نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 417-456
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الديات

صفحات 417-456
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الاستمتاع، غير أنه لا يصل إليه إلا والبكارة تزول، فإذا لم يستمتع وأزال البكارة كان جائفاً.
فصل قال: "وفي العين القائمة واليد والرجل الشلاء ... إلى آخره" 1. 10663 - ذكرنا فيما تقدم قواعدَ القول في الأروش [المقدرة] 2، وإن شذ شيء، فسنستدركه إن شاء الله في آخر الباب.
وهذا الفصل معقود لبيان الحكومة، وذكر أصلها وتفصيلها، والحكومة عبارة عن موجَب جُرح ليس له أرش مقدر من جهة التوقيف، ثم مبنى الحكومة على أن تُحطَّ عن دية العضو [الذي يُقدّر محلاً لجناية الحكومة، وسيتضح ذلك] 3، إن شاء الله.
وبيان ذلك بالأمثلة أن موجب الإصبع عشر من الإبل، ولو فرضت جناية على الإصبع، فأتى على طولها، فحكومتها لا تبلغ ديةَ الإصبع، والجناية على اليد إذا كانت بحيث تناولت 4 الأصابع، تحط حكومتها عن دية اليد، وتعليل ذلك أن الجراحة إذا وقعت على عضو مفدًّى بأرش مقدرٍ، فيستحيل أن يجب فيها والعضو [قائم] 5 ما يجب في العضو إذا [فات] 6 بالجناية.
وشبه الأئمة قولهم في هذا الأصل، [بالتعزير والحد، والرضخ] 7 والسهم، فإن

التعزير محطوط عن الحد، والمرضَخ محطوط عن السهم، ولا حاجة إلى هذا الاستشهاد مع ما قدمناه.
ثم جراحات الحكومة يُتأنّى بها إلى أن تندمل، [فإن بقي شَيْنٌ] 1 له أثر في التنقيص، جعلناه المعتبر في الحكومة.
10664 - [والحكومة] 2 أن يفرض المجروح عبداً سليماً عن ذلك [الشَّيْن ونعرف] 3 مبلغ قيمته مع [تقدير] 4 سلامته، ثم نُقوّمه [مع] 5 ما به من الشين ونضبط التفاوت، ونعرف النسبة، فإن كان الناقص عُشراً أوْ أقل، أوجبنا تلك النسبة من الدية، ونحن مع ذلك نلتفت إلى مقدار الأرش المقدر الذي حقّقنا حطَّ الحكومة عنه، فإن كان ما رأيناه محطوطاً عن الدية التي نرعاها، فهو المراد، وإن كان ما اقتضاه التقدير مثل ذلك الأرش المقدّر، أو أكثر، [فلا بد] 6 من الحط عن ذلك القدر.
ثم يجب النظر في مقدار المحطوط [فلا يجوز] 7 أن يقال: نكتفي في الحط بأقل القليل، فإن أمور الجنايات وأحكام الدماء لا تجري إلا على ترتب وتحقق، فلو قال قائل: نضبط النقصان الحاصل بالجناية على العضو مع بقاء العضو، ثم نقدر النقصان بفوات العضو، ثم ندرك ما بين النقصانين ونحط مثلَ تلك النسبة بأن نعتبر نقصان الجزء عن [الجزء] 8 ونقصان الكل عن الكل 9. فهذا وجه من الرأي جيد.
وإن كان

فيه اعتبار النقصان في اليد، واليد مقدّرة الأرش.
ولكن هذا محتمل، إذا ضاق مسلك النظر، وليس هو بأبعدَ من تقدير الحرّ عبداً وردِّ الأمر بعد ذلك إلى الدية، وتحكيم القيمة فيها.
فهذا قول كلّي على أصل الحكومة.
10665 - ولو كانت جراحة الحكومة بحيث لو اندملت، لم تُعقب [شيناً] 1 ولم [تترك] 2 نقصاً، فهل تجب الحكومة والحالة هذه؟ اختلف أصحابنا في المسألة على وجهين: أحدهما - أنه لا يجب شيء أصلاً، وهو ظاهر القياس؛ لأن المعتمد في الحكومات اعتبار النقصان، وبناء النسبية عليه، فإذا لم يكن نقصان أصلاً، فلا معنى لإيجاب شيء، مع انعدام الموجِب.
ومن أصحابنا من قال: لا بد من إيجاب حكومة؛ لأن الجناية على الدم خطيرة لا سبيل إلى إحباطها، ولأجل ذلك أثبت الشرع ضمان [الحر] 3 وإن لم يكن الحرّ مالاً، ولكن لما عظم خطره وارتفع قدره، بَعُد أن يقع تلفه محبَطاً، فكان إيجاب العوض فيه للتعظيم، وهذا المعنى محقق في الجناية وإن لم تُفضِ إلى شَيْن.
التفريع: 10666 - إن قلنا: لا ضمان أصلاً، فلا كلام، وإن أوجبنا الضمان، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: هو مفوّض إلى اجتهاد الإمام، بقدر ما يليق بالحال، وهذا الوجه وإن كان مشهوراً، فهو عريٌّ عن التحصيل، وللفقيه أن يقول إن كان الإمام يوجب [ما شاء] 4، فهذا بعيد، وقصاراه تطريق الاحتكام في الغرامات.
وإن كان الإمام يُسند نظرَه إلى رأي، فهو المطلوب، فلنبحث عنه، فهو = ديته، ولا تبلغ الحكومةُ الدية، فكم ننقصها؟ هذه هي الطريقة لاستخراج نسبة النقص.

مرادنا: [من] 1 أصحابنا من قال: نعتبر هذه الجراحة بحالتها الأولى، وهي مؤلمة أوْ مدمية، ثم نقول: كيف تقدير قيمة العبد وبه الألم، فنفرض [قيمته] 2، ثم نبني عليه تقدير الحكومة على الرأي الممهد في معرفة التفصيل، وبناء [النسبة] 3 عليه.
وهذا القائل يستدل على هذا بأن الجناية إذا ثبتت، لم يبعد تقدير عوضِها وإن اندملت؛ فإنا لم [نعدم] 4 مثالَ ذلك في الجراحات [والأروش] 5 المقدرة، [فإن من أوضح] 6 رأس إنسان، ثم التحم الجرح واكتسى باللحم والجلد، لم يسقط أرش الموضِحة، وقد ينتهي الاندمال إلى حالةٍ لا يبقى فيها من النقصان شيء.
وكأنا في الجراحات التي تُبقي [شيناً] 7 نعتبر [النهاية، ولا إشكال في الاجتهاد] 8، وإذا لم تُبق شيناً وعسر الإهدار، فلا وجه إلا اعتبار حالةِ الجناية، فهذا ما قيل.
وفي النفس من هذا حزازات؛ من قِبل أنا إذا اعتبرنا حالة الجناية، فكيف نعتبرها؟ [أنقول:] 9 ما قيمة العبد والتقدير على أن الآلام لا تزول؟ أو نقول: نعتبر حالة الجناية مع تقدير زوال الآلام؟ [إن] 10 قلنا: كم قيمة العبد والآلام لازمة، فهذا باب من الظلم، ولا ينبغي أن نقدر الشيء إلا بما هو عليه.
وإن قدرنا زوال الآلام، فسيقول المقومون: إذا كانت الآلام ستزول والشين لا يبقى ولا أثر لوجود الألم في [القيمة] 11، فليس ينقدح هذا، ولا وجه إلا المصير إلى أنه لا يجب شيء أصلاً، وصحة المذاهب وفسادها بالتفريعات.

10677 - ثم قال الأئمة رضي الله عنهم: إذا لطم الرجل لطمة، فهذه وما في معناها لا توجب غُرماً أصلاً، وليس هو في محل النزاع، ولا خلاف، وقد قال من أراد عقد مسائل الباب: كل جناية تُبقي [شيناً] 1، فالمعتبر في حكومتها الشين، وإن كانت لا تبقي شيناً ولم تكن بحيث تؤلم في الابتداء، فلا يتعلق بها حكومة، وإن كانت تؤلم في الابتداء ولا تبقي شيناً، ولا ألماً [آخراً] 2، فهذا محل الخلاف في أن الحكومة هل تجب أم لا؟ ثم إن أوجبناها، ففي مقدارها الخلاف الذي ذكرناه، وسنجيب عنه، إن شاء الله عز وجل.
وهذا ليس بضبطٍ كامل في محل الخلاف.
ونحن نذكر منه مسائل أُخر، ثم نحرص على الجمع: قال الأئمة: إذا قلع إنسان سنّاً شاغية 3، وكانت [تزيد] 4 قيمته بالقلع، فهل يجب بهذه الجناية شيء أم لا؟ فعلى وجهين.
ثم إن أوجبنا [شيئاً] 5، ففي اعتباره ومقداره الخلاف، وكذلك لو قطع إصبعاً زائدة، ولم ينتقص بها منفعة، وذلك قد يزيد في قيمة العبد، ففيه الخلاف، وذكر الأصحاب إفساد منبت لحية المرأة.
فهذا مجموع المسائل.
10668 - فخرج مما ذكرناه أن الجناية التي تُبقي شيناً ونقصاً موجبها في الفنون التي نحن فيها الحكومة، واعتبارها بحالة الاندمال.
وكل جناية [تُبقي] 6 شيناً في الخلقة، ولكن لا تفضي إلى نقصان في المنفعة أو الخلقة، ففيها الخلاف.

وما لا تزيل خلقة ولا تعقب شيناً ونقصاً، فإن كانت لا تؤلم إيلاماً [به] 1 مبالاة [فلا يتعلق] 2 بمثل هذا شيء.
وإن كانت تؤلم ابتداء إيلاماً ظاهراً، ثم لم تعقب نقصاناً وشيناً آخِراً، ففيه الخلاف.
فهذا حصر هذه المسائل.
10669 - وعندي في ذلك بقايا: منها أن الذي لا يزيل خِلقةً، ولا يُعقب نقصاً لا يكفي فيه أن تكون مؤلمةً ابتداء، ولكن ينبغي أن يكون غيرَ مأمون العاقبة، ثم إذا اتفقت السلامة، فلا يُدرأ الضمان بالكلية، وإنما شرطت هذا حتى يكون للكلام ثبات 3. ويقال: يجوز أن يَنْقُصَ وقد يبرأ من غير بقاء نقص، فيقال: من جُرح وكان بحيث لا يقطع الناظر أنه يبرأ من غير نقيصة، بل كان يتردد، فكم قيمة عبد هذا نعته؟ فالخطر يَنْقُص من قيمته.
ثم يجوز أن يقال -على بُعدٍ - ذلك النقص المعلّق [بالغرر] 4 لا يزول، وإن زال [الغرر] 5 وانتفى النقص، وهذا الذي ذكرناه احتمالٌ؛ فإن [الغرر] 6 طَرْدُ حكم الظن إذا زال، واستعقب الأمن أن يزول حكمه، ولكن ما ذكرناه معقول على حال، وإذا [علل] 7 باحترام الآدمي وامتناع تعطيل ما فيه غرر، كان كلاماً بعيداً.
10670 - ومما أجراه الأصحاب في ذلك أن لحية المرأة إذا أفسد الجاني منبتها، ولم يَشِنْها، بل زادها جمالاً، وأزال عنها شَيْناً، فإذا رأينا إيجاب الحكومة تفريعاً على الوجه البعيد، [فلا] 8 طريق إلا في [تقدير] 9 هذه اللحية بغلام، ثم ننظر إلى

النقصان إذا زالت اللحية، فنوجب في المرأة هذا الاعتبار 1. ولا حاصل لقول من يقول الالتحاء ينقُص قيمَ المُرد من [الغلمان؛ فإن ما ذكرناه] 2 في لحيةٍ تنبت في أوانها، وعدم اللحية في الرجال في أوان نباتها نقص بيّن وشينٌ ظاهر، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "سبحان من زيّن الرجال باللحى والنساء بالذوائب" 3. ثم الذي نراه في مثل ذلك أن نضبط النقصان في الرجال، ثم نحط عنه أرش لحية المرأة؛ فإن التسوية بين من [تشينه] 4 اللحية [وبين من تزينه اللحية] 5 [أمرٌ خارج] 6 عن الاعتدال، ثم [لست أجد] 7 ضبطاً في مقدار الحط، وليس الرجوع إلا [إلى] 8 بوادر خاطر المجتهد.
ويعسر هذا.
[ولم] 9 يعتبره الأصحاب، ونزلوا لحية المرأة منزلة لحية الرجل، وهذا بعيدٌ وكل ما [نخبط] 10 فيه، فسببه أنه تفريع على أصلٍ فاسد.

والقياس الحقُّ أن كل جراحة لا تنتهي إلى نقصٍ، [لا يتعلق] 1 بها موجَب.
ثم قال الأصحاب: ما ذكرناه من الخلاف في هذه المسائل إنما يجري في الحر المجني عليه.
10671 - فأما إذا كان المجني عليه عبداً، وقد جُرح ولم تعقب الجراحة في انتهائها نقصاً وشيناً، فلا يجب على الجاني شيء؛ فإن المعتبر فيه النقصان، ثم الحر معتبر به بعد تعديل النسبة، والعبد نفسه لا يتجه فيه ضمان، إذا لم يتحقق به نقصان.
والذي أراه في ذلك أن هذا يخرّج على القولين في أن الواجب من العبد ما ينقص من قيمته، أم نقول: [تتقدّر] 2 أروش جراحِه (بجزءٍ من قيمته نسبته إليها نسبةُ الواجب في الحر إلى ديته) 3؛ فإن قلنا: المعتبر فيه النقصان، فلا يجب في هذه الجراح شيء إذا لم تُفضِ إلى نقصان وكذلك القول في الجناية على البهائم.
[وإن] 4 كنا نثبت أروشاً مقدرة في جراح العبد، فنقول: في يديه تمام قيمته، وإن لم ينقص من القيمة إلا نصفها، فهذا القياس يقتضي أن نوجب في الجرح الحكومة وإن لم يُفض إلى نقصٍ أصلاً.
وهذا تأسيس القول في أصول الحكومة.
10672 - ثم عزا الأئمة رضي الله عنهم [إلى الشافعي رضي الله عنه] 5 جملاً من أعضاء الحكومة، فنذكرها اتِّباعاً: ففي العين القائمة حكومة، لا تبلغ ديةَ العين المبصرة.

وفي اليد الشلاء، والرِّجل الشلاء حكومةٌ، [والشللُ] 1 يبين بالقَحَل 2 وذبولِ [الجلد] 3 وسقوط الحركة بالكلية، ومن آثار الشلل أن تُبسَطَا ولا تقبلا الانقباض، أو تنقبضا ولا تعودا للانبساط.
ولا تكون يد المفلوج على هذا الحد في الاستحشاف، والشللُ يقع في العضو ويخرجه عن الاستعداد للانطباع، ويد المفلوج لا نقص فيها، وإنما النقص في القوة الإرادية، وقد يفرض في الأعصاب المحركة، والرُّبُط، والأوتارُ التي على العضل أغلال يتأتى [الانتقاص] 4 منها للمعالجات، فما كان كذلك لا يكون منتهياً إلى حد الشلل.
وأنا أقول: في هذا العضو [الصحيح] 5: إذا سقطت منفعته الكبرى بسبب اختلال عضوٍ آخر [فلا تجب] 6 دية ذلك العضو؛ فهذا بمثابة ما لو كُسر [صلب] 7 [الإنسان] 8 فيمتنع عليه المشي لا محالة، والمنفعة العظمى في الرجل المشيُ، ثم لا يجب على كاسر الصلب دية الرجلين، وإن عطّلهما بما فعل.
هذه منزلة.
وفي معارضتها [الشلل المحقّق] 9 وهو استحشافٌ يقع في العضو، كما وصفناه، يخرجه عن [التأثير والانطباع] 10، وبينهما يد الفالج، فإذا أطبق أهل البصر على أنها

[لا يعود عملها] 1، واليد صحيحة، فإذا كان الخلل في الأعصاب من جهة تمددها واسترخائها، [فلا] 2 يبعد إلحاق العضو بالشلل، وفيه احتمال وتردد بين ما ذكرناه وبين تعطل الرجل بكسر الصلب.
وإن قال أهل البصر: الخلل كله في [الدماغ] 3، فيظهر تشبيه ذلك بكسر الصلب مع الرجلين 4. ثم إذا سقطت الحركات من اليدين والرجلين ورأينا ذلك خللاً في الأعضاء وشللاً، فنوجب [حكومة] 5 [لكل] 6 الأعضاء.
وإن رأينا صرفَ ذلك إلى [الدماغ] 7، فتجب دية واحدة؛ لأن الجناية أبطلت القوة المحركة، وإذا كان يجب في إلسمع إذا [أزيل، وفي الشم ديةٌ] 8، فإزالة القوة المحركة بالدية أولى 9.

هذا قولنا في اليد الشلاء، وما في معناها.
ثم واجب [اليد] 1 الشلاء لا يبلغ ديةَ يدٍ، ولا يبعد أن يزيد على دية إصبع، فإنا فرضنا الشلل في الأصابع والكف، فليقع اعتبارها بجملة دية اليد.
وفي الكف التي لا أصابع عليها حكومة، واختلف أصحابنا في أنها تُحَط عن دية إصبع، أو تحط عن دية يد، فمنهم من قال: هي محطوطة عن دية إصبع، وهذا هو الأظهر 2، والكفان محطوطتان عن ديتي أصبعين، ومنهم من قال: حكومتها محطوطة عن دية يدٍ؛ فإن غَنَاءَها ومنفعتها تزيد على منفعة إصبع دفعاً وأخذاً وقبضاً.
10673 - والشعورُ بجملتها إذا أفسدت منابتها، ففيها الحكومات؛ خلافاً لأبي حنيفة 3. ثم بيان أقدار الحكومات ما ذكرناه.
وإذا أزال لونَ عضو بأن ضربه، فاسودّ أو اخضرّ، فموجبه الحكومة، ومذهبنا أن المعتمد في إيجاب الأروش المقدرة المنافعُ على الجملة، ثم لا تتعلق أيضاً بكل منفعة، فأما الجمال المحض إذا أزيل، فلا يتعلق بإزالته أرشٌ مقدر، وأبو حنيفة قد يعتمد الجمال المحضَ في إيجاب الدية، وهذا معتمده في إيجاب الديات في صنوف من الشعور.
10674 - ومما يغمض في أصول الحكومات، [والمقرّر من] 4 بناء الأمر على المنافع أن الأصحاب أكملوا الدية في أصابع الرجلين، كما أكملوها في أصابع اليدين، مع العلم بالتفاوت بين الأصابع والأصابع في المنفعة؛ إذ معظم عمل الآدمي بأصابع يديه، وأصابع الرجلين لا تدنو من أصابع اليدين، ثم الإشكال الأظهر أنهم

أوجبوا في القدمين إذا قطعت أصابعهما ما أوجبوه في الكفين، ولا يخفى أن المشي يبقى ما بقي القدمان، ولا يسقط بسقوط أصابع الرجلين إلا الإسراع في المشي، وأين يقع هذا من الاحتواء والقبض والبسط وتعاطي آلات العمل المتعلقة بأصابع اليدين؟ ولكن هذا يخرّج على اتّباع الأصول [الكلية] 1، وترك التفريع على ضبط [الأقدار] 2. ولهذا الأصل أوجبوا في الأذنين على الرأي الظاهر ما أوجبوه في العينين، وإن كانت منافع الأذنين لا تقع موقعاً إذا نسبت إلى منافع العينين واليدين، ولكن لما عسر ضبط أقدار المنافع حَسم الشرعُ النظرَ إليها، وأجرى الأجناس من الأعضاء مجرىً واحداً في تكميل [الدية] 3. هذا ما أردنا بيانه في أصول الحكومة.
10675 - ثم قال الشافعي: "وفي الترقوة جَمَلٌ، وفي الضِّلَع جَمَلٌ ... إلى آخر الفصل" 4. ذكر الشافعي رضي الله عنه في موضعٍ أن الترقوة فيها جمل، وفي الضِّلع 5 جمل، وقال: قلّدتُ فيه عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه أوجب في كل واحد منهما جملاً، وقال في موضع آخر: فيهما حكومتان على أصول الحكومة، وجعل المزني في المسألتين قولين، وأخذ يوجّه الحكومة، واختلف أصحابنا: فمنهم من وافق المزني، وجعل المسألة على قولين: أقيسهما - إيجاب الحكومة.
والثاني - إيجاب المقدار تأسياً بقضاء عمر رضي الله عنه.
ومن أصحابنا من قطع بالحكومة، وجعل قضاء عمر حكومةً وافقت جَملاً، وحمل نصَّ الشافعي على هذا المحمل، وهذا هو المسلك المرضي الذي لا يسوّغ غيره.

وقد روي: "أن زيدَ بنَ ثابت أوجب في العين القائمة مائةَ دينار" 1، ثم لم [يذهب] 2 أحدٌ من الأصحاب إلى أن المائة تقدير في العين القائمة.
والوجه القطع بأن ما ذكره في الترقوة والضِّلع [مآلٌ] 3 في الحكم، وليس تقديراً مثبوتاً يجب اتباعه، وقد يجوز لمن يسلك طريق القولين أن يشبه أقضية أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحكومات [أنها متبعة] 4 كما اتبعت أقضيتهم في إثبات أمثال الصيود، ولم أسمع أحداً يُجري [القولين] 5 في العين القائمة؛ لمذهب زيد بن ثابت؛ ولعل السبب فيه أن ذكر الدنانير مشعرٌ بالتقريب والاجتهاد، بخلاف ذكر الجَمَل؛ فإنه بالتوقيف أشبه.
والعلم عند الله.
10676 - ثم قال رضي الله عنه: "ولو جَرحه، فشان وجهَه ... إلى آخره" 6. إذا جرح رأسَه وأوضحها، وشان ما حواليها، فلا يجب إلا أرشُ موضِحة، فإن [متصل الشين] 7 لو كان إيضاحاً، لما وجب في الموضِحة 8 [وإن استوعبت الرأس] 9 إلا أرشٌ واحد، فالشين المتصل لا يزيد على الإيضاح، ولو كان مكان [الشين] 10 إيضاح، لما وجب إلا أرش موضحة واحدة.

ولو اتسع الشين حتى انتهى إلى القفا، فهذا ما تردد فيه أصحابنا: فمنهم من قال: لا يجب فيه إلا أرش الموضحة، كما لو لم يبعد الشين من محل الإيضاح.
ومن أصحابنا من قال: يُفردُ الشين، فإنه تعدى محلَّ الإيضاح، ونحن إنما أتبعنا الشينَ الإيضاحَ، لأنا قدرنا إيضاحاً بدل الشين، فوجدنا الأرش يتّحد في الإيضاح، ونزلنا الشين الذي هو الأدنى منزلة الإيضاح الذي هو أعلى، وهذا لا يتحقق إذا كان الشين على [القفا] 1، ولا يتحقق هذا أصلاً.
هذا إذا كان الجرح على الرأس، وكان مقدَّر الأرش كالموضِحة.
فأما إذا كانت الجراحة على الرأس، وكانت متلاحمة، فهذا ينبني على أن أرش المتلاحمة هل يتقدّر أم لا؟ وفيه قولان ذكرناهما، مبنيان على أن القصاص [هل] 2 يجري في المتلاحمة.
فإن قلنا: إن أرش المتلاحمة [يتقدر،] 3 فإذا ظهر شينٌ حوالي الجراحة، فقد اختلف أصحابنا على وجهين: منهم من قال: نُتبع الشينَ المتلاحمة، كما أتبعنا الشينَ الموضِحة؛ فإن الجراحتين متساويتان في تقدير الأرش، ولو اتسعت المتلاحمة، كان كما لو اتسعت الموضِحة.
ومن أصحابنا من قال: لا نتُبع الشينَ المتلاحمة، وذلك [أنا، و] 4 إن قدّرنا أرشها؛ فإنا في تقدير الأرش على ظنٍّ وتخمين؛ فإنا نقدّر سمك الجراحة، وهذا لا يتوصّل إليه إلا باجتهاد وفكرٍ، فيجب إلحاق هذه الجراحات بجراحات الحكومة التي لا تتقدر أروشها.
10677 - ونحن نذكر الآن تفصيلَها، فنقول: إذا كانت الجراحة في موضع لا يتقدر أرشها، فظاهر النص 5 أن الجراحة إذا شانت ما حواليها، فننظر إلى الأكثر

إذا اندملت الجراحة: فإن كان الجرح أكثرَ من الشين، أوجبنا موجَبَ الجرح، وإن كان الشين أكثر أوجبنا حكومة الشين.
وهذا النص مشكلٌ جدّاً؛ وذلك أن الجراحة [إذا] 1 اندملت، وظهر شين حواليها، كتغير لون، أو استحشافٍ، فالمصير إلى الفرق بين الجراحة والشين لا معنى له، فإن الجراحة إذا اندملت، فمحلها -إذا بقي الأثر- شينٌ، ينطلق على أثرٍ [مُتكَرَّه] 2 يؤثِّر مثله في نقصان القيمة، [ثم] 3 إنه ينقسم، فقد يكون [تغيّر] 4 لون، وقد يكون [نحولاً] 5 واستحشافاً، وقد يكون [ثُغرة] 6 تبقى، ولا ينبت اللحم فيها، وقد يكون تغيّرَ لون 7، وقد يكون [لحمةً] 8 زائدة، فهذا كله يسمى شيناً، فإذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين، فهذا التفصيل فيه لبس؛ [فإن] 9 كل شين وإن اختلفت صفاته، فالوجه المقطوع به أن السراية إذا انتهت، وبقي الأثر، فتجب الحكومة في الأثر الباقي، وليس للإتْباع وذكر الأقل والأكثر معنى، وقد اختار القاضي هذا المسلك، وهو الذي لا يجوز غيره.
10678 - ثم [نسرد] 10 ما ذكره الأئمة: قالوا: ننظر إلى أثر الجرح، يعني ما بقي على محل الجراحة من نقصان عن الاستواء أو زيادة على اعتدال الخلقة، وننظر

إلى الشين حوالي الجراحة، فإن كان أثر الجرح أكثر حكومة، أوجبنا تلك الحكومة، وأتبعناها حكومة الشين المتصلِ بالجراحة.
وإن كان موجب الشين الذي هو حوالي الجراحة أكثر من حكومة الأثر الباقي في موضع الجرح، فنوجب حكومة الشين، ونتبعُها حكومةَ الجرح، هكذا ذكره الصيدلاني وشيخي أبو محمد رضي الله عنه.
والممكن في [توجيه] 1 ذلك أن الجرح إذا انتهى [وبقي] 2 أثره، وظهر شَيْن حواليه، فهذا بمثابة ما لو قطع إصبعاً شلاء، وأوجبنا فيها الحكومة، فهل يستتبع ذلك الإصبع قسطاً من حكومة الكف؟ فيه اختلاف وتردد، تقدم ذكره في كتاب الجراح، فيجب أن يكون الجرح وموضعه بمثابة الإصبع الشلاء، والشين المتصل بمثابة ما ذكرناه من جزء الكف، وهذا يخرج على القاعدة التي قدمنا تمهيدها، وهي أن موجَب الحكومة [هل يستتبع الحكومة] 3 أم لا؟ وفيها التردد الذي ذكرناه، والدية قد تستتبع الحكومة كالأصابع، قد تستتبع الكف.
ثم ينشأ مما ذكره الأصحاب في الجراحة والشين أن الشين إذا كانت حكومته أكثر استتبع الجرح، ويخرج من ذلك أن المقدار الذي يقابل الإصبع الشلاء من الكف إذا كانت حكومته أكثر من حكومة الإصبع الشلاء، فيجب أن تكون حكومة ذلك الجزء من الكف تُسقط حكومةَ الإصبع الشلاء، فإن المسألة مفروضة فيه إذا قطع الإصبع، وذلك القدر الذي يقابله من الكف، وهذا التفصيل لا بد منه، والجرح والشين بمثابة الإصبع الشلاء مع القدر الذي يقابلها من الكف إذا قدر القطع فيهما.
10679 - وانتظم مما ذكرناه في مسألة الجرح والشين خلافٌ بين الأئمة: الصحيح - أن نرفع طريق الإتباع بالكلية، وننظر إلى أثر الجرح والشين، ونوجب الحكومة في الجميع، وهذا يناظر قولَنا: إنا لا نتبع الكف الأصابع الشلاء، بل نوجب الحكومة في الجميع.

والوجه الثاني - أنا نتُبع الأقلَّ الأكثر [من] 1 الشين والجرح، ويطرد هذا في الكف والإصبع، فنُتبع الأقلَّ الأكثرَ.
ثم يعترض في هذا المنتهى أنه لو فرض استواء حكومة الشين وموضع الجرح، والتفريع على أنا لا نوجب حكومة الجميع، بل نُتبعُ.
هذا فيه احتمال، والظاهر أنا [نوجب الحكومتين] 2، وإن فرعنا على الإتباع؛ فإنه ليس أحدهما أولى بالإتباع من الثاني، والأظهر ما تقدم.
والمسلك [الحق] 3 الذي لا [يستدّ] 4 [غيره] 5 إيجاب الحكومتين في الصور كلها.
هذا تمام الكلام في قواعد الحكومات.
فصل في نوعين 10680 - أحدهما - في ذكر موجبات قد تشذّ وتنسلّ عن ذكر الفقه.
والثاني - في ذهاب منفعة عضو والجنايةُ على غيرها.
فأما النوع الأول، فقد تقدم ما تتعلق به الديات في الجراح وهذا الكتاب، ولكنا نذكر ما نرى ذكره، فإن كنا ذكرناه فيما تقدم، لم تضرّ الإعادة.

[فمما] 1 نورده أنه لو أذهب ماءه ومنيّه، التزم الدية، ولو أذهب شهوته للوقاع، فقد قال الأئمة: يجب في [انبتات] 2 الشهوة الديةُ، فهذا يدل على أن إذهاب الشهوة مع بقاءالماء يوجب الدية.
وهذا لا يتصوّر؛ فإن المني إذا كان باقياً، فيبعد إذهاب الشهوة، وإن بعد أن [نتبين] 3 أن الجناية هي التي أثرت في إذهاب الشهوة، حتى يناط به الدية، ويجب أن يقال: إذا ذهب بالجناية شهوتُه للطعام، تجب الدية، بل هذا أولى إن صح [تصوّرُه] 4 والوصولُ إلى درك [إبطاله] 5 بالجناية، والله أعلم.
ولو ضرب لِحْييه، [فأذهب] 6 منفعة المضغ، وجبت الدية، وإن بقيت اللحيان والأسنان، وهذا واضح.
وهو بمثابة ما لو جنى على اليد، فأشلها.
ولو كسر رقبته، فكان لا ينساغ الطعام والشراب، فتجب الدية حكماً لها 7. ولو جنى [عليه] 8، فأذهب صوته، فالدية التامة وإن بقيت مخارج الحروف، وعندي أني ذكرت هذا في مسائل الكلام، وهذا واضح.
ولو قيل: تعطل الكلامُ بإذهاب الصوت، فهل تزيدون على دية واحدة؟ قلنا الغرض الأظهر من الصوت الكلامُ، فكأن الدية إنما وجبت لأجله، والكلامُ معنيٌّ في وجوه: منها أن اللسان إذا قطع، فالدية تكمل بسبب الكلام، ولو عطلت الحروف بسببٍ آخر سوى قطع

اللسان، فالجواب كذلك، وإذهاب الصوت من أسباب تعطيل الكلام.
10681 - ومما ذكره الشيخ أبو علي رضي الله عنه [نه لو سلخ الرَّجُلَ من قَرْنه إلى قدمه، لوجبت الدية الكاملة، ثم قال: فلو فرض قطع اليدين بعد هذا مثلاً، فسلْخُ الجلد يوزع بالتقدير والمساحة على جميع اليدين حتى يتبين مقدار كل عضو منه، فيحط حصته من اليدين، فنوجب الدية على قاطع اليدين إلا المقدار الذي يخص الجلد المسلوخ، هكذا ذكره رضي الله عنه، ولم أره إلا له].
10682 - ومما يتعلق بتتمة هذه الفصول التي ذكرناها أنه إذا أزال معنىً من هذه المعاني ظاهراً، وقال أهل النظر: إنه سيعود على قرب، [فننتظر] 1. وإن قالوا: يعود بعد زمان طويل، ولم يضربوا في ذلك مدة، ولكنهم أطلقوا إمكان العَوْد، فالذي وجدته للأصحاب في ذلك أنا نوجب الأرش، ثم إن فرض العَوْدُ، رددناه، وعلى هذا يجري زوال البصر وغيرُه، في مثل الصورة التي ذكرناها، وهذا ذكره صاحب التقريب على هذا الوجه، وهو متجه لا يسوّغ غيره.
والله أعلم.
ولو ضربوا مدةَ إمكان العَوْد، فقد قيل: لا بد من انتظارها، وهذا يجب أن يفصّل: فإن [ذكروا مدة] 2 يغلب على الظن انقضاءُ العمر في مثلها -وتصوير ذلك بعيد- فالوجه إيجاب الأرش، كما لو أطلقوا، ولم يضربوا مدة.
وإن ذكروا مدة يقرب رجاء البقاء إلى مثلها، [فلا] 3 يبعد الانتظار والحالة هذه.
10683 - ومما يتعلق بذلك أنه إذا أذهب منفعةً لا يتصور معها طول البقاء، وقد قيل: لا يتصور البُرء، ففي هذا فضل نظر وتدبّر، ويفرض فيه إذا كان الطعام والشراب [لا] 4 ينفذان -والمجنيُّ عليه لا يبقى إذا كان هكذا- فهذا فيه نظر، وقد تقرر أنه لو قطع اليدين والرجلين، فسرت الجراحات إلى النفس، صارت نفساً، ولم

يجب إلا دية واحدة، فماذا نقول في امتناع [نفوذ] 1 الطعام والشراب؟ يجوز أن يقال: إذا أفضى إلى الموت بسبب الجوع والعطش، فهذا بمثابة سراية الجراحات؛ حتى لا تجب إلا دية الجملة، ويجوز أن يقال: ليس ذلك من قبيل السراية، فيجب دية في إفساد هذه المنفعة، أو في كسر الرقبة، وتجب دية في إزهاق الروح على تخريج ابن سريج؛ فإنه يقول: من قطع يدي رجل، ثم حزّ رقبته، وجبت ديتان، وهذا هو القياس.
وإن فرعنا على النص، فلا شك أنه تجب دية واحدة، فإنه لو قطع أطرافه ثم قتله، لم يلزمه على النص إلا دية واحدة، وامتناع وصول الطعام إليه بمثابة قتله إياه، والمسألة محتملة جداً.
ونصُّ الأصحاب على إيجاب الدية بسبب إفساد هذه المنفعة - مع القطع بأن البقاء لا يطول مع امتناع نفوذ الطعام والشراب- دليلٌ على أنهم اعتقدوا أن هذه الدية لا تندرج تحت دية [الروح] 2 والعلم عند الله.
فهذا ما أردنا أن نذكره في ذلك.
10684 - فأما الكلام في إسقاط منافعَ بسبب جنايات على أعضاء 3 فكل منفعة كانت في عضوٍ، فإذا فرضت الجناية على العضو، لم يَخْفَ أن المنفعة لا تفرد [بديةٍ] 4؛ إذ الدية إنما [تجب] 5 في ذلك العضو بسبب تلك المنفعة، وهذا بمثابة البطش في اليد، والبصر في العين، فأما إذا قطع الأنف وأزال الشم، فديتان، ولا إدراج؛ فإن لطيفة الشم ليست في الأنف، وكذلك إذا قطع الأذنين وأزال السمع، [أو ضرب الرأس، فأزال البصر] 6. واختلف الأئمة في مسائلَ نذكرها، ثم أقرّب القول جهدي فيها: قالوا إذا كسر

صُلبَه، فأزال منيّه، ففي المسألة وجهان، وهذا الخلاف بنَوْه على اعتقادهم أن مقرّ الماء الصلب أخذاً من قوله تعالى: ﴿بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب﴾ [الطارق: 7] ولست أرى الأمر على التردد في أن الدية تعدد، فإن المنيّ لو كان من [منافع] 1 الظهر، لما وجب على من كسر صلب إنسان [لا منيّ] 2 له الدية، كما لو قطع يداً شلاء، أو فقأ عيناً عمياء، ولا خلاف في وجوب الدية.
10685 - ومما ردد الشافعي رضي الله عنه قوله فيه زوالُ العقل، فقال: إذا قطع يدي رجل أو رجليه أو ما يفرض من الأعضاء، فزال العقلُ، [فهل] 3 نُدرج حتى لا نوجب إلا ديةً واحدة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا لا ندرج، وهو الذي لا ينساغ في مسلك المعنى غيرُه؛ فإنا نقطع بأن العقل ليس من منافع اليدين، [وهما] 4 من الأعضاء الظاهرة.
والقول الثاني - أنه لا يجب إلا دية واحدة؛ فإن العقل لا يُدرَى محلُّه على التعيين، فمهما 5 زال بسبب الجناية على عضو، وجب سلوك طريق الإدراج فيه، ثم إن قطع يديه، فزال العقل، فدية واحدة، وإن قطع إحدى اليدين، فزال العقل، وجبت دية واحدة، فندرج الأقل وهو أرش يدٍ تحت الأكثر وهو الدية الكاملة.
وهذا القول ضعيف؛ فإن محل العقل بين [القلب] 6 والدماغ لا يعدوهما، فكيف يفرض الإدراج في الأعضاء الظاهرة، ولكن القولان مشهوران، كما ذكرنا.
فهذه جمل ترشد إلى المقاصد في هذا الفن، والله أعلم.
10686 - ويخرج منها أن كل منفعة لو زالت، لصار العضو عضو حكومة، فهي تستتبع العضو لا محالة، وكل منفعة تحققنا أنها في محلٍّ سوى العضو المجني عليه

كالشم والأنف، فلا يكاد يخفى أن لا إدراج فيه، وإذا ظهر على الجملة محل كون منفعة في عضو، ولم يتحقق تحقّقَ كون البطش في اليد، والبصر في العين، وكان العضو الذي فيه [النظر] 1 تكمل الدية فيه دون تلك المنفعة، فقد يختلف الأصحاب في مثل ذلك، كالمني والظهر، وأما العقل، فليس لي فيه إلا حكاية القولين، وإلا فالعقل أبعد عن اليدين من الشم عن الأنف، والله أعلم.
فصل "ودية اليهودي والنصراني ثلث الدية ... إلى آخره" 2. 10687 - الكفار في غرضنا ثلاثة أقسام: منهم من له كتاب، وهم اليهود والنصارى، فدية الرجل منهم ثلثُ دية المسلم عندنا، وأبو حنيفة 3 يوجب مثلَ دية المسلم، ومالك 4 يوجب نصف دية المسلم، وقد [ذكرت في (الأساليب) وغيرها مسلكَ المذهب] 5 وطريقَه، ثم لا خلاف أن الذمي [والمستأمنَ ذا العهد المؤقت] 6 في هذا بمثابة واحدة.
وقد قيل: [السامرة] 7 من اليهود، فإن لم يكونوا معطِّلة 8، فديتهم دية اليهود،

وقيل: الصابئون من النصارى، وإن صح ذلك، فديتهم ديةُ النصارى، وقد استقصيت القول في ذلك في كتاب النكاح.
والقسم الثاني - من له شبهة كتاب، وهم المجوس، فدية المجوسي خمس دية اليهودي، وإن أردتَ، قلت: دية المجوسي [خمس] 1 ثلث دية المسلم.
والقسم الثالث من الكفار - من ليس [له] 2 شبهة كتاب، وهم عبدة الأوثان، ولا يتصور لهم عهد مؤبد، وإنما يعرض الضمان فيهم إذا كانوا مستأمنين، قال الأئمة في [الزنديق] 3 المعاهَد دية المجوسي، فلا أقل منه، وإذا تعذر الإهدار لمكان العهد، ولا سبيل إلى الحط من أقل الديات، وهو دية المجوسي؛ إذ لا توقيف معنا في [الحَطِّ من] 4 هذا المبلغ، فهذا هو الجواب.
ولا يُفرض للمرتد عهد، بل هو مقتول بكل حال، وإن [تحرف] 5 طائفة من المرتدين، ومست الحاجة إلى مراعاة طرف الإيالة 6 منهم من ترتيب إقامة الحرب، فإذا أتانا رسول منهم، فإنا لا نتعرض له، فإذا قُتل، فلا ضمان أصلاً، وكان شيخي أبو محمد رضي الله عنه يتردد في الزنادقة [إن] 7 لم يسبق منهم التزام الإسلام أصلاً، ولا يُبعِد أن يُلحقوا بالمرتدين في جميع أحوالهم، وكان يقول: يحتمل أن يكونوا كعبدة الأوثان في إيجاب أصل الديات في معاهدتهم، والعلم عند الله.
10688 - فأما الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام، فلا بد من تفصيل المذهب فيهم بعد قول الشافعي: "لم يبق من لم تبلغه الدعوة" ولكنا صورنا ذلك على بُعد حَمْلاً على اتساع الدنيا، فسبيل التفصيل فيهم أن نقول: من كان متمسكاً منهم بدين من أديان النبيين، ولم تبلغه دعوة تخالف ما عليه، فلا يجوز التعرض لهم قَبْل الدعوة أصلاً،

فلو قتل قاتلٌ [واحداً] 1 منهم قَبْل الدعوة، فقد قُتل سعيداً 2 في ظاهر الحال، فإنه كان متعلقاًً بدين الحق، ولم يبلغه دعوةٌ أخرى، حتى يُتبين إنكارٌ منه أو قبول.
قال القفال: إذا كان القاتل مسلماً، توجه القصاص، فإن المقتول ليس بكافر.
وذهب غيره إلى أن القصاص لا يجب؛ لأنه وإن لم يكن موصوفاً بالكفر، فليس موصوفاً بالإسلام قبل التزامه، فإن أوجبنا القَوَد، فلا شك أنا نكمل الدية، وإن لم نوجب القود، ففي الدية وجهان: أحدهما - نوجب الدية الكاملة.
والثاني - أنا نوجب دية أهل الدين الذي هو عليه، فإن كان على دين موسى، فثلث دية المسلم.
وإن لم يكن متعلقاًً بشريعةٍ، ولكن ما كانت الدعوة بلغته من ملة من الملل، فالوجه القطع بنفي القصاص.
ونقل المعتمدون عن القفال إيجابَ القصاص على المسلم بقتله، وفيه بُعد في هذا المقام.
فأما الدية، فقد حكى الأصحاب نصين عن الشافعي: أحدهما - أنه تجب الدية الكاملة.
والثاني - يجب أقل الديات، وهو دية المجوسي، فمن أصحابنا من أجرى القولين على ظاهر اختلاف النصين، وتوجيههما: أنا في قولٍ نقول: سعيدٌ [معذور] 3، وفي قولٍ نقول: لا تعلق له بدين أصلاً.
ومن أصحابنا من قال: ننزل النصين على حالين، فحيث أكمل الدية أراد إذا كان متعلقاًً بدين حق، لم يُغَيَّر، وحيث نوجب أقل الديات أراد إذا لم يكن متعلقاًً بدين أصلاً.
10689 - ونحن نوضح بعد ذلك قسماً آخر وبه تمام البيان، فنقول: إذا صادفنا هؤلاء متعلقين بدين موسى مثلاً، وكان الدين [مغيّراً] 4، فإذا لم تبلغهم دعوةُ نبينا عليه السلام، فالوجه أن نُبلغهم الدعوة، [فإن] 5 [قتل المسلمُ] 6 واحداً منهم قبل

الدعوة، فلا قصاص مذهباً واحداً، لتعلقهم بالدين المغيَّر، وأما الدية، ففيه احتمال وتردد: يجوز أن يقال: لا يجب الضمان أصلاً، إذ لا عهد [ولا ذمة] 1، فهم في [منزلة] 2 الحربي، وإن امتنعنا من قتلهم، فهو بمثابة انكفافنا عن قتل نساء أهل الحرب، وذراريهم ثم لو قُتلوا، فلا ضمان أصلاً.
ويجوز أن يقال: على من قتل واحداً منهم قبل الدعوة الضمان، وهو ظاهر النص؛ فإن امتناع قتالهم ينزل منزلة العهد لهم، وليسوا كالنساء من الحربيين، فإنا انكففنا عن قتلهم من جهة أنا رأينا الاشتغال بالمقاتِلة أهمّ، ورأينا استنماءهن 3 للاسترقاق، وا لأطقال يجرون [معهم] 4. ثم إن أوجبنا الضمان، فظاهر النص يشير إلى أنا نوجب أقلَّ الديات، وإن كان متعلقاًً باليهودية التي عليها اليهود، لضعف سبب الحرمة والانكفاف، والظاهر عندي إيجابُ دية يهودي إن صح القول بالضمان.
فهذا تفصيل القول في الذين لم تبلغهم الدعوة والله أعلم.
فصل قال: "وبقول سعيد بن المسيب أقول: جراحُ العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته ... إلى آخره" 5. 10690 - قد ذكرنا أن العبد إذا قُتل، فهو مضمون بقيمته بالغةًَ ما بلغت، [ولو] 6 زادت على ديات، ومقصود الفصل الكلامُ في أروش الجراح على العبد، فالمنصوص

عليه للشافعي في الجديد أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته، ففي يديه كمال قيمته، وفي اليد الفردة نصف القيمة، وفي موضِحته نصف عشر قيمته، وفي أنملة من مسبّحته ثلث عشر قيمته، وهذا مطرد في الجراح، [بلا] 1 مناقضة.
وخرّج ابنُ سريج قولاً للشافعي في أن الواجب في جراحه ما ينقص من القيمة، وسبيل الجراح عليه كسبيل جرح البهائم، وهذا أخذه ابن سريج من قول الشافعي في أن العاقلة [لا] 2 تحمل قيمة العبد المقتول خطأ، كالبهائم، وقد نص الشافعي على ما خرّجه في القديم، فحصل في المسألة قولان.
توجيههما: من قال يجب ما نقص تعلّق بأنه مملوك مقوّم، وقيمة جملته لا تتقدر، فلتكن أطرافه كذلك.
وهذا القول [معتضد] 3 بالقياس المعنوي.
ومن قال: تتقدر جراح العبد، فمتعلقه الشبه الخاص؛ فإن العبد آدمي، وقد أثبت الشرع في يدي الحرّ تمام الدية، وغَناء يد العبد من العبدكغَناء يد الحر من الحر.
ثم قال الأئمة: تحمُّل العاقلة قيمة العبد على قولين، وجريان القسامة في العبد على قولين، فهذه المسائل الثلاث مجراها واحد، تقدُّر البدل، وتحمل العاقلة، وجريان القسامة.
ومما تجب الإحاطة به في قاعدة المذهب أن القصاص يجري في العبد وفاقاً، والسبب فيه أن حرمة روح العبد توجب صونَه بالقصاص، ويتعلق بحرمته الكفارة.
10691 - وإذا آل الأمر إلى أحكام المال، فأما قيمة الجملة فمردودةٌ إلى السوق؛ فإنه يتقوّم، وأما تفاصيل الأحكام في الجراح وغيرها، فعلى التردد الذي ذكرناه.
ثم إن قطع ذكر عبد وخُصيتيه، فهذا يخرج على القولين: إن رأينا تقدير أروش

جراحه، فيجب قيمتان، كما تجب [فيهما] 1 ديتان من الحر.
وإن أوجبنا ما ينقص من القيمة، فقد لا ينقص ما جرى، بل يزيده، فقد قال بعض الأئمة: هذا يخرّج على الخلاف في [شَيْن] 2 الجرح على الحر إذا لم ينقص شيئاًً في تقدير الحكومة، فهل يجب شيء أم لا؟ ثم التفصيل كما مضى.
والقياس عندي ألا نوجب [شيئاًً] 3 إذا لم يظهر نقصانٌ أصلاً؛ فإنا نفرع على إلحاق العبد في ذلك بالبهائم، ولست أعرف خلافاً أن من خصى بهيمة وزادت قيمتها، لم يلتزم شيئاً إذا سلمت البهيمة.
ومن الظواهر التي نذكرها أنا إذا أوجبنا في الجراح [على] 4 قولِ المقدرات، فقد يعترض في العبد ما لا يتصور في الحر، وبيانه أن العبد إذا كانت قيمته ألفَ درهم، فمن ابتدره وقطع اإحدى يديه التزم خمسَمائة، وإن نقص من القيمة أربعمائة، فإذا قطع قاطع آخر يده الأخرى، وقيمته عند قطع [يده] 5 ستمائة فعليه ثلاثمائة، ومثل هذا لا يتصور في الحر؛ فإن بدله لا ينتقص.
وقد [نُحْوَج] 6 أيضاًً على قول [التقدير] 7 في بعض الصور إلى اعتبار النقصان، فإن من اشترى عبداً فقطع يديه في يد البائع، فلا يمكننا أن نقابل اليدين بتمام القيمة، إذ لو فعلنا هذا، لجعلنا المشتري [قابضاً] 8 المبيع، وهذا يستحيل القول به مع بقاء العبد في يد البائع، فلا يتأتى من ذلك إلا اعتبار النقصان.
والله أعلم.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع.

فصل قال: "وقيل جناية المعتوه والصبي ... إلى آخره" 1. 10692 - اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أن الصبي إذا عمد [وقتل] 2 فهل لفعله [حكم] 3 [العمد] 4 أم لا؟ وأحد القولين أنه لا يثبت له حكم العمد، والثاني - أنه يثبت له حكم العمد.
توجيه القولين: من قال: لا يثبت [له] 5 حكم العمد، احتج بانتفاء القصاص عنه مطلقاً من غير استثناء، ومن نصر القول الآخر، احتج بالعِيان، والعمدُ في الحقيقة يصدر عن الصبي؛ فإن العامد هو الذي له رويّة قبل فعله، وفكرُه منعطف عليه بعد فعله، وهذا يتصور من الصبي المميز، وذكر الشافعيُّ المجنونَ والصبي في قَرَن واحد فيما ردّد فيه القولَ في تصوّر العمد.
والمجنون ينقسم إلى ما له أدنى تمييز، ويتصور منه ما ذكرناه من الرويّة والفكر، فيقع منه العمد، كما صورناه من الصبي.
ثم قال الأئمة: فائدة العمد إذا وقع منه أمران: أحدهما - وجوبُ القصاص على شريكه في القتل، ونزوله مع الشريك منزلة الأب إذا شارك أجنبياً في القتل.
والثاني- أن تجب الدية في ماله إن كان عامداً، ولا تُضرب على عاقلته، فلا يتخلف -إذا أنشأ العمدَ- فعلُه عن فعل المكلف إلا في القصاص، كما ذكرناه.
ومما يتعلق بما ذكرناه أنا إذا لم [نجعل] 6 الصبي عامداً، ففعله في حكم الخطأ المحض، وفائدته ألا تتغلظ الدية على العاقلة، فإن من يتصور منه شبه العمد يتصور

منه حقيقة العمد، [والصبي] 1 الذي [لا تمييز] 2 له أصلاً لا عمد له، وكذلك [المجنون] 3، ولا يخفى أن الصبي ذو عقل، وهو بعقله متميز عن المجنون الذي وصفناه بالتمييز، ولكن ذلك القدر كافٍ في تصور العمد حسّاً، والله أعلم.
فصل قال: "ولو صاح برجل، فسقط من حائط ... إلى آخره" 4. 10693 - إذا صاح ببالغٍ على طرف جدارٍ، نُظر: فإن كان متبيّناً متماسكاً، فواجهه رجل وصاح في وجهه عِيانا، فسقط من الحائط وهلك، فلا ضمان على الصائح أصلاً؛ فإن مثل الرجل الذي وصفناه لا يسقط من الجدار [بصيحة] 5 وإن اشتدت.
وإن لم يواجهه ولكن أتاه من ورائه [وتغفّله] 6، فصاح من حيث لا يحتسب، فسقط، لم يجب القود عليه [بلا] 7 خلافٍ فيه، وفي وجوب الضمان وجهان، وربما كان يقول قولان: أظهرهما - أنه لا يجب [وفي] 8 بعض التصانيف: "أن من أصحابنا من طرد القولين في وجوب الضمان فيه، إذا واجهه ولم يتغفله" وليس هذا من مواقع الظنون حتى يجري التردد فيه على مسالك الظن الفقهية، وإنما يتعلق المقصود فيه بأمور تتعلق [بالعِيان] 9. وقد مهدنا في ابتداء الجراح ما يكون عمداً محضاً وما لا يكون منسوباً إلى الجاني، وما يعد شبه عمد، وأوضحنا المعنى المعتمد في هذه الأقسام.
وهذه مشتملة على

سقوط شخص من غير أن يعلَقَ به آلةٌ من الجاني [أو] 1 تحاملٌ [منه] 2، ولكن الإنسان في غفلاته قد يسمع صوتاً ويهتز ويرتعد، ويكون تحركه سبباً للسقوط من موضع [عال لا دفعَ] 3 في موقعه 4، ويكون وقوع الارتعاد والخروج عن التماسك أمراً ضروريّاً 5 لا يدفعه المقصود 6. ثم رأى الأئمة أن الرجل الكبير إذا واجهه الصائح، ولم يلحقه الصوت على غفلة لا يسقط، فإن سقط، كان أمراً قدريّاً، يقال في مثله: اتفق سقوطه، وأدركه قضاء الله، ولم يكن سقوطه بسبب الصيحة، وهو بمثابة ما لو ضرب رجلاً أيِّداً بيدٍ ضربة لا يتصور [أن يهلك] 7 بها، فإذا اتصل بها هلاكه، قيل: وافق الهلاك غيرَ منسوب إلى الضارب، ثم التغفّل والصيحة على غفلة مما تردد فيها الرأي، واحتمل إمكان السقوط منه، فجرى ذكر القولين، وفي طرد القولين في المواجهة لم نُبعد الارتعاد، وزوال التمسك، ولا شك أن هذا يختلف [باختلاف] 8 الأشخاص، ويثبت من يثبت، ويرق [الجبان] 9 الذي يستشعره 10 في أدنى شيء.
10694 - ثم قال الأئمة: إن صاح بصبيٍّ، وهو على طرف جدار: واجهه بالصيحة أو بغفلة، وجب الضمان، فقطعوا بوجوب الضمان، وذكروا وجهين في وجوب القصاص [ورتّبوا] 11 الوجهين على ما إذا احتفر بئراً في مضيق [كان] 12 يطرقه

إنسان، ويغلب أن يقع فيه، فإذا وقع، ففي وجوب القصاص خلاف رمزنا إليه فيما تقدم، وسنعيده في مسائل البئر، إن شاء الله عز وجل.
ومسألة سقوط الصبيّ من طرف الجدار [أولى] 1 من مسألة البئر في المضيق بوجوب القصاص؛ فإن التردي يقع بفعلٍ من الذي يتخطّى ويقع، والصبي إذا صيح به، أخذته هزّة ورعدة تُزيل إمساكه، فكان هذا أولى بالنسبة 2 إلى الصائح.
وما ذكره الأصحاب في صبي لا يميز، أو كان ضعيف التمييز، بحيث يبعد منه أن يتماسك، فلو كان مراهقاً، فهو في معنى الكبير، والكبير إذا كانت تعتريه الوساوس، وكان مرعوباً بحركة أدنى شيء [قد] 3 يكون في معنى الصبي.
[وانقضى] 4 ما علينا في ضبط الأصول وردّ الوقائع إليها.
ولا ينبغي أن يعتقد الناظر أن الصور تفرض على وجه واحد، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والتعويل على ما يقع، ثم يحكم الفقيه في كل حالة بما يليق بها، والصوت يلتحق بالضرب الذي يتعلق بالظاهر، فإن كان مما يقصد به الهلاك غالباًً، فهو موجب للقود.
وإن كان لا يغلب الهلاك منه، ولكن يمكن أن يصار إليه، فهو شبه عمد، وإن رجع التردد إلى ظن الناظر، فهذا يثور منه الخلاف، وبيانه أن الإنسان إذا كان يقطع بأن وقوع الهلاك ممكنٌ من هذا، ولم يقطع بأن هذا الواقع وقع بما جرى، فكون السبب مما يمكن وقوع الهلاك به معلوم، واتفاق الوقوع مظنون، فهذا موضع القطع، وإن وقع الفكر في أن هذا يمكن انتساب الهلاك إليه، فهذا النوع من التردد [يثمر] 5 خلافَ الفقهاء، وهذا مما يجب إنعام النظر فيه.
ولو صاح على صبي، وهو على الأرض، فمات، فقد أجرى بعض الأئمة هذا

مجرى السقوط عن الجدار في التفصيل، وهذا غير سديد؛ فإن الارتعاد والسقوط أظهر في الإمكان من الموت بالصوت من غير فرض سقوط.
وإذا صاح بالصبي وأزال عقله، فالأمر على ما ذكرناه، وهذا أقرب إلى الإمكان من الموت.
وزوالُ العقل والموت لا يفرضان من الكبير المتماسك؛ فإن وقع، حُمل على موافقة القدر، وليس كالسقوط من حرف الجدار؛ فإن الإمكان قد يتطرق إليه في بعض الصور.
وقد تمهد للناظر مسالك النظر.
10695 - ولو طلبه رجل بسيفه، فولّى وهرب وألقى نفسه إلى ماءٍ أو نارٍ، أو ألقى نفسه من شاهق، فلا يجب الضمان في هذه المواضع؛ فإن المطلوب أهلك نفسه بفعله، والذي كان يحاذره من الذي يتبعه الهلاكُ، وقد أوقع بنفسه ما كان يحذره من المتبع، وهذا بمثابة ما لو أكره رجل رجلاً على قتل نفسه، وقال: إن قتلت نفسك، وإلا قتلتك، فإذا قتل نفسه، لم يضمنه المكرِه، لما أشرنا إليه.
ولو طلبه بسيفه في [فلاة] 1، فولّى، فتلقاه سبع وافترسه، فلا يضمنه المتبع؛ فإن هذا مضاف إلى السبع، وفعلِه، ولم يوجد [من] 2 المتبع إهلاك، وليس هذا كما لو أغرى به سبعاً في مضيق، كما تقدم التصوير فيه، أو كما [لو أنهشه حيّة] 3 وذلك بيّن.
ولو كان المطلوب على سطحٍ، فولّى، فسقط من السطح، قال الأئمة: إن كان المطلوب أعمى أو بصيراً، ووقع ذلك في ظلمة الليل، فهذا يتميز عما قدمنا ذكره، من إلقائه نفسه في ماء أو نار أو من شاهق، فإنه في تلك المسائل أهلك نفسه، وقصد

إلقاء نفسه؛ فجرى الجواب كما تقدم، وفي هذه المسألة سقط ولم يُسقط نفسَه قصداً، ولسنا ننكر أنه بتخطيه ووضعه للرِّجل على الهواء سَقَط، ولكنه لم يقصد ذلك، فأضيف ما جرى إلى من ألجأه.
وليس ذلك بدعاً؛ وقد وضح أن من تردى في بئر محفورة في مخل عدوان فالسبب مضاف إلى حافر البئر، وإن كان المتردي هو الذي تخطى في جهة البئر حتى تردّى، فنجعل اتباع الطالب في الصورة التي ذكرناها بمثابة احتفار البئر، وهذا يؤكد كون [التغرير] 1 سبباً في إيجاب الضمان، وقد أجرينا ذلك في مسألة [تقديم] 2 الغاصب الطعامَ إلى إنسان في (الأساليب) وغيرها من المصنفات في الخلاف.
10696 - ومما ذكره الأئمة أنه لو طلبه بسيفه، فعدا على الأرض، فتردّى في بئر، فإن كان في ليلةٍ ظلماء، فهو كما ذكرناه في السقوط من السطح، وإن كان ذلك نهاراً، فإن ردّى نفسه في البئر، فقد مضى هذا، وهو بمثابة ما لو ردّى نفسه من شاهق، وإن لم يُردِّ نفسه، ولكنه لم يتأمل البئر بين يديه، فتردّى والبئر مفتوحة، فالذي ذكره الأئمة أن الضمان لا يتعلق بالطالب وفعله، وقد ذكرنا ذلك في التردّي من السقف نهاراً.
ويعترض في هذا إشكال، وهو أن الفقهاء أطلقوا أن من تردّى في بئر محفور في محل عدوان، تعلّق الضمان بعاقلة [الحافر] 3، ولم يفصلوا بين أن يتفق ذلك نهاراً أو ليلاً، وهذا يقتضي أن يقال: إذا كان المطلوب محمولاً مُلْجأً على العَدْو، فهو لا يتفرغ والحالة هذه إلى تأمل المخطَى الذي [يعدو فيه] 4، فكان يجب أن يضاف تردّيه إلى طلب الطالب إياه بالسيف، وليس [إلى] 5 الضمان بحفر البئر من غير فرق

بين الليل والنهار في وقوع التردي، ولا [يبعد] 1 حَمْل التردِّي على [اتباع] 2 الطالب، حتى يتمهد عذر المتردِّي في ترك التحفظ.
وهذا فيه نظر؛ فليس الحمل على الهرب [بأبعد من] 3 أن يكون سبباً من حفر البئر في [أصله] 4. وإن قيل الضمان بحالٍ على حافر البئر، فهو بعيد أيضاًً؛ فإن التخويف بالسيف أحق بأن يحال عليه التردِّي من حفر البئر، فليتأمل الناظر ذلك.
وقد قال الأصحاب: لو طلبه بسيفه، فقدّر [أن يتخطّى] 5 بئراً، فغطاه، فانهار فيها، فالضمان يتعلق بطلب الطالب، وهذا يدل من كلام الأئمة على أن البئر إذا كانت مفتوحة، فالتردي منسوب إلى المتردِّي من حيث ترك التصوّن، وإذا كان البئر مغطاة، فالتردِّي محال على المُلجىء الطالب.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أنا إن قلنا في المتردي في البئر المحفورة: إذا تردّى نهاراً [لا يضمن أو نفصل] 6 بين البصير والأعمى نهاراً، فينتظم الكلام في المسائل على نسق.
والذي نتخذه [مذهباً] 7 الفرق بين الليل والنهار، وبين أن تكون البئر مغطاة أو مفتوحة، وهذا متجه لا بأس به، وبقي النظر في حفر البئر والتردِّي فيه إذا انتهينا إلى مسائل البئر، أنعمنا النظر في ذلك، إن شاء الله عز وجل.
10697 - ومما ذكره الأئمة رضي الله عنهم أنه لو اتبع إنساناً على سطح فولّى، فانخسف به السطح، فلا يتعلق بالطالب ضمان، بخلاف ما لو كان الهارب في الطريق، فتخطى بئراً مغطاة، فانهار، فإن الضمان يتعلق بالطالب.
ثم فرق

الأصحاب بأن البئر المغطاة ليست محلّ مقام وتخطٍّ، فإذا ألجأ الطالب المطلوبَ إليه، فقد تسبب إلى إهلاكه، وليس السطح بهذه المثابة، فإنه محل تردّدٍ 1 وإقامة، فإذا اتفق الانخساف فيه، لم يكن الطالب منسوباً إلى الإلجاء إلى سبب الهلاك.
وهذا فيه إشكال؛ فإنه لاينخسف موضع في السقف -وإن أُضعف، فقد صار ذلك الموضع في معنى البئر المغطاة-[ولو كنا] 2 نقول: إن علم الطالب أن على طريق المطلوب بئراً مغطاة، فحينئذ يتعلق بفعله الضمان، وإن لم [يعلم] 3، لا يتعلق به الضمان، لكان ما ذكرناه في السقف سديداً، وإن كنا لا نفرق في البئر المغطاة بين أن يعلم الطالب بها وبين ألا يعلم؛ فإنه [يجدّ] 4 في طلبه متعرضاً [للفداء] 5 ملتزماً بسلامة العاقبة، وهذا هو الفقه.
فقياس ذلك يقتضي أن يقال: إذا انخسف [السقف] 6 لضعف موضع منه لم يشعر به، فيجب أن يتعلق الضمان بهذا الطالب، فهذا تمام الكشف في ذلك.
10698 - ومما ذكره الأصحاب أن السلطان إذا هدّد امرأة حاملاً، وتوعدها بشيء بلغه منها، فأَجْهَضَتْ جنيناً، تعلق الضمان بذلك، [كان هذا] 7 للإمام، [فحقه] 8 في توعده بمثابة ما لو عزّر الإمام إنساناً، فهلك فيه، وسيأتي تفصيلٌ في كتاب الحدود -إن شاء الله عز وجل- وقد روي: "أن عمر بنَ الخطأب رضي الله عنه أرسل إلى امرأة بلغه منها فجورٌ وهددها، وكانت ترقَى في سلّم، فسقطت وأجْهَضَتْ.
جنيناً، فجمع

عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاورَ.
فقال عبد الرحمن: إنك مؤدِّب ولا شيء عليك، فقال علي: إن لم يجتهد، فقد غشك وإن اجتهد، فقد أخطأ، أرى عليك الغرة" 1 وغرض هذا الفصل مما ذكرناه أن هذا مما يعد من الأسباب المؤدية إلى الهلاك.
ولو توعد رجلاً، وكان المتوعِّد مهيباً، فإذا وقع الوعيد من المتوعَّد موقعاً، وأفضى إلى هلاكه، فالضمان يتعلق به؛ فإن وقوع الهلاك من هذا السبب ليس بدْعاً، والذي يوضح ذلك ويحققه أن من أكره إنساناً على قتلٍ، فأحكام الإكراه تثبت بوعيد يصدر من المكرِه [قد يفي به] 2 وقد لا يفي، ولكن إذا غلب على الظن وفاؤه به، كان بإكراهه قاتلاً 3، وفي المكرِه التفصيلُ المشهور.
ثم هذه الأسباب التي ذكرناها، وقضينا بكونها مضمّنة، فهي تقع شبه عمد على ما سنعيد في باب من العواقل مراتب الأفعال في وقوعها عمداً وخطأ وشبهَ عمد، ونوضح حكمَ كلِّ مرتبة، إن شاء الله عز وجل.
فصل 10699 - [إذا أخذ صبياً حُرّاً] 4 وتركه في مَسْبَعة ولم يقدمه إلى سَبُع ضارٍ، وتركه في مضيعة، فافترسه سبع: فإن كان الصبي بحيث يتأتى منه المشي والانتقال عن المَهْلكة، فاتفق هلاكُه في تلك البقعة، فلا ضمان على حامله، فإنه لم يُهلكه، ولم

يصدر منه سبب يعد مهلكاً، وإنما الذي انتسب إليه التضييع، واليد لا تثبت على الحرّ، [فامتنعت] 1 أسباب الضمان.
ولو كان الصبي بحيث لا يتأتى منه الحركة والانتقال، وقد ألقاه في مضيعة، فهلك فيها [بسبع] 2، فقد اختلف أصحابنا، فذهب بعضهم إلى أن الضمان يجب، لأن هذا سبب ظاهر في الإهلاك عُرفاً، ولعله أبلغ من احتفار بئر في مسلك الطارقين.
والوجه الثاني - أنه لا يغرم؛ فإن اليد لا تثبت على الحر ولم يوجد منه سبب هو أهلكه.
10700 - وقد ذكر العراقيون صورة متصلة بما نحن فيه، فقالوا: لو سُلّم صبي إلى إنسان سباح ليعلمه السباحة، فأخذ يعلّمه، فغرق، فالواجب الضمان متعلقاًً [بأستاذه] 3، وزعموا أن ذلك من الأستاذ نازل منزلة ما لو كان يؤدبه، فأفضى التأديب إلى الهلاك، وزعموا أن اليد تثبت على الصبي الحر، ثم قالوا: لو كان بالغاً، فهلك، فلا ضمان؛ فإن البالغ [يستقل] 4 بنفسه، ولا تثبت اليد عليه.
والذي ذكروه في البالغ سديد، لا منازعة فيه، فأما ما ذكروه في الصبي، فإن ألقاه في الماء، وكان [يعلمه] 5 السباحة، فإلقاؤه إياه يوجب الضمان، على تفاصيل ذكرناها في صدر كتاب الجراح، وإن أشار عليه من غير إكراه، فدخل الماء، وهو مهلك، فهذا فيه احتمال، والذي ذكره العراقيون توجيه الضمان، وشبهوه بالتأديب، وأطلقوا في أثناء كلامهم أن الصبي تثبت عليه يد الأستاذ، وثبوت اليد [غير] 6 سديد، أما ربط الضمان بإلزامه التعليم وعدم الاستقلال للصبي بنفسه، فغير

بعيد، وقد قالوا: إذا كان بالغاً، لم يجب الضمان أصلاً، ويحتمل أن يقال: لا يجب الضمان في الصبي المميز في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه لم يوقع بالصبي فعلاً، وإنما الصبي دخل الماء من غير إكراه، والمسألة محتملة وسنذكر في باب حفر البئر سرّ القول في الأسباب التي يتعلق الضمان بها، ونكثر الأمثلة والمسائل، إن شاء الله.
فصل قال: "ويقال: لسيد أم الولد ... إلى آخره" 1. 10701 - ونتكلم في القن إذا جنى، ثم نذكر أم الولد إذا جَنَتْ.
فأما العبد القن إذا جنى أو أتلف مالاً، فما يلزمه من المال يتعلق برقبته لا محالة، ثم السيد له مسلكان: أحدهما - أن يسلم العبد ليباع في الجناية.
والثاني - أن يفديه.
فإن أراد أن يفديه، فبم يفديه؟ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش أو قيمة العبد.
والقول الثاني - أنه يفديه بالأرش بالغاً ما بلغ وإن زاد على القيمة.
توجيه القولين: [من قال] 2: نفديه بالأقلّ وهو المنصوص عليه في الجديد احتج بأن الأرش إن كان أقل، فلا يخفى أنه لا يلتزم غيرَه، وإن كانت القيمة أقل، فلا يلتزم أكثر منها، فإنه لو سلم العبد ليباع، انقطعت الطّلبةُ عنه، فإذا أراد أن يفديه، فلا يلزمه إلا قيمة [بيعه] 3، ولم يسلمه.
ومن نصر القول القديم، فلا تعلق له إلا أن العبد لو سلم وبيع [فربما] 4 يشتريه زَبُونٌ بأكثر من قيمته.
فإذا منعه -ثم لا منتهى يقف عنده في توقع ما يُشترَى به- فالوجه أن نقول: يجب الأرش بالغاً ما بلغ.

10702 - وقال القاضي: ينبغي أن يُتلقى القولان من التردّد في أن الجناية هل يتعلق أرشها بذمة العبد أم لا تعدو رقبتُه؟ وقد ذكر أصحابنا في ذلك وجهين: أحدهما - أن الجناية يتعلق أرشها بذمة العبد ورقبته مرتهنة.
والثاني - أنه لا يتعلق بذمته.
ومن أدنى آثار الخلاف في ذلك أنه لو عتق يوماً من [الدهر] 1، وكان بقي من أرشه [شيء] 2، فهل يطالب بتلك البقية أم لا؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
فالوجه الثاني - أنه لا يطالب إذا عتق؛ فإن الأرش لو كان يتعلق بذمته، لما تعلق برقبته كسائر الديون التي تلزم الذمة في المعاملات الصادرة عن [إذنٍ] 3، وقد يقول هذا الإنسان: ذمة العبد إنما يتعلق [بها] 4 الحقُّ إذا امتنع [تعلقه] 5 بالرقبة.
وما ذكرناه من تردد الأصحاب أخذوه استنباطاً من القواعد، ولا نص للشافعي فيه، ثم زعموا أن القولين مأخوذان من هذا الأصل، ومعناه أن حقيقة القولين ترجع إلى ذلك، ووجهه أنا إن منعنا تعلق الأرش بالذمة، [فلا وجه إلا التعلق بالرقبة] 6. وإن قلنا: الأرش يتعلق بذمة العبد [فيد] 7 السيد بمثابة الضمان عن العبد.
ومن أراد التخليص من دين، فينبغي أن يضمنه بكماله وتمامه، وكأن الأرش لزم ذمة العبد، وصارت الرقبة مرهونة بجميعه، فإذا أراد السيد فكَّ الرقبة، فلا بد من أداء جميع الدين، حتى تنفك الوثيقة.
وقال بعض الأصحاب: الخلاف في أن الأرش يتعلق بالذمة، وهذا أصل يبين

تفريعه، وهذه العبارة مختلة؛ فإن المصير إلى أن الأرش يتعلق بالذمة ليس فرعاً لأصل، وإنما هو حقيقة القولين ومعناهما.
هذا حاصل [ما] 1 ذكروه.
وفي البناء خلل؛ من جهة أن الأصح أن الأرش يتعلق بذمة العبد وأن العبد يطالب إذا عتق، والأصح أن السيد يفدي بأقل الأمرين، فلا ينتظم البناء للوجه الذي ذكرناه، والأولى الاقتصار على التوجيه الذي ذكرناه في صدر الفصل.
10703 - ومما يتعلق بالتفريع على هذا الأصل أن السيد [إذا جنى عبدُه] 2، [فهل] 3 يلزمه أن يفديه؟ فعلى القولين: فإن سلمه [ليباع] 4، فلا يلزمه غيره، وإذا قال: اخترت فداه، فهل يلزمه الوفاء به أم هو على خِيرته إن شاء وفا، وإن شاء سلم العبد؟ ظاهر المذهب أنه بالخيار، ولا يصير ملتزماً وإن اختار.
ومن أصحابنا من قال: إذا قال: اخترت الفداء، لزمه الوفاء بما قال، ولا يشترط هذا القائل أن يقول: التزمت، بل إذا قال: اخترت، كفى ذلك، وكذلك لو قال أنا أفديه، فصيغة الوعد الجازم كافية، وإذا لم نشترط الالتزام، فقوله: اخترته بمثابة قوله: أنا أفديه.
10704 - ثم مما فرعه هؤلاء أن جارية لو جنت، فوطئها مولاها، فهل يكون الوطء [اختياراً] 5 أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يكون اختياراً، كما لو وطىء البائع الجارية المبيعة في زمان الخيار، فإن وطأه يكون اختياراً [للفسخ] 6 ولو وطىء المشتري، كان ذلك اختياراً منه لإلزام العقد.
والثاني - أنه لا يكون الوطء اختياراً؛ فإن تعلّق الأرش لم يثبت باختياره وقصده،

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل