كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بها] 1، ولولاها لما تأتى القتل، ولا ضمان على من هيّأ الآلة.
ولو نصب ناصب حجراً، ونصب آخر [أمام] 2 الحجر سكيناً، فتعقّل المار بالحجر، ووقع على السكين، وهلك بسبب ما ناله من جرح السكين، فالضمان على ناصب الحجر 3.
وقال الأئمة: لو استمسك الرجل بنصاب 4 سكين، وكان بين يديه إنسان واقف، فجاء آخر من ورائه، فدفعه على السكين، فإن لم يحرك صاحب السكين يده في صوب المدفوع، بل أثبتها، أو اكتنّت 5 يده، فالضمان على الدافع، هكذا قال الأصحاب، وإن حرك يده قدُماً في صوب الملقَى عليه، فيجب الضمان عليه حينئذ.
ونحن نرسل هذه المسائل، ثم ننعطف عليها بالبحث والتنبيه على أغلب الوجوه، إن شاء الله.
ولو ألقى رجل رجلاً من عُلوّ، فتلقاه إنسان واقفٌ بالسيف، وقدَّه نصفين، فالذي أطلقه الأصحاب أن الضمان والقصاص على القادّ.
ومما ذكروه أن من حفر بئراً معتدياً، ونصب ناصب في أسفل البئر سكيناً، فتردى وصار في البئر، وهلك بالسكين، فالضمان على حافر البئر، وهذا جارٍ على قياس الدفع الذي ذكرناه في الحجر إذا فرض التعثر والوقوع في البئر، أو فرض التعثر به والتعثر بالسكين، المنصوب أمامه.
ولو حفر حافر بئراً وجعلها عشرة أذرع 6، فجاء آخر وعمقها، فتردى المار في
البئر، وهلك، فما ذكره الأصحاب من قياس الدفع ينبغي أن يكون الضمان على المبتدىء بالحفر، فإنه في محل الدافع، وذهب بعض الأصحاب إلى أن الضمان مشترك، وهذا وإن كان يمكن توجيهه، فهو هادم لما قدمناه في الحجر والسكين، والحجرِ والبئر، والسكينةُ التي ذكرناها في الدفع قوية 1.
فإذا بيّنتُ هذه المسائل، فلا نأخذ [في] 2 غيرها حتى ننعطف عليها بالتنقيح والتصحيح، ثم نأتي بعدها بما يليق بالترتيب:
10826 - فمما ذكرناه الحجر والبئر، وتقدير الحجر كالدافع، وهذا وإن كان متفقاً عليه، ففيه سؤال: [فالحجر] 3 سببٌ في الدفع وليس دفعاً، والبئر سبب في الهلاك وليس إهلاكاً، فلا يبعد من طريق القياس أن يقال: اجتمع السببان، فيشترك [المتسببان] 4 في الضمان، وليس من الإنصاف أن نجعل الحجر كالدافع المباشر، ونجعل البئر على حقيقة السبب، فإن قدرت سبب الدفع دفعاً، فقدِّر سببَ الهلاك إهلاكاً.
= العمق، فعشرة أذرع بمقاييس عصرنا تدور بين أربعة أمتار ونصف، وبين سبعة أمتار ونصف، وكلاهما عميق مهلك.
وتعبير الغزالي والرافعي والنووي: "فجعلها قريبة العمق" ولعل صوابها: وجعلها أربعة أذرع، أو عشرة أشبار أو أفتار.
ولو ألقى ملقٍ إنساناً على سكين بيد إنسان، فتلقاه صاحب السكين، فالهلاك منهما، والضمان عليهما، فهذا وجهٌ في الإشكال بيّن.
وما ذكره الأئمة رضي الله عنهم من إلقاء الواقف على السكين القائم أظهر إشكالاً من هذا؛ فإن [رَمْي] 1 السكين وإسقاطَه ممكن، والاستمساك به والتحامل عليه ليدوم منتصباً كيف محطُّه، فإن كان هذا مفضياً حيث يتفق الدفع [والاعتمادُ] 2 على وجهٍ لا يمكّن صاحبَ السكين فيه من طرح السكين، فإذ ذاك يجوز أن يُكفَى الضمان، وهذا مما لا أستريب فيه، ولست أردّ على من مضى ولكن أحمل كلامهم على الصورة الأخيرة - ومن أعظم الدواهي ما وقع من الخلل في نقل النقلة.
أما مسألة الحجر والبئر، فلا شك أن المذهب [فيها] 3 ما ذكره الأصحاب، والشافعي [صوّر] 4 تلك المسألة 5، فلا مزيد على ما قال الأصحاب، والإشكال قائم في التعليل إلى أن يحلّه ذو فكر صائب.
وأما مسألة القد، فقياسها بيّن؛ فإن القتل على الحقيقة إنما صدر من القادّ، وليس الملقي في حكم المشارك له، بل هيأ له القتل، فكان الملقي كالممسك، الذي [يقرّب الشخص بإمساكه لسلاح من يقتله] 6.
وفي بعض التصانيف حكاية وجه غريب أن القاتل هو الملقي، وهذا بعيد لا أصل له، ولم [يقل أحد باشتراكهما] 7.
وقد انتهى غرضنا في هذا الفن نقلاً وبحثاً.
10827 - ثم قال الأصحاب: لو احتفر إنسان بئراً في محل عدوان، ثم جاء السيل بحجر، فانتصب على شفير البئر، فتعقّل به متعقل، وتردّى، فالمتردي هدرٌ؛ لأن الحجر كالدافع، وليس انتصابه مضافاً إلى ضامن، فلا وجه إلا الإهدار، ويلزم من هذا المساق أن كل من احتفر بئراً [فجاء آخر وجعل على حافة البئر أيَّ نتوءٍ، ولو كان هذا البئر] 1 في مضيق من الطريق، فمن تعثر [بالنتوء] 2، وسقط في البئر، فلا ضمان على حافر البئر، ونُرتِّب عليه أن الضمان إنما يجب على الحافر إذا تردى المتردِّي بخطوه في البئر، هذا لا بد منه، إذا تمهد الأصل المقدم، وكذلك إذا وضع الحجر على شفير البئر، وفرض التعقل والتردي، فلا ضمان أصلاً.
فرع:
10828 - إذا طرحت قشور البطيخ في الطريق وجرينا على أنها سببُ الضمان على الجملة، فقد ذكر صاحب التلخيص تفصيلاً نستاقه على وجهه، ثم نذكر وجه الصواب، قال: "قشر البطيخ إذا طرح، فإن كان الوجه المطعوم منه يلي الأرض والوجه الآخر يلي الهواء، فإذا وضع المارّ رجله عليه [وتعثر] 3، نظر: فإن لم يتحرك القشر، فلا ضمان، والتعثر [والتكفؤ] 4 محمول على عثرة المار؛ فإن الوجه الذي لا طعام عليه لا يُزلّق، والوجه الذي عليه الطعام لم يتحرك حتى يُحملَ التزلقُ عليه، فكان سقوط المارّ غيرَ مضاف إلى القشر.
وإن تحرك القشر، وهو على هذه الهيئة تحت القدم، وسقط المار، وجب الضمان؛ لأن كل ذلك محمول على [مزلّة] 5 تحت القدم، ثم التعثر مرتَّب عليه.
ولو كان الوجه المطعوم بحيث يلي الهواء، والوجه الآخر يلي الأرض، فوضع
المارُّ قدمه عليه، فإن تحرك القشر تحت القدم، وسقط المار، فلا ضمان، والأمر محمول على [عثرةٍ وِفاقيّة] 1؛ فإن القشر إذا تحرك مع القدم -والذي يلي الأرض لا ينزلق- فلا مزلق من جهة القشر، وإنما الرجل [انساق] 2 للحركة [متعرضاً فيها] 3.
وإن [كثر] 4 القشر -وهو على الهيئة التي ذكرناها آخراً- وانملس 5 القدم، فهو محمول على تزلق الطعام البادي للهواء".
هكذا ذكر صاحب التلخيص وطائفة من طوائف الأصحاب 6.
[وذهب] 7 معظم المحققين إلى إبطال هذا التفصيل في الصورتين والمصير إلى أنَّ الضمان يجب، فإن القشر سبب [التعثر] 8 حيث فرض الأمر، ولا يُنْكر ظهور الإحالة عليه، وما ذكره في الصورة الأخيرة من أن القشر إذا تحرك، فلا ضمان في ذلك، فإنه في الغالب يتحرك بوطأة الواطىء، وينعصر من الرطوبة عليه ما يزلق الجلد، فلا خير في هذا التفصيل.
وما ذكره في الصورة الأولى أمثل قليلاً إن كان الوجه البارز للهواء خشناً لا يفرض التزلق عليه، والغالب أنه مما يفرض التزلق عليه، إما [لملاسته] 9 -فإن ذلك غير منكر في أجناس البطاطيخ- وإما لكونه رَخْصاً حاوياً رطوبة.
فإن كان نشفاً خشناً والوجه المطعوم مما يلي الأرض، [فلا] 1 يبعد اعتبار التحرك.
10829 - وخرج من مجموع ما ذكرناه طرقٌ: منها ما حكيناه عن صاحب التلخيص في التفصيل.
والطريقة الثانية - وهي التي ذهب إليها معظم المحققين أنا لا نفصل بين التحرك وعدمه، وبين أن يكون الوجه بادياً أو كان مما يلي الأرض.
والذي 2 ذكرناه [قبلُ من] 3 تصويبه في اشتراط التحرك إن كان الوجه البادي نشفاً، فهو لو تفصل على هذا الوجه، لم [يبعد] 4.
[ويتعلق] 5 بتمام البيان أن من رش الماء، حتى انتهى إلى مبلغ تزلُّقٍ، فهو من أسباب الضمان، كما تقدم، ولكن يشترط أن يضع المتعثر قدمه على موضع الزلق من حيث لا يشعر، فإن وضع قدمه عليه وهو [يعاين] 6 الأثر المزْلق فتزلّق، فلا ضمان أصلاً، وهذا يجري في وطء [القشور] 7 كيف فرضت، وهو بمثابة ما لو وضع [الساقط] 8 قدمَه على شفير البئر وهو [معاين] 9 فإذا تردى، فلا ضمان على الحافر، وإن كان الرش غير منته إلى الزلق، وكان فيه منفعةٌ ظاهرة، فهو كاحتفار البئر لمنفعة المسلمين، وقد مضى التفصيل فيه [وانتجز] 10 بهذا القول في مضمون الباب.
فصل
10830 - إذا احتفر رجل بئراً في محل عدوان، فتردى فيها متردٍّ، [وانجرّ عليه ثانٍ] 1، ثم سقط ثالث على الثاني، إلى أي عدد يُفرض.
فلا يخلو إما أن يتفق التساقط من غير جذب، وإما أن يتفق بين المتساقطين جذب، وذلك بأن تزل قدم الأول، فيجذب ثانياً، ثم يجذب الثاني ثالثاً.
فإذا تبين الغرض في هذا العدد، نبني في الزوائد عليه.
[فإذا] 2 كانوا ثلاثة - وقد جذب الأول الثاني، والثاني الثالث، وانهاروا في البئر، فإن تفاوتت مساقطهم، ولم يقع أحد على أحد، وماتوا بسبب التردي - فالجواب بيّن: أما الأول فديته على عاقلة الحافر، ودية الثاني على الأول؛ فإنّ جذبه عمدٌ محض، ولولا فوات الأول، لتكلمنا في القصاص عليه، وتجب دية الثالث على الثاني.
10831 - وأول ما تجب الإحاطة به قبل الخوض في نقل المذاهب أنه قد [اجتمعت] 3 أسبابٌ في إهلاك هؤلاء، يجمعها البئر [والجذب] 4.
ثم اختار الأئمة المعتبرون في هذه المسألة مذهبَ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وذلك أنه قال: الأول مات بسبب صدمة قعر البئر، وسببِ سقطةِ الثاني ووقوعِه عليه، وسببِ سقطة الثالث، فإنه وإن وقع على الثاني، فلا شك أن ثقله يؤثر في الأول، فهلاكه مضاف إلى ثلاثة أشياء: أحدها - صدمة البئر، والثاني - ثقل الثاني، والثالث - ثقل الثالث، وقد انتسب الأول إلى سبب واحد من هذه الأسباب الثلاثة، وهو سقوط الثاني عليه؛ لأنه جذبه وكان سقوطه بسببه، فخرج منه أن الدية
تثلّث، فالثلث فيها على عاقلة [الحافر] 1، ويهدر الثلث، ويجب الثلث الثالث على عاقلة الثاني؛ لأنه جذب الثالث، [فكان] 2 تثقيلُ الثالث الأولَ مضافاً إلى جذب الثاني.
وكأنا نؤثر أن نصوّر ذلك على وجه شبه العمد، حتى ينتظم الكلام على نسق واحد.
وأما الثاني، فهلاكه مضاف إلى جذب الأول إياه، وإلى جذبه الثالث، فهدر النصف من ديته لمكان جذبه، ويجب النصف من ديته على الأول بجذبه إياه.
والأمر يطول في الفرق بين العمد وشبه العمد، [والضرب] 3 للعاقلة وخاصّ مال الجاذب، وليس ذلك من غرضنا الآن.
وأما الثالث، فهلاكه مضاف إلى جذب الثاني لا غير، فيجب تمام ديته على الثاني إن تعمد.
هذا مذهب علي.
وإن زاد العدد، لم يخف التفريع، فلو كانوا أربعة ووجد الساقط على الصورة التي ذكرنا من الجذب ووقع البعض على البعض، فقياس ما ذكرناه أن هلاك الأول مضاف إلى البئر وإلى ثقل الثاني والثالث والرابع، وإذا تخيلنا هذه الأسباب الأربعة، فننظر ما يضاف فيها إلى الأول فإذا هو جذبه الثاني، فنهدر ربع ديته، ويجب ربع ديته على عاقلة الحافر، وربعها على عاقلة الثاني لجذبه الثالث، وربعها على عاقلة الثالث لجذبه الرابع.
وهلاك الثاني بجذب الأول إياه، وبثقل [الثالث والرابع] 4 وهي ثلاثة أسباب، واحد منها مضاف إليه، وهو جذبه الثالث، [فهدر] 5 ثلث ديته، ويجب ثلثها على الجاذب الأول، وثلثها على الثالث لجذبه الرابع.
وأما الثالث، فهلاكه مضاف إلى سببين: أحدهما - جذب الثاني إياه، والثاني جذبه الرابع، وهذا [يقتضي] 1 التنصيف، فنُهدر نصفاً لجذبه الرابع، ونوجب نصفاً على الثاني.
وأما الرابع فسبب هلاكه شيء واحد، وهو جذب الثالث إياه، فلا مهدر في حقه، وتمام ديته على الثالث.
هذا بيان مذهب علي 2 وهو مختار أئمة المذهب.
10832 - وذهب أكثر الأصحاب إلى وجهين آخرين سوى ما أوضحناه من مذهب علي وهو اختيار الجمهور، ونحن نذكر الوجهين كما وجدناهما، ثم نُتبع [ذلك] 3 تحقيقَ ما نحكي.
من أصحابنا من قال: إذا كان [الفرض] 4 في ثلاثة فَهَدَرَ 5 الأول والثاني جميعاً،
[فأما] 1 دية الثالث، فإن نصفها يضاف إلى الأول، ونصفها يضاف إلى الثاني.
والذي ذكره الأصحاب في توجيه ذلك: أن الأول لا يضاف هلاكه إلى البئر، فإنه لما جذب الثاني، فقد جنى على نفسه جناية مباشرة، وحفر البئر تسبُّبٌ بعيدٌ، وإن وجدنا مباشرة، أسقطنا معها أثر السبب، وإذا خرج النظر إلى البئر من البئر، فهلاكه مضاف إلى ثقل الثاني، وإلى ثقل الثالث، أما ثقل الثاني، فهو الذي جذبه [وحوّله] 2 إلى نفسه، وأما ثقل الثالث، فهو من وجه مضاف إلى الأول، فإنه جذب الثاني، وجذب مجذوبه، فصار الأول هالك أيضاًً، لأنه جذب الثالث، فكان هذا مباشرة منه، فسقط جذب الأول له، وأما الثالث، فإنه مضاف هلاكه إليهما جميعاً: إلى الثاني؛ من حيث إنه جذبه، وإلى الأول من حيث جذب جاذبه.
وهذا الوجه ليس مما يضعف فيه وجه الظن والرأي، بل هو خطأ على تحقيق؛ من جهة أنه أهدر الثاني بالكلية، [وهلاكه] 3 بجذب الأول له، وجذبه الثالث، ولئن كان يخطر لذي نظر إسقاط أثر البئر بمباشرة الجذب، فإسقاط أثر جذب الأول، وهي مباشرة [بجذب] 4 الثاني الثالثَ غيرُ معقول 5.
ثم قال هذا القائل: الثالث يضاف هلاكُه إلى [جذبين] 6، فكيف [يستدّ] 7 إضافة هلاكه إلى [جذبين] 8 مع أنه لا يضاف هلاك الثاني إلى [جذبين] (8)، فلا حاصل لهذا.
وقد نجز أحد الوجهين الزائدين على مذهب الجمهور.
والوجه الثاني - أن حفر البئر لا يُحْبط اعتباره، ولا نُخرج [البئر من] 1 الإحالة عليه، [فأما الأول] 2، فهلاكه بصدمة البئر، وثقلِ الثاني والثالث، غيرَ أن ثقل الثاني حصل بجذبه، وثقلُ الثالث حصل بجذبه اتصالاً به، فجذْبُ الثاني جاذبُ مجذوبه وهو الثالث، فديته بين الحافر وبين الإضافة إليه نصفان، فهدر نصفها، ويجب على عاقلة الحافر نصفها.
وأما الثاني فيهدر نصف ديته بجذبه الثالث، ويجب نصف ديته على الأول بجذبه إياه.
وأما الثالث فقد قال 3: إن تمام ديته على الثاني لأنه جاذبه.
وهذا فيه خلل ظاهر، [فإنه] 4 في تنصيف دية الأول أضاف إليه [جذبه] 5 الثاني والثالث، ولما انتهى إلى الثالث أضافه إلى الثاني بالكلية.
وهذا متناقض 6، فهذا ما تلقيناه على تثبت.
وبقي [بعد النقل والبحث الثقةُ] 7 بأن المذهب ما نقله الناقلون عن علي بن أبي طالب 8، وهو الذي اختاره جماهير الأصحاب.
10833 - وقد ذكرنا ما هو باطل قطعاً في مجال الوجهين المحكيين بعد قولِ
الجمهور، وعلينا أن نتعرض [لما] 1 هو بمحل الظن، ثم نبني عليه ما يجب أن يقال لو ثبت ذلك المظنون، وحدث ما هو باطلٌ قطعاً.
فمما يتعلق [بهذا] 2 القسم أن الأول لما جذب الثاني - والمسألة في ثلاثة- وجذب الثاني الثالثَ، فمن قال: الأول جذب الثاني، وجذب مَنْ جذب [الثالث] 3، فهو منتسب إلى جذبهما، فقوله غيرُ بعيد عن الظن، ولكن لا بد من تفصيلٍ فيه، فإنْ جذب الأول الثاني، فهوى الثاني هُويّاً لا يملك التماسك، فانتساب التعلق بالثالث بعد أن زلت به القدم ونسبة الثالث إلى الأول محال، فإنه تمم جذب الثاني وأزاله عن اختياره، ثم افتتح هو بعد ذلك جذبَ الثالث، وكان جذب الثالث محالاً [على] 4 [محض] 5 قوة الثاني.
وإن تعلق الثاني بالثالث، ثم جذب الأولُ الثاني، وهو متعلق أبه، 6، فهذا
محل النظر؛ من [جهة] 7 أن الأول أنشأ جذب الثاني وهو متعلق بالثالث، فأثرت قوتُه في جذبهما، ولكن إحالة انجذاب الثالث على الثاني أولى، لاستمساكه به، مع إمكان تركه إياه، وهو على حالٍ محتمَلٌ؛ سيّما إذا فرض نفيه [عن] 8 الأول، فيقع الثاني والثالث قبل أن يفرض إعمال الاختيار في حلّ اليد، فهذا مما يجول [فيه] 9 الظنُّ.
ومما يتعلق بالمظنونات بعضَ التعلق ما أحدثناه في سياق أحد الوجهين المذكورين بعد مذهب الجمهور من قولنا: إن أثر البئر يسقط بالجذب، وقد أشرنا إليه
[إذ] 1 قلنا: البئر في حكم السبب، [والجذب] 2 المفضي إلى سقوط المجذوب في حكم المباشرة تغلب السبب، وهذا تخيّلٌ، والأولى إلحاقه بما يُقطع ببطلانه، وذلك لأن وقوع الأول في البئر وما يناله من أثر الصدمة ليس مما ينكر، وهو واقع حساً، وقد حكم الشرع بأن حافر البئر في حكم [المُردي] 3 للمتردي، فكيف نحكم بانعدام أثر الصدمة بسبب جذبةٍ ننظر إليها؟ فهذا إذاً خبالٌ لا حاصل له.
10834 - وتنخّل [مما] 4 ذكرنا أن المذهبَ الأولُ، ولا يصح على السبر غيرُه.
والذي يختلج فيه الظن [نسبة] 5 الثالث إلى جَذْبةِ الأول في صورة واحدة ذكرناها، [وهي] 6 أن يجذب الأول الثاني وهو متعلق بالثالث على مفاجأة، [فصار] 7 الظاهر أن الأول تسبب إلى جذب الثالث، فإن جعلنا [متسبِّباً]، 8 وقد أبطلنا ما عدا ذلك، فوجه التفريع- مع الاقتصار على هذا المظنون، وإسقاط ما سواه، [فيما] 9 قدمناه- أن نقول- والفرض في ثلاثة: الثاني والثالث في حق الأول كشخص واحد يُقْتل، ولو جذب شخصاً واحداً، لقلنا ديته 10 نصفان نصفه على عاقلة الحافر، ونصفه مهدر.
وأما إذا أردنا النظر إلى الثاني والثالث، فهلاك الثاني بجذب الأول، وبثقل [الثالث] 11، والثالثُ على كل حال مجذوب الثاني، وإن كان مجذوب الأول،
فمضاف 1 بثلاث إلى تسببين، وهو كما لو جرح الرجل رجلاً جرحين، وجرح ذلك المجروح نفسه جرحاً واحداً، [فالهلاك] 2 مضاف إلى مهدر [ومُضمِّن] 3 وهذا يقتضي التشطير لا محالة.
وأما الثالث، فيضاف إلى جذب الأول والثاني، [فتكون] 4 ديته نصفين، يضاف نصفٌ إلى الأول، ونصفٌ إلى الثاني.
هذا منتهى الكلام في ذلك.
وكل هذا والمسألة [مفروضة] 5 في جذب البعض بالبعض.
10835 - فأما إذا تهافتوا في البئر من غير جذب، وسقط الثاني على الأول، والثالث على الثاني، فهذا فيه فقهٌ [غائص] 6، والوجه ذكرُه في شخصين أولاً، ثم لا يخفى ما بعده، فإذا سقط متردٍّ، وتبعه الآخر، فلا شك أن هلاك الأول في ظاهر الحال يضاف إلى صدمة قعر البئر، وإلى سقوط من سقط عليه، ولكن يتعارض في سقوط الثاني كلامان: أحدهما - أن سقوط الثاني مضاف إلى حفر البئر، حتى كأن حافر البئر أسقطه، وآيةُ هذا أن ضمانه واجب على حافر البئر، [وموجَب] 7 ما ذكرناه إيجاب دية الأول بكمالها على حافر البئر، ويعارض هذا أن [المتردي] 8 الأول يقول: هذا الثاني أسقط نفسه في البئر لما وضع القدم على هواء البئر، ولو كان
عامداً لم نشك في ذلك، فسقوط العمد لا يغير حكم التلف، ومقتضى الضمان المترتب عليه، نعم، قد يختلف الأمر في متعلق موجب الخطأ والعمد، وليس ذلك [من] 1 غرضنا الآن.
والأولى أن نقول: إذا كان تردّيه مضموناً على الحافر ضماناً مستقراً، فكيف يصير سبباً للضمان في حق هذا المضمون، والمسألة محتملة، والإشكال فيها بالغ.
وفي كلام الأصحاب ما يشير إلى التردد، فيجوز أن يقال: لا ضمان على الثاني
الساقط على الأول، لا تعلقاً، ولا قراراً، لما ذكرناه آخرأ، ويجوز أن يقال: الثاني
في [منزلة] 2 المغرور بالإضافة إلى الحافر، وهو فاعل [متسب]، 3 لتلف، فتعلق الضمان به لفعله، ويثبت الرجوع على حافر البئر، كما تقدّم [في] 4 المكرَه على إتلاف المال إذا طولب في وجهٍ، ثم يرجع على المكرِه، والأولى الوجهُ الأول، وهو قطع الطّلبة بالكلية، فإنه مضمون ضمان قرار على صاحب البئر، فهو في [حركته] 5 غير منتسب إلى تردية بوجه، وقد ضمن له تردّيه فكيف يصير ترديه مضمّنه؟
ولكن رأيت للأصحاب تردداً في هذا، فأتيتُ بالممكن فيه، وإلا فلا استرابة بأنه [لا تعلق] 6 بالمتردِّي، لا طلباً، ولا قراراً.
ثم لو قدرنا الطلب على عاقلته ولا عهد لنا بتغريم العاقلة، ثم إثبات الرجوع لهم، فإنهم لا يغرمون قط إلا غرم قرار.
فرع:
10836 - لو أن رجلين كانا يتخاصمان، فانتهى الأمر إلى أن شهرا سيفيهما، وتقاتلا، وماتا مقتولين، ثم ادّعى [ورثة] 7 كل واحد من القتيلين أن
صاحبه كان دافعاً، والآخر كان قاصداً [فمآل الأمر] 1 يتحالفان، ولا يستفيدان إذا [حلفا] 2 شيئاًً بتحالفهما، وإنما يفرض اليمين لتقدير نكول أحدهما، وحلف الثاني.
ولو سئلنا عن حكم وقوع هذه المسألة التي سنصفها وقيل لنا: إذا التقى رجلان بسيفيهما، وظن كل واحد منهما أن صاحبه قاصدُه، فقصَدَ كل واحد منهما الدفعَ، وانتهت الحال إلى منتهىً يغلب على الظن [أنه الهلاك] 3 [إن لم يبادر دفع] 4 سيف صاحبه- ومعلوم أن ما نطلقه من العلم نتجوّز به، فإذا قلنا: إذا علم المقصودُ أن سيف القاصد لا يندفع عنه إلا بالسيف، لم نعن بهذا حقيقة العلم، وإنما أردنا ظنّاً غالباًً- فإذا تبين أن الظن الغالب يكتفى به، وعليه يخرج تصوير الإكراه على القتل أيضاًً، وإن كنا لا نقطع بأن المتوعد بالقتل كان يقتل لا محالة، ولكن إذا غلب الظن، كان ذلك إكراهاً، والغرض مما ذكرناه أن كل واحد منهما يظن ظناً غالباًً أن صاحبه سيبادره، ولم يكن البيان ممكناً.
فأول ما نذكر في ذلك أنه: هل يجوز لكل واحد منهما أن [يدفع] 5 سيفَ صاحبه عنه كما صورناه والحالة هذه، والذي نراه أن لكل واحد منهما أن يبذل جهده في دفْع سيف صاحبه عن نفسه؛ فإن الاستسلام لا يجب أصلاً، ويجوز دفع السيف إن لم يجب، وليس الغرض من تجويز دفع السيف منعَ الظالم عن ظلمه، وإنما الغرض أن يصون روحَ نفسه عن السيف الواقع به، والسيف كما صورنا يقع به عن قصد، [إما] 6 على طريق الابتداء أو عن إرادة دفع.
والذي يحقق هذا أن مجنوناً لو قصد إنساناً بسيفه، دَفَعه المقصودُ وإن كان المجنون لا يوصف بكونه ظالماً، فيخرج منه أن للإنسان أن يدفع السيفَ عن نفسه، ثم يترتب عليه أنه إذا كان لا يتأتى دفعٌ إلا بوضع السيف، فيجوز وضعه، ثم يخرج من
ذلك أنه لا ضمان أصلاً، ويصير كل واحد منهما-[وقد الْتبس] (1) الأمر- في حق صاحبه كبهيمة [صائلة] (2).
ثم إذا قلنا: لكل واحد منهما أن يبتدر [صاحبه] (3) [فدية] (4) كل واحد منهما هدر.
هذا ما نراه في ذلك، وغالب ظني أني وجدت لبعض الأصحاب نصّاً في هذه المسألة، وسأحرص على طلبه، وإلحاقه.
على أن الكلام [استقرّ] (5) في هذا على حدٍّ لا يجوز تقدير الخلاف فيه، ولو فرض شيء على خلاف ذلك، فهو هفوة من قائله.
باب دية الجنين
6 قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الجنين المسلم بابويه أو بأحدهما غرّة ... إلى آخره" 7. 10837 - من جنى على حامل بجنين حرٍّ محكومٍ بإسلامه تبعاً، فأجهضت بسبب الجناية الجنينَ، فأصل الباب أنا نوجب عليه غرّةً عبداً أو أمةً، والأصل في ذلك ما روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرةٍ عبدٍ أو أمة" 8 وعن12345
حَمَل بن مالك بن النابغة أنه قال: " [كنت] 1 بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، وفي روايةٍ بمِسْطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقتولة [بالدية] 2 وفي الجنين بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ، فقالوا: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهلّ، ومثل ذلك يُطلّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسجعاً كسجع الجاهلية، وروي أسجعاً كسجع الكهان، وقضى بالدية والغرة على العاقلة " 3 وأصل الغرة متفق عليه.
وذكر من يحرص على ذكر معاني القواعد أن المعنى في إيجاب الغرة أن الجنين شخصٌ كان يرجى له كمال الحال بالحياة، فإذا فوته الجاني، لم نوجب كمال الدية [لأنه] 4 لم تتحقق الحياة للجنين؛ فنوجب على مقابلة هذا التفويت حيواناً 5 كامل العمل يثبت عوضاً عما فوت.
فهذا هو الأصل في إثبات قاعدة الباب، ولا حاجة عندنا إلى المعنى الذي ذكره [المتكلّفون] 6 في إيجاب الغرة، والإجماعُ والنص الوارد كافيان.
فصل
قال: "وأقل ما يكون جنيناً أن يفارق المضغة ... إلى آخره" 7.
10838 - قال الأئمة: الأحكام المتعلقة بالأجنة خمسة: الغرة، والكفارة، [وأمية] 8 الولد، وانقضاء العدة، والإرث منه.
أما الجنين إذا انفصل ميتاً، فلا يرث في نفسه، فإنه إنما يرث من ثبتت [له] 1 الحياة يقيناً، وإذا أسقطت المرأة جنيناً بدا فيه التخليق والتخطيط، فيثبت به وجوب الغرة، والكفارة، وأمية الولد، وانقضاء العدّة، ثم الغرة تكون مضروبة على الورثة على فرائض الله، ولا يشترط أن يبدو جميع التخليق أو معظمه، ولكن إن بدا منه شيء في طرف من أطراف الجنين، كفى ذلك، ومن جملته الظفر والشعر، والتخليق بُدُوُّ صور الأعضاء، ولو كان لا يتبين تميّز الأعضاء، ولكن بدت مراسمها بخطوط، فذلك كافٍ.
ولو قال [القوابل] 2: التخطيط بادٍ، وقع الحكم به، إذ هو [يعدّ من العلامات التي مهرن] 3 في معرفتها، وهي [كافية] 4.
ولو أسقطت المرأة لحماً، ليس عليه تخطيط، وقالت القوابل: إنه ليس لحم ولد، فلا حكم له، وإن قال [القوابل] 5: إنه لحم ولد، فهذا فيه اختلاف
النصوص، وقد ذكرتها في كتاب [العدّة] 6، وذكرت اختلاف طرق الأصحاب فيها، فلا أُعيد ما قدمته.
والذي نزيده مسألتان: إحداهما- أنها لو ألقت عَلقة أو مُضغة، لم تنتظم انتظام اللحم، فلا حكم لما ألقته، ولا يتعلق به أمية الولد، ولا وجوب الغُرة عند فرض الجناية، ولا وجوب الكفارة، وإن قالت القوابل: ما ألقته أصل الولد.
ولكن إن قطعن بذلك ولم نُثبت شيئاًً من الأحكام التي ذكرناها، فهل يعلّق بقطعهن
انقضاء العدة فحسب؟ فعلى وجهين نقلهما بعض من [يوثق] 1 به عن القاضي، وهذا بعيد؛ فإن ما ألقته أصلُ الولد [وأصلُ الولد] 2 لا يسمّى حملاً.
هذا إذا [ألقت] 3 علقة أو مضغة.
فأما إذا ألقت لحماً وقلنا: الرجوع إلى قول القوابل، [فلو] 4 قلن: ليس لحم [ولد] 5، لا يتعلق به حكم، [ولو] 6 قلن: لا ندري، [فلا] 7 تعلَّق به أمية الولد، ولا وجوب الغرة، ولا الكفارة، وهل يتعلق به انقضاء العدة؟ [قيل: لا] 8، وهو الأصح؛ لأنا نفرع على اتباع قول القوابل، ولو قلن: إنه ليس لحم ولد [فلا] 9 يتعلق به انقضاء العدة، فإذا قلن: لا ندري، فالأصل بقاء العدة.
فخرج مما ذكرناه في هذا الفصل أن القوابل لو قلن في العلقة: إنها أصل ولد، ففي انقضاء العدة بوضعها خلاف، ولو شككن في اللحم، ففي تعلق انقضاء العدة به وجهان للعراقيين، والخلاف في المسألتين جميعاً بعيد، والوجه أنه لا يتعلق به انقضاء العدة.
فصل
قال: "وكذلك إن ألقته من الضرب بعد موتها ... إلى آخره" 10.
10839 - إذا جنى على حامل، فألقت جنينها ميتاً وهي [حيّة] 11، فلا شك في
وجوب الضمان، ولو ماتت الأم بالجناية أولاً، ثم ألقت جنينها بعد الموت من أثر الجناية، [فالضمان] 1 واجب، خلافاً لأبي حنيفة 2 رحمه الله، فإنه قال: إذا ألقت بعد موتها كان كما لو لم تُلْق أصلاً، ولو لم تلق الجنين وماتت والحمل بها في ظاهر الظن، فلا يجب على مقابلة الجنين شيء اتفاقاً، والمسألة مشهورة في الخلاف.
فصل
قال: "ولا شيء لها في الألم ... إلى آخره" 3.
10840 - إذا جنى على حامل، فألقت جنينها، فالجنين مضمون إذا كان إلقاؤه
بسبب الجناية، وينظر إلى الأم التي بقيت، فإن كان قد جرحها الجاني، [فعليه أن يقدم] 4 لها حكومة الشين، كما مضى استقصاء ذلك في الحكومات والديات، وإن جرى جرح بها، ثم اندمل، ولم يبق شينٌ، فهذا ما مضى في كتاب الديات، ولا اختصاص له بالجناية على حاملٍ؛ فلا معنى لإعادته وذكْرِه.
وإن ضربها ولم يجرحها، ولم يوجد إلا إيلامٌ [مجرّد] 5، ثم زال، فالظاهر أنه لا يجب بسبب ما جرى عليها شيء.
ومن أصحابنا من أجرى الإيلام بلطمة أو غيرِه إذا زال [أثره] 6 بمثابة الجرح يندمل ويزول أثره، وهذا بعيد لا أصل له، ولا معوّل عليه.
ولست أقصد [إلى] 7 الإعادة، وإن رمزت إلى معاد، فللجريان على (السواد) أو لمزيد تبيين.
فصل
قال: "ولمن وجبت له الغرة ألا يقبلها دون سبع أو ثمان ... إلى آخره" 1.
10841 - هذا الفصل يشتمل على تحقيق القول في الغرة، ومعناها، وصفتها، وبدلها عند تقدير عدمها، ونحن نأتي في مضمون الفصل بما نراه أقربَ إلى البيان، وإن قدمنا فصلاً في (السواد) أو أخرناه، فلا بأس به:
أولاً - ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غرةٌ عبدٌ أو أمة"، فاتفق الأصحاب على أن [الاختيار] 2 في تعيين عبد أو أمة إلى الجاني، ولا [اختيار] 3 في الذكورة والأنوثة لمستحق الغرة.
ثم أول ما يجب ذكره بعد هذا ترددٌ عظيمُ الوقع في قيمة الغرة، مع أن الغرة هي المؤداة -[ولسنا نريد بدلَها عند عدمها] 4 - فالذي دل عليه كلام معظم نقلة المذهب أنا لا ننظر إلى قيمة الغرة، [ولا] 5 نشترط فيها شيئاً مخصوصاً [سوى] 6 البراءةِ من العيوب على ما سنصفها، ولا يبعد بعد ذلك أن تكون عبداً قيمتُه خمسة دنانير، [ولا نخصص جنساً عن جنس] 7، ولا نعتبر ما يغلب في البلد أو يُعدّ [وسطاً] 8، وهؤلاء يتمسكون بإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غرة عبد أو أمة.
ومن تتبع كلام الأئمة، لم يخْفَ [عليه] 9 ذلك من نصوصهم الصريحة.
وقال القاضي: الرقيق المخرَج غرةً يجب أن يكون على مقدار خمسٍ من الإبل، أو على مقدار خمسين ديناراً، واحتج على ذلك أولاً بما روي من لفظ الغرة، والغرة من كل شيء خياره، وغرة مال الإنسان خير ما فيه، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين عبد أوْ أمة، ولكنه قال: "غرة عبد أو أمة" [ثم] 1 قال: مبلغ الشيء يعرف ببدله عند فقده، وإذا كنا نرجع إلى خمسٍ من الإبل، كما [سنصف] 2، فيستحيل ألا يكون العبد على مقدارٍ من الإبل، حتى يقال: الأصلُ الغرة، ونجوِّز أن تكون قيمتُه ديناراً، فإذا عُدِم، فلا بد من خمس من الإبل، ولهذا الأصل عَضَدُ تأييدٍ
لا يمكن ذكره الآن، وسيبين في أثناء هذا الفصل، وإذا انتهينا إليه، نبهنا عليه على ما يجب -إن شاء الله عز وجل- وهذا [معرفته] 3 من المقاصد الجلية، ولم يهتم به أصحاب المذهب على ما ينبغي.
10842 - فإن أخذنا بقول الأصحاب، [واشترطنا] 4 أن يكون الرقيق المخرج سليماً عن العيوب على سَنَنٍ مخصوص، وإن شرطنا ما ذكره القاضي في التقريب لا ينفع [ما] 5 ذكر، بل الوجه أن نبوح بأن الغرة ينبغي أن تكون بحيث يؤخذ بها خمس من الإبل المجزية في الدية، فإنّ الكلام في الأعواض لا ينتجز بالتقريبات إذا لم ينزل على أقل اقتضاء الأسماء المطلقة.
هذا لا بد منه.
10843 - ثم إنا نخوض بعد هذا في تفاصيل معنية في ذواتها، وهو ينبني على ما مهدناه، فنقول: الجنين الحر المحكوم له بالإسلام، هو أكمل [الأجنة] 6، والغرة ثابتة فيه، فلو كان الجنين محكوماً له بالكفر والحرية، كجنين نصرانية من نصراني، فإذا فرضت الجناية المفضية إلى [القتل] 7، فقد اضطرب الأصحاب في
طرقهم في أن الغرة هل تجب فيه؟ فالذي قطع به شيخي والصيدلاني وصاحب التقريب وبعض المصنفين 1 أن الغرة لا تجب فيه أصلاً، ويختص وجوب الغرة بالجنين الحر المسلم، فإن لم يكن، فلا غرة، وإنما الواجب فيه عُشر دية الأم على ما سنفصله في التفريع.
ونقل من يوثق به عن القاضي أن الغرة هي الواجبة في الجنين الحر المسلم، فإن
فرض الجنين حراً كافراً، فيجب فيه جزء من الغرة، نسبته من الغرة كنسبة دية [أصل] 2 الجنين من الدية الكاملة، فإن كان الجنين الكافر نصرانياً فدية النصراني ثلث ديهَ المسلم، ففي الجنين النصراني ثلث الغرة، وإن كان الجنين مجوسياً، فدية المجوسي خُمس دية النصراني، وقد ذكرنا أن الواجب في الجنين النصراني ثلث الغرة، فالواجب في الجنين المجوسي [خُمس] 3 ثلث الغرة؛ فإن الديات هكذا تجري نِسبُها.
وهذه الطريقة منقاسة؛ فإن الغرة من الجنين بمثابة الدية من الشخص التام، وإذا تناسبت الديات على نحوٍ، لم يبعد تناسُب الغرة على ذلك النحو.
ولكن لم أر هذا لأحد من الأصحاب، ووجه الخلل فيه أنه هجوم على القياس في [أمور الدّية] 4 من غير ثَبَتٍ من طريق [التعبد] 5، والأصل في الديات التعبّد.
وذكر العراقيون مسلكاً ثالثاً، وقالوا: يجب في الجنين النصراني عبد كامل قيمته من دية النصراني كنسبة خمسة من الإبل إلى مائة من الإبل.
فقد حصل مما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها - أن الغرة لا مدخل لها في بدل الجنين الكافر أصلاً، فلا يجب فيه عبد ولا جزء من عبد، وهذه الطريقة هي التي
يعرفها المراوزة.
والوجه الثاني - إيجاب جزء من الغرة، حكيناه عن القاضي، والوجه الثالث - أنه يجب في الجنين الكافر عبدٌ ناقص القيمة، نسبته إلى دية الكافر كنسبة خمس من الإبل إلى دية المسلم الكامل.
وما ذكره العراقيون من إيجاب عبد في الجنين الكافر منسوبٍ إلى دية الكافر تصريحٌ منهم بأن العبد الذي [يجب في] 1 الجنين المسلم، يجب أن يكون منسوباً إلى الدية الكاملة؛ إذ لو لم يكن ذلك كذلك، لكان الواجب في الجنين المسلم مثلَ الواجب في الجنين الكافر، ويمكن أن يقال: لو لم ترع النسبة، فقد يُخرِج الجاني على الجنين المسلم عبداً خسيس الجنس، قليلَ القيمة، يقل قدره عن عُشر دية النصرانية، وهذا لا سبيل إلى اعتقاده.
فصار ما ذكره العراقيون عضداً وتاييداً لما حكيناه في وجوب المناسبة بين الغرة الواجبة في الجنين [المسلم] 2، ولا نُلْزَمُ التفريعَ المستتبع الذي ذكرناه في التسوية بين الجنين المسلم والكافر، لأجل هذا لم نجعل لوجوب الغرة مدخلاً في الجنين [الكافر] 3.
10844 - وقد يرد سؤال يعسر دفعه، وهو أن عشر دية النصرانية قد يكون أكثر من [عبد] 4 عند من يفرض إجزاءه 5 في بدل الجنين المسلم، فيجب من هذا التسوية أو تفضيل الجنين الكافر.
وهذا سؤال واقع، والممكن [في] 6 دفعه أن الغرة للجنين بمثابة الدية، وإيجاب جزء من دية الأم بنسبة الغرة [التفاتٌ] 7 إلى الغرة، وإخراج له عن أن يكون معتبراً في
نفسه.
وهذا يوجب انحطاطاً عن اعتبار الشيء في نفسه.
ولا نظر إلى التفاوت في المالية، وهذا بمثابة إيجاب دياتٍ قيمةَ مملوك، ولكنه غير مقدر، بل هو مقوّم معتبر بغيره، والحر معتبر في نفسه، وهذا [واضح] 1، فإن الغرة إذا [عدمت] 2، فقد نرجع في بدل الجنين المسلم الحر إلى خمس من الإبل، وهو عبد 3، وجزء من دية الأم.
وإذا نظر الناظر فيما نقلناه، ثم فرعناه، لاح له أن الغرة التامة في الجنين الكامل بالإسلام والحرية يجب أن تكون منسوبة إلى الدية 4، ولا يجوز الاكتفاء بأي عبد كان، وإن كان بريئاً عن العيوب في جنسه.
فهذا من أركان الفصل، وقد نجز.
10845 - ومما نتكلم فيه القولُ في سن العبد، وفي سلامته من العيوب، وليقع التزامه باشتراط السلامة من العيوب، فنقول: اتفق الأصحاب على أنّ العبد المعيب غير مجزىء [إلا] 5 أن يرضى المغروم له، ثم المرعي في [العيب] 6 الذي يُثبت حق الرد كالمرعي فيما يثبت الردّ بالعيب في البيع، وهذا على هذا الوجه متفق عليه في الطرق.
فإن قيل: إذا كنتم تنسبون الغرة إلى الدية، فاحكموا بإجزاء معيب قيمته واقعة من الدية على النسبة المطلوبة.
قلنا: لا حاصل لهذا السؤال، فإن الرد بالعيب وإن كان مبنياً على اعتبار الأغراض المالية، فلا يقع الاكتفاء باعتبار القيمة المجردة، فإن من اشترى عبداً واطلع منه على عيب، وكانت قيمته مع العيب الذي به زائدة على [الثمن] 7 بأضعاف، فللمشتري الرد واستردادُ الثمن، وإن كان ذلك العبد المعيب
[مطلوباً منه] 1 بأضعاف الثمن.
وهذا أصل متفق عليه، نعم، قد تتمحض المالية في بعض المواضع، وذلك إذا اشترى قيّم الطفل له عَرْضاً، ثم اطلع على عيب قديم به، وكان مع ما به من العيب مطلوباً بأكثر من الثمن، فليس له الرد، بل يجب رعاية الغبطة للطفل.
وإذا لم تكن المسألة مصورة كذلك، فالرد لا يتوقف ثبوته على القيمة، فإن الإنسان استحق سلامة المشترى [مغبوناً] 2 كان أو مغبوطاً، فإذا لم يحصل له المستحَق، فله حق الرد، كذلك الغرة تثبت عوضاً فلا يُلزَم مستحِقُّها الرضا بمعيب، وإن كان حق المالية حاصلاً، والدليل عليه أنه لو بذل [بدلَ] 3 الغرة، مع القدرة على تحصيل الغرة، لم يقبل منه.
10846 - فإن قيل: إن كان ما ذكرتموه دفعاً للسؤال على اعتبار نسبة الغرة إلى الدية الكاملة، فماذا تقولون على قولكم يُجزىء أي عبد فرض من غير أن تنسب قيمته إلى الدية، ولو اطلع مستحق الغرة على عيب فرده، فالمردود عليه يشتري عبداً لا عيب به، وهو [أخس] 4 من المسترد، وأقل قيمة منه؟
قلنا: هذا غير متجه، لما قدمنا ذكره من [أن] 5 الأغراض المالية لا يتمحض اعتبارها في العيوب، وتصوُّر كون البدل أقلَّ من المعيب المردود بمثابة كون الثمن المسترد أقلَّ من العبد المعيب، وقد ينطبق على هذا في التمسك أن من استحق شيئاً [موصوفاً في ذمة] 6 إنسان، فجاء به معيباً، فللآخر رده، وإن كان المردود شريف الجنس، وكانت قيمته مع ما به أكثرَ من قيمة ما سيأتي به سليماً من العيب.
فإذا ثبت الفرض على [المسلكين] 7، فالمشكل في ذلك أن اسم العبد ينطلق على
المعيب انطلاقه على السليم، فإذا لم يكن العبد على قدر من المال معتبر، فاستنباط اشتراط السلامة عسر.
وقد قيل: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم العبد باسم الغرة، والغرة اسمٌ [للبريء] 1 السليم، وهذا يعارضه أن الغرة اسم للخيار في الجنس والنوع، لا أنه اسم للبريء، ثم القواعد متفاوتة في [النقائص] 2 المانعة من الإجزاء، [فالمرعيّ] 3 في النقص المانع من الإجزاء في الكفارة ما يؤثر في العمل تأثيراً ظاهراً، فإن لم يكن مؤثراً، لم يمنع الإجزاء وعليه خرج في النقائص المانعة من الإجزاء في الضحايا ما يؤثر في اللحم، أو [فقد] 4 العين والأذن، كما سيأتي في الضحايا، والمعتبر هاهنا ما يؤثر في إثبات حق الرد في [المعاوضات] 5، وقد أوضحنا ذلك في كتاب البيع.
وقد نجز القول في العيب.
10847 - فأما الكلام في السن، فإنه يقع في [الطرفين] 6.
ونحن نوضح القول في العبد الصغير، ثم نبين المذهب في العبد الكبير: فأما الصغير الذي لم يظهر تمييزه، ولم يبلغ سبعاً أو ثمانياً؛ فإنه لا يجزىء، وذلك أنه مأخوذ عوضاً، وأخذه يُلزم صاحبه التزام مؤنة خاصته، وهو مشقة بيّنة، فنزل [الصغر] 7 منزلة العيوب.
ومما يجريه الأئمة في الكلام أن آخذ الغرة ينبغي أن يكون متمكناً من الانتفاع باستخدامه، فإذا لم يحصل له هذا الغرض، كان الماخوذ كلاَّ ووبالاً عليه، والعبد في الكفارة يخالف في أصله وضعَ الغرة، فإن من أعتق عبداً رضيعاً ليس به عيب
يمنعه من العمل إذا استقلّ، فإعتاقه مجزىء؛ فإن الغر تخليصه من الرق حتى يستقل، ولا يكون كلاًّ على غيره.
وأما الغرة، فإنها [عوض تُبتغى] 1 المالية منه، فالصغر المُحوِج إلى المؤنة في حكم العيب، وقد ذكرنا تفصيل القول في العيب.
فهذا كلام في هذا الطرف.
10848 - فأما العبد الكبير، فقد قال بعض الأئمة: لا تجزىء جارية في الغرة استكملت عشرين، ولا يجزىء غلام استكمل خمسة عشر، فإن الجارية يظهر تغيّرها بسبب أثر السن إذا أبرّت 2 على العشرين، والغلام يظهر تغيره باستكمال الخمسة عشر، فهذا ما ذكره العراقيون.
وقال قائلون: نعتبر العشرين في [الجنسين] 3، فإن النمو والازدياد إلى هذا الحد، وبعده التراجع والانحطاط.
وقال الشيخ أبو حامد: [الكبر] 4 المانع هو الهرم المؤثر في حل القوى، وتضعيف المُنّة، وتابعه جماهير الأصحاب.
ومن أراد الغاية، لم يخف عليه أن الكلام في هذا الطرف من السن مضطرب؛ فإن الهرَمَ إن كان يؤثر في العمل، فليس العمل معتبراً في هذا الباب، وإنما نعتبر العمل [ووفورَه وسقوطَه في عبد] 5 الكفارة، وليس ذلك معتبراً في الغرة، والدليل عليه أن العيب المانع من الإجزاء في الغرة [ما لا يكون] 6 مؤثراً في العمل بشين في الوجه [والطرف] 7 وما أشبهها.
فالذي يجب اعتباره في السن على الطريقة المرعية اتخاذ العيبِ والسلامةِ منه حَكماً في الباب.
ونحن نطرد غرضنا في ذلك على ما لاح [وظهر] 1 من وجوب كون الغرة مناسبةً للدية بالجزئية التي قدمناها، فكل سن كان عيباً، فليس كذلك، فإن اطراد [الإنسان من نشوئه] 2 إلى انقضائه بمثابة أنواع الآدميين.
ثم لا يتعين في الغرة نوع، فالملتحي نوعٌ وقد لا يصلح لما يصلح له الأمرد، ويصلح [الأمرد لما لا يصلح له الملتحي] 3 وهذا يتحقق في أنواع العبيد.
ثم تقاعُدُ نوعٍ غير مقصودٍ عن النوع الآخر لا يُلحقه بالمعيب، فاقتضى ذلك ألا نعتبر ما اعتبره بعض الأصحاب من استكمال العشرين والخمسة عشر، وكذلك الكهل الذي وخَطه الشيب، يصلح لما لا يصلح له مَنْ دونه من الأمور الخطيرة التي تنافي [نَزَقَ] 4 الشباب.
والهَرَمُ لا يمنع إجزاءه ما لم ينته الهرم إلى العيب، ولا ضبط لما ينتهي إلى العيب إلا ما يُظهر الضعفَ وسقوطَ المُنة؛ فإن هذا نقصٌ وراء التنويع والتجنيس، ولا يتصور أن يكون مقصوداً 5، والصغر دون سن التمييز يلتحق بالعيب؛ من حيث إنه يُلزم مؤنةً.
فلينظر الناظر إلى ذلك يَرشُد.
وليعلم أن العبد إذا كانت قيمته منسوبة إلى الدية، فلا ضرار من جهة المالية، ولا عيب في الصنف 6، وإن فرض انعدامٌ [في غرضٍ خِلقةً ووجودُ غرضٍ، فالأطوار
والتارات] 1 كالأصناف، ومن تخيل مجاوزة نضارة الشباب عيباً، فليس على بصيرة؛ فإن ذاك إن كان كذلك إنما يتحقق في عبد معيّن ونوع مخصوص، فأما إذا كان تعيين النوع والصنف إلى المخرِج، والماليةُ مرعية، والأطوار [كالأصناف] 2، فلا وجه لما تخيله أولئك.
هذا حاصل الكلام في قيمة الغرة، في عَيْبه وسلامته، ثم في [سنه] 3.
10849 - ثم نحن نذكر بعد هذا التفصيلَ فيه إذا عُدِمت الغرة، فإن الرجوع عند عدمها إلى ماذا؟ أولاً-[نعتبر] 4 في العبيد [ما] 5 يعم في البلد أو يكثر في يد الغارم، بخلاف ما ذكرناه في الإبل الواجبة في الدية، ومطلق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "غرةٌ عبد أو أمة" يدل على ذلك، وتصوير [العدم] 6 كتصوير [العدم] (6) في إبل الدية، وقد قدمت ذلك مشروحاً في أول كتاب الديات.
ولا معدل عن الغرة مع وجودها، كما لا معدل عن إبل الدية مع وجودها، إلا أن يرضى به الباذل والمستحِق، ثم يكون ذلك اعتياضاً، والقول في هذا كالقول في إبل الدية حرفاً حرفاً.
وقد ذكرنا ثمَّ أن المنصوص عليه في الجديد أن إبل الدية إذا فقدت، قوّمت ووجبت قيمتها بالغة ما بلغت، وذكرنا قولاً آخر أن الرجوع إلى مقدرٍ، وهو من الدنانير ألفُ دينار، ومن الدراهم المسكوكة من النُّقرة الخالصة اثنا عشر ألفاً.
وقد اختلف أئمتنا في ترتيب المذهب في الغرة.
فمنهم من قال: الترتيب هاهنا
كالترتيب إذا فقد [إبل الدية] 1، حتى يكون الرجوع إلى قيمة الغرة في قولٍ مصحح، وإلى مقدّرٍ سنصفه في القول الآخر.
ومنهم من قال: الترتيب يجب على العكس.
والأصح هاهنا الرجوع إلى [مقدّر] 2 إذا فقدت الغرة.
وفي المسألة قولٌ بعيد أن الرجوع إلى قيمة الغرة.
هذا ما ذكره الأصحاب.
10850 - وأنا أقضي العجب ممن يستمر على مثل هذا الكلام، ولا يخطر له [اختلاج] 3 فكر يجاذبه إلى طلب [الحقيقة] 4، ونحن نقول: إن كان العبد المأخوذ غرةً، منسوباً إلى الدية بالجزئية المقدمة، فلا يتصور إلا [التقدير] 5 في إثبات البدل، وليس كالإبل؛ فإنها أصل [لا نستبدلها] 6، فإن اعتبرت قيمتها، فُهِم ذلك، واختلف بارتفاع الأسعار وانحطاطها، وإبل الدية مضبوطةُ النوع والسن مشروطةٌ بالسلامة، فأما العبد، فلا صنف له، [فإن نسبت قيمته، فقيمته] 7 مقدرة أبداً، وإن قيل لا ينسب العبد إلى الدية، ولا ضبط [للعبد بالإبل] 8، فلست أرى لرد الأمر إلى رأي الغارم [ليقدّم] 9 أي عبدٍ شاء معنىً.
10851 - ووراء ما ذكرناه نوعان من الكلام، بهما تمام البيان: أحدهما - أنا إذا أوجبنا قيمة عبد، ولم ننسبها إلى الدية، فنعتبر قيمة عبد ابن سبعٍ، سليم عن العيوب، من أخس جنسٍ يفرض.
وإن اعتبرنا نسبة العبد إلى الدية، فقد يعترض فيه سؤال، وهو أن قائلاً لو قال: تقويم العبد مذكور مشهور، وهو قول معزي إلى الشافعي، فما وجهه؟ هلا قطعتم بالرجوع إلى المقدر؟
وهذا سؤال واقع، [والجواب] 1 عنه أن الإبل إذا عدمت، فالأصح أن الرجوع إلى قيمتها، والخلاف يؤول إلى أنا إذا أردنا القيمة، فنقوّم عبداً يؤخذ به خمس من الإبل، ونرجع إلى خمس من الإبل 2، ويكون هذا التردد بسبب كون العبد أصلاً في الباب، ويستفيد به الباذل أنه يبذل الدراهم، فتؤخذ منه مع وجود الإبل، ولسنا نعتقد على هذا المسلك الأصحِّ أن التقدير المالي يختلف، وإنما يرجع أثر التقويم إلى ما ذكرنا من جواز الرجوع إلى القيمة مع وجود الإبل.
فلو فقدت الإبل، فلا أثر لقولنا: إنا نقوّم العبد بالإبل.
نعم، إنما صححنا الرجوع إلى البذل عند عدم الإبل، لأنا نقع في الدراهم والدنانير، مع انضباط [القيمة] 3، فبعُدَ هذا، وكان الرجوع إلى الإبل أقرب منه بخلاف الإبل إذا فقدت في الدية؛ فإن القيمة غير منضبطة، وكان الأصل فيها [التقويم] 4؛ فإن الألف دينار لا أصل لها، وإنما صار إليها صائر من حيث رأى في [الواقع] 5 تقويم الإبل بألف دينار، وإنما يُحمل ذلك على وفاق في القيمة، والرجوع إلى خمس من الإبل مضبوطة شرعاً، وهذا منتهىً لا يفضي إليه إلا فَهِمٌ ومَنْ شاركنا في مأخذ الكلام في الفقه.
وتمام البيان فيه أنا إذا صححنا أن الرجوع إلى الإبل، انقلب هذا إلى الترتيب الذي ذكرنا في فقدان الإبل في أصل الدية، فالقول الأصح أنا نرجع إلى قيمتها بالغة ما بلغت.
وفي المسألة قول في القديم أنا نوجب نصف عشر ألف دينار وهو خمسون ديناراً، وقد نجز مقصود الفصل منقحاً كما ينبغي.
فصل
قال: "فإن كانت أمه مجوسية وأبوه نصرانيّاً ... إلى آخره" 1.
10852 - قد ذكرنا التفصيل في الجنين المحكوم بإسلامه الحرّ، وذكرنا موجب الجنين الكافر، إذا تمحض الكفر فيه، [بأن] 2 كان متولداً من نصرانيّ ونصرانية، أو يهودي ويهودية، والغرض لا يختلف، بأن كان متولداً من بين نصرانية ويهودي؛ فإن دية اليهودي كدية النصراني.
وهذا الفصل مقصودٌ فيما إذا كان متولداً من بين من يقل ضمانه ويكثر ضمانه كالمتولد من مجوسي ونصرانية، فإذا فرض الجنين كذلك، [فأسقطته] 3 الجناية فالمذهب الظاهر أنا نعتبره بأكثر الأبوين ديةً، وأغلظهما في الضمان.
وقال أبو الطيب بن سلمة: نعتبر [بأخسّ] 4 الأبوين ضماناً، وحكى صاحب التقريب وجهاً آخر أنا نعتبره [بدية الأب] 5، فإن الانتساب إليه.
10853 - وقد ذكر الأئمة في مسالك إتباع الوِلْدان جامعة نذكرها ونختتمها بتوجيه الاختلاف.
قالوا: من الأحكام ما يتبع المولود فيه الأبوين، [أيَّ] 6 واحد منهما، وهو الإسلام، لأنه عالٍ مغلَّب يثبت من أي جهة أتى، ويلتحق بذلك [أخذ الجزية] 7 في أصلهما، فإذا كان الشخص متولداً من بين من تؤخذ الجزية منه ومن لا تؤخذ الجزية منه، فالجزية مأخوذة من المتولد؛ تغليباً [لحقن] 8 الدم.
ومن ذلك [تحريم] 1 اللحم، فالمتولد من بين [من تحرم ذبيحته ومن تحلّ محرّمٌ] 2، لما صح من تغليب الحظر.
ويلتحق بهذا سقوط الزكاة فالمتولد من بين الظباء والأغنام لا زكاة فيه.
[ومنه] 3 وجوب الجزاء في المتولد كما مضى في موضعه، ويلتحق به امتناع جزاء الصيد بالمتولد [وامتناع التضحية] 4 وعدم استحقاق السهم من [المغنم] 5 بسببه [كالبغل] 6 فهذا قسم، وتجمع مسائله بما يثبت في الشرع تفصيله.
ومن الأقسام ما يتبع المولود فيه الأبَ، وهو [النسب] 7 وكل ما يتلقى من النسب، وذكر الأئمة من ذلك قدرَ الجزية إذا كان الأب قد ألزم أكثر من دينار، فالغلام مطالب إذا بلغ بمثله، وسيأتي ذلك في موضعه من الجزية، إن شاء الله عز وجل.
ومما يتصل بهذا القسم الكفاءة؛ فإن المرعيّ فيها نسب الأب.
ومن الأقسام ما يتبع المولود فيه الأم وهو الملك والحرية، وغير ذلك، قال الشافعي: ولد كل ذات رحم بمثابتها [يكون] 8 ملكَ مالك الأم، لا حظ منه لمالك [الفحل] 9.
ومن الأقسام ما يراعى فيه الأغلظ، ويتصل بذلك سن اليأس من الحيض إذا فرعنا على أن الاعتبار نساء العشيرة، حتى لو كانت نساء العشيرة من قبل الأب ينقطع حيضتهن على رأس الستين، وينقطع حيض نساء العشيرة من قبل الأم على رأس السبعين، فيعتبر السبعين، ولو كان الأمر على العكس، فالمعتبر الأغلظ، كما ذكرنا.
والسبب فيه أنا نعتبر أقصى امرأة في العشيرة، وهذا يجمع الجانبين، فمنه انتظم
تصوير الأغلظ، وفي مهر المثل نعتبر نساء العصبات، وقد مضى في ذلك باب مفرد.
وفي مناكحة [المتولد بين] 1 من يحل مناكحة جنسه وبين من لا يحل مناكحة جنسه قولان، وكذلك القولان في استحلال ذبيحة أحدهما أنا نعتبر أغلظ الجانبين، فتحرم المناكحة والذبيحة.
والقول الثاني - أنا نعتبر في الحُكْمين المذكورين جانبَ الأب فقط، وقد قدمنا القولين بما فيهما من توجيه وتفريع في كتاب النكاح.
[أما القول في] 2 توجيه الاختلاف الذي ذكرناه في بدل الجنين المتولد بين من تخف ديته وبين من تغلظ ديته، فمن قال بظاهر المذهب، وهو أن الاعتبار [بأغلظ] 3 الجانبين أو أكثرهما دية، احتج بأن الغرض الأظهر من إيجاب هذه الأعواض الزجر عن الإقدام على الإتلاف.
وهذا المعنى إذا كان متضمناً [حقنَ] 4 الدم، والمنعَ من الإهلاك، [فيليق] 5 به التغليظ.
ومن قال بمذهب أبي الطيب، احتج بأن الأصل براءة الذمة، والوجه ألا نوجب إلا الأخف والأقل.
ومن قال نعتبر جانب [الأب قال] 6: إذا تعارض اعتبار براءة الذمة والاحتياط [لحقن الدم] 7 وجب بعد تعارضهما النظر [إلى] 8 من نسب المولود إليه [وإنما] 9 ينسب [إلى] 10 الأب.
فهذا مجموع القول في هذا الفصل.
فصل
قال: "ولو جنى على أمةٍ حامل ... إلى آخره" 1.
10854 - مقصود هذا الفصل أن الاعتبار بيوم الإلقاء إذا فرضت تغايير، وكان الجنين حرّاً في أصله، وكان حرّاً يوم الإلقاء.
وبيان ذلك أن من جنى على ذمية، وهي حامل بولدٍ كافر، فأسلمت، ثم ألقت الجنين بسبب الجناية، فنوجب فيه غرة تامة باعتبار يوم الإلقاء، وهذا قياس مطرد، وهو اعتبار المآل في استقرار [الأقدار في الأروش] 2، وقد مهدنا هذا الأصل في كتاب الجراح.
ولو جنى على أمةٍ وكانت حاملاً بولد حربي، فأسلمت، ثم ألقت جنينها، وقد جرى الحكم بإسلامه، فلأصحابنا طريقان: [منهم] 3 من قطع بأن الضمان لا يجب، وهو طريق أبي علي، ومنهم من ذكر وجهين في وجوب الضمان في الجنين: أصحهما - أن الضمان لا يجب، والثاني - أن الضمان يجب.
وتحقيق القول في ذلك يستدعي رمزاً إلى تجديد الذكر بأصولٍ قدمناها في أول الجراح، فنقول: ما يجب القطع به من أن من جرح حربياً وأسلم ومات، فلا ضمان على الجارح لمصادفة الجرح المجروحَ في حالة كونه [هدراً] 4 [إذا فرض النزاع في موجب الغرة، فإن سلم الجناية، وسلّم الإجهاضَ، ولكن قال: لم يسقط بسبب الجناية، فإن اتصل الإجهاض بالجناية] 5، قُطع [بصدقها] 6. والقول في ذلك
كالقول فيه والمجني عليه إنسان [اتصل موته] 1 بالجناية، وكانت تلك الجناية مما يفرض الموت بها، فالقول قول ولي المجني عليه أنه مات بالجناية، وإن لم يتصل الإلقاء بالجناية 2، نظر: فإن كانت المرأةُ المجنيُّ عليها [زوجةً صاحبةَ] 3 فراش [وظلت] 4 متألمة حتى ألقته، فالقول قولها، وعليها اليمين.
وإن لم تكن صاحبةَ فراش وتخللت المدة، وكانت سليمة في تلك المدة، فالقول قول الجاني.
والصور كثيرة، ولست أرى في تكثيرها فائدة؛ فإنّ [فَرْض] 5 الاختلاف في سقوط الجنين وإضافته إلى الجناية، كفرض الاختلاف بين الجاني وبين المجني عليه، إذا فرض الاختلاف في أنه مات بالجناية أو مات بسبب آخر، وقد مهدنا تلك الصور على أكمل وجه في البيان.
ولم أر بين فرض النزاع في إلقاء الجنين وبين فرض النزاع في أداء السراية إلى [موت] 6 المجني عليه فرقاً، ولو أردت البيان التام، لأعدت تلك الصور، ولا سبيل إلى إعادتها، فأنا ذاكرٌ [هاهنا] 7 ما أراه مختصاً بهذا الأصل.
10855 - فلو جنى عليها، فألقت [جنيناً] 8 على الاتصال، فقد ذكرنا أن الإلقاء مضاف إلى الجناية، وإن فرض نزاع، فالقول قول المرأة، ولو قالت القوابل: [ألقت الجنين إذْ كان حان] 9 وقت الولادة، وقد [اتصل] 10 الانفصال بالجناية، فلا أثر
لقول القوابل إذا قلن: إنما انفصل الولد لأنه كان قد حان وقت الولادة، لأن هذا أمر لا يطلع عليه القوابل؛ من قِبل أن الولد قد ينفصل عند انقضاء [أمده] 1 وقد-[لسبب- يتأخر] 2 انفصاله، ثم يتفاوت الأمر في هذا تفاوتاً عَظيماً، فسقط قولهن، ووجب الرجوع إلى [اتصال الانفصال] 3 بالجناية، كما قدمنا ذكره.
ولو سلم الجاني أنها ألقت الجنين بسبب الجناية، ولكنه ادّعى أنها ألقته ميتاً، وقالت المرأة: بل ألقيته حياً عليه أثر الجناية، ثم مات، فالقول في هذه الصورة قول الجاني؛ فإن الأصل عدم الحياة وبراءة الذمة.
ولو سلم لها أنها ألقته حياً بجنايته، وادعى أنه مات بسبب آخر، فهذا مما يجب التأنّي فيه، فنقول: إذا ثبتت الجناية، واتفق [اتصال موت] 4 المجني عليه بالجناية التي [يُفضي] 5 مثلُها إلى الهلاك، فالموت مضاف إلى الجناية.
ولو ادعى الجاني أن الموت حصل بسبب آخر، فعليه إثبات ذلك السبب، وهذا من الصور التي لم نذكرها، وأحلناها على تقريرنا لهذا الأصل على كتاب الحرابة.
ولو اعترف في مسألتنا بالجناية عليها، وأقر باتصال انفصال الولد، وحصل موت الولد بعد أن انفصل حيّاً متصلاً من غير تخلُّل مدةٍ، [فتجب الدية كاملة.
10856 - وإذا لم ينفصل] 6 الجنين، لم يختلف العلماء في أنه لا يجب بسبب الجنين شيء، فإنا لم نتحقق وجوده، والأصلُ براءة الذمة، وإنما نتحقق وجودَه بانفصاله.
فلو انفصل بعضه وبقي [ناشباً] 7 - والمعنيّ بالانفصال الخروج لا الانقطاع -فقد
تحققنا وجود الجنين، وظهر استناد الأمر إلى الجناية، فاختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: لا ضمان أصلاً، لأن الجنين لم ينفصل، وخروج بعضه لا حكم له، وقد نستيقن الحملَ واضطرابه في البطن، ثم إذا لم ينفصل لا نوجب شيئاًً، كذلك إذا ظهر [بعضه] 1 وهذا نسبه بعض المعتمدين إلى القفال.
وذهب المحققون من الأصحاب إلى إيجاب الغرة؛ لأنا تحققنا تلف الجنين، مع استيقان وجوده، ولا أثر للانفصال إلا استيقان الوجود، وقد تحقق هذا في خروج البعض.
ولا خلاف أنا لا نحكم بانقضاء العدة؛ فإن انقضاء العدة مربوط بفراغ الرحم، وإنما يتحقق الفراغ إذا تم الانفصال.
وهذا الذي ذكرناه في انفصال بعض الجنين ميتاً.
فلو ظهر بعضُه واستهلّ ثم مات وجمد، فمن [يعتبر] 2 الانفصال لا يوجب في هذه الصورة شيئاً، والمسألة فيه إذا بقي [ناشباً] 3 وماتت الأم، فإن الانفصال مشروط في أصل الضمان، فإذا لم يتحقق الانفصال، لم يجب شيء.
ولو استهل [وطرف] 4 كما 5 ظهر البعض، ثم جَمَد 6 وانفصل ميتاً، فهذا يخرّج على الخلاف الذي قدمناه: فمن اعتبر الانفصال، قال: لا حكم لذلك الاستهلال الذي جرى، ومن اعتبر التيقن يقول: قد تيقنا الحياة، فتجب الدية الكاملة إذا كان الموت بعد الظهور والاستهلال، ولو سمعنا صراخ الجنين في البطن، فلا حكم له وفاقاً.
ومما يتصل بهذه الجملة أنه إذا ظهر بعضُ الولد -وكان يستهلّ- فجاء إنسان فاحتز