعنا على الوجه الذي ذكرناه، والسبب فيه أن عين بدو الصلاح إنما يُضَمِّن [التَّمْرَ] (1) إذا كان إبقاءُ الثمر ممكناً.
فأما إذا أوجبنا القطعَ على القول الذي فرعنا عليه، فيبعد أن [يضمَّن] 2 التَّمرَ، ثم نمنعه من تصييره تمراً، فليتأمل الناظر ما يمر به.
2165 - ومن بقية الكلام في المسألة: أنا إذا قلنا: ينفسخ العقد أو يفسخ، وجرينا على الأقيس: أن الزكاة تجب على المشتري، فلا نقول: نكلِّف المشتري القطعَ بعد الفسخ، ونُلزمه ما ذكرناه من بذل عشر الثمار، أو عشر قيمتها؛ فإنا لو كنا نسلك هذا المسلك، لأوجبنا الوفاء بشرط القطع، ولم نفسخ العقد، والوجه أن تَبَقِّي الثمار وتبقيةَ عشرها محال؛ فإن الأمر في ذلك قد لا ينقسم، والجملة في ذلك أنا لا نكلف المشتري بعد الفسخ قطعَ جميع الثمار؛ إذ لو كنا نكلفه ذلك، لكلفناه القطعَ وفاءً بالشرط حتى لا يحتاج إلى الفسخ، فإذا فسخنا، فينبغي ألا نعتقد جريان الأمر على
حكم القطع في الجميع، ولكن القول في ذلك يخرج على أن الثمار هل تقسَّم، فإن قلنا: لا تقسم، فلا بد من تبقية جميع الثمار، وإن قلنا: إنها تقبل القسمة لو كانت موضوعة على الأرض، فهل نجري القسمة فيها بالخرص؟ فعلى وجهين ذكرناهما فيما تقدم، فلو منعنا القسمة، وهو الأصح، فلو قيل لنا: سبب ثبوت الفسخ إذاً ماذا؟ وأي فائدة في تنفيذه، والثمار تبقى قهراً، وإن لم يرض تبقيتَها البائع؟ قلنا: أما الفائدة، فرجوع تسعة الأعشار إلى ملكه، حتى يزيد في ملكه زيادةً ظاهرة، فكأنا لما تعذر الوفاء بالشرط، لم نرض أن تزيد الثمار للمشتري بسبب التبقية.
ثم نقول: إن أخرج المشتري حقّ المساكين من موضع آخر، والتفريع على أن المساكين لا يستحقون شِركاً من الثمار فيرتدّ جميع الثمار إلى البائع، وإن أخذ الساعي العشرَ من عين الثمار، فلا شك أن البائع يرجع بمقدار الزكاة على المشتري؛ فإن الزكاة وجبت عليه دون البائع.
فهذا كله على قول منع القسمة، وتبقية الجميع، فإن جوّزنا القسمةَ خَرْصاً سلّطنا البائع على مراده في تسعة الأعشار، وبقَّينا حقَّ المساكين في العشر، ثم يأتي في حق المساكين الخرص والتسليط بسببه على التصرف، إن جعلنا الخرصَ تضميناً، كما قدّمناه في الثمار المملوكة، التي لا تتعلق تبقيتُها بمناقضة شرط.
2166 - ومن لطيف القول في ذلك: أنا إذا حكمنا بالانفساخ، فهذا يقع من غير نظر إلى التراضي من المتعاقدين وإلى الاختلاف بينهما، وإن أثبتنا الفسخَ، (1 فلو رضي المتعاقدان، بقيت الثمار، ولو أبى البائع، أثبتنا الفسخ 1) ولو رضي البائع وأبى المشتري، فقولان مضى ذكرهما.
ْوإن جرينا على الصحيح وهو أن البائع إذا رضي، لم يكن للمشتري حق الفسخ، فلو رضي البائع، ثم بدا له أن يطالب بالقطع، فإن فرّعنا على أن المشتري يكلف القطعَ، ولا يثبت الفسخ، فإذا رضي بالتبقية، ثم رجع، فله أن يكلفه القطع،1
ويكون هذا بمثابة ما لو رضيت المرأة بالمقام تحت زوجها المَوْلى، ثم بدا لها، فلها المطالبة مهما أرادت.
فأما إذا قلنا: لا يكلف المشتري القطعَ، ولكن يثبت حق الفسخ للبائع، فهذا سببه أن القطعَ متعذر، فإذا رضي بالتبقية، فلو قيل: هذا إسقاط منه لخياره في الفسخ، فلا يعود حقه، كمن اشترى شيئاً لم يره، ثم رآه ورضي به، فلا يعود خياره، وإن لم يرض بعيب.
ويجوز أن يقال: سبب خياره ثبوت حق القطع ساعة فساعة، مع تعذر الوفاء به، وهذا يتجدد، فلا يسقط الخيار بالكليّة.
2167 - وهذا تمام المسألة، ولن يقف الناظر على حقيقتها، ما لم يُحط بجميع أطرافها، فهذا تمام القول في هذا، وقد مهدنا فيه ما يرشد إلى بيان ما نورده متصلاً به.
إن شاء الله عز وجل
فصل
قال: "ولو باع المصدّق شيئاً، فعليه أن يأتي بمثله ... إلى آخره" 1.
2168 - مقصود الفصل أن الساعي إذا جمع الزكوات، فليس له أن يبيع أعيان ما أخذ، بل يوصلها إلى مستحقيها.
والقاعدة المعتمدة في ذلك أن المالك لا يُخرج أبدال المنصوصات، بل يتيعن عليه المنصوص، وهذا التعبد يجب اتباعه، وهذا المعنى يتحقق في حق الساعي، فإذا لم نُجِز للمالك أن يُخرج ورِقاً عن ذهب في الأموال الباطنة، فهذا مرعي في حق الساعي، ولو ظهرت حاجةٌ في حق الساعي، مثل أن علم المؤنة ستثقل عليه في سَوْق ما جمعه من النَّعم، فله البيع، وكذلك لو لم تكن الطرق آهلة، فيبيع.
ولو لم تظهر حاجة من الجهة التي ذكرناها، ولكن كانت الغبطة في البيع، وظهرت غبطة، يجوز للقيم بيعُ عقار الطفل بمثلها، فليس للساعي البيعُ بسبب الغبطة، كما ليس للمالك أن يرعى غبطة المساكين، ويصرف إليهم الأبدال عن
المنصوصات، لمكان الغبطة، حتى لو صرفَ إليهم خمسةَ دنانير، بدل خمسة دراهم، لم يجز ذلك، ولو علق الإنسان نظره، بأن الإمامَ لو رضي بذلك، ورآه رأياً، فهذا من اتباع اجتهاده.
وإذا رأى الإمام الجريان على مذهب أبي حنيفة في مجتهدٍ فيه، فحكمه متبع، وليس هذا من غرضنا في المسألة.
2169 - ولو وجبت الزكاة، وقلنا: المالك يتولّى تفرقة الزكاة، فعدِمَ المستحِقَّ في موضعه، وقلنا: عليه والحالة هذه أن ينقل الصدقة إلى بلدة فيها مستحقون، فإن كانت المسافة بعيدةً، واحتاج إلى مؤنةٍ في سوق النَّعَم، أو كان في الطريق خطر، فإن ركب الخطرَ، فتلف ما أخرجه، فهو عليه؛ فإن المخرج لا يصير زكاةً ما لم يصل إلى المستحقين، وليس له أن يُنفق على ما يسوقه، ثم يحسبه من الزكاة.
والساعي قد يجوز له أن ينفق على الزكاة المأخوذة على حسب الحاجة من عين الزكاة.
والسبب فيه أن ما انتهى إلى يد الساعي، فهو زكاة، وما يفرّقه من المال ليس بزكاة ما دام في يده.
والغرض من هذا أنه إذا كان المالك يحتاج إلى بذل مؤنة في النقل، أو ركوبِ غرر، ولو أخرج بدلاً، لم يكن واحد منهما، ففي إخراج البدل تردد في مثل هذه الصورة، قد تمهد أصله في إخراج الأبدال.
والقول فيما ينقله ويلتزمه من المؤنة يأتي مستقصىً في نقل الصدقات.
إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: "وأكره للرجل شراء صدقته ... إلى آخره" 1.
2170 - إذا تصدق الرجل بشيء مؤدياً فرضاً، أو متبرعاً، ثم رأى ذلك الرجل أن يبيع ذلك الشيء، فيكره للرجل المتصدّق أن يشتريه؛ لأن آخذه قد يسامح المتصدّق، فيكون في حكم الراجع في شيءٍ من صدقته.
ولو اشترى، صحَّ.
وكان عمر رضي الله
عنه حمل رجلاً على فرسٍ في سبيل الله، فرآه يبيعه، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرائه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تعد في صدقتك" 1. ولو وكل وكيلاً حتى يشتريه، فإن كان يعلم أن الوكيل نائبه، فالجواب في كراهيته كما تقدم 2، وإن كان وكيله مجهولاً، فالكراهية أخف، ولكن لا يؤثر ذلك، ويمكن أن يقال: هذا القسم لا يلتحق بالكراهية، بل هو من باب الأولى 3. ...
باب زكاة المعدن
1
قال: "ولا زكاة في شيء يخرج من المعادن ... إلى آخره" 2.
2171 - في نَيْل المعادن حقٌّ ثابت، والكلام في تمهيد الباب يتعلق بفصول: منها حق المعدن يختص بالتبرين، الذهب، والفضة، دون ما عداهما، وعلقه أبو حنيفة 3 بكل جوهر منطبع مُنْطرق: كالرصاص، والنحاس، والحديد.
وفي الأخبار ما يدل على تخصيص التبرين.
والفصل الثاني، والثالث، والرابع 4
في المقدار الواجب، وفي النصاب، وفي الحول.
[الكلام في المقدار الواجب] 5.
2171/م- وفيه ثلاثة أقوال: أحدها - أن الواجب ربع العشر؛ اعتباراً بزكاة الدراهم والدنانير.
والثاني - أن الواجب في نَيْل المعدن الخمس، وتوجيههما مذكور في الخلاف 6.
والقول الثالث - أنا نَفْصل بين ما يؤخذ عفواً من غير كثير تعب، وبين ما يستفاد مع
نَصَب، فنوجب ربعَ العشر فيما يؤخذ مع التعب، ونوجب الخمس فيما يؤخذ نَدْرة 1.
فأما من أوجب ربع العشر، اعتبر 2 واجب المعدن بما يجب في جنسه عند انقضاء السنة.
ومن أوجب الخمس اعتبر واجبه بواجب [الرّكاز] 3؛ فإن كل واحد منهما مركوز في الأرض.
ووجه قول الفَصْل: أن فيما سقت السماء العشر، وفيما سُقي بنضح ودالية نصفُ العشر، فإذا كان يختلف واجب ما تُخرجه الأرض بقلّة التعب وكثرته، فلا يمتنع مثلُ ذلك فيما يستفاد من النَّيْل.
[الكلام في النصاب]
2172 - فإن قلنا: الواجب ربع العشر، فالنّصاب معتبر، وإن قلنا: الواجب الخمس، ففي اعتبار النصاب قولان: أحدهما - يعتبر كما يعتبر النصاب في المعشَّرات عندنا، والثاني - لا يعتبر النصاب، كما لا يعتبر في الغنيمة، وإخراج الخمس منها - النصابُ 4.
[الكلام في الحول]
2173 - ثم إن لم يُعتبر النصاب، فلا يعتبر الحول، وإن اعتبرنا النصاب، فهل يعتبر الحول؟ فعلى قولين: النصاب أولى بالاعتبار من الحول، ولذلك 5 اعتبر
النصاب في المعشرات، ولم يعتبر فيها الحول، والسبب فيه أنا لم نوجب الحقَّ ما لم يبلغ النصاب مبلغاً يحتمل المواساة في نفسه بمقداره، فأما الحول فمدة الارتفاق، فيبعد إثباتها في مال جملته رَفَق 1، وفائدة، ونَيْل؛ ولهذا نعتبر حساب النصاب في السخال، ولا نعتبر فيها حولاً مستجداً.
هذه قاعدة الباب.
والأقوال معلومة.
2174 - وفي القول الثالث وهو الفصل بين نيلٍ ونيلٍ نظر، فلا بد من بيانه.
فما يحصل نادراً 2 [جملةً] 3 من غير حاجة إلى طحنٍ، ومعالجة بالنار، فهو الذي فيه الخمس؛ لأنه يحصل مع [خِفّة] 4 العمل، فكان شبيهاً بما سقي بالأنهار، وما يحتاج فيه إلى الطحن والمعالجة، ففيه ربع العشر، كما يسقى بالنضح والدالية.
فإن اجتمع كثرةُ النَّيل، وسقوطُ العمل بالطحن والعلاج، فالخُمس.
وإن قلّ النَّيْل، ومست الحاجة إلى الطحن والعلاج، فربع العشر.
فإن كان يوجد شيئاً فشيئاً، على قلةٍ، ولكن كان لا يحتاج إلى الطحن والنار، أو كان يوجد الشيء الكثير، ولكن مع الطحن والعلاج، ففي هذا تردد للأئمة في الطرق، فمنهم من يعتمد العملَ في إيجاب ربع العشر، وسقوطَه 5 في إيجاب الخمس، ولا ينظر إلى القلة والكثرة، ويجعل الكثرة كاتفاق كثرة الرَّيْع فيما يسقيه النضح، وكاتفاق قلة الرَّيْع فيما يسقيه السماء.
وهذا قريب من الضبط.
ومنهم من قال: [الاحتفار] 6 من المعدن 7 إذا كان يكثر، عُدّ ذلك من العمل المعتبر، كالطحن والعلاج، فالنظر في ذلك عند هذا القائل إلى نسبة النَّيْل إلى
العمل، أيّ عملٍ كان، ولأهل البصائر في ذلك جهاتٌ في الكلام، فربما يعدّون العمل كثيراً، والنيلَ بالإضافة إليه قليلاً، وربما يعدّون النيلَ كثيراً، والعملَ بالإضافة إليه قليلاً، وربما يعدّون ذلك مقتصداً.
[فمن يعد نيله بالإضافة إلى عمله قليلاً، أو مقتصداً، فواجبه ربع العشر، ومن عدّ نيله كثيراً بالإضافة إلى عمله، فواجبه الخمس] 1. فهذا بيان هذا القول في هذه الطريقة.
2175 - ولا يبين تحقيق القول فيه إلا بمزيد كشف، فيه تمام الإيضاح، فنقول: إذا كان استفادةُ دينار في اليوم مقتصداً، فلو استفاد ديناراً إلى قريب من آخر النهار، ثم استفاد بعملٍ قليل ديناراً، في بقية النهار، فلا نقول في الدينارين الخمس، ولكن في الدينار الأول ربع العشر، وفي الثاني الخمس، وتمام القول في ذلك أن الدينار إذا كان مقتصداً في اليوم، فَعَمِل العاملُ طول يوم، فلم يجد شيئاً، ثم إنه وجد في آخر النهار دينارين، فلا ينبغي أن نوجب في جميعه الخمس، ولكن نحط من جملته القدرَ المقتصد، وهو دينار، فنوجب فيه ربع العشر، ونوجب في الزائد الخمس، وهذا فيه احتمال على بعد؛ فقد يقال: الزمان الذي لم يصب فيه فقد [حَبط] 2، وخاب العاملُ فيه، وهذا الموجود الآن نادر 3 [فيجب] 4 الخمس [فيَ كله، والأوجه ما] 5 قدّمتُه؛ فإنه لو عمل نهاره، ولم يصب شيئاً، ثم أصاب [مقداراً لو يفرق على عمله]، لكان مقتصداً كالدينار يصيبه من آخر النهار، [فينبغي ألا] يجب فيه إلا ربعُ العشر، وإذا كان كذلك، فالوجه [في المسألة الأولى حطّ مقدار] الاقتصاد، ونخصص الباقي بالخمس فهذا [منتهى الكلام في ذلك].
2176 - وإذا ثبتت الأصول فنبتدىء التفريع بعد ذلك، فإن لم نعتبر فيما يستفيده النصابَ، فلا شك أنا لا نعتبر الحول أيضاًً، ففي كل ما يستفيده واجبه في الحال، قلّ