نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 151-190
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الرهن

صفحات 151-190
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فصل قال: " ولو رهنه عصيراً حلواً، كان جائزاً، فإن حال إلى أن يصير خلاً أو مزّاً ... إلى آخر الفصل " 1. تقرأ " مُزّاً " 2 وهو بين شدة الخمر وحموضة الخل، وليس بمسكر على حالٍ.
وتقرأ " مُرِّياً " 3. وهذا بعيد؛ فإن الخمر لا يصير مُرِّياً.
3614 - فنخوض في غرض الفصل، ونقول: رهن العصير جائز بالدين الحال.
فلو رهن العصير وأقبضه، فاستحال العصير خمراً في يد المرتهن، فلا نحكم بأن الخمرَ توصف بكونها رهناً أصلاً، واختلف الأصحاب في العبارة عنها.
قال قائلون: بطل الرهن لمّا استحال العصير خمراً؛ فإن الخمر ليست مالاً، وما لا يكون مالاً لا يكون رهناً.
ثم إذا استحالت الخمر خلاً، فالخل مرهون، وهذا القائل يقول: عاد الرهن من غير إعادة، كما زال من غير إزالة، وليس كما لو فسخا الرهن؛ فإنه لا يعود ما لم يعيداه؛ من جهة أن الرهن زال عن قصد ورضا، فلا يعود إلا بمثل ما زال به.
ومن أصحابنا من قال: إذا استحال العصير خمراً، فالرهن موقوف لا يحكم ببطلانه، فإن عاد خلاً، بان أنه لم يبطل.
وهذه الطريقة عريّةٌ عن التحصيل؛ من جهة أن لا توقف في أن الخمر ليست مالاً، والتبيّن إنما يحسن لو كنا نتبين أن الشدة لم تطرأ.
والطريقة الأولى قاصرة أيضاًً عن شفاء الغليل والكشف التام.
والوجه عندنا أن يقال: من اتخذ عصيراً، وقصد تركه إلى أن يصير خلاً، فإذا صار العصير خمراً، فالخمرة ليست مملوكة، ولكن لمالك العصير فيها حقُّ ملكٍ،

وإن لم يكن حقيقةَ ملكٍ، فهو على حق الملك فيها، فإذا انقلبت خلاً، كان على حقيقة الملك الآن؛ من جهة أنه استفاد هذا المالَ عن اختصاصه بالخمر.
كذلك المرتهن له حق اختصاص بالخمر، وليس ذلك الحق رهناً، فإذا انقلبت الخمر خلاً، عاد حقه في الرهن لترتبه على ما ذكرنا نظيره في الملك.
3615 - ولو رهن شاة وسلمها، فماتت، فلا شك أن الرهن لا يبقى في الميتة، وإنما النظر في جلدها إذا دُبغت، فهل نحكم بأن الرهن يعود في ذلك الجلد من غير استئناف عقدٍ؟ فعلى وجهين: أحدهما - يعود الرهن كالخمر إذا عادت خلاً؛ فإنها تعود رهناً، كما تقدم.
والوجه الثاني - لا يعود الجلد إذا دبغ رهناً؛ فإنه ليس ينقلب بنفسه مدبوغاً، بل لا بد من إتيان فعل فيه.
وإنما يستقيم العَوْدُ من غير اختيارٍ رهناً إذا كان الانقلاب على هذه الصفة.
ومن غصب خمراً أو جلداً غير مدبوغ، ثم استحالت الخمر خلاً، ودبغ الغاصبُ الجلدَ، فهل يجب عليه ردُّ الخل والجلدِ المدبوغ؟ هذا من القواعد العظيمة في الغصب، وهو شعبة من أصلٍ يحوي تقاسيم.
والوجه تأخير جملته إلى كتاب الغصب.
والعودُ إلى ما يتعلق بهذا الكتاب.
3616 - فلو باع عصيراً وسلمه عصيراً، فقد تم العقد، وتحمل ما يفضي إليه من انتقال العهدة.
فلو استحال في يد المشتري خمراً، فليس يتعلق بذلك من تبدل قضايا العقد شيء في غرضنا، وليس كالمرهون يستحيل خمراً؛ فإن مقصود الرهن منتظرٌ، وهو بيعُ الرهن في الدين عند مسيس الحاجة إليه، فوقع الاعتناءُ باستحالة العصير في يد المرتهن.
وشبه الأئمة بيع العصير واستحالتَه خمراً في يد البائع باستحالة العصير خمراً في يد المرتهن؛ فإن البيع لزم بانتفاء الخيار عنه، ولا يتوقف لزومُه على الإقباض.
ولكن انتقال الضمان ونفوذ التصرف منتظر بعدُ، فقال الأئمة إذا استحال العصير خمراً في يد البائع، ثم استحالت الخمر خلاً، فالعقد قائم، والقول في انقطاعه وعَوْدِه، أو في

وقوف الأمر فيه على نحو ما قررناه في المرهون بعد القبض، وقال القاضي: النص ما ذكرناه في الرهن والبيع وهو الأصل.
وكان لا يمتنع في القياس أن نقول: العصير المبيع إذا استحال خمراً، والخمر ليست بمالٍ، فالعقد قد عدم موردَه ومحلَّه، فإذا انقلبت الخمر خلاً، فالقياس أن نجعل هذا على قياس عَوْد الحِنْث فيه إذا علق الرجل طلاقاً أو عتاقاً، ثم بت النكاح، وأزال الملك عن الرقبة، فلو فرض عودٌ بعقدٍ، ففي حكم التعليق السابق في الملك والنكاح اللاحقين قولان مشهوران.
ووجه التشبيه أن العقد في استحالة العصير خمراً على حالةٍ، لو فرض ابتداءُ العقد، لم يثبت لانعدام المحل، لا لعجزٍ أو غيره من الموانع.
والأمر على هذا الوجه في عود الحِنْث، فإن النكاح انبتَّ، وكذلك الملك، ولم يبق محلٌّ يفرض فيه نفوذ طلاق أو عتاق.
ثم كان في العوْد ما ذكرناه.
فإن كانت الخمرة تستحيل بنفسها، واعتقد المعتقد ذلك فرقاً، فهذا لا يعارض الفقه الذي ذكره القاضي من تحقق انعدام المحل، ولكنه لم يذكر هذا إلا منبهاً على طريق المعنى.
والمذهب ذاك الذي نقلناه 1. وكل هذا في استحالة العصير بعد القبض.
3617 - فأما إذا استحال العصير خمراً قبل القبض، فإن جرى الإقباض على الشدة، فالقبض فاسد.
ولو استحالت خلاًّ، فلا عود للرهن؛ فإن الركن الأعظم جرى على الفساد.
وهو كما لو رهن الخمرة المحترمة، ثم استحالت، فالعقدُ على الفساد، ولا ينقلب إلى الصحة بسبب انقلاب الخمر.
ولو استحال العصير خمراً قبل القبض، وانقلب خلاً قبل القبض، فهل يفسد الرهن فساداً لا يعود بالانقلاب إلى الحموضة؟ فعلى وجهين: أحدهما - يفسد لانعدام المحل في حال جواز الرهن وضعفه؛ إذ هو غير منتهٍ إلى اللزوم بعدُ.
والثاني - يعود العقد، كما ذكرناه بعد القبض.

وهذان الوجهان يقربان من الأصل الذي مهدناه في موت الراهن قبل القبض وجنونه.
3618 - وألحق الشيخ أبو علي بهذا الأصلِ ما لو رهن الرجل عبداً، فجنى قبل القبض، وتعلق الأرش برقبته.
وقلنا: رهن الجاني فاسد.
وقد ثبت أن طريان الجناية بعد القبض لا يفسد الرهن، ولكن يُثبت حقَّ رفعه بالبيع في الجناية.
فإذا فُرض ذلك بعد تأكد الرهن بالقبض، ففي ارتفاع الرهن وانفساخه وجهان.
وهذا الذي ذكره الشيخ أبعد من انقلاب العصير خمراً؛ فإن العبد وإن جنى، فهو قائم والملك فيه دائم.
وقد يلزم على هذا المساق تخريج وجهين فيه إذا أبق 1 العبد المرهون قبل القبض، وانتهى إلى حالة يمتنع ابتداء الرهن فيه.
ويجوز أن يُتخيّلَ فرق من جهة أن الجناية بعد القبض تؤثر في الرهن، والإباقُ لا يؤثر بعد القبض.
وإذا كان أخذ هذه المسائل من طريان الجنون والموت، فليس الإباق بعيداً إذا فُرض طريانه قبل القبض عن التردد، وتقدير الخلاف.
وإذا بانَ ما ذكرناه في استحالة العصير خمراً قبل القبض، فإن قلنا: ينفسخ الرهن، ولا يعود، فإذا جرى الإقباضُ على الشدة، فالقبض فاسد، والرهن منفسخ، ولا توقع في العَوْد على الوجه الذي عليه نفرعّ، فاستحالة الخمر خلاً بعد ذلك لا أثر له.
فإن أعادا عقداً بعد الحموضة، لم يخف حكمه.
وإن قلنا: لا ينفسخ الرهن انفساخاً لا يعود، فإذا جرى القبض على الشدة، فالقبض فاسد، فإذا استحالت الخمر خلاً، فعقد الرهن باقٍ، والذي جرى ليس بقبضٍ، فلا بد من قبضٍ بعد الحموضة.
وإذا ورد العقد على يدٍ، ففي تضمن العقد الإقباض كلامٌ مضى.
فأما إذا أردنا إثبات قبضٍ مجدد على يدٍ مستدامةٍ، فلا بُدَّ من إقباض من طريق الصورة.
فلو قال: اقبضه لنفسك، ففيه خلافٌ، قدّمته في كتاب البيع.
وهذا ذاك بعينه.
ولو قال أمسكه لنفسك، لم يكن إقباضاً.
وإذا جوزنا له أن يقبض لنفسه بنفسه، فلا بد من صورة نجريها يقع مثلها قبضاً

ابتداء، هكذا ذكره الأئمة وصرّحوا 1. وذكر صاحب التقريب أن الإذن في الإمساك، واليدُ دائمة يخرّج على أن العقد هل يتضمن إقباضاً؟ ثم رجّح، فقال: هذا أولى؛ فإنه يعرض لنفس القبض.
فإذا كنا نجعل ضمن العقد إقباضاً، فلأن نجعل الإذن في الإمساك قبضاً أولى.
وهذا قياس لست أنكره.
ولكن صرح الأئمة بخلافه.
هذا تمام البيان في هذا الفصل.
ثم وصل الشافعي بهذا الفصل تخليل الخمر والمعالجةَ في استعجال الحموضة.
وذكر الأصحاب هذا الفصل هاهنا فنتأسَّى بهم.
فصل 3619 - الخمر تنقسم إلى خمرة غير محترمة، وإلى خمرة محترمة، فأما التي لا تحترم، فهي التي اتخذها المالك لتكون خمراً، فهذه الخمرة غيرُ محترمة؛ وتتعين الإراقة على أهلها، وإذا التمسوا أن يكتفى بإيقاع الحيلولة بينهم وبينها حتى تتخلل بأنفسها لم نُجبهم إلى هذا، وعجلنا إراقتها، وهذا مشعر باستحقاق الإراقةِ فيها؛ فإنا إن عولنا على محاذرة مخامرتهم لها، وعدم الأمن بهم فيها، فالحيلولة تحسم هذه المادة وتقطعها ولا اكتفاء بها، فوضح أنها مستحقة الإراقة.
فلو لم يتفق إراقتها حتى استحالت خلاًّ من غير علاج، ولا تسبب، فالخل مالٌ، ولا خلافَ أنه لا يراق على صاحبه.
فنقول: الخمر وإن كانت مستحقة الإراقة، فقد انعدمت الشدّة، وكأن تيك العين قد زالت، والخل رزق جديد.
هذا متفق عليه.
3620 - ولو خلل مخلل هذه الخمرة التي وصفناها بكونها مستحقة الإراقة، نُظر: فإن طرح فيها عيناً من ملح، أو خلٍ، أو غير ذلك، فانقلبت خلاً، فهو نجس محرّم.
وعلل بعض أصحابنا ذلك بأن العين الواقعةَ في الخمر تنجست بملاقاتها، فإذا

انقلبت الخمر خلاً، نجسته تيك العين المتنجسة بملاقاة الخمر.
وهذا قول غيرُ صادر عن فكرٍ قويم؛ فإنه لا معنى لتنجيس العين إلا اتصال أجزاء الخمر بها، وجوهر تلك العين على الطهارة، فإذا انقلبت الخمر خلاً، فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت العينَ الواردةَ على الخمر؛ فلا حاصل إذن لذلك، والتعويل في تحريم الخل على تحريم التخليل كما ذكرناه في (الأساليب).
هذا قولنا في التخليل بطرح شيء في الخمر، والحكم متفق عليه، والتعويل على تحريم التخليل.
3620/ م- ولو لم يطرح في الخمرة المستحقة الإراقة شيئاًً، ولكن نقلت إلى ظل أو شمس، وكان ذلك سبباً في المعالجة، ومعاجلة تحصيل الحموضة، فإذا زالت الشدة، ففي المسألة وجهان بناهما بعض الأصحاب على التردد الذي ذكرناه في التعليل في المسألة الأولى.
قالوا: إن عللنا بالنجاسة، فهذا المعنى مفقود هاهنا؛ لأنه لم يطرأ على الخمرة ما ينجسُ بها، وإن عوّلنا على التحريم، فالتخليل عبارة عن التسبّب إلى إكساب الخمر الحموضة.
وهذا المعنى يحصل بالتشميس، والنقل.
ولا حاجة إلى هذا البناء؛ فإن فصل 1 النجاسة باطل قطعاً.
وإن اعتمده أبو يعقوب 2 وطائفة من أئمة الخلاف.
ولكن توجيه الوجهين في التشميس والنقل يهون من غير بناءٍ، فأحد القائلين يتمسك بقصد التخليل وقد حرمه النبي عليه السلام في الخمرة المستحقة الإراقة، ولما قال أبو طلحة في خمور الأيتام: أخللها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ". ولم يتعرض للتفصيل في التخليل 3، فهذا وجه.

والوجه الثاني أن [الخل] 1 يحلّ اعتباراً بالإمساك 2. ثم لو فرض إمساك الخمر المستحقة الإراقة على قصد التخليل، فتخللت، ففي المسألة وجهان أيضاًً بالترتيب على الوجهين في النقل والتشميس، وهذه الصورة أولى بالحلّ 3؛ من جهة أنه لم يوجد فيها فعل، والقصد المجرد يبعد أن يحرم.
ولو اتفق لُبث من غير قصد إليه، فاستحالت الخمر في تلك المدة، فالخل حلال بلا خلاف؛ لما قدمناه في صدر الفصل.
فهذا بيان الخمرة التي ليست محترمة.
3621 - فأمّا الخمرة المحترمة وهي خمرة الخل.
وتصوير ذلك أن اتخاذ الخل جائز بلا خلاف، والعصير لا ينقلب من الحلاوة إلى الحموضة من غير توسط الشدة، فإذا انقلبت خمراً، فلا سبيل إلى إتلافها؛ إذ لو أُتلفت، لما تصوّر اتخاذُ الخل.
وهذى بعضُ الناس فقال: نُضرب عنها، فإن عثرنا عليها خمراً، أرقناها، ولم يصر إلى هذا أحد من أئمة المذهب، وإنما هو من ركوب أصحاب الخلات.
ثم كان يستد 4 هذا في حق من يأمر بالمعروف، فمن يتخذ الخل في نفسه يعلم انقلاب العصير خمراً، ويفطن لدركِ رائحتها، وهو مقَرٌّ عليها، فلا اعتداد بأمثال هذا.
وذكر الشيخ أبو علي في الفصل كلاماً أؤخره عن ترتيب المذهب، ثم آتي عليه.
والقدر الذي فيه اكتفاء أن هذه الخمرةَ غيرُ مراقة على صاحبها، وإذا استحالت خلاً بالإمساك، فالخل طاهر محترم.
وكذلك تكون الخلول.
ولو استعجل صاحب الخمر وخلل، نُظِر: فإن كان التخليلُ بإلقاء شيء من ملح أو غيره، فظاهر المذهب منعُ هذا، وإذا فعل، فالخل على موجَب المنع محرّم،

ويشهد له حديث أبي طلحة، فإنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خمور الأيتام، وما كانت اتخذت إلا واتخاذها جائز، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تخليلها.
ومن أصحابنا من قال: يحل التخليل في الخمر المحترمة؛ فإنها ليست مستحقة الإراقة، وهذا القائل يجيب عن حديث أبي طلحة، ويقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم براقتها، والخمرة المحترمة لا تراق بالإجماع، فلعلَّ تلك الخمرةَ كانت اتخذت بعد التحريم، فإن العصير ينقلب في يوم في حر الحجاز خمراً، ولعل هذا كان والأمر على التشديد، كما يدّعيهِ أصحاب أبي حنيفة.
وللنظر في هذا مجال على الجملة.
ولا مبالاة إن جوزنا التخليل بما ذكره أبو يعقوب من فصل النجاسة.
هذا إذا كان التخليل بإلقاء شيء في الخمرة المحترمة.
فأما إذا كان التخليل بالنقل من شمس إلى ظل، أو من ظل إلى شمس، فالمذهب جواز ذلك، وإلحاقُه بالإمساك.
وذهب طائفة من أئمة المذهب إلى تحريم ذلك، وإلحاقِه بالتخليل المحرم.
وهذا رديء مخالف لما درج عليه الأولون فعلاً، ولم يُبْدَ عليهم نكير.
وكان شيخي أبو محمد يقول: إن طرح في العصير ملحٌ، وكان سبباً لتعجيل التخليل، ففيه تردد بين الأصحاب، وهو في معنى النقل.
وهذا عندي بعيد؛ فإن المعالجة لم تصادف خمراً.
وسمعته مرة يقول: تلك الأعيان لا حاجة إليها فتنْجُس بالخمر، ثم لا يزول حكم النجاسة عنها، بخلاف نجاسة الظروف.
وهذا تردد على طريقة أبي يعقوب، وهي في أصلها باطلة، والتفريع عليها باطل؛ فإنا لو التزمنا تمحيص العصير، لنقَّيناه من العناقيد، والثجير 1، والتزمنا تصفيته جهدنا عن الأقذاء، وهذا أمر طويل لا يستريب محصل في حَيْده عن سمت الشريعة.

نعم لو وقع شيء في الخمرة من غير قصد، فقد رأيت فيه تردداً لبعض الأصحاب إذا منعنا التخليل.
3622 - وقد نجز التفصيل في التخليل، وحان أن نذكر ما وعدناه من كلامٍ [للأصحاب] 1 خارجٍ عن ضبط المذهب، وذلك في صورتين: إحداهما - أن العناقيد إذا استحالت أجوافها إلى الشدة، والحبات متصلة بالعساليج 2، فقد ذكر القاضي وطائفة من الأئمة وجهين في جواز بيعها، وطردوا هذا الخلافَ في بيع البيضة التي حال مُحُّها وماحُها دماً وهو إلى الانقلاب إلى تخليق الفرخ.
ومن ذكر هذين الوجهين لم يخصهما بحال من يقصد اتخاذَ الخل، حتى يحمل على الحرمة.
نصّ عليه القاضي، ولم يفرض المسألةَ إلا فيمن يتخذ الخمر، ثم روجع في نجاسة أجوافها، فتوقف، وهذا عظيم؛ فإن متضمنها الخمر الشديدة.
ولا يليق بقاعدتنا أن ننفي حكمَ النجاسة عما في بواطنها، ثم نقول: لو اعتصرت، صارت نجسةً، والانفصال لا يتضمن تثبيت النجاسة.
وهذا يوافق مذهب أبي حنيفة 3، إذ قال: الدماء في العروق في خلل اللحم ليست نجسة؛ فإذا سفح وزايل، اكتسب النجاسة، وزعم أنه تمسك في هذا بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] وهذا مخصوص بالدم، فلا وجه لهذا إذنْ، ولا خروج للخلاف في البيع إلا على أمرٍ وهو أن البيضة ظاهرها طاهر، والنجاسة مستترة بالقيض 4 استتار خِلقة، والبيضة في نفسها صائرة إلى رتبة الفرخ، فكان ابتياع البيضة وحشوها الدم كابتياع العصفورة وحشوها النجاسة، فاعتمد البيعُ مقصودَ البيضة، وطهارة الظاهر.
والعنقودُ طاهرٌ وحشوه نجاسة مستترةٌ، وهي إلى الحموضة.
فإن قيل: قد فرضتموها في حال من يقصد الخمرَ؟ قلنا: نعم ولكن العادة جاريةٌ بأن من يبغي الخمر يعتصر، ولا يصب في الدنان إلا العصير، فإن الثجير وعفوصتَه

تفسد شدة الخمر، فإذا وجدنا العناقيد، لم نعول على قصد المتخذ إذا كان ما وجدناه مائلاً عن عادة من يقتني الخمور.
وهذا القائل يقول: لا نجوز إتلافَ العناقيد على أربابها؛ إذ يستحيل الجمعُ بين جواز بيعها وبين جواز إفسادها.
وليس كالمرتد يباع؛ فإنّ قتله غير مستحق، ولكنه مدعوّ قهراً إلى الإسلام، بالتعنيف.
والقتلُ المستحق قد يمنع صحة البيع في العبد الذي استوجب القتلَ في المحاربة.
وقد ذكر الأصحاب منعَ البيع في المرتد، كما قدمته.
فهذا تلخيص القول في ذلك.
فإن قيل: أليس اختلف الأصحاب في جواز الصلاة مع البيضة المذرة، فهلا فهمتم من هذا الاختلاف الترددَ في نجاسة حشو البيضة؟ قلنا: جواز الصلاة مأخوذ من الاستتار الخِلقي المشبه باستتار النجاسة بالحيوان.
وقد طرد بعض الأصحاب الخلافَ في جواز الصلاة مع حمل قارورة مصممة حشوها نجاسة.
هذا بيان إحدى الصورتين.
3623 - الصورة الأخرى في الخمرة المحترمة، كما سبق وصفها - قطع الأصحاب بأنها ليست مالاً، ولا تضمن إذا أُتلفت، وليس على متلفها إلا التوبيخ والتأديب، على ما يراه صاحب الأمر.
وذكر الشيخ أبو علي تردداً في بيعها، وتردداً في طهارتها وهي خمرة مشتدّة محرّمة، وهذا خرم المذهب، ومصادمة القاعدة.
وما ذكرناه من استحالة العصير خمراً، وارتفاع الرهن، وعوده إذا صارت الخمر خلاً، والفصل بين ما قبل القبض وبعده، يخالف جواز بيع الخمر، فلا وجه لهذا.
وإنما التردد في مسألة العنقود.
وفيها من الإشكال ما تقدّم.
والوجه القطع بمنع بيعها أيضاً، لنجاسة أجوافها، وليست هي حيوان، فإن الحيوان لاختصاصه بالحياة ممتاز عن النجاسات المجاورة له، والبيضة والعنقود وإن انتظمت ظواهرها وبواطنها خِلقة، فإذا بيعت بجملتها، فلا تمييز لبعضها عن البعض بالحياة والجمادية، فالبيع فيها ممتنع؛ وأيضاً فإن المقصود منها أجوافها وحشوها نجس، والمقصود من الحيوان نفسه.
فهذا تمام ما يحضرنا في بيان ذلك.

فصل ولو قال: " رهنتكه عصيراً، فصار في يدك خمراً ... إلى آخره " 1. 3624 - إذا اختلف الراهن.
والمرتهن في عيبٍ ثابت، فقال الراهن: حدث العيب في يدك ولا خيار لك.
وقال المرتهن: حدث العيب في يدك أيها الراهن، وقد اطلعتُ عليه الآن، فأرده وأفسخ البيع الذي شرطتُ هذا الرهنَ فيه، فالقول قول الراهن؛ قياساً على اختلاف البائع والمشتري في قدم العيب وحدَثِه؛ فإذا كنا نجعل القول قول البائع استدامةً للعقد، فلنجعل هاهنا القولَ قولَ الراهن استدامة للرهن والبيعِ الذي الرهنُ شرطٌ فيه.
وهذا واضح.
ولو كان رهن عصيراً، فرأيناه خمراً في يد المرتهن، وقد اختلف الراهن والمرتهن، فقال الراهن: أقبضتك العصير، فانقلب خمراً في يدك.
وأنا قد وفيت بالشرط، ووفيتك المشروط.
وقال المرتهن: أقبضتني الخمر وكانت الاستحالة إلى الشدة في يدك، فالقول قول من؟ هذا يبتني على ما مهدناه من أن الإقباض على الشدة فاسد.
وقد اختلف الأصحاب في أن العصير إذا استحال خمراً في يد الراهن؛ هل ينفسخ الرهن؟ وقد مضى ذلك الآن.
فالراهن يدّعي استقرار الرهن، والمرتهن يأبى ذلك.
ففي المسألة قولان: أحدهما - القول قول الراهن؛ لأنه ادّعى إقباضه عصيراً، والأصل بقاؤه على صفة الحلاوة.
والقول الثاني - أن القول قول المرتهن؛ فإن الراهن يدّعي عليه أنه قبض قبضاً صحيحاً، وهو منكر للقبض، والأصل عدمه، ولا حكم للقبض الذي اعترف به، فإنه فاسد ليس قبضاً شرعياً، فكأن لا قبض.
وقيل: القولان يقربان من اختلاف الأصحاب في حد المدعي والمدعَى عليه، كما سيأتي في الدعاوى.
ومن أصحابنا من قال: المدعي مَنْ يدعي أمراً خفياً، والمدّعى عليه من يذكر أمراً

جلياً.
ومنهم من قال: المدعي من لو سكت تُرِك والسكوت، والمدعى عليه من لا يترك وسكوته.
ووجه التخريج أن المرتهن لو سكت تُرك، فهو المدعي إذاً، والقول قول الراهن؛ فإنه لو سكت لم يترك.
وإن قلنا: المدعي من يدعي أمراً خفياً، فالمدعي هو الراهن إذاً على هذا؛ فإنه يدعي القبض المبرم، والأصل عدمه.
والمرتهن يدعي عدم القبض وهو الأصل.
ولو قال المرتهن: كنتُ شرطتُ الرهنَ، وقد رهنتني خمراً إذْ رهنتني.
وقال الراهن: بل رهنتك عصيراً.
وهذه المسألة مفروضة فيه إذا شرطا رهناً معيناً، وفرض الوفاء به، ثم قال المرتهن: العين التي شرطنا رهنها كانت خمراً.
وقال الراهن: بل كانت عصيراً، فهذا يبتني على أن شرط الرهن الفاسد هل يُفسد البيعَ؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما.
فإن قلنا: إنه لا يوجب فساد البيع، فالتنازع في الوفاء بالشرط، وعدم الوفاء به يخرّج على القولين، والاختلافِ في حالة القبض.
وهذا بيّن.
وإن قلنا: شرط الرهن الفاسد يفسد البيع، فالذي قالاه نزاع في فساد البيع وصحته، وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا فيه إذا اختلف المتعاقدان في شرط مفسد، فادّعاه أحدهما ونفاه الثاني.
وقد استقصينا القول فيه في باب اختلاف المتبايعين.
فرع: 3625 - سئل عنه القاضي فقيل: إن 1 اشترى لبناً في قمقمة، فصبه البائع في قمقمةٍ للمشتري، فَعَلتْه فأرةٌ، فاختلفا، فقال المشتري: بعتني اللبن طاهراً 2 فوقعت فيه فأرة.
وقال البائع، لا بل كانت الفأرة في قمقمك.
فكان من جوابه أن قال: هذا يخرّج على القولين في إقباض الخمر والعصير؛ فإن المشتري يقول: أقبضتنيه نجساً، والبائع يقول: بل أقبضتك طاهراً، وحصلت النجاسة في يدك من قمقمك.
ولو قال البائع: كانت هذه الفأرة في قمقمك.
وقال المشتري: بل كان اللبن

حالة العقد نجساً لكون الفأرة فيه.
فهذا نزاع في أن العقد عقد على الفساد أم لا؟ وهو مناظر اختلاف المتبايعين في فساد العقد، كما ذكرناه.
هذا جوابه.
وتفصيله: فإن قيل: إذا قال المشتري في الصورة الأولى: تنجس اللبن في يدك، فهو ادّعاء انفساخ البيع.
قلنا: نعم هو كذلك، والعصير إذا استحال خمراً، فهل نحكم بانفساخ الرهن.
فإن قيل: إذا كانت النجاسة في ظرف المشتري، فاللبن ينجس بملاقاة النجاسة، فليس ما ادعاه البائع إقباضاً على الصحة.
قلنا: ليس كذلك؛ فإن اللبن إذا حصل في فضاء الظرف، ثبت له حكم القبض جزءاً جزءاً، قبل أن يلقى النجاسة.
هذا بيان قوله.
فلينظر الناظر في ذلك.
فصل قال: " ولا بأس أن يرهن الجارية ولها ولد صغير؛ لأن هذا ليس بتفرقة ... إلى آخره " 1. 3626 - التفرقة في البيع بين الأم وولدها الصغير حرام؛ قال النبي عليه السلام: " لا تُولَّه والدة بولدها " 2. ثم إن بيعت الجارية دون الولد، أو بيع الولد دون الجارية، وارتكب المتعاقدان محظور التفرقة، ففي صحة البيع قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب السير، إن شاء الله تعالى، وفيه نذكر حد الصغر المؤثر، والتفريقَ

المؤثر بين الوالد والولد، ثم بين جميع المحارم.
وقدرُ غرضنا الآن أن صحة البيع الواقع على حكم التفرقة فيها قولان: أحدهما - وهو الجديد أن البيع باطل.
والثاني - وهو القديم أن البيع صحيح.
قال الشافعي: لو رهن الأمَّ دون ولدها أو على العكس، فالرهن صحيح؛ لأن ذلك ليس بتفرقة بينهما.
واختلف أصحابنا في معنى هذا اللفظ، فمنهم من قال: معناه أن الرهن لا يوجب التفرقة؛ فإن منافع الأم للراهن، فيجمع بين الأم وولدها، ويكلفها احتضانه وإرضاعه.
ومنهم من قال: معنى قوله: إن ذلك ليس بتفرقة أن البيع منتظرٌ، [فإذا مست الحاجة إليهِ، لم يفرق بين الأم والولد، فإذا ثبت صحة الرهن] 1 فإذا مست الحاجة إلى البيع بأن حَلّ الدينُ، فهل يجوز إفراد الأم بالبيع - والتفريع على أن التفريق مفسد للعقد؟ على هذا القول وجهان: أحدهما - أن البيع يبطل إذا تضمن التفريقَ؛ طرداً للقياس.
والثاني - لا يبطل؛ لأن هذا بيع قهري، ولا يمتنع التفريق قهراً لأمر شرعي، وهذا كما لو كان للجارية ولد صغير حُر، فبَيع الأم جائز، والحرية فرقت بين الأم والولد.
كذلك اختصاص الرهن بالجارية يوجب تخصيصه بالبيع.
التفريع: 3627 - إن قلنا: تباع الجارية والولد عند مَحِل الدين، وهو الذي نص عليه الشافعي، فلا حظ للمرتهن في الولد، وقد جرى البيع في الأم والولد، فإذا أردنا توزيع الثمن على الجارية والولد، فما وجه التوزيع؟ هذه المسألة تقتضي تقديم أخرى عليها، وهي بين أيدينا، ولكنا لا نجد بُدّاً من ذكرها الان في غرضٍ لنا.
فنقول: من رهن أرضا بيضاء، وكان فيها نوى، فقبض المرتهن الرهنَ، ثم أنبتت النوى أشجاراً، فلا سبيل إلى قلعها، ولكن إذا حل الحق وبعنا الأرض والغراس، فكيف يقبض الثمنَ المأخوذَ على الأرض والغراس؟ اختلف أئمتنا في ذلك، فقال بعضهم: تقُوّم الأرض بيضاء فإذا قيمتها مائة، ثم نقوّمها مع الغراس،

فإذا قيمتها مع الغراس مائة وعشرون، فقد زاد تقدير الضم على تقدير الانفراد في الأرض البيضاء بعشرين درهماً، والعشرون من المائة والعشرين سدسها، فنحفظ هذه النسبة، فإذا هي نسبة الأسداس، فإذا بعنا الأرضَ والغراس وزّعنا الثمنَ على النسبة التي معنا، فصرفنا خمسةَ أسداسه إلى المرتهن، وصرفنا سُدسه إلى الغرماء الباقين.
هذا وجه.
والوجه الثاني - أنا نقوّم الأرضَ بيضاء، فإذا قيمتها مائة، ونقوم الغراس في الأرض مفردة، فإذا قيمتها خمسون، فنضبط النسبة بأثلاث، فنوزع الثمن عليها، فنصرف ثلثي الثمن إلى المرتهن، وثلثه إلى الغرماء.
فهذا بيان الاختلاف في مسألة الأرض والغراس.
3628 - عدنا الآن إلى الجارية وولدها وقد بيعا.
وقد يحسن فرض هذه المسألة إذا كانت الأم مفردة وليست ذات ولد، أو بيعت دون ولدها، وكان ثمنها أكثرَ لانفرادها، وإذا بيعت مشتغلة بحضانة الولد، فقيمتها أقل، وعند ذلك يظهر التردد والاختلاف، وقد اختلف أصحابنا في كيفية التوزيع، فقال بعضهم: التوزيع على الأم والولد كالتوزيع على الأرض والغراس، وفيه وجهان نعيدهما: أحدهما - أنا نقوم الأم وحدها فإذا قيمتها مائة.
ونقوّمها مع الولد، فإذا قيمتها عند الضم مائة وعشرون.
فقد زاد سدس، فليقع التوزيع على الأسداس.
هذا وجه.
والوجه الثاني - أنا نقوم الأم وحدها، فإذا قيمتها مائة، ونقوم الولد وحده مضموماً إلى الأم، فإذا قيمته وحده مع الأم خمسون، فيظهر لنا نسبة الأثلاث.
فليقع التوزيع كذلك.
وهذا بعينه ما ذكرناه في الأرض والغراس في الوجهين.
هذه طريقة.
وهي اختيار الشيخ أبي علي، والقاضي.
وذكر صاحب التقريب هذه الطريقة، وذكر معها طريقة أخرى واختارها، فقال: ينبغي أن تقوم الأم مع الولد وهي حاضنة، ويقوم الولد مع الأم، ولا يفرد واحد منهما بالتقويم على تقدير الانفراد، بخلاف مسألة الغراس، والفرق أن الجارية رهنت وهي ذات ولد، فاستحق المرتهن بيعها على نعت الضم، وليس الأرض كذلك؛ فإنها رهنت إذْ رهنت ولا غرس، ثم حدث الغراس من بعدُ، كما سنصوره على

الاستقصاء، إن شاء الله تعالى.
ونحن قدرنا الأرض بيضاء في الوجهين جميعاً، ورددنا الاختلاف إلى كيفية اعتبار قيمة الغراس، وهاهنا لا تعتبر قيمة الجارية وحدها لما نبهنا عليه.
فليتأمله النّاظر؛ فإنه حسن.
قال صاحب التقريب: نظير مسألة الغراس من الجارية ما لو رهنت، ولم تك ذاتَ ولد، ثم علقت بمولود رقيق، وولدت فيطابق هذا على صورة الغراس؛ من حيث انعقد الرهن وتم والأم على نعت التفردِ، كالأرض البيضاء، فلا جرم [يجري] 1 في التوزيع عند بيعها الخلافُ الذي ذكرناه في الأرض والغراس.
3629 - ومن تمام البيان في هذا الفصل: أن ما ذكرناه من المطابقة في التوزيع إنما يحسن وقعه وأثره إذا حُجر على الراهن، أو مات والديون محيطةٌ مستغرقة، واختلفت الأغراض في التوزيع، فالكلام على ما ذكرناه.
فأما إذا لم يفلس الراهن، ولم يضق مالُه، وبعنا الجارية والولد، فعلى الراهن توفيرُ الدين كَمَلاً 2، ولا يكاد يظهر فائدة المسألة.
هكذا قال الشيخ أبو علي.
وهذا فيه فضل نظرٍ يُبيّنُه كلامٌ: وهو أن المرهون إذا بيع في دين المرتهن، فلو أراد الراهن أن يصرف طائفة من مالِه إلى دين المرتهن سوى الثمن المحصّل من بيع الرهن فهل يسوغ ذلك أوْ لا؟ والوجه القطع بجوازه، كما لو أدى الدين، وفك به الرهن، فتَعَلُّقُ حقِّه بثمن البيع، كَتَعَلُّق حقِّه بالمرهون قبل أن بيع.
ولو أراد أن يتصرف في ثمن الرهن قبل أن يؤدي حق المرتهن.
لم يكن له ذلك.
وإذا أراد أن يتصرف فيما يقابل الولد المضمومَ، فله ذلك، وثَمَّ القدر الذي يقابل به الولد فيه الاختلاف المقدم.
ولاح بهذا أن أثر الخلاف قائم في حق المطلَق قيامَه في حق المحجور.
والغرض أن نبيّن أن متعلَّق الرهن [والوثيقة] 3 من الثمن المحصل من الجارية والولد كم؟ فإذا

بانت الكمية، ظهر أمرُها عند الحجر في الفضّ 1 على الغرماء، وعلى المرتهن.
ويظهر أثرها حيث لا حجر في تصرف الراهن فيما يزيد على مقدار الرهن.
فصل قال: " ولو ارتهن نخلاً مثمراً، قال ثمر خارج من الرهن ... إلى آخره " 2. 3630 - إذا رهن نخيلاً عليها الثمار، واقتصر على تسمية النخيل، ولم يسم الثمار نافياً ولا مُثبتاً، نُظر: فإن كانت الثمار مؤبّرة، فلا شك أنّها لا تدخل في مطلق تسمية النخل؛ فإنها لا تدخل في تسميتها في عقد البيع على قُوّته، فلأن لا تدخل في حكم الرهن تحت الأشجار أولى، وإن كانت النخيل مُطْلِعَةً، ولكن لم تكن مؤبرة، فقد ذكرنا في كتاب البيع أنها تدخل تحت تسمية النخيل في البيع المطلق، وهل تدخل في حكم الرهن تحت تسمية النخيل؟ ظاهر المذهب أنها لا تدخل.
والرهنُ في ذلك يخالف البيعَ، والفارق أن البيع يزيل الملك في الأصل، فلا يبعد أن يقوى على الاستتباع.
والرهن لا يقطع ملك المالك عن الأصل؛ ولا يرفع سلطانه، وكأنه موعد في دوام الملك أوجب الشرع الوفاء به، فاختص وجوب الوفاء بمورده المسمى، ولذلك لا يتعدى الرهنُ إلى الزوائد التي ستحدث في مستقبل الزمان، والملك في البيع يُثبت للمشتري حق الملك فيما يتجدد.
وخرّج طوائف من الأئمة قولاً آخر في الرهن، وهو أن الثمار تتبع تسمية النخيل إذا لم تكن بارزة 3، قياساً على البيع، وذلك لأنا لم نتبِع الثمارَ النخيلَ في البيع لقوة البيع، ولكنا رأينا الثمار الكامنة جزءاً متصلاً كامناً، واعتقدنا اللفظ شاملاً.
وهذا يستوي فيه القوي والضعيف.
وهذا القول منقاسٌ، وهو مأخوذ من أصلٍ مع القول الأول، وهو أن من باع

حاملاً، ثبت الحمل مستحقاً للمشتري، والتردد في أنه هل يقابله قسط من الثمن أم لا.
ولو رهن جارية حاملاً، ففي تعلق حق الوثيقة بالحمل الموجود حالة الرهن قولان.
والرأي ترتيب الثمار غيرِ المؤبرة على الحمل، فإن قضينا بأن الرهن لا يتعلق بالحمل، فلأن لا يتعلق بالثمار أولى، وإن قلنا: يتعلق الرهن بالحمل، ففي تعلقه بالثمار قولان.
والفرق أن الحمل لا يقبل التصرف على الانفراد، [فكان حريّا بالتبعية والثمار تقبل التصرف على الانفراد] 1. 3631 - ومسائل الحمل ستأتي إن شاء الله تعالى.
ولكنا نعجل منها شيئاًً، فنقول: إن قلنا: رهن الجارية الحامل لا يتناول الحملَ، فلو قال: رهنتها مع حملها، ففي هذا تردد للأصحاب، والظاهر أن رهن الجارية لا يتعلق بالحمل؛ فإنه إذا لم يمتنع، فتقدير الانفراد فيه بالذكرِ لا وجه له؛ إذ لو ساغ ذلك، لجاز إفراده بالرهن دون الأم.
وهذا الرمز الآن كافٍ.
وسنعود إليه عند ذكرنا مسائل الحمل، إن شاء الله تعالى.
فصل قال الشافعي بعد تقرير المذهب في أن الرهن أمانة: " وإذا رهنه ما يفسدُ من يومه ... إلى آخره " 2. 3632 - أما القول في أن الرهن أمانة، فسيأتي في باب معقود، إن شاء الله تعالى.
ونحن نذكر الآن تفصيلَ المذهب في رهن ما يتسارع إليه الفساد، فنقول: إذا رهن الفواكه الرطبة وغيرَها مما يتسارع إليه الفساد، نظر: فإن رهنها بدين حالٍّ، صح، ثم إن أدى الدين من موضع آخر، فذاك.
وإن اتفق بيعُها في الدين، وصرف ثمنها إليه،

فهو المراد.
وإن لم يتفق الصرف إلى الدين، وأشرف المرهون على الهلاك، فلا خلاف أنه يباع، ويوضع الثمن رهناً مكانه؛ إذ لا طريق إلى استيفاء الحق إلا هذا الطريق، والرهن يتضمن توثيقاً، فإذا أشرف محلّ الوثيقة على الهلاك، ولو هلكت، لضاعت الوثيقة، فالوجه في تبقية الوثيقة البيعُ ووضع الثمن رهناً مكان المبيع.
3633 - وإن رهن ما يتسارع إليه الفساد بدين مؤجل، نظر: فإن عرفنا أن حلول الأجل يتقدم على فساد المرهون، صح الرهن، وكان كما لو رهن بدين حالّ، وانتظم الترتيب على ما ذكرناه.
وإن عرفنا أن الفساد يسبق حلولَ الأجل، فتنقسم المسألة أقساماً: منها أن يرهن ويشترط البيع عند الإشراف على الفساد، فإن كان كذلك، صح الرهنُ، ولزم الوفاء بالشرط إذا مست الحاجة إليه، فإذا أشرف على الفساد، بيع ووضع الثمن رهناً.
ومن الأقسام أن يرهن ويُقرن 1 [الرهن] 2 بشرط أن لا يباع عند ظهور الفساد، فإن كان كذلك، فالرهن فاسد؛ فإنّ شرط تبقيته يتضمن فساده، وهو مناقض للتوثق، فجرى الشرط مخالفاً لوضع الرهن.
ومن أقسام المسألة أن يطلق الرهن من غير تعرض لشرط البيع أو نقيضه، فإذا كان كذلك، ففي المسألة قولان منصوصان: أحدهما - أن الرهن صحيح، ومطلقه محمول على البيع عند الحاجة ووضع الثمن رهناً.
والقول الثاني - أن الرهن فاسد، ومطلقه محمول على تبقية الرهن، وإن كان يفسد، فهو كما لو قيَّد بأن لا يباع.
فإن قيل: أليس لو رهن ما يتسارع إليه الفساد بدين حال، كان صحيحاً قولاً واحداً.
وإذا مست الحاجة إلى بيعه ووضع ثمنه رهناً، بيع، ولم يختلف في ذلك، والرهن مطلق في الموضعين، فما الفاصل؟ قلنا: إذا كان الدين مؤجّلاً، فحكم الرهن التبقية في حال سقوط المطالبة بالدين.

هذا حكم الإطلاق في الرهن بالدين المؤجل.
فكان تردد القول لذلك.
وإذا كان الدين حالاً فالطلِبة حاقّة، لا تأخير فيها يُشعر بتبقية الرهن إلى ثبوت الطلبة.
ولو كان المرهون بالإضافة إلى الأجل بحيث لا يقطع بفساده قبل الحلول، وكان لا يقطع ببقائه أيضاًً، وتردد الاحتمال، ففي جواز الرهن المطلق من غير تقييد بالبيع عند الإشفاء على الهلاك قولان، مرتبان على القولين فيه إذا كان يهلك المرهون قبل الأجل لا محالة.
وهذه الصورة أولى بالصحة من الأولى.
ووجه الفرق بيّن.
وقد كنا بنينا رهن المعلّق عتقُه بصفة توجد قبل حلول الأجلِ على رهن ما يتسارع إليه الفساد قبل حلول الأجل، وخرّجنا صحة الرهن على قولين.
قال صاحب التقريب: إذا فرعنا على قول صحة الرهن، فقربت الصفة، وكاد العتق أن يقع، بعناه بَيْعَنا الطعامَ المشرفَ على الفساد.
وإذا كان الأصل كالأصل، فالتفصيل كالتفصيل.
وإذا رهن ما لا يتسارع إليه الفساد، فطرأ بعد لزوم الرهن سبمب يقرّبه من الهلاك قبل حلول الأجل، فطريان ذلك لا يوجب انفساخ الرهن وفاقاً.
وإن منعنا رهنَ ما هذه صفته ابتداء على أحد القولين، وتسرُّعُ 1 الفساد طارئاً ومقارناً -على منع الرهن ابتداء- يضاهي إباق العبد، فإذا اقترن، منَعَ، وإذا طرأ، لم يتضمن انفساخ العقد.
فرع: 3634 - إذا صح الرهن، ولزم في عين ثابتة لا يخشى فسادها، فقال الراهن: نقلتُ حقك في الوثيقة من هذه الرقبة إلى هذا العبد، فقال المرتهن: رضيت.
ذكر أصحابنا في ذلك وجهين: أحدهما - أن هذا يلغو، والوثيقة لا تنتقل، ورضا المرتهن لا يتضمن فسخَ الرهن.
والوجه الثاني - أنها تنتقل وتقرُّ في العبد الثاني، وما جرى بينهما يتضمن فسخاً للرهن الأول، وإعادةً له في المحل الثاني.

وأخذ العلماء هذا الخلافَ من رهن ما يفسد قبل الأجل.
ووجه الأخذ منه أَنَّ الرهن فيما يفسد تضمن نقل الوثيقة إلى عوضِ المرهون بتقدير البيع.
فقالوا: إذا كنا نجوز ذلك، فما يمنع من نقل الحق اختياراً من محل إلى محل وهذا غير سديد؛ فإن بيع ما يفسد مستحق شرعاً وإقامة الأثمان والقيم مقام الأصول قاعدة ممهدة في الشرع، فأما نقل حق مستقر من محل إلى محل، فليس له أصل من غير حاجة، ولا ضرورة، وليس النقل والرضا مشعراً بالفسخ والإعادة على التحقيق، وليس كما لو قال لمالكِ عبدٍ: أعتق عبدَك عني؛ فإن هذا من ضرورته تقديم نقل الملك، فكان ضمناً لاستدعاء العتق.
وأما نقل الوثيقة، فمبنيٌّ على اعتقاد إبقاء الرهن الأولى، مع نقل موجبه، وعلى هذا يخرّج 1 انتقال الوثيقة من المثمن إلى الثمن، فالوجه إفساد الرهن من عين إلى عين.
فرع: 3635 - إذا رهن ما لا يفسد، ثم طرأ عليه ما يقرّبه من الفساد قبل القبض، وقلنا: لا يصح رهن ما هذا وصفه، ففي انفساخ الرهن وجهان مبنيانِ على الوجهين في نظائر هذا، كطريان الجنون والموت، وطريان جناية المرهون.
والتفريع على منع رهنه.
ولو قُتل العبد المرهون قبل القبض، ففي تعلق حق الوثيقة بقيمته الواجبة على المتلف الوجهان المذكوران؛ فإن القيمة تقع ديناً، والديون لا ترهن، ولكن إن جرى ذلك بعد تأكُّد الرهن بالقبض احتُمل على ارتقاب أن تستوفى القيمة وتعيّن.
ثم من يقول من أئمتنا إذا استحال العصير خمراً، زال الرهن ثم يعود إذا تجددت الحموضة، ما أراه يطلق القول بأن الرهن يزول بانقلاب المالية في عين الرهن ديناً؛ فإن حقيقة المالية باقية.
والقول في هذا محال.
هذا إذا كان بعد القبض.
فأما إذا جرى الإتلاف قبل القبض، ففي انفساخ الرهن ما ذكرناه.
ولو صادف الرهن عيناً ثابتة، فعرض لها بعد القبض عارض يدنيها من الفساد، فقد

تمهد أن الرهن لا ينفسخ، وقطع الأئمة بأنه يستحق بيعه ووضع ثمنه رهناً.
وكان شيخنا يقول: إذا كان إتلاف المرهون يتضمن نقلَ حق المرتهن إلى القيمة، فيتبين أن حقه المستحَق غيرُ منحصر في العين، فعلى هذا يكون [الإشفاء] 1 على الهلاك بمثابة إتلاف المرهون من ضامن.
فصل قال: " ولو رهنه أرضاً بلا نخل، فأخرجت نخلاً ... إلى آخره " 2. 3636 - إذا كان الراهن دفن أعداداً من النوى، ورهن الأرض البيضاء قبل أن تنبت النوى فنبتت، فليس للمرتهن القلعُ؛ فإن الرهن ورد على الأرض وفيها النوى.
ولكن إن كان عالماً بذلك، فليس له فسخ البيع الذي الرهنُ شرطٌ فيه.
وإن كان جاهلاً، ثم تبين، فله فسخ البيع الذي الرهن شرط فيه، من قِبل أَنَّه حسب أن الساحة البيضاء [تَسْلَم] 3 لحق وثيقته، فإذا بأن أنها مشغولة، فذلك نقصٌ، فيترتب عليهِ ثبوت الفسخ في البيع.
وسيأتي أصل ذلك بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
3637 - ولو غشَّى السيلُ الأرضَ المرهونة، وكان في جميعها نوى؛ فنبتت، فلو قال المرتهن: أقلعُه؛ فإنه لم يكن، وإنما حدث بعد لزوم الرهن، لم يكن له القلع قبل حلول الدين؛ إذ لا ضرر عليه في الحال، ولا حاجة إلى بيع الساحة.
وإذا حل الحق، نُظر: فإن كان في قيمة العرصة لو بيعت مع النخيل وفاءٌ بالدين 4، بيعت العرصة، ولم يقلع النخيل، وإن لم يكن فيها وفاء، ولو قلعت دون النخيل، وفت بالدين، ولم يؤدّ الراهن الدينَ من جهة أخرى، فيقلع الغراس لحق المرتهن، وإن

كان القلع مضرّاً بالراهن؛ من قبل نقصان الغراس بالقلع، فالسبب فيه أن الراهن التزم الوفاء بحق الوثيقة في الأرض البيضاء، فلزمه أن يفي بما التزمه.
هذا إذا لم يكن على الراهن دين يوجب اطراد الحجر عليه، فأما إذا ركبته الديون، واطرد عليه الحجر، والمسألة حيث انتهت، فلا سبيل إلى قلع الأشجار رعايةً لحق الغرماء.
فإن قيل: حق المرتهن سابق وفي تبقية الغراس تنقيصُ حقه السابق.
قلنا: نعم ولكن [حق] 1 الغرماء صادفَ الأشجار، وتعلق بها، وليس للمرتهن إلا وثيقة، فلا ينبغي أن يُحبط حقوق الغرماء والمالك بالكلية.
والذي يقتضيه الإنصاف بيعُ الأرض مع الغراس، ثم في كيفية التوزيع على الأرض والغراس خلافٌ بين الأصحاب، ذكرناه في مسألة بيع الجارية وولدها.
3638 - قال الأئمة: إذا رهن الرجل أرضاً بيضاء، وأقبضها، ثم أراد أن يغرسها ابتداء، فهل يمنع من ذلك والدين مؤجل؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يمنع، كما لا يقلع ما نبت من حميل السيل.
والثاني - يمنع؛ فإن هذا إثبات تنقيصٍ في الحال على سبيل الاختيار.
ثم إن لم نمنعه، فالكلام في القلع عند حلول الدين كما تفصَّل.
وإن كنّا نمنعه من الغراس، فلو غرس، ونبت فهل يقلع عليه قبل حلول الأجل؟ فيه اختلاف، توجيهه قريب من توجيه الوجهين في أصل المنع.
فإن قلنا: إنه مقلوع، فلا شك أنه يقلع عند المحِل إذا لم يكن على الراهن حجر.
وهل يقلع إذا كانت عليه ديون واطرد الحجر؟ فعلى وجهين.
ولا يخفى الفرق بين هذا وبين ما لو نبتت النخلات من نوى في حميل السيل؛ فإن ذلك جرى ولا منع يقترن به، بخلاف ما فرعناه في ابتداء الغرس قصداً من الراهن.

فصل قال: " ولو رهنه أرضاً، ثم اختلفا، فقال: أحدثت فيها نخلاً ... إلى آخره " 1. 3639 - إذا صادفنا أرضاً مرهونة، وفيها نخيل، فقالى المرتهن للراهن: رهنتني الأرضَ والنخيل القائمةَ فيها يوم رهنتني.
وقال الراهن: بل رهنتك الأرض بيضاء، وأحدثتَ هذه النخيل بعد الرهن، ولم تكن موجودة حالة الرهن.
فإن كانت المشاهدة تكذب المرتهن؛ بأن تقدّم تاريخ الرهن وامتد سنين، والنخيل بعد فَسِيلٌ لا يخفى أنها نبات سنة، فالمرتهن مكذَّب، ولا حاجة إلى اليمين.
وإن كانت المشاهدة تكذِّب الراهن بأن كان النخيل باسقة، وتاريخ الرهن قريب، فالمشاهدة كذبت الراهنَ في دعواه عدمَ النخيل عند الرهن.
ولكن لا تنفصل معه الخصومة بهذا؛ إذْ لم يثبت إلا وجود النخيل حالة الرهن، ولا يمتنع أن تكون موجودة، ولا تكون مرهونة، فتتوجه الدعوى عليه بالرهن، فإن أصر على قوله الأوَّل، لم يقبل منه، والمشاهدة تكذبه، ويجعل منكراً، وتعرض عليه اليمين، فإن تمادى في محاله 2 الأولى، جُعل ناكلاً، وفصلت الخصومة بطريقها.
وإن اعترف بالوجود آخراً، وأراد أن ينكر الرهن، قُبل منه الإنكار، وكَذْبتُه الأولى لا تسدّ عليه إنكارَ الدعوى، ثم تُدَارُ الخصومة على نظمها.
وإن كانت النخيل بحيث يحتمل أنها كانت يوم الرهن، ويحتمل أنها حدثت بعده بأيام، فالقول قول الراهن في نفي الرهن.
ولو اقتصر على نفي وجود النخيل وكان انتفاؤها ممكناً، فالأظهر أنه يُكتفَى منه بإنكار الوجود؛ فإنّ في إنكار الوجود إنكارَ الرهن المدّعىَ.
والمسألة مفروضة فيه إذا

قال المرتهن: كانت موجودة، فرهنتَها مع الأرض.
ولهذا نظائر فيها ترددٌ للأصحاب.
ستأتي في كتاب الدعاوى.
ولو قال المرتهن: رهنتني هذه الأشجار، ولم يتعرض لوقت رهنها، ولم يذكر اقترانَها ولا تأخرها، فلا ينفع، والدعوى على هذه الصيغة تعرض الراهن لتقدم وجود النخيل وتأخرها؛ فإنه لا يمتنع رهنها، وإن تأخرت.
والمرتهن إنما يدعي الرهن المطلق، وهذا بيِّن إذا لم يكن الرهن مشروطاً في بيع.
فأما إذا كان الرهن مشروطاًً في بيع وصيغة الدعوى كما تقدمت، قال المرتهن: رهنتها مع الأرض يوم رهنتني الأرض.
وقال الراهن: لم تكن النخيل موجودة يوم رهن الأرض، وكانت المشاهدة لا تكذبه، وقد ربطا قوليهما ببيعٍ، فقال المرتهن: شرطتَ رهن الأرض والنخيل.
فإذا قال الراهن: لم تكن النخيل، فقد ذهب المحققون إلى أن هذا الاختلاف ليس مما يوجب التحالف في البيع؛ فإن حاصله راجع إلى التنازع في وجود النخيل وعدمها.
والتحالف إنما يترتب على تنازع في صفة عقدٍ، يتصور التصادق عليها.
وهذا حسن دقيق.
والظاهر عندي أنهما يتحالفان؛ فإنَّ المرتهن ادعى شرط رهن ممكن، وأنكر الراهن الشرط، وعلله بعلة، فالتنازع في صفة العقد قائم، فليجر التحالف.
وإن اتفقا على وجود النخيل، وقال المرتهن: شرطنا في البيع رهنَ الأرض والنخيل، وقال الراهن: لم نشترط إلا رهنَ الأرض، ولم يتعرضا لنفي وجود النخيل، بل توافقا عليه، فهذا اختلافٌ في صفة العقد لا محالة، فيتحالفان ويتفاسخان العقد.
ولو قال المرتهن: لِمَ نتحالف، وأنا معترف بأنك وفَّيت بالرهن المشروط في النخيل، فاختلافنا في الرهن؟ قيل له: هذا أمر تبنيه أنت 1 فرعاً على أصل، والراهن منكرٌ لأصل الشرط، فلا بُدّ من التحالف.

فصل قال: " ولو شرط للمرتهن إذا حل الحق، أن يبيعه، لم يجز أن يبيع بنفسه، إلا بأن يحضره ربّ الرهن ... إلى آخره " 1. 3640 - إذا حلّ الحق، فقال الراهن للمرتهن: بع لي واستوفِ ثمنَه لي، ثم استوفه لنفسك.
فإذا باع، نفذ البيع بالإذن، ثم إذا استوفى الثمنَ، وقع الثمن للراهن، ويكون أمانة بعدُ في يد المرتهن، فإن أراد استيفاءَه لنفسه، فلا بد من وزنٍ جديد إن كان موزوناً [أو كيل جديد إن كان مكيلاً] 2 فإن وزنه ثانياً، فهل يصح الاستيفاء على هذا الترتيب؛ فعلى وجهين، تقدم ذكرهما في كتاب البيع، فإن صححنا الاستيفاء، دخل في ضمانه، وبرئت ذمة الراهن من الدين.
وإن لم نصحح 3 الاستيفاء، فما قبضه على الفساد مضمون عليه، وإن لم يكن مقبوضاً على الصحة عن جهة حقه، فالدين باق في ذمة الراهن.
ومن تمام التفريع في ذلك أنا إذا صححنا الاستيفاء، فالذي ذكره الأصحاب أنه لا بد من إنشاء فعلٍ فيه، وليس كما لو رهن الوديعة عند المودَع، فإنا في قولٍ ظاهر نكتفي بدوام يده، كما تفصّل ذلك، وهاهنا لا بد من فعلٍ في الاستيفاء.
وتعليله واضح؛ فإن الاستيفاء إنما يصح بناء على إذن الراهن، ولفظُه في الإذن "ثم استوف منه حقك" وهذا تصريح بإحداث أمر.
3641 - ولو قال: "بعه لي واستوف الثمن لي، ثم أمسكه لنفسك"، فالظاهر أنه لا بد من فعلٍ في القبض، كما تقدم.
ومن أصحابنا من أقام الإمساك على قول صحة القبض مقام الاستيفاء إذا كان الاستيفاء مأذوناً فيه.

وإذا قلنا: الاستيفاء لا يصح، ثم جعلنا قبضه على الفساد مُدخلاً للثمن في ضمانه، فلو لم يوجد منه فعل، والمأذون فيه الاستيفاء، ولكن نوى أن يمسكه لنفسه، فهذا لا يدخله في ضمانه؛ فإن اليد يد أمانة، والأمانات لا تزول بمجرد النيات.
ولو نوى المودَع تغييب الوديعة، ولم يُحدث أمراً، لم يضمن بمجرد النية.
ولو قال الراهن: بعه لي واستوفِ ثمنه لنفسك، صح البيع، ولم يصح الاستيفاء؛ فإن الغير يستحيل أن يستوفي حقه قبل ثبوت القبض الصحيح لمن يقع الاستيفاء من جهته، وقد مهدنا هذا في البيع.
وإن قال الراهن للمرتهن: " بعه لنفسك "، فباع، فظاهر النص وما ذكره العراقيون، واختاره القاضي أن البيع يفسد؛ لأنه لا يتصور أن يبيع الإنسان مال الغير لنفسه.
وذكر صاحبُ التقريب قولاً آخر ارتضاه لنفسه: أن البيع صحيح بناء على قوله: بعه، والفساد في قوله: لنفسك، فليستقل البيع بالإذن فيه.
وهذا وإن كان منقاساً، فالمذهب ما قدمته.
3642 - ولو قال الراهن للمرتهن: "بعه".
ولم يقل: بعه لي، ولا لنفسك.
هذا موضع الاختلاف الظاهر بين الأصحاب -ولا عود إلى ما ذكره صاحب التقريب- فمن أصحابنا من قال: يجوز له أن يبيع كالأجنبي يقول له مالك العبد: بعه.
ومن أصحابنا من قال: لا ينفذ بيع المرتهن.
وهؤلاء عللوا امتناع البيع بعلتين: إحداهما - أن البيع مستحَقّ للمرتهن بعد حلول الحق، والمسألة مفروضة في هذا، والدليل على أن البيع مستحق للمرتهن أنه لو أذن المرتهن للراهن في البيع مُطلقاً، والحق حالّ، فالبيع يقع للمرتهن، حتى لو أراد الراهن صرفَ الثمن إلى جهة أخرى، لم يجد إليه سبيلاً.
فإذا كان البيع مستحقاً للمرتهن، فالإذن المطلق إذا اقترن باستحقاق البيع في حق المرتهن، نازلٌ منزلة الإذن المقيد بالبيع في حق المرتهن، فإذا قال: "بعه"، فكأنه قال: بعه لنفسك.
هذا إحدى العلتين.

والعلة الأخرى أن المرتهن متهم في ترك النظر؛ فإنه يبغي الوصولَ إلى حق نفسه، فقد يستعجل ذلك، فلا يبالي بترك النظر للرّاهنِ، وليس كالوكيل المطلق؛ فإنه لا حقّ له في البيع، فيبيع لغرض الموكِّل طالباً مصلحته.
ولو قال من عليه الدين لمستحق الدين: "بع هذا الثوب"، ولم يكن مرهوناً، "وخذ حقك من ثمنه".
أمّا البيع، فصحيح؛ فإن بيع ذلك الثوب [ليس] 1 مستحقاً له، فهو فيه كسائر الغرماء.
وبيعه لا يقع إلا بحكم الوكالة.
ثم فَرَّع الأصحاب على العلتين المذكورتين في توجيه أحد الوجهين، فقالوا: إن كان الدين مؤجّلاً، فقال الراهن للمرتهن: " بعه "، فهذا يخرّج على المعنيين؛ فإن منعنا البيع عند حلول الحق لكون البيع مستحقاً على التحقيق الذي مضى، فهذا المعنى مفقود قبل حلول الأجل؛ فإن البيع غيرُ مستَحق للمرتهن، والدليل عليه أن المرتهن لو قال للراهن قبل حلول الأجل: " بعه "، نفذ البيع، وبطل حق المرتهن، كما مضى تفصيله.
هذا إن عللنا بالاستحقاق.
وإن عللنا بكون المرتهن متَّهماً؛ من جهة استعجال الحق، فهذا المعنى قبل الحلول مفقود أيضاًً؛ فإنه إنما يبيعه بإذنٍ مُطلقٍ، (2 والبيع بماذنٍ مطلق 2) قبل حلول الأجل يفك الرهنَ.
وإن قال قبل حلول الأجل: "بعه واستوفِ حقك"، على التفاصيل المقدّمة، فتتحقق التهمة، ويخرج وجهان؛ فإن عللنا بالاستحقاق، فلا استحقاق.
وإن عللناه بالتهمة، فهي قائمة.
وإن قدَّر الراهن ثمناً للمرتهن، فقال: " بعه بكذا "، فإذا باع بذلك المقدار، فقد زالت التهمة.
فإن عللنا فساد البيع بالتهمة، صح.
وإن عللنا بالاستحقاق، لم يصح.2

فإن قيل: ما وجه التعلّق بالتهمة، وثمن المثل معلوم، فينبغي أن نقول على اعتبار التهمة: إن باع بثمن المثل، صح.
وإن باع بأقل منه، لم ينفذ؟ قلنا: وراء ثمن المثل تهمة؛ فإن الشيء قد يطلب بأكثر من ثمن مثله، فيبيعه المتهم بثمن المثل.
وسر هذا يأتي في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى.
هذا بيان الوجهين وتفريعهما.
ثم لفظ الشافعي دليل على أن البيع بالإذن المُطلق باطل من المرتهن عند حلول الأجل؛ فإنه قال في صدر الفصل: "لو شرط المرتهن إن حل الحقُّ أن يبيعه، لم يجز أن يبيع بنفسه 1 "، فظاهر النص منعُ البيع عند إطلاق الإذن.
ومن قال بالوجه الثاني، وهو القياس، أوّل النص، وقال: قوله: " لم يجز أن يبيعه لنفسه " معناه لم يجز أن يبيعه من نفسه؛ فإنَّ تولِّي طرفي العقد لا يسوغ من الوكيل.
3643 - ومما يتفرع على ما ذكرناه أن الراهن لو أذن للمرتهن في البيع مطلقاً عند حلول الحق، فباعه، والراهن حاضر، فمن راعى التهمة، نفذ العقدَ، ومن راعى الاستحقاق، لم يفصل بين البيع في الحضرة وبين البيع في المغيب؛ لجريان الاستحقاق في الموضعين.
ولفظ الشافعي في صدر الفصل يدل على صحة البيع بحضرة الراهن؛ فإنه قال: " لم يجز أن يبيع بنفسه إلا بأن يحضره ربُّ الرهن ". ومن منع البيع مع حضوره، وسلك مسلك الاستحقاق، أوّل النص، وقال: فيه إضمار كلامٍ، والتقدير: لم يجز أن يبيعه المرتهن إلا أن يحضره الراهن فيبيعه 2.

وهذا على التحقيق استثناء من غير الجنس كما يعرفه ذو الحظ من الأصول.
وبنى بعض أصحابنا الوجهين في الصحة والفساد حيث تتطرق التهمة على وجهين، سيأتي ذكرهما في الوكالة، إن شاء الله تعالى.
وذلك إذا وكل الرجل وكيلاً ببيع ماله، فباعه الوكيل من أبيه أو ابنه، ففي صحة بيعه وجهان، وسببهما تمكن التهمة من الوكيل في بيعه من أبيه أو ابنه.
هذا كله في إذن الراهن في البيع، وترديد القول في إطلاقه وتقييده.
3644 - ومن بقية الكلام في الفصل أَنَّ الراهن عند حلول الحق لو أراد أن يستقلّ ببيع المرهون، وصرف ثمنه إلى المرتهن، لم يكن له ذلك أبداً، فإن طابقه المرتهن، فذاك، وإلا لا خلاص له إلا بأن يرفع الأمر إلى القاضي، ثم القاضي يقول للمرتهن: ائذن في بيعه، وخذ حقك، كما مضى، أو أبرئه عن حقك.
ولو سلطنا الراهن على الاستقلال بالبيع، لبطل أثر التوثق، وحبسُ المرتهن، ومنعُه من التصرف.
ولو أراد المرتهن أن يبيع الرهن بنفسه، فإن أمكنه مراجعةَ الراهن، واستيفاءَ الحق منه، فليس له أن يستقل بالبيع.
وإن غاب الراهن، أو جحد، ولا بينة، وتعذر استيفاء الحق منه، فقد قطع الأصحابُ بتنزيل المرهون، والحالة هذه منزلَة شيء يظفر به مستحِق الدين من مال من عليه الدين.
وفيه تفصيلٌ واختلافُ قول سيأتي في كتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فلا أثر للرهن إذاً، إذا كان لا يسلطه على البيع قولاً واحداً.
قلنا: أثره يبين في زحمة الديون وضيق المال؛ فإن ذلك إذا وقع قُدِّم المرتهن بالرهن، وإن لم يكن الرهن، وكان قد ظفر بشيء من ماله، وهو تحت يده، استرددناه منه، ورددناه في جملة الأمتعة، وتركناهم يتضاربون على أقدار الديون.
وقد نجز الفصل بما فيه.

فصل قال: " ولو كان الشرط للعَدْلِ، جاز بيعُه ما لم يفسخا، أو أحدهما وكالته ... إلى آخره " 1. 3645 - إذا حل الحق، فقال الراهن أحضر الرهنَ، وأنا أؤدي دينك من مالي، لم يلزم المرتهن أن يُحضره.
ولو رفع الأمر إلى مجلس القاضي، والتمس منه أن يُلزم المرتهن إحضارَ الرّهن، حتى يقعَ قضاءُ الدين واستردادُ الرهن بمرأىً من القاضي، لم يُلزم القاضي المرتهن ذلك، وقال: حقه في الوثيقة قائم حتى يؤدَّى دينُه، ثم إن أدّاه فليس على المرتهن إحضارُ الرهن؛ فإن الرهن أمانة وليس على المؤتمن ردُّ الأمانة.
نعم، لا يُمنع صاحبُ الأمانة من أَخذها.
ولو أراد الراهنُ بيعَ المرهون وأداءَ الدين من غير ثمنه، لم يكن له ذلك.
كما تقدّم.
ولو قال للقاضي: أريد أن أؤدي حقَّه من ثمن الرهن، فليس للمرتهن أن يُلزم الراهن تحصيلَ الدين من جهةٍ أخرى، ولا فرق بين أن يكون قادراً على أداء الدين من جهةٍ أخرى وبين أن يكون عاجزاً، كما قدمناه من منع البيع فيه، إذا كان يزعم أنه يؤدي الدين من غير ثمن الرهن.
3646 - ومما يليق بتمام البيان في ذلك: أن البيع لو كان لا يتأتى إلا بإحضار الرهن، فلا يكلّف المرتهنُ إحضارَه؛ إذ قد يكون عليه في ذلك كُلْفة أو مؤنة، وعلى الراهن إذا أراد قضاء الدين من ثمن الرهن أن يتكلف إحضارَه، ويبذل مُؤنة إن مست الحاجةُ إلى بذلها، ثم قد لا يثق المرتهن بيده، فلا يسلمه إليه، ولا تنفصل الخصومة إلا بالقاضي، فإنه يبعث من يعتمده، حتى يكون هو المُحضِر.
وإن مست الحاجةُ إلى مؤنةٍ، بذلها الراهن.
3647 - ثم نظم الشافعي فصولاً في تعديل الرهن على يد عدلٍ، ومزج بها جملاً من أحكام الوكالات، وقضايا الأمانات.
ولو أُخرت إلى مواضعها، لتعطلت فصولُ

الكتاب؛ فلا وجه إلا ذكرها بما يتعلق بها على الاستقصاء.
فإذا وقع التراضي على تعديل الرهن على يد عدلٍ، جاز ذلك، وكانت يدُ العدل نائبةً عن يد المرتهن، ولا شركة في اليد للراهن؛ فإن حق القبض للمرتهن.
ولكن لو أراد المرتهن أن يستردَّ الرهن من العدلِ؛ صائراً إلى أن الحق في القبض لي، لم يكن له ذلك؛ من جهة أن الراهن قد لا يثق بالمرتهن؛ وإنما يقع التعديل لهذه الحالة؛ فالراهن وإن لم يكن له حق في القبض، فله حق رعاية ملكه، وقد رأى التعديل وجهاًً في الرعاية.
ثم إن أذن الراهنُ للعدل في بيع الرهن عند محِل الحق، وصرفِه إلى المرتهن، لم ينفذ بيعُه دون إذن المرتهن؛ فإن بيع الراهن لا ينفذ إلا على التفصيل المقدّم.
فكيف ينفذ بيع وكيله؟ ولو وكل الراهنُ العدلَ بالبيع ورضي بالبيع المرتهنُ، فينفذ بيعُه إذا داما على الرضا.
ولو عزله الراهن، ارتفعت الوكالة بالبيع، فإن أراد الراهن أن يبيع العدلُ، جدد توكيلاً.
وإن لم يعزله الراهن، ولكن قال المرتهن: "لا تبعه"، بعد أن رضي، لم يبع؛ فإن إذنه معتبر في البيع، وإذا اعتبر إذنه ابتداءً، اعتبر استمراره عليه.
وإذا رجع، بطل إذنه.
ثم هل يقال: تبطل الوكالة أم لا؟ قال المحققون: الوكالة قائمة؛ فإن العدل في البيع وكيلُ الراهن، وليس وكيلُ الراهن وكيلَ المرتهن.
نعم.
إذا رجع المرتهن عن الإذن، انخرم شرطٌ في نفوذ تصرف الوكيل، فإذا أعاد الإذنَ، فالوكالة الآن على شرطها، والتصرف نافذ.
وذهب بعض الضعفة إلى أن رجوع المرتهن عن الإذن، يوجب رفع الوكالة، فعلى هذا إذا عاد فأذن، فلا بد من توكيلٍ جديدٍ من الراهنِ.
وهذا ضعيف غيرُ معتد به.

3648 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الراهن والمرتهن لو أذنا للعدل في بيع الرهن عند محلِ الحق، واستمرّا على الإذن، فهل يستبد العدل بالبيع، دون مراجعة الراهن والمرتهن؟ أم كيف السبيل فيه؟ ذكر العراقيون وجهين في تعيُّن مراجعة الراهن: أصحهما - أن المراجعة لا تجب.
ووجهه بيّن.
والثاني - أنها واجبةٌ؛ فقد يبدو له أن يستبقي الرهنَ، ويؤدي الدين من سائر ماله.
وهذا يعتضد بأمرٍ يتعلق بالتصرف، وهو أن الاستنابات قِبَل الحاجات تجري في العادات، ثم إذا حقت الحاجة، فالعادة مطردةٌ بالمراجعة، فحُمل المطلقُ على هذا.
وهذا ضعيف، والأصل الاستمرار على الإذن.
فإن أراد الراهن رفعه، عزله.
ولا خلاف أن المرتهن لا يراجع؛ فإن غرضه توفيةُ الحق، وليس له في الرهن حق ملكٍ، أما الراهن، فقد يستبقي الملكَ، ويؤدي من موضعٍ آخر.
وهذا ليس خالياً عن الاحتمال، إن صح ذلك الوجه البعيد.
فصل قال: " ولو باع بما يتغابن الناسُ بمثله، فلم يفارقه حتى جاء من يزيده، قَبِلَ الزيادة ... إلى آخره " 1. 3649 - هذا من فصول الوكالة، فنفرضه في العَدْل (2 وهو مُطّردٌ في كل وكيل.
فإذا وكّل الراهنُ العدل 2) ببيع الرهن، ورضي المرتهن، والتوكيل مطلق، فالعدل مأخوذ في إطلاق التوكيل برعاية ثلاث خِلال: أحدها - ألا يبيع بغبن.
وسيأتي تفصيل الغبن.
والخصلةُ الأخرى - ألا يبيع إلا بنقد.
والثالثة - ألا يبيع نسيئة.
فإن باع بثمن المثل، وكان مع المشتري في مجلس العقد، فأشرف عليهما من يزيد في الثمن.
فنقول: أولاً إذا كانت السلعة تطلب بأكثر من ثمن مثلها، فليس للوكيل أن2

يبيعها ب ثمن المثل؛ وهذه غبينة 1 بين أرباب المعاملات.
3650 - فإذا تمهد هذا، قلنا: إذا جاء من يزيده، فظاهر النص يشير إلى أنه يبيع تلك السلعة ممن يزيد في الثمن.
فإذا قَبِلَ 2 الزائدَ، ترتَّب عليه تحصيلُ الزيادة، وانفساخُ البيع الأول.
وهذا قد استقصيناه في أول كتاب البيع.
ولا بد من تجديد العهد به.
فنقول: من باع سلعة، ثم باعها في زمان الخيار، أو مكان الخيار، ففي هذا البيع أوجه: أحدها - أنه ينفذ.
ثم من ضرورة نفوذه انفساخ العقد الأول.
والثاني - أنه لا ينفذ، ولا ينفسخ به العقد الأول.
والثالث - لا ينفذ، وينفسخ به العقد الأول.
وقد ذكرنا الأوجه وفرعناها.
فإن وقع التفريع على نفوذ البيع الثاني، وانفساخ الأول، فالوجه أن يبيع؛ فإنه إن قبل من زاد، حصل الغرض، وإن أبى، فالبيع الأول قائم كما كان.
3651 - وحق هذه المسألة أن تُرتَّب على الوجه الذي نصفه.
فيقال: إن قلنا: البيع في زمان الخيار فاسد، ولا بد من جلب الزيادة الظاهرة من هذا الذي زاد، فالذي يقتضيه مساق الكلام أن فسخ العقد الأول مستحق.
وإذا كان كذلك، فلا خِيَرة في إبقاء ذلك، ولا سبيل إلى أن نقول: يلزم الوكيلَ الفسخُ، فيتيعن من مجموع ما ذكرناه أن ذلك العقد ينفسخ، وهذا معنى استحقاق الفسخ، ثم سبب الفسخ تحصيل الزيادة.
فلو حكمنا بالفسخ لمّا ظهرت الزيادة، وأردنا البيع ممن زاد، فإن وافق، وابتاع بما كان يذكر، فذاك.
وإن امتنع، ولم يُتم ما وعد، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: انقطع العقد [الأول] 3، فليبتدىء الوكيلُ بيعاً إن فوض إليه.
وهذا أوجه.
وقياسه بيّن.

ومن أصحابنا من قال: إذا أبى هذا الذي زاد، تبين أن الفسخ الذي حكمنا به غيرُ نافذ، فكأنه كان فسخاً موقوفاً على هذا الوجه، وكان سببه الطمع في تحصيل الزيادة، فإذا أيسنا من تحصيلها من هذه الجهة، فالعقد قائم كما كان.
وضُرب لذلك مثل 1، وهو أن الابن إذا بذل الطاعة لأبيه في الحج، فلم يرشحه الأب لذلك، ثم رجع الابن قبل حج الحجيج في تلك السنة، فنتبين أن ما حسبناه استطاعةً، لم يكن استطاعة، ولا يستقر الحج في ذمته.
هذا إذا حكمنا بأن الفسخ مستحَق، وبيّنا وجه الاستحقاق فيه، ثم أنهينا التفريع منتهاه في هذا الطريق.
قال الشيخ أبو محمد: إذا كان فوض البيعَ عوداً على بدء إلى هذا الوكيل، فلما بدت الزيادة، أراد أن يحصِّلها بأن يبيع من الزائد، وفرعنا على صحة البيع، ونفوذ الفسخ به، فعلى هذه الطريقة لا نحكم بأنفساخ العقد، إذا كان الوكيل سلك المسلك المستصوب.
فإن امتنع منه حينئذٍ، حكمنا بالانفساخ، وعاد التفريع إلى ما ذكرناه.
3652 - فامَّا إذا قلنا: لا يصح هذا الطريق، ولا بد من تقدير ارتفاع العقد الأوَّل، فلا سبيل إلى الحكم بوجوب إنشاء الفسخ كما مضى، فرجع الكلام إلى أن البيع في مكان الخيار إن صححناه، وضمّنَّاه الفسخَ، فهو وجهٌ إن أنشأه الوكيل.
وإن امتنع منه، أو قلنا: لا يصح البيع، تعين الحكم بالانفساخ، ثم هو نافذٌ، أو موقوف على ما ذكرناه.
وممّا لا بد من ذكره أن الوكيل بالبيع لو باع، ثم فسخ العقد، فهل له أن يبيع مرة أخرى؟ فيه تفصيل يأتي في كتاب الوكالة.
والقدر الذي نذكره هاهنا أن الأصحاب اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: ليس له أن يبيع إلا بتوكيل جديد؛ فإنه لم يوكل إلا ببيع واحد.
ومنهم من قال: له البيع من

غير توكيل جديد؛ فإنه وُكِّل ببيع يتم ويؤدي إلى الغرض، فإذا لم يتم، وفُسخ، فهو مأمور ببيعٍ يتم على موجَب التوكيل الأول.
وسنكشف هذا في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى.
فصل قال: " وإذا بيع فثمنه من الراهن حتى يقبضه المرتهن ... إلى آخره " 1. قوله: " من الراهن "، أي من ضمان الراهن.
3653 - مقصود هذا الفصل ذكر طرفٍ من العُهدة على الوكيل، وبيانُ قرار الضّمان، وذكرُ سببه، فنقول: للعهدة ثلاثةُ أركان في قاعدة المذهب: أحدها - في توجيه الطلب.
فنقول: من اشترى بالنيابة شيئاًً لموكِّله، فهل للبائع توجيه المطالبة بالثمن على الوكيل؟ نُظر: فإن عقد العقد بلفظ السفارة، ولم يضف الشراء إلى نفسه فقال: " اشتريت لفلان "، ولم يقل: " اشتريت " مطلقاًً، فلا مطالبة على السفير.
والنكاح لما كان لا يعقد إلا بالسفارة، لم تتوجه الطلِبة على السفير القابل للزوج.
فإن أضاف الوكيل الشراءَ إلى نفسه، فقال: اشتريتُ، فإن لم يعلم البائع كونَه وكيلاً، فلا شك أنه يطالبه.
وإن علم أنه وكيل واعترف به، فله مطالبة الموكِّل، لم يختلف فيه أصحابنا.
وإنما اختلفوا في مطالبة سيد العبد المأذون؛ لِما ذكرناه في مسائله.
وهل يطالب الوكيل؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: لا مطالبةَ؛ فإنه سفير في الحقيقة، ولم يصرح بالسفارة، فأشبه ما لو صرح بها.
والوجه الثاني - أنه يطالبه بالثمن، وإن علم كونَه وكيلاً؛ فإن قوله: اشتريتُ التزام، فإذا كنا نُلزم من يقول: ضمنتُ الدينَ، فلا بُعْدَ لو ألزمنا من يقول: اشتريت أو قبلتُ.
هذا ركنٌ من أركان العُهدة.
ثم إذا غرم الوكيل، فلا شك أنه يرجع على الموكِّل، ولا تفصيل في ذلك.

بخلاف ما لو قال من عليه الدين لرجل: " اضمن عني الدينَ ". فإذا ضمنه، وغرِمه، ففي رجوعه على المضمون عنه خلافٌ إذا لم يقيد المضمونُ عنه الإذنَ في الضمان بشرط الرجوع، وهاهنا لا حاجة إلى ذلك، بل نفس عهدة العقد تقتضي الرجوع بعد الغرم إن اتفق ذلك.
3654 - الركن الثاني من العهدة - تصوير خروج المبيع مستحقاً بعد قبض الثمن.
فإذا باع الوكيل وسلَّم المبيعَ وتسلم الثمن، ثم خرج المبيعُ مستحقاً، فإن كان عينُ الثمن باقياً، استردَّها المشتري، وردَّ المبيع على مستحقه.
ولو تلف ذلك الثمنُ، لم يخل إما أن يتلف في يد الوكيل، وإمّا أن يتلف في يد الموكِّل.
فإن تلف في يد الوكيل من غير تفريطه، فللمشتري الرجوع عليه، ووجهه بيّن، فإنَّ دراهمه تلفت في يده، ولم يكن مؤتمناً من جهته، ثم يثبت له الرجوع إلى الموكِّل، فإنه هو الذي ورَّطه فيما انتهى إليه الأمر، لمّا أمره بالبيع وأقامه وكيل نفسه، فيضمن هذا حق الرجوع عليه، وهذا متفق عليه في عُلقة العهدة، ولا محمل له إلا تعريضه إياه لما جرى، فهو من التغرير الذي يجرّ ضماناً لا محالة.
وهو بمثابة ما لو أودع الغاصب العينَ المغصوبة عند إنسانٍ، والحال مشكل على المودَع، فالطّلِبة تتوجّه عليه، لثبوت اليد في الظّاهر.
ثم إنه يرجع على الغاصب المودع؛ [من جهة أنه غره لمَّا أَوْدع عنده، وإن كان التلف حصل في يد المودَع، فالقرار على الغاصب المودِع] 1. هذا الذي اتفق الأصحاب عليه في الوكيل، الذي نصبه الموكل في البيع والقبض، ثم ثبت الاستحقاق، وقد تلف الثمنُ المقبوض في يد الوكيل، من غير تفريطه.
وقد ذكرنا أن للمشتري مطالبةَ الوكيل بقبضه ماله، ثم له الرجوع على موكِّله لتغريره

إياه، وينتظم منه أن قرار الضمان على الموكِّل؛ فإن أراد المشتري بذلك أن يطالب الموكِّل بالثمن، وما ثبتت يده عليهِ، فلست أرى له ذلك؛ من جهة أن يده ما وصلت إلى عين مالِ المشتري، وإن كان قرار الضمان عليه؛ من جهة الوكيل إذا غرِم، فلم يوجد منه في حق المشتري إلا أنه أمر وكيله بالمعاملة، ومن أمر غيره بغصب مالٍ، لم يصر بأمره غاصباً، فأقصى ما يتخيل في ذلك أنه غرّ وكيلَه، فغرّ وكيلُه المشتري، وهذا لا يوجب انتظام سبب المطالبة بين المشتري وبين الموكِّل، وهذا ما أراه.
وكذلك يجب أن يقال: إذا عُقد النكاح على حكم الغُرور، وألزمنا المغرور قيمةَ الولد لسيد الأمة، ثم أثبتنا للمغرور الرجوع على الغار، فقد جعلنا الغارَّ محلاً لقرار الضمان.
وليس يتجه أن يقال: لسيد الأمة تغريمُ الغارّ ابتداءً، وإن كان الضمان يتوصّل إليه بطريق رجوع المغرور عليه.
وليس هذا كالغاصب إذا أودع؛ فإن للمغصوب منه مطالبة من شاء منهما؛ والسبب فيه أن يد كل واحد منهما اتصل بملك المغصوب منه، فكان مطالَباً لذلك، هذا ما أقدره.
ولستُ أنفي احتمالاً يراه ناظر في تثبيت مطالبة الموكِّل في مسألتنا، والغار في بابِ الغرور، من جهة أن استناد حرية الولد إلى التغرير، لا إلى الإيلاد والإعلاق.
وكذلك القول في الوكيل والموكِّل.
فهذا بيان ما أردناه، والميل إلى الأول.
وقد صرح العراقيون بأن المبيع إذا خرج مستحقاً، وقد تلف الثمن في يد الوكيل، من غير تقصيرٍ منه، فلا يرجع المشتري على الوكيل أصلاً، وإنما يرجع على الموكِّل.
وهذا تصريح منهم بأن المشتري يطالِب المغرِّر.
وألفاظ المراوزة تدل على أنه لا تتوجه المطالبة على الموكّل، وإنما يطالب الوكيل، ثم إذا غرِم الوكيل، رجع على الموكّل.
ونفيُهم مطالبةَ الوكيل بعيدٌ عن قياس المراوزة.
والذي تحصل من ذلك أن الضمان متعلق بالموكِّل استقراراً.
والذي يظهر القطع به أن الوكيل مطالَبٌ.
وفيه وجه ضعيف حكيتُه عن العراقيين، وفي توجيه

المطالبة على الموكِّل ابتداء (1 ترددٌ.
والذي ظهر من كلام المراوزة أنه لا يطالب ابتداءً 1) والذي صرح به العراقيون: أنه يطالبه المشتري ابتداءً.
3655 - وكل هذا إذا تلف الثمن في يد الوكيل، ولم ينته إلى يد الموكل.
فأمّا إذا انتهى إلى يد الموكِّل، فتلف في يده، فلا شك أن المشتري يوجّه المطالبةَ على الموكِّل؛ فإن يده ثبتت على ماله، وإنما التردد المتقدم فيه إذا تلف الثمن في يد الوكيل، فإذا ثبت أن الموكِّل مطالَب من جهة المشتري ابتداءً، فهل له مطالبة الوكيل؟ نُظر فيه: فإن لم يمرّ الثمنُ بيد الوكيل، فلست أرى لمطالبة الوكيل وجهاًً إذا لم تثبت له يدٌ، والعقد لم يصح، حتى يتضمن عهدةً متعلقة بمن تولى العقد؛ إذ المبيع خرج مستحقاً.
وإن مرَّ الثمن بيده، وانتهى إلى يد الموكِّل، ففي مطالبة الوكيل في هذه الصورة جوابان ظاهران في طريقة المراوزة؛ (2 من جهة أن الوكيل متوسط، وقد بلغ المال منتهاه، وتلف في يد الموكِّل، والوكيل مؤتمنٌ 2)، من جهة موكِّله، والمشتري وإن لم يوكِّله، فإنه يسلم الثمنَ إليه، ليسلّمه إلى موكِّله، فكأنه من هذا الوجه مؤتمن -من جهة المشتري- مأذون 3 له في إيصال الثمن إلى موكله.
وقيل تتعلق الطَّلِبة به؛ لأن أخذ المال كان على حكم العُهدة.
وكل ما ذكرناه فيه إذا باع العدل بتوكيل الراهن، وأذن المرتهن، ثم جرى ما وصفناه.
3656 - فأمّا إذا تولى الحاكم بنفسه بيعَ الرهن عند اتصال الخصومة بمجلسه، وقبض الثمن ليوصله إلى جهته، فتلف في يده، ثم خرج المبيع مستحقاً، فقد أجمع أصحابنا على أن الحاكم لا يتعلق به طَلِبةٌ، ولا ضمان، ولا يقال: يطالَب به، ثم يرجع؛ فإن الحكام لو تعلقت بهم العهدة في العقود التي يُنشِئونها لظاهر الاستصلاح،12

لعظم الأمرُ وكثرت المشقة، فاتفق الأصحاب على إخراج الولاة في أمثال هذه العقود عن العهد، والطّلِبةِ، والتغريمِ، ابتداء وقراراً.
وإذا كان كذلك، فلا بد من إثبات الرجوع؛ فإن حق المشتري لا يضيع، والرجوع ابتداءً على الراهن لا خلاف فيه.
فإن قيل: ليس الراهن موكّلاً في عقدٍ يُتخيّل مرجوعاً عليه، وإنما الحاكم فعل ما فعل؛ فكان يجب أن يقال: لم يصدر من الراهن عقدٌ ولا توكيل في عقد، والحاكم لا يضمن، فلا يجد المشتري مرجعاً.
قلنا: هذا لا قائل به.
وسبب تضمين الراهن أنه رهن ملكَ غيره، وكل من رهن شيئاًً، فقد عرَّضه للبيع على استحقاقٍ.
وهذا أبلغ من وكالة تقبل العزل على الاختيار.
فالحاكم بنى بيعه على حكم رهنِه، فقد صار بالرهن إذاً مغرِّراً، كما تقدم.
وهذا يعضد توجيهَ المطالبة على الموكِّل ابتداء في المسألة الأولى؛ [فإنا لما رفعنا الحاكم من البَيْن 1، ووجهنا المطالبة على الراهن، فهو 2 في هذه المسألة بمنزلة الموكِّل في المسألة الأولى] 3 ونص الشافعي فيمن مات وخلف تركة مستغرقة بالدين، فباع الحاكم تركته، وتلف الثمن في يده قبل أن يصرفه إلى الديون المحيطة بالتركة، ثم خرج المبيع مستحقاً، قال الشافعي: لا عهدة على الحاكم ولا طَلِبةَ، والعهدة على الميت، وتركتِه.
فإن قيل: إن كان الراهن في المسألة التي ذكرتموها الآن مغرراً، برهنه، من حيث كان مقتضى الرهن التعريضَ للبيع.
فما سبب تعليق الضمان بذمة الميت في المسألة الأخيرةِ؟ قلنا: احتواؤه على المغصوب حتى يتعلق به الدين إذا مات تسبُّبٌ منه إلى تسليط الحاكم على البيع، والسبب المضمِّن قد يقرُب، وقد يبعد.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل