كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فصل
قال: "وفي كل جرح ما عدا الوجه والرأس حكومة إلا الجائفة ... إلى آخره" 1.
10592 - لما تكلم في أحد القسمين وهو الجرح الذي يشق، [واستوعب] 2 الكلام في شجاج الوجه والرأس، قال: كل جرح يشق على سائر البدن، فلا يتعلق به [أرش] 3 مقدّر إلا الجائفة، فإن موجَبها ثلثُ دية المجني عليه.
والكلام فيه يتعلق بأصول: منها تصوّرها، فنقول: كل جراحة وصلت إلى باطن عضو يُعدّ [مجوّفاً] 4، فهي جائفة كالواصلة إلى البطن والصدر، وكالآمّة، وليس من تمام الجائفة أن تخرق [المقابل] 5، إذا وصلت إلى المعادات 6 جائفةً، والواصلة إلى جوف عظم الفخذ ليست جائفة، وإن كان ذلك العظم مجوفاً، فإن [العظم] 7 لا يعدّ مجوفاً، وكأن أرش الجائفة على مقابلة خطرها في وصولها إلى تجاويف البدن، وهذا لا يتحقق في الأعضاء التي تعد [مصمتة.
والجرح] 8 الواصل إلى المثانة جائفة؛ وفي الواصل إلى ممرّ البول من القصبة وجهان: أحدهما - أنه جائفة؛ لأن العضو يعد مجوفاً.
والثاني - ليس جائفة؛ فإن
الجوف الحقيقي ما فيه قوىً محيلة للأغذية أو الأدوية، وليس ممرّ البول كذلك، والجراحة النافدة من العِجان 1 إلى أصل الشَرْج جائفة.
وفي الواصلة إلى داخل الفم والأنف وجهان: أحدهما - أنها جائفة؛ لأنها تُفسد العضو إفساد سائر الجوائف وتعطّل منفعته.
والثاني - أنها ليست جائفة؛ فإن داخل الفم والأنف [في حكم الظاهر، وكذا الخلاف في خرق الأجفان] 2، فإن الأجفان تنطبق على مضطرب الحدقة 3 انطباق الشفاه على الأفواه.
فهذا بيان محال الجوائف.
10593 - ولو أجاف رجلاً في مواضع، ففي كل جائفة ثلث الدية إذا كان بين الجوائف حواجز، والقول في رفع حواجزها وارتفاعها، كالقول في الموضحات وحواجزها حرفاً حرفاً.
ولو طعن رجلاً في بطنه، فنفذ السنان من الظهر، فالمذهب الأصح أن ذلك جائفتان، فإن النفوذ [تحقق من الخلف] 4.
وقال بعض أصحابنا جائفة واحدة؛ فإنها تعد جراحة واحدة، وهذا لا أصل له، فلسنا في الألفاظ العرفية، حتى نرجع إلى موجب العرف، وإنما ندير هذه المسائل على حقائق [ماثلة] 5، ولا شك أن ما جرى نافذتان إلى البطن، ولو طعنه في بطنه، ولم ينفذ، ثم طعنه على ظهره على محاذاة طعنة البطن والتقى النفوذُ، فلا ينبغي أن يعد هذا توسيعاً للجائفة الأولى، [ولو قيل بذلك، لكان بعيداً] 6.
ولا شك أن من ضرب بطن إنسان بمشقص وأجافه في موضعين بينهما حائل [في
الاتصال] 1 قال الشيخ أبو بكر 2: إذا جعلنا الطعنة النافذةَ جائفة واحدة، فالقياس عندي أن يجب فيه ثلث الدية وزيادة حكومة؛ فإن هذه الجراحة زائدة على الواصلة إلى الجوف، واقتضى ذلك مزيد حكومة، وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإن تلك الزيادة التي بجانبها 3 حقيقتُها أنها جائفة أخرى؛ فإن مال إلى حقيقة هذا، فالوجه إيجاب ثلثي الدية، وإلا فلا وجه مع اعتقاد اتحاد الجائفة لإيجاب الزيادة، وهذا بمثابة ما لو أجاف بطن إنسان، ثم زاد، فوسع تلك الجائفة، فلا يجب في التوسع مزيدٌ.
10594 - ولو أجاف شخصاً جائفة، فاندملت الجائفة، والتحمت، واكتست بالجلد، فالمذهب الصحيح أن أرش الجائفة لا يسقط بما جرى، قياساً على لتحام الموضحة، والجوائف في تفاصيلها كالموضحات.
ومن أصحابنا من قال: إذا التحمت الجائفة، لم يجب إلا حكومة على قدر [الشَّين] 4، وهذا القائل لا يستدّ له فرق بين الجائفة والموضِحة، ولا يُتصور عند هذا القائل ثبوت أرش الجائفة إلا بأن تفرض إجافةٌ من جانٍ، ثم يفرضَ من آخرَ حزُّ رقبة المجني عليه، ولا يتَصَور [هذا زوالَ] 5 الجائفة إلا بالتحامها بخلاف الموضحة.
ولو [أجاف] 6 رجلاً جائفةً، فخيطت الجراحةُ، وكادت تلتحم، فجاء إنسان، وقطع الخيط، فانفتقت، لم يلتزم قاطعُ الخيط شيئاً إلا التعزير؛ فإنه لم [يجن] 7 على جرح.
ولو التحمت، وتم التحامها فجاء جانٍ، وجرح ذلك الموضع، فهو مُجيف ملتزم لثلث الدية، وهذا بيّنٌ، ولو التحم ظاهر الجرح، ولم ينتظم الالتحام بعدُ، فإذا جاء وفتق ما كان التحم، فلا يلزمه أرش جائفة، بل حكومة، وقد [يفرض] 1 الالتحام من ظاهر دون الباطن، ولا يجب على الجارح والحالة هذه أرش جائفة، كما ذكرناه، وغرضنا فيما أجريناه الكلامُ على الجوائف.
فلو جرح الظاهرَ الملتحم، فأدى ذلك إلى اتساع الجائفة الأولى وانفتاق لحمٍ نامٍ وجلدٍ متصل بموضع الجناية ونفوذٍ إلى الباطن، فهذه جائفة تسبب إليها، والضمان يجب بالأسباب والسرايات.
ولو كان قطْعُ الخيط من الجائفة سبباً لهلاك المجروح، تعلق الضمان به؛ فإن الأسباب التي يتعلق الضمان بها قد تكون أبعد من هذا، وليس قطع [الخيط من الجرح] 2 بأقلَّ من حفر البئر وغيره من الأسباب.
فصل
قال: "وفي [الأذنين] الدية ... إلى آخره" 3.
10595 - المذهب الذي عليه التعويل أن الدية تكمّل في الأذنين، إذا استؤصلتا ولم يبق شيء شاخصٌ من الصدفة، وفي إحداهما نصف الدية، هذا ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من خرّج وجهاً في أن الدية لا تجب في الأذنين، وإنما قال هذا الإنسان ما قال؛ من جهة غموض منافعها، والتعويل في كمال الدية على المنافع عندنا، والذي [يقوّي] 4 هذا الوجهَ قليلاً أنه لم يجد لرسول الله صلى النه عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم إيجابَ الدية في الأذنين، وفي الكتاب إيجاب الدية في
الأنف، كما رويناه في صدر فصل الموضحة، وقد روى بعض الفقهاء 1 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الأذنين الدية" 2 وهذا مجازفة في الرواية، ولم يصح عندنا في ذلك خبر في كتب الحديث.
ولكن إلحاقَها بمثاني البدن من أعلى وجوه الشبه، وللشبه جريان إذا تقاعدت المعاني.
ثم الذي تخيله الفقهاء من منفعة الأذن أن صدفتها [تجمع الصراخ] 3، ومعاطفها تصون الصماخ، وهو غضروف يتأثر بالصوت تأثر الجلد الممدود على الطبل.
[وفشا] 4 بين الأصحاب بعد الاختلاف في الأصل خلافٌ آخر، فقالوا: في الأذنين المستحشفتين وجهان إذا استؤصلتا: أحدهما - فيهما الحكومة، فإن استحشافهما: سقوط حسّهما - بمثابة الشلل في الأعضاء.
والثاني - أنه يجب فيهما الدية؛ فإن المنفعة الكائنة في [الحساستين] 5 ثابتة في المستحشفتين؛ فإن المعنى الظاهر جمع الصوت ورده إلى [الصماخ] 6 وهذا لا يختص بالأذن الحسّاسة، وإن عُدّ حِسُّها من تمام منفعتها، على معنى أنها إذا أحست بدودةٍ، اشتغل صاحبها بطردها، فإن لم تكن حسّاسة، فلا يحصل هذا المعنى، فهذا خفي، والمنفعة الظاهرة جمع الصوت، وذاك لا يختلف بالاستحشاف والإحساس.
وعلى ذلك اختلفوا في أن من جنى على [أذن إنسان] 7 واستحشفت أذنه من أثر
الجناية، فهل يجب عليه الدية، كما يجب على من جنى على يدٍ فشلّها؟ فمن أوجب الدية الكاملة في الأذن المستحشفة، لم يوجب بالجناية المؤدية إلى الاستحشاف الديةَ، ومن لم يوجب الدية في الأذن المستحشفة قياساً على اليد الشلاء، أوجب فيما يؤدي إلى الاستحشاف الديةَ.
10596 - ويجب في أذني الأصم الديةَ الكاملة؛ فإن السمع ليس حالاًّ في الأذنين، حتى نَفرض سقوطَ ديتها بزواله، وهذا يُسقط [اعتبارُنا المنفعةَ] 1
المقصودة، والجمال بمجرده لا يتضمن إيجاب الدية عندنا، ويتجه في الخلاف المصيرُ إلى أن الدية لا تكمل [في الأذنين إن لم] 2 يثبت فيهما خبر، وإن ثبت خبر، اتبعناه؛ فإن إيجاب بدل الكل في الطرف ليس منقاساً في الأصل، والأصل المعتمد في تكميل بدل الجملة في [الجزء] 3 توقيف الشارع، كما ذكرته في (الأساليب).
10597 - وإذا ظهر المقصود في الأذنين، فنتكلم في السمع، فنقول: الجناية المزيلة [للطيفة] 4 السمع توجب الديةَ الكاملة، وهو من أشرف المنافع، ثم لا يستريب ذو عقل أن [لطيفة] 5 السمع ليست متعلقة [بجِرم] 6 الأذن، وإنما هو في مقرها من الرأس، وقال العلماء: السمع من الآحاد، وليس من [المثاني] 7، بخلاف النظر، وذهب بعض الأصحاب إلى إلحاقه بالمثاني، وكأنه يتخيل [لطيفتين] 8 لكل واحدة نفوذ في صوب أذن، كما يتحقق ذلك في البصر، وهذا مزيّف عند جماهير الأصحاب؛ من جهة أنهم اعتقدوا لطيفةَ البصر في جِرْم الحدقة
والعين من [المآقي] 1، وليس السمع في الأذن، ولا ينتظم في الاستدلال على تعدده بتعدد الأذن [دليل] 2.
وهذا موقف يتعين إنعام النظر فيه في وجوه نبنيه عليها، على ما سنبين في سياق [الكلام] 3.
فإذا ادعى المجني عليه زوالَ السمع بالجناية، لم يصدَّق حتى يمتحن، وامتحانه بأن يراعى غفلاتُه، ثم يصاح به صيحة منكرة، فإن كان سميعاً، ظهر الأثر عليه، وتبين كذبه في دعوى الصمم، وإن لم يظهر الأثر عليه، ظهر صدقُه، ثم لا يُؤمن تماسكه، فمن الناس من يتماسك في مثل ذلك مع السمع، فنحلِّفه، وهذا غاية الإمكان.
ولو لم يدّع زوال السمع بالكلية، ولكن ادعى اختلالَه ونقصانَه، نظر: فإن ادعى النقصان في جهتي الأذنين، غمض التعلق بامتحانه، فإنه ليس ينكر أصلَ السمع، ولو صيح به فتأثر، أمكنه حمل تأثره على المقدار الباقي، فلا وجه إلا أن يعتبر النقصان الذي يدّعيه بسمع رجل في مثل حاله [سنّاً] 4 واعتدالاً، ويكون غير مأووف 5 السمع، ثم نقف على منتهى [سمع] 6 هذا السليم المعتبر، [فنأمر] 7 من يصيح به على مسافة، ثم يبعد حتى ينقطع سمعه من صراخه، ثم نضبط المسافة ونعود، فنعتبر 8 سمع من ادّعى نقصان السمع، ونُبيّنُ مقدار النقصان بالمسافة في صياح
الصارخ به، ونوجب ذلك القدر من الدية، وليس في هذا الامتحان ما يوجب تغليب
[صدقه] 1 على القلب، فنحلّفه، فلا وجه إلا [التعويل] 2 على الحلف، وهذه يمين لا مستند لها إلا ظهور الجناية، وإمكان اختلال السمع بها، ولو لم نسلك هذا المسلك، لتعطّل نقصان السمع، ولو قُدّر تحليف الجاني في هذا المحلّ [، لهان عليه] 3 بناءً على أصل بقاء السمع، وكل ما يؤدي إلى تعطيل أثر الجناية، فهو غير محتمل من الشرع، وهذا أصلٌ ثابت في قواعد الحجج، وكل ما يمكن الوصول إلى اليقين فيه من غير تعذر ظاهر، فهو المطلوب، وإن عسر الوصول إلى [اليقين] 4 من غير تعذرٍ ظاهر، وشرُف قدرُ المدعَى، [فقد يقع الاكتفاء فيما لا تبلغ ديته ديةَ النفس بالإشهاد عليها كذلك، فإنها لا تستند إلى يقين نظر] 5، ولو لم تثبت بالبينات، لأدى هذا إلى تعطل أعظم المقاصد في الدنيا، والشهادة على النفي مردودة، ثم هي على الضرورة مقبولة في الإعسار، وفي أنه لا ولد للميت سوى من حضر.
هذا مأخذ الكلام في ادعاء نقصان السمع.
ولو قال المجني عليه: لست أسمع بإحدى الأذنين أصلاً وعيّنها، قرب امتحانه بأن تصمّم الصحيحة، ونمتحنه في الأخرى حَسَب امتحان من يدعي زوالَ السمع أصلاً.
وإن ادعى نقصان السمع من إحدى الأذنين، ولم يدّع ذهابه، [امتحنا] 6 هذه الأذن بالأخرى، وإن كان ذلك أقرب من الاعتبار بشخص آخر، فنصمم العليلة ونعتبر [منتهى] 7 السماع في الصحيحة، كما تقدم، ثم نصمم الصحيحة، ونطلق العليلة ونضبط ما بين السمعين بالمسافة، ونوجب ذلك القسط من نصف الدية.
هذا مسلك الكلام.
10598 - والذي أشرنا إليه في صدر الفصل أن السمع ليس من المثاني، فهذا أوان بيانه، وحذف 1 الأصحاب إطلاق القول [بأن] 2 الجناية إذا أصمّت إحدى الأذنين، فالواجب نصف الدية؛ من هذا تخيل ما تخيل من قال: إن السمع ينقسم [كانقسام] 3 البصر، وهو من المثاني، ومن تخيل من العلماء أن إحدى العينين إذا أخلّت 4 انقلبت قوة البصر إلى العين الأخرى لست أدري [ما رأيه] 5 في السمع إذا لم [يبق] 6 في أذنٍ [والذي] 7 أشرنا إليه [مذهب مالك] 8 في البصر كما سيأتي.
وكان شيخي أبو محمد رضي الله عنه يمتنع من قطع القول بإيجاب نصف الدية في صمّ إحدى الأذنين، ويصير إلى أنا نعتبر ما نقص في السمع بحالة الكمال، ويقرّب القول في درك النقصان ونسبته إلى السمع قبل الآفة، وهذا الذي ذكره، وإن كان قياساً بيّناً إذا حكمنا بأن السمع ليس من المثاني، فاعتبار [النظر] 9 عند صمم إحدى الأذنين أقرب إلى معرفة جزئيّة النقصان من ذرع المسافات في اعتبار النقصان والكمال، فالوجه ما ذهب إليه الجمهور من تعليق شطر الدية [بصمّ] 10 إحدى الأذنين، لا لأن السمع من المثاني، ولكن لأن هذا معتبر قريب في مقدار النقصان.
فهذا بيان مضطرب الأصحاب في ذلك.
10599 - ومن تمام الكلام فيه أن أهل البصيرة إذا قالوا: لطيفة السمع باقية في مقرها من الدماغ، ولكن ارْتتق بالجناية داخل الأذن [ارتتاقاً لا وصول] 1 إلى زواله، والسمعُ باق بحاله، فهذا في حكم جنايةٍ على الأذن، أو على داخلها، وليس السمع حالاًّ في باطن الأذن، فكيف السبيل إذا تصورت المسألة كذلك؟
فنقول: سيأتي اختلاف الأصحاب في مسألة تناظر هذه: وهي أن المولود إذا كان ولد أصمّ، فإنه لا ينطلق لسانه وإن كان صحيحاً، وعلامةُ صحته وحركاتُه لا تخفى على ذوي البصائر، ولكن الصبي إنما [ينطق متلقياً] 2 مما يسمعه، فإذا لم يسمع لم ينطق، ولو قطع اللسان منه، ففي وجوب الدية فيه خلاف، والأصح أنه لا يجب؛ لأن المنفعة المعتبرة في اللسان النطق، وهو مأيوسٌ منه.
فهذا عضو صحيح تقاعدت منفعته لا لآفةٍ فيه، فالْتحق بالعضو المأووف.
فإذا ظهر هذا، عُدنا إلى مسألتنا، وقلنا: إذا لم يكن للسمع نفوذ، فهو متعطل بالكلية؛ فالوجه قطع القول بإيجاب الدية، وليس يخرج هذا على الخلاف الذي أشرنا إليه في لسان الصبي الأصم؛ فإن صحة لسانه معلومة أو مظنونة ظناً معتبراً في الشرع، ولسنا نثق ببقاء السمع والسلامة، فنبني الأمر على تقدير زوال السمع.
10600 - فقد انتظم في السمع أمور بديعة: منها أنه ليس حالاًّ في الأذنين، وإنما هو لطيفة في مقرها من الرأس، وارتتاق منافذ الأذنين يوجب دية السمع، والمعاني التي لا تحلّ الأعضاء لا تضمن دياتها بالجناية على الأعضاء التي ليست محلاًّ لها، ومن البدائع أن السمع ليس من المثاني وله حكم المثاني، فإن الجناية التي تصمّ إحدى الأذنين موجبها نصف الدية، ولا تعويل على ما كان تردد قوله 3 فيه، ثم أوجبنا مع هذا كلِّه الديةَ في أذن الأصم، فلا منفعة في الأذن تعقل إلا ردّ الصراخ إلى الصماخ، وهذه الأشياء مجموعها يتخيلها الفطن خارجة عن القوانين، والفقيه يتلقاها بالقبول؛
فإنها جارية على القياس اللائق بالباب.
فصل
"وفي ذهاب العقل الديةُ ... إلى آخره" 1.
10601 - الجناية المزيلة للعقل موجبها الدية الكاملة؛ فإن العقل أشرف المعاني، وهو مِلاك البدن، ثم لم يتعين للشافعي محلُّه، وأتى منه بهذا السبب ترددٌ في أمر نذكره في مساق الفصل.
قال رضي الله عنه: "إذا ظهر زوال العقل مرتباً على الجناية، وجبت الدية" ويمكن تقدير امتحانٍ فيه، [إذا] 2 اتهمنا المجني عليه [بالتشبه] 3 بالمجانين، وهو سهل لا عسر فيه، [وذلك] 4 إذا اتبعناه وراقبنا خلواته، فقد نعثر منه على انتظامٍ في أفعال العقلاء وأقوالهم، فنمتحنه بهذا المسلك، فإن لم نعثر على أمرٍ مخالف لما ظهر منه، [فيبعد] 5 الاعتصام باليمين أيضاًً، وهذا يناظر ما إذا ادّعى [الصبي] 6 البلوغ، فإنا نصدقه؛ ولا نطلع على هذا إلا من جهته، فذهب المحققون إلى أنه لا يحلّف؛ من جهة أنه لو كان صادقاً، فلا معنى لتحليفه، فإن كان كاذباً، فهو صبي إذاً، والصبي لا يحلف [سبق ذكر ذلك] 7 في كتاب الحجر، فإذا كنا لا نحلّف من يدّعي البلوغ لغائلة توجد من دوائر الفقه، فكيف نهجم على تحليف مجنون؟
ولو كان يجن أياماً ويُفيق أياماً، كان هذا من [اختلال] 8 العقل، ثم رأى الأئمة اعتبار [الإفاقة بالزمان] 9 من الجنون والعقل، وهذا أقرب معتبر ممكن، وإذا كنا
نفرح 1 باليمين حيث لا متعلق غيرها، فإذا ظهر [إمكانه] 2، تمسَّكْنا به، ثم إذا عقل أمكن تحليفه في زمان العقل إن اتهمناه في التشبه بالمجانين.
10602 - قال الشافعي رضي الله عنه: "إذا قطع الجاني يدي رجل وزال عقله، فالواجب دية أو ديتان" فعلى قولين: أحدهما - تجب ديتان، وهو الذي لا ينقدح [غيره] 3 في القياس، فإنا نقطع بأن العقل ليس على اليدين، ومن الأصول الممهدة أنه إذا زال معنىً عند قطع عضو ولم يكن ذلك المعنى حالاًّ فيه، فإنا نوجب في العضو بدله، وفي المعنى الفائت أرشه.
والقول الثاني - أنا لا نوجب إلا ديةً واحدة، إذا قطعت اليدان وزال العقل؛ فإن العقل ليس له محل متعين حتى يجتنب موقعه، ولا يُعد مجتنبُ محله هاجماً عليه، وإذا كان كذلك، كان إضافة إلى عضو بتأويل إن كان قَطْعُ ذلك العضو مفضياً إلى زواله، والحلول الذي اعتبرناه سببه أن قطع العضو يزيل ذلك المعنى، فإذا هجمت الآلام أوشك أن يزول بها العقل، كما أن الروح ليس يتعين له محل، وإذا زال، تعينَ الحكمُ [بالإدراج] 4. ثم لفظ الشافعي يشير إلى أن الواجب ديةُ العقل وديةُ اليد مندرجةٌ.
وهذا فيه اضطراب؛ فإن الأطراف إنما تدرج تحت النفس؛ من قبل أنها تتعطل بفوات الروح، والأعضاءُ لا تتعطل بفوات العقل، فإن جوارح المجنون مضمونة بالديات، فليتأمل الناظر ذلك.
فلو أتبعنا دية العقل ديةَ اليد، كان بعيداً، ولو أتبعنا دية اليد ديةَ العقل، لم يكن على قياس إتباع الأطراف، وبهذا يظهر ضعف القول.
= والمعنى قياس الإفاقة والجنون بالزمان، وإيجاب أرش العقل بالنسبة لأيام جنونه.
ولو قطع يداً، فزال العقل، والتفريع على القول الضعيف، [فالواجب] 1 ديةٌ، فلو قطع يدين ورجلين، فزال العقل، وجبت ديتان 2، وهذا يُبَيِّن أن الأطراف لا تتبع العقل، كما تتبع الروح.
وذكر القاضي: أن الجراحة إذا لم يكن أرشها مقدراً، وترتب عليها زوال العقل، اندرج الأرش في دية العقل، قولاً واحداً.
وهذا ليس بشيء؛ فإن عدم التقدّر لا يغير من عوض المسألة شيئاًً، وليس لقول الإدراج في الأرش المقدر من الثبات ما يوجب هذا التفصيل، والوجه إجراء القولين في الأرش كان مقدراً أو غير مقدر.
فصل
قال: "وفي العينين الدية ... إلى آخره" 3.
10603 - لطيفة البصر مضمونة [بالدية] 4 وهي من أشرف المعاني، واتفق علماؤنا على أنها منقسمة على العينين حالّةٌ فيهما، فتكون إذاً من المثاني، فإن ادعى المجني عليه ذهابَ البصر من عينيه، سهل [اختباره، فنغافله ونقرب] 5 حديدةً أو غيرها من عينيه، وننظر هل يطرف؟ ويعسُر التماسك في هذا.
ثم إذا كان لا يطرف، ولا يُتبع الشخص بصرَه، ولا يحدّق في صوب حدقتي من يخاطبه، ظهر صدقُه، ثم نحلفه مع هذا.
وإذا ادّعى نقصان البصر في العينين، أو في إحداهما، فسبيل الامتحان وضبط
مقدار النقصان ما قدمناه في السمع، فلا نعيده.
والجناية على عين الأحول والأخفش 1 إذا أزالت البصرَ، توجب الدية الكاملة، وإن لم تُزل إلا بصراً ضعيفاً، وهو بمثابة ما لو جنى على يد ضعيفٍ في البطش، فأشلها، فإنه يلتزم ما يلتزمه بإشلال اليد الأيّدة التامة القوة، وسأعقد في بيان هذا وأمثاله فصلاً، إن شاء الله.
10604 - ثم ذكر الشافعي أن الجاني إن أنكر بصر المجني عليه قبل الجناية، فكيف الوجه؟ وهذا أمرٌ تقدّم ذكره، وغرضه بإعادته أن المجني عليه إذا أقام شاهدين على أنه كان بصيراً قبلُ، ثبت المقصود.
والشاهد يَعتمِد في الشهادة على البصر ما ذكرناه في طريق الامتحان، [ويستبين] 2 بصرَ البصير بقرائن الأحوال على الضرورة، ثم ينبغي أن يجزم الشهادةَ في مجلس الحكم، وله أن [يجزمها] 3 إذا وثق بالمخايل التي ذكرناها، ولو أنه لم يجزم الشهادة وذكر الأحوال التي ابتنى عليها علمُه بالبصر، فالقاضي لا يقضي به.
فإن قيل: إذا كان له أن يشهد تعويلاً على ما ذكر، ولا معوّل له في تحمل الشهادة غيرُه، [فلم لم] 4 يعتمده القاضي؟ قلنا: لا تحيط العادة بما يفيد العلم من قرائن الأحوال، وهي تدق عن مدارك الأوصاف، وإنما يحيط بها [العِيان] 5، والقاضي لا يحلّ محل الشاهد فيما استفاده من العلم بزعمه، فليجزم الشهادة، ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه: أن الشهادة سبيل تحملها على منافع سائر الأعضاء تعويلاً على المخايل كما ذكرناه في البصر.
فصل
قال: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية ... إلى آخره" 1.
10605 - لا خلاف أن الدية تكمل في استئصال الأجفان وهي أربعة؛ ففي كل جفن ربع الدية [وكل متعدّد على البدن ضمنت منه المنفعة] 2 وله أرش مقدر، فذلك الأرش يتوزع على الآحاد على مقتضى العدد، فإذا وجب في أصابع اليدين الدية، وهي عشرٌ، وجب في واحدة منها عُشر الدية، وهذا يجري مطرداً في كل ما يتعلق بجملته دية.
ومن الأعضاء [ما لم يرد] 3 في الشرع تعليق الدية بجملتها، وقدّر إثبات المقدر في آحادها كالأسنان، ثم الدية إنما تكمل في الأجفان إذا استؤصلت، واستئصالُها بقطع جميع ما يتجافى حتى لا يبقى منها شيء، وإذا قطع العظم من جفنٍ، فقد تتقلّص المآقي، وهو معدود من الجفن لا تتم الدية دون استئصالها.
ولو جنى الجاني على الأهداب، فأفسد منبتها، غرِم الحكومة لا محالة، وإذا استأصل الأجفان بعد زوال الأهداب، أُلزم بالأجفان [الديّةَ] 4 التامة لا شك فيه، وإذا استأصل الأجفان وعليها الأهداب، وألزم الدية في الأجفان، فهل يلتزم مع الدية الحكومة في الأهداب؟ ذكر العراقيون والقاضي وجهين: أحدهما - أنه لا يلتزمها؛ فإنها على الأجفان، وقد ضمن الأجفان بديتها، والقياصُ أن نُتبع الأهدابَ كلها، ولا خلاف أن من أوضح رأس رجل استأصل قطعةً من جلد رأسه واللحم تحته، فلا يلتزم إلا أرش الموضحة، فإذا كنا نتبع شعرَ الرأس أرش الموضحة بلا خلاف، وجب أن نُتبع الأهدابَ الجفون.
والوجه الثاني - أنا نفرد الأهداب بالحكومة؛ فإنها عظيمة الوقع في الحال، وإذا زالت شوّهت العينين، وفيها منفعة على حال؛ فإنها تُسْبل في ثوران [الرياح] 1،
فتدرأ الغبار ولا تمنع نفوذ البصر، وليست كشعر الرأس، فإنه ليس فيها منفعة بها مبالاة، فاتجه فيها أن تُتْبع.
وكان شيخي يقطع بالتبعية.
ثم إذا أوجبنا في كل جفن ربعَ الدية، ففي بعض الجفن بعض الربع إذا أمكن [نسبة] 2 ما قطع [لما] 3 بقي.
وبالجملة [إنا نتشوف إلى التقدير جهدنا، طالما وجدنا إليه سبيلاً، ولا نتجه للحكومة إلا عند تعذر إمكان التقدير] 4 ثم إن الحكومة بالاجتهاد تنتهي إلى إثبات قدرٍ يراه مَنْ إليه الرجوع، ونوجب بحسب هذا في قطع بعض الأذن مقداراً إذا انتظم له النسبة، وقد يُشكل الأذن من جهة اختلاف خلقته وشخوص [غضروفه] 5 ولو أردنا أن نعتبر شحمة الأذن بالصدفة الغضروفية ذات العضو، لم نتمكن منه إلا على وجه التقريب.
ففصل
قال: "وفي الأنف إذا أُوعي مارنُه جدعاً الدية ... إلى آخره" 6.
10606 - في الأنف الدية الكاملة، وتتم الدية بالمارن -وهو ما لان منه-[فإذا] 7 استؤصل وانتهى القطع إلى القصبة، فلم يبق شيء -منه- شاخص [في] 8 الوجه، كملت الدية فيه.
ثم المارن [منخران] 1 وحاجزٌ بينهما، فلو قطع الجاني أحد المنخرين، وبقي الحاجز والمنخر الآخر، ففيما يجب في المنخر طرق للأصحاب: منهم من قال: فيه ثلث الدية؛ فإن أقسام المارن ثلاثة: منخران وحاجز، وفي كل قسم منفعة، ولا نظر إلى أقدار المنافع، [كالأصابع] 2؛ فإن منافعها متفاوتة وأروشها متساوية، هذا وجه.
ومن أصحابنا من قال: يجب في المنخر الواحد إذا قطع وإن بقي الحاجز نصفُ الدية؛ فإن المقصود من المنفعة في المنخر، والحاجزُ كالتابع، وهو يجري من المنخرين من حيث إنه منزلُهما منزلةَ الكف من الأصابع، فالدية تنقسم على المنخرين انقسامهما على [المثاني] 3، فالمنفعة لظاهر الأنف -[بعد الجمال- منعُ الهوام] 4 من مصادمة الخيشوم المتصل بالعظم المُشاشي، ولا ينتفع الأجدع ما لم يتخذ أنفاً من جوهر من الجواهر، وهذه المنفعة ليس منها للحاجز بين المنخرين كبير وقع، ولعل أثر الحاجز في [دفع الغبار وتعطيل ما يسيل من رطوبات الرأس] 5، حتى يجري على
تدريج؛ ثم تدركه الأنفاس فيجف، ومنفعة الكف أظهر من منفعة ذلك.
وذكر بعض المصنفين 6 وجهاً أن الواجب [في] 7 أحد المنخرين حكومة، وهذا
ساقط؛ فإنا ذكرنا أن ما تجب الدية فيه تجب [أقدار الدية في أفراده] 1، كما ذكرنا في الأجفان والأذن.
وإن عَنَى بالحكومة أنا لا نوجب نصفاً ولا ثلثاً، ولكن نُثبت [بالنسبة] 2 إلى ما بقي، فهذا أوجه الوجوه عندي، وعبارة الحكومة في هذا المعنى زللٌ، فليُعتقد هذا الوجه الثالث، على هذا النسق.
10607 - ومما يتم به التفريع في ذلك أن من أوجب في المنخر الواحد الثلثَ -جرياً على ما ذكرناه في توجيه ذلك الوجه-[يوجب في الحاجز إذا أفرد الثلثَ] 3 وغالب ظني أني سمعت الإمام 4 يذكر ذلك، ولست واثقاً به على التحقيق، والذي صرح به الأصحاب أن واجب [الوترة] 5 لو أفردت بالإبانة الحكومة، وهذا تخليط بإبطال الثلث 6.
ولو قطع قاطع القصبة بعد قطع المارن، وهي العظم يلتزم حكومةً، ولو قطع الجاني المارن والقصبة معاً، فظاهر المذهب أنه لا يلتزم إلا ديةً واحدة؛ فإن اسم الأنف يتناول الكل، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوجب في الأنف الدية.
ولو قطع قاطع شيئاًً من طرف المارن، فظاهر المذهب أن الدية مقسطة على المارن لا على الأنف من أصله، وسأجمع في هذا وفي الحشفة والذكر، والجملةِ 7 واليدين، وما يظهر من السن مع سِنْخه فصلاً كاملاً في معناه، حاوياً لطرق الأصحاب.
ولو جنى الجاني على الأنف، فاستحشف، وسقط حسُّه، ففيه الخلاف الذي ذكرناه في استحشاف الأذن؛ فإن هذا العضو مستحشفاً وحساساً على حدٍّ قريب في المنفعة.
10608 - ثم الشمُّ لطيفة مضمونة بالدية الكاملة [كالسمع] 1 والبصر.
وفي بعض الطرق وجهٌ غريب أن الشم لا يضمن بالدية الكاملة، وعلى [مزيله] 2 الحكومة.
وهذا القائل يزعم أن الانتفاع بالشم من استنشاق الدماغ [للطيب، والتأذي] 3 بالإنتان أكثرُ من التلذذ بالروائح الطيبة 4، وهذا خيال لا أصل له، وهو أحد الحواس فلا وجه إلا القطع بمقابلته بالدية الكاملة، وهذا الوجه حكاه صاحب التقريب وغيره من الأئمة.
وفي أنف الأخشم 5 ما في أنف صاحب الشم، كما ذكرناه في أذن الأصم والسميع.
وإذا ادعى المجني عليه زوالَ الشم، امتُحن بأن يتغفل ونُدني -في غفلاته- من أنفه رائحةً ذكية طيبة أو منتنة، والغالب أنه يتأثر بها انبساطاً واستبشاراً] 6 أو [انزواءً] 7 وانقباضاً، ثم نبني على ذلك ما قدمناه من خلافه مع الامتحان.
وإذا ادّعى نقصاناً في الشم، فليس معنا فيه معتبر -كما تقدم في السمع والبصر- فلا حاجة إلا الرجوع إلى المجني عليه، فنقول له: أنت أعرف بمقدار الخلل، فاذكره واحلف، يَغْرَم لك الجاني، وإن لم يذكر لنا مقداراً، وهو المدعي، وهو كمن يرى
شيئاً مجهولاً وسبيله في نفسه أن يأخذ بالأقلِّ المستيقن.
وقد يخطر للناظر في أثناء هذه الفصول تقدير عَوْد بعض هذه اللطائف، بعد ظننا زوالها، وسأجمع ذلك كلَّه عند ذكر التفصيل في عَوْد السن من المثغور وغير المثغور.
فصل
قال: "وفي الشفتين الدية ... إلى آخره" 1.
10609 - لا خلاف في وجوب الدية في الشفتين، وهما من المثاني عندنا، وفيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية، ولا نفضّل العليا على السفلى، وقال مالك 2:
في العليا ثلثا الدية، وفي السفلى ثلثها.
ثم أول [ما نُعنى] 1 به ذكر حدِّ الشفتين، وقد اختلف عبارة أصحابنا، فقال بعضهم: الشفة العليا حدّها في كمال الدية ما يستر اللثة وعُمورَ 2 الأسنان في طول الوجه، ومن الشدق إلى الشدق في عرض الوجه، وكذلك القول في الشفة السفلى.
وعبر آخرون عن ذلك بعبارة أخرى، وهي أشفى مما ذكرناه، مع أنه لا خلاف في المعنى، فقال: الشفة العليا تتجافى في محاذاة الوترة من الأنف، ثم ترتق عندها، فنعبّر خطاً على مسامتة موضع الارتتاق والانتهاء إلى الشدق.
وهذا [موقع] 3 التعليل، فإنا على قطع نعلم [أنا] 4 لا نبغي مزيداً [عن] 5 موضع الارتتاق، فإذا وضح ذلك، فلا وجه للتعليل إذا جاوزنا هذا المحل، حتى [نعوج] 6 الخط من طرفيه اعوجاج الحاجب بموضع الاتصال إذا سوَّرَ الناظرَ، فليعتبر، وهذا القول يتحقق في الشفة السفلى، فإنها ترتتق في جهة العَنْفَقة ثم نعتبر القطعَ من الجانبين على مسامتة منتهى التجافي إلى محاذاة الشدقين، ثم نعتبر القطعَ في طول الوجه إلى الشدق، كما صورناه في الشفة العليا، والذي أتخيله [أن مَنْ] 7 راعى منتهى التجافي، فقوله يخالف قول من يعتبر انكشاف اللثة؛ فإن اللثة هي التي تستر سِنْخ 8 = الإشراف: 2/ 827 مسألة 1585، القوانين الفقهية: 334، الكافي لابن عبد البر: 598، المعونة: 3/ 1328، منح الجليل: 9/ 109).
السن، ووراء سنخ السن ما ليس مركبَ السن، ومنتهى التجافي وراء مركبات الأسنان.
وذكر شيخي رضي الله عنه أن الدية تكمل بقطع ما ينتؤ من الشفتين إذا انطبقتا 1، وهذا [الفارق] 2 مقصود، وهو قريب، فإنا [سنوضّح] 3 أن المرعي هذا القدر في الشفتين.
وإذا جمعنا هذه العبارات، انتظم منها خلاف ظاهر في المعنى، ولو قيل: إذا قطع من العليا ما لم ينطبق معه 4 ما بقي على السفلى، مع تقدير 5 السفلى، وقطع من السفلى ما لا ينطبق -مع تقدير 6 العليا- على العليا حتى يحصل بقطعهما امتناع الانطباق، كان قريباً 7، ويمكن أن نعزي 8 هذا إلى المذهب؛ فإني لم أقله حتى رأيت مرامز في كلام الأئمة تشير إلى [مراعاة فَرْق] 9 الانطباق، ولم يختلفوا في أن الأجفان يراعى استئصالها، والسبب فيه أن منفعتها تستر [الحدقة] 10 فحسب، ولا يتحقق كمال الجناية إلا بالاستئصال، وفي الشفتين منافع متصلة بالأجزاء المتصلة بها، وكان سببُ التردد ما نبهنا عليه، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى أخذ شيء من الشدق، [في] 11 عرض الوجه، وإنما المقطوع من الشفتين منحدر بالانتهاء إلى الشدقين.
فصل
10610 - إذا قطع الجاني شيئاًً من الشفة العليا أو السفلى، ولم نر ذلك -من [طريق التقدير] 1 - الشفةَ الكاملة، ولكن تقلص محل القطع، وانكشف ما تحته انكشافاً، وبلغ الحدَّ المعتبر في استئصال الشفة، [فقد] 2 اختلف أصحابنا في هذه الصورة، فمنهم من نظر إلى القدر الذي قَطَع الجاني وإلى القدر الذي أبقاه ووزع الدية.
ومنهم من قال: إذا انكشف ما اعتبرناه على كماله بسبب التقلّص، فهو كما لو انكشف بسبب القطع والاستئصال، فتجب الدية الكاملة إن حصل تمام الانكشاف، وهذا القائل يحتج بأن الدية تكمل بالقطع مرة وبإبطال المنفعة أخرى، والمنفعة المقصودة الظاهرة من الشفة سترُ ما تواريه الشفة، وإذا أورثت الجناية الانكشافَ التام فالجِرْمُ المتقلص ساقطُ المنفعة، بمثابة اليد الشلاء، ولو قطع رجل إصبعاً وأشل الأصابع الباقية، التزم تمام الدية، كذلك هاهنا، وهذا متجهٌ حسن.
فصل 3
قال: "وفي اللسان الدية ... إلى آخره" 4
10611 - لا خلاف أن اللسان عضو شريف فيه دية، وقد نص الشارع عليه في الصحائف المشتملة على أروش الجنايات، وصَدْرُ الفصل أن اللسان عضو ديةٍ، ومنفعتُه المعتبرةُ في الأرش الكلامُ، وهذه المنفعة حالّةٌ فيه، وليست كالسمع
بالإضافة إلى الأذنين، والشمِّ بالإضافة إلى الأنف، ولا التفات إلى الأطراف، ولكن المنفعة الظاهرة هي المعتبرة، ثم الكلام ينتظم من الحروف، وهي أصواتٌ منقطعة على مخارج لها، والحروفُ التي منها انتظام الكلام ثمانيةٌ وعشرون، ولام ألف حرفان [كررا لغرض] 1 لا يليق استقصاؤه بما نحن فيه.
فلو فرضت جناية انتقص بها بعض الحروف، فيقع التوزيع على ما فات وبقي، ثم الذي صار إليه جماهير الأصحاب أن التوزيع على الثمانية والعشرين.
وذهب الإصطخرىِ إلى أن الحروف [الحَلْقية] 2 تُستثنى من جملة الحروف، وكذلك الشفوية، وهي الميم والباء، ويقع التوزيع على باقي الحروف وهي [اللسنية] 3 حتى إذا أبطلت الجناية حروفَ اللسان، كملت الدية، فإن أبطلت حروفَ اللسان والشفة والحلق، وجبت الديةُ الكاملة في حروف اللسان والحكومةُ في حروف الشفة والحلق.
وهذا الوجه [مردودٌ] 4 عليه؛ فإن الكلام لا يتأتى دون اللسان، وهو الذي ينظم الكلامَ، [وحتى] 5 ما يصدر من غير اللسان، فانتظامه موقوف على اللسان، والوجهُ إحالة جميع الحروف على اللسان، وتوزيع الدية على جميع الحروف الثمانية والعشرين، ومن حكى مذهب الإصطخري لم يتعرض للقاف والكاف، وليستا من حروف الحلق، وقد يعتقد أنهما ليسا من حروف اللسان، ولكن لعل الإصطخري ألحقهما بحروف اللسان، فإنه لا يتأتى الإتيان بهما إلا بالاعتماد على أصل اللسان [وقاعدتِه] 6 وترقيها إلى الحنك الأعلى وبينهما تتحرَّفُ 7 الكاف والقاف، ولم
يتعرض [ناقل] 1 مذهب أبي سعيد [للفاء] 2، وهذا أظهر من القاف والكاف؛ فإن الاعتماد في النطق [بالفاء على الأسنان] 3 العليا والشفة السفلى وليس للسان فيه أثر محسوس.
والصحيحُ اعتبار جميع الحروف ونسبتها إلى اللسان، فليقع التوزيع على الثمانية والعشرين.
ومقصود الفصل وراء هذا لا تضبطه التقاسيم، فإنما نأتي عليه بالمسائل، فنأتي [بها أرسالاً] 4 ونستوعب، إن شاء الله تعالى - كمالَ الغرض.
10612 - فلو كان الرجل في أصل الخلقة بحيث لا يتأتى منه جملة الحروف، ولكنه كان [يعبر] 5 بما يحسن منها عن جميع ما يبغيه ويحويه الضمير مثل إن كان لا يحسن إلا عشرين حرفاً، فإذا جنى جانٍ، وأفسد جميعَ الحروف، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أنه يجب على الجاني الديةُ الكاملة؛ فإن مثل هذا الشخص سمّي ناطقاً متكلماً، وقد ينسب إلى ضعف في المنطق، وضعفُ منفعة العضو لا يحطُّ من الدية [شيئاًً] 6 إذا فسدت المنفعة بالجناية، كما لو كان ضعيف البطش، فجنى عليه جانٍ أبطل بطشه، أو كان ضعيفَ البصر والسمع، وهذا [مُطبق] 7 في المنافع جمع.
10613 - وحقيقة هذا لا تبين إلا بأصل آخر تمهيده في أحكام اللسان، وهو مقصود في نفسه، ونبني عليه كمالَ الكشف، [فيما ذكرناه] 1 من نقصان الحروف، فنقول: من استأصل جرْم اللسان قطعاً، فيسقط الكلام لا محالة، ولا يجب على الجاني إلا دية واحدة؛ [وإن] 2 جنى على الجرْم والمنفعة كجرم اليد وبطشها.
ولو قطع الجاني عَذَبةَ اللسان 3، وأبطل جميع الكلام، استوجب الدية الكاملة، كما لو قطع أصبعاً من يد، فأشل اليدَ.
ولو قطع ربع اللسان، فأبطل نصف الكلام، وجب نصفُ الدية، ولو قطع نصفَ اللسان، وبطل ربعُ الكلام، فقد قطع الأصحاب بأنه يجب نصف الدية، فنظروا عند تفاوت المقطوع من الجِرم والفائت من الكلام إلى الأكثر، فإن كان المقطوع أكثر، فالمقطوع [يقدّر بنسبته] 4 الواجبُ من الدية، وإن كان الفائت أكثر، فالاعتبار به.
أما إذا كان الفائت من الكلام أكثر، فاعتباره منقاس بيّن؛ فإن المنفعة هي المقصودة، فإذا فات شطرها، لم يخف تعليل إيجاب نصف الدية، ولو جنى على اللسان، فأذهب نصف الكلام من غير قطع، وجب نصف الدية، فلا خفاء بالقول في هذا الطرف.
فأما إذا قطع نصف اللسان، وذهب ربع الكلام، ففي هذا اعتياض قليل، ولا خلاف، وهو مشبه بما لو قطع أصبعين من يد رجل، ولم يسقط من منفعة بطشه خمساها، وكان [صاحب] 5 اليد جاريَ الحركة، فالنظر إلى الأَجْرام التي قطعها، والواجب خمسا دية اليد.
وإذا تبين ما ذكرناه، ترتب عليه إيجابُ الأكثر، فإن كان الفائت من جرم اللسان أكثر، فهو المعتبر.
ثم ذكر أئمتنا عبارتين في ذلك، فقال بعضهم: ينظر إلى الأكثر، كما ذكرناه، ونوجب أغلظ الأمرين.
وقال أبو إسحاق: إن قطع نصف اللسان، فقد أبان من عضو الدية نصفَه، وسقط من المنفعة شيء، وإن قطع ريعَ اللسان وأمات نصفَ الكلام، وجب نصف الدية، لأنه أمات نصف اللسان أيضاًً، غير أنه قطع ربعاً.
ويظهر [أثر] 1 هذا الاختلاف في مسألتين: إحداهما - أنه لو قطع ربع لسانه، فذهب نصف كلامه، وأوجبنا نصف الدية، فإذا جاء آخر، وقطع ما بقي، وهو ثلاثة أرباع اللسان، فعلى طريقة أبي إسحاق يجب نصف الدية، فلا يلزمه [إلا] 2 النصف في مقابلة النصف مع نصف الكلام، والحكومة في مقابلة الربع الذي لحقه الشلل تقديراً.
وغيرُه من الأصحاب يوجب على من يقطع ثلاثة الأرباع الباقية ثلاثة أرباع الدية؛ نظراً إلى [أن] 3 الأكثر جرْمُ اللسان، ولا يستبعد هذا القائل أن نوجب في عضو قطعه شخصان في [جنايتين] 4 أكثرَ مما نوجبه على القاطع الواحد إذا استأصل العضو بقطعٍ واحد، وسيأتي لذلك نظائر، إن شاء الله تعالى.
[وهذا] 5 بيان المسألة الأخرى: لو قطع نصف لسانه وذهب ربعُ كلامه، فقد حكينا الوفاق على إيجاب نصف الدية، فإن جاء جانٍ آخر استأصل اللسان، فمذهب الجمهور أنه يلزم القاطع الثاني ثلاثة أرباع الدية نظراً إلى [ما] 6 أمات من الكلام، وقد ذكرنا أن نظر هؤلاء إلى الأكثر في الجاني الأول والآخر.
وأبو إسحاق يعتبر [جرم] 7 العضو في هذه الصورة ولا يلتفت إلى كثرة المنفعة.
والأصح ما ذهب إليه الجمهور.
10614 - فإذا تمهد هذا الأصل، صوّرنا بعده صورةً أخرى، ثم نعود إلى ما كنا فيه: إذا جنى جانٍ على اللسان من غير قطعٍ، وأذهب ربعَ الكلام مثلاً، فإنه يلتزم ربع الدية، فلو جاء جان وقطع اللسان من أصله، فعليه دية كاملة؛ نظراً إلى الأكثر على طريقة الجمهور، واعتباراً بجرم اللسان، وفيه المنفعة على مذهب أبي إسحاق، وهذا مسلك لأصلٍ لا نجد بُدّاً من ذكره، فنقول: من كان باطشاً يَضْعُف بطشه [لآفةٍ] 1، ثم أزال جانٍ البطشَ، فإنه ملتزم الديةَ الكاملة، وذلك يطّرد في جميع المعاني المضمونة بالديات، إذا لحقها [نقصٌ ببعض الآفات] 2.
ولو سقطت إصبعٌ من اليد بآفة، ثم قطعها قاطع، فأرش تيك الإصبع الساقطة محطوطة من دية اليد، وهذا نقصان حاصل بآفة، ونقصان البطش حاصل بآفة، والمقصود المضمون بالدية المعنى، والجِرم [محلُّه] 3، ثم تمهد في المذهب أن النقصان المعنوي غير معتبر في حق الجاني، والنقصان [الحاصل في الجرم] 4 معتبر.
هذا إلى صورة أخرى: لو جرح رجل رأس رجل متلاحمة، وأتلف [اللحم] 5، فجاء آخر واستتم ذلك الجرح موضِحةً، [فلا يلتزم] 6 الثاني أرش الموضِحة، [فإنه لم] 7 يشق الشق كلَّه، بل حصل وضوح العظم بالمتلاحمة السابقة وما بعدها، فإذا آل الأمر إلى الدية، فإن أوجبنا في المتلاحمة [أرشاً] 8 [مقدَّراً] 9، كما سبق في
الشجاج، حططناه من أرش الموضِحة [وإن أوجبنا في] 1 المتلاحمة حكومة، حططناها عن أرش الموضحة وأوجبنا الباقي.
ولو شج رجل رأس رجل متلاحمة، فالتأم الجرح واكتسى بالجلد، ولكن بقي ذلك الموضع غائراً، فلو انتحاه جانٍ وشقه إلى العظم، ففي هذا أدنى تردد؛ من حيث لم ينبت اللحم الذي مات، وإنما منتهى المتلاحمة [باقٍ] 2 والأظهر أن حكم ذلك الجرح قد سقط، ولا حكم لما بقي فيه من [إغماض] 3، ولعل السبب [فيما ذكرناه] 4 من اعتبار [الجرم] 5 أن أثره محسوس، والمنفعة لا ضبط لها، فعسر الاعتبار فيها.
وهذا فيه فضل نظر؛ فإنا إذا كنا نعتبر ما يفوت من المنفعة حتى نوجب مقدراً وحكومةً على الجاني المُعيب، فيسقط مع هذا [الاعتلالُ] 6 بخروج المنفعة على الضبط، فإنا أوجبنا أرشاً على من يجني ويُذهب بعض المنفعة، فينبغي أن ينجرّ ذلك معتبراً في الحط عمن يجني من بعدُ، وهذا متّجهٌ جداً فيه، إذا كانت [المنافع] 7 محدودة، كالكلام المترتب على حروف محدودة، فكان يجب أن يقال: إذا جنى جانٍ على اللسان، ولم يقطع منه شيئاًً، وأزال ربع الكلام، فلا يلتزم بعد ذلك قاطع اللسان إلا قسطاً من الدية سيّما على مذهب أبي إسحاق، فإنه يقول: سقوط بعض الكلام مع بقاء [جِرم] 8 اللسان شَللٌ في جزءٍ من اللسان، فيلزم على هذا المساق ألا نوجب على قاطع اللسان بعد فوات ربع الكلام ديةً كاملة.
10615 - فهذا مغاصٌ من المذهب لا يبينه إلا التفصيل، وسبيل التفصيل أن نذكر ما يتعلق بالأجرام: [فإذا] 1 فرض في جِرم العضو نقصان، لم يخل: إما أن يَسقُطَ ما له أرشٌ مقدّر من [جرم] 2 العضو، وإما أن ينتقص ما لا يقدّر أرشُه، فأما إذا سقط ما يتقدر أرشه، فهو محطوط من أرش الباقي، ولا فرق بين أن يكون بجناية جانٍ [أو بآفة سماوية] 3، ومثال ذلك الأنملة إذا سقطت أو قطعت، فلو فرض قطع اليد بعد سقوطها، فالأرش الذي يقابل الأنملة يُحط [عن] 4 قاطع اليد؛ فإن الأجزاء المقابَلة بالأروش المقدرة منسوبة إلى أصل العضو، وقد كفانا الشارع بتقدير الأرش فيه إثباته [الجزئية] 5، فالأصبع من اليد خمسها، والأنملة ثلث خمسها، ثم إذا ظهرت [الجزئية] (5)، فلا مبالاة بعدها بالمنفعة وقدرها.
وأما إذا [أحدث] 6 نقصاناً لا يتعلق به أرش مقدر [كفِلْقةٍ] 7 تبين وتنفصل من لحمة الأنملة، فهذا القسم ينقسم: فمنه ما لا يؤثر في المنفعة، والحكومة التي تجب فيه لمكان الستر، فما كان كذلك، لم يؤثر ما يتقدم منه في [تنقيص] 8 دية العضو، حتى لو جرى ما وصفناه، ثم قطعت اليد، فعلى القاطع الديةُ الكاملة، ولا فرق بين
أن يتفق ما وصفناه بآفة سماوية، وبين أن يتفق بجناية جانٍ؛ فإن العضو إذا كان باقياً، وكانت منفعته تامة لا نقصان فيها، فيستحيل أن نَحطَّ عن قاطعه شيئاًً، وكأن الذي أزاله الشَّيْن ليس من خاصية هذا العضو.
وبالجملة لا التفات إلى الشَّيْن، مع بقاء المنفعة [والجرم] 1 المنتفع به.
10616 - فأما إذا كان ذلك النقصان يؤثر في نقصان المنفعة، ويحط [منها] 2، فإن جرى ما وصفناه بآفة، ثم فرض القطع بعدها، وجبت الدية الكاملة على القاطع، ولا نظر إلى ما انتقص من المنفعة؛ فإن هذا لا ينضبط، والإنسان قد يقوى في بعض الأحوال ويضعف في بعضها بأعراض وأمراض، وتَتَبُّعُ هذه الأمور عَسِرٌ، لا سبيل إلى التزامه.
هذا متفق عليه.
وإن اتفق نقصانُ [الجرم] 3 مع نقصان المنفعة من جانٍ، والموجَب الحكومة، فهذا أول مراتب الاحتمال: يجوز أن يقال: لا حكم [لتلك] 4 الحكومة في حق القاطع بعدها، كما لو فرض النقصان بآفة.
ويجوز أن يقال: تلك الحكومة محطوطة من الأرش الذي يلتزمه القاطع؛ من جهة أنها حكومة في مقابلة شيء من المنفعة، فلو أثبتت الدية الكاملة على القاطع -وقد أثبتنا الحكومة على المقتصّ- فيكون ذلك تضعيفاً للغرامة في مقدار الحكومة، وتثنيةُ الغرامة بعيدة.
هذا تفصيل القول في الجناية على [جرم] 5 العضو.
10617 - فأما إذا كان الجرم [باقياً] 6، وسقط بعضُ المنفعة، لم يخل: إما أن يكون الساقط بحيث لا يتطرق إليه تقدير، فينقسم [إلى] 7 ما يترتب على آفةٍ، وإلى ما يترتب على جناية جانٍ، [فأما] 8 ما ترتب على آفة، فلا معتبر به، وديةُ العضو
باقية بكمالها على الجاني عليه: إما [بالقطع] 1 وإما بإذهاب المنفعة.
فأما إذا كان النقصان بجناية جانٍ [والقدر] 2 خارج عن الضبط كما ذكرناه، ففي حطّ ذاك عن قاطع العضو أو عن مُذهب المنفعة ترددٌ أذكره، وهو متلقَّى من كلام المشايخ، [ولا بأس] 3 لو نقلته وجوهاً: [يجوز] 4 أن يقال: لا تحط الحكومة لا عن قاطعٍ، ولا عن مُذهب المنفعة.
ويجوز أن يقال: الحكومة محطوطة عن القاطع، حتى لا تُثنَّى الغرامة.
ويجوز أن يقال: هي محطوطة عن مُذهب المنفعة، وليست محطوطة عن قاطع العضو، والسبب فيه أن العضو إذا كان باقياً، فقد تعود [منفعتُه] 5) إلى الكمال، وقاطع العضو يقطع الرجاء من هذا، فالدية تكمّل عليه لذلك، وأما مُذهب المنفعة، فليس كذلك، والذاهبُ بالجناية من المنفعة مقصودة.
هذا إذا كان الذاهب من المنفعة غير محدود.
وأما إذا كان الذاهب منها محدوداً، وجِرْم العضو باقٍ، فهو كالحروف التي هي أم الكلام، ومادة الكلم، فإذا ذهب نصفها، لم يخل: إما أن يذهب بآفة سماوية، أو بجناية جانٍ وألزمناه نصف الدية، فهذا موضع خلافٍ للأصحاب، وأبي إسحاق، فالذي ذهب إليه الجمهور أن الدية تكمّل على قاطع اللسان، وقال أبو إسحاق: لا يلزمه إلا نصفُ الدية، وحكومةٌ: النصفُ في مقابلة ما بقي من الكلام، ونصفُ [الجرم] 6 معدود معه، والحكومةُ على مقابلة نصف الجرم على تقدير [ذهاب] 7 الحس، وهذا الذي ذكره فقيهٌ.5
وهذا إذا قطع الجاني الثاني العضو.
فأما إذا أذهب [بقية] 1 المنفعة، [فلا] 2 يلزمه إلا بقيةُ الدية على خلافٍ، وهذا إذا كان زوال القدر المقدر من المنفعة بجناية جانٍ.
فأما إذا سقط نصف الكلام بآفةٍ أو خُلِقَ الرجلُ كذلك، ففي هذا خلاف بين أصحابنا: منهم من قال: يجب على القاطع تمام الدية، والنقصان [الكائن] 3 بمثابة ضَعف البطش، والسمع، والبصر، من طريق الخِلقة.
ومنهم من قال: إذا تقدّر الفائت، لم يجب على الجاني كمال الدية، وحُطَّ ما يقابِل الناقص، وليس كنقص البطش والبصر؛ فإنّه لا ينضبط.
هذا مجامع الكلام.
10618 - فإن قلنا: نحط النقصان، وكان سبب النقصان الآفة، ففي هذا فضل نظر، فإذا كان الرجل لا يحسن إلا عشرين حرفاً، ولكن كان فَطِناً متهدِّياً إلى مناظم الكلام، مستمداً من موارد اللغة، وكان يعبر بالعشرين عن جميع المعاني، ففي هذا وجهان: أحدهما - أنه في حكم الكامل؛ فإنه يعدّ ناطقاً تاماً.
والثاني- أنه ناقص واقتداره على أداء المعاني ليس من كمال كلامه، وإنما هو من معرفته باللغة وذكاء قريحته، وفرط كَيْسه.
ولا يبقى على من يُنْعم النظر في هذا الفصل أمرٌ خافٍ في هذا الغرض، وهو أنا ذكرنا أن نقصان المنفعة إذا لم يكن منضبطاً، وكان حصوله بآفة، فلا اعتبار به، والدية تكمّل على قاطع العضو، ومُذهب المنفعة.
هذا أصلٌ طرده الأصحاب في الباب.
وقد يعترض فيه الضعيف النظر الذي يمكن الحكم بسقوط معظم بصره [والفرضُ] 4
والتصوير في البطش وغيره من المعاني، ولا ينبغي للفقيه أن يرتاع من هذا، والدية كاملة في يد الهرِم، مع القطع أنه على أقلَّ من العُشر من بطشه في [شبابه] 1، ونقصان المنفعة بهذه الجهات كنقصان القوة الحيوانية، ومن أطبق أهلُ البصيرة على وقوعه في الموت، وصار بحَرَضٍ 2 [وقد شخصت منه الأبصار] 3، وأنفاسُه تتعثر في شراسيفه، فلو حزّ جان رقبته، التزم القصاصَ أو الدية، فالمنافع إذا ضعفت، فإنها تحل هذا المحل.
وقد نجز تمام الغرض في هذا الطرف، وبالله التوفيق.
10619 - ومما يتعلق بأصول الكلام في فصل اللسان أنه لو جنى جانٍ، على إنسان، فأذهب صوته، وكان اللسان على اعتداله منطاعاً في التقطيع والتردد في فضاء الفم، [لو] 4 وَجَدَ صوتاً، فعلى الجاني المُذهب للصوت الديةُ.
ولو كان الصوت باقياً والحروف زائلة، وذلك بسبب عجز اللسان عن تقطيع الصوت، وهو ذهاب الكلام، ففيه الدية، ولو أذهب الصوتَ، وأشل اللسان، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا تجب إلا دية واحدة؛ فإن الكلام هو المعني، وقد زال ولزواله سببان: أحدهما - انقطاع الصوت، والثاني - عجز اللسان.
ومن أصحابنا من قال: تجب ديتان؛ للجناية على منفعتين، وليس كما لو أزال إحداهما، فإن من أزال الصوت، فعَوْد الصوت لا يعيد الكلام، والمسألة محتملة جداً.
ولو صور متكلف صورة وقال: لو جنى جان على اللسان، ولم يُسقط حرفاً، ولكن صار عاجزاً عن تأليف حرف إلى حرف، ولا ينتظم الكلام إلا بتأليف الحروف؟
قيل له: هذا تكلف لا يتصوّر، فإن القادر على الحروف العاقل لا يتصور أن يعجز عن نظم الحروف.
وقد ظهر اختلاف أصحابنا في صورة تدنو من الأصل الذي نحن فيه وهو [أن من ولد] 1 أصمَّ، فإنه لا ينطق، وإن قوي لسانُه، من جهة أن الصبي إنما ينطلق لسانه بالنطق لتلقِّيه [ما] 2 يسمع، فإذا كان أصم، ولم ينطق، فلو قطع قاطعٌ اللسان مِمّن هذا وصفه، ففي وجوب الدية عليه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا تجب؛ لأنه أخرس، وهو الأبكم حقاً.
والثاني - تجب الدية؛ فإن اللسان [لا نقصَ] 3 به وسبب سقوط النطق زوال السمع.
ويترتب على هذا الآن أن جانياً لو جنى على صبي قبل [مظنة] 4 النطق وأزال سمعه، وتعذر بهذا السبب نطقُه، فإن كنا نوجب الدية على قاطع لسانه، فلا يجب على مزيل سمعه إلا دية واحدة، وإن كنا لا نوجب على قاطع لسانه دية [فالواجب إيجاب ديتين] 5 على الجاني، [إذ جنى] 6 على سمعه، وأفسد لسانه، ولا يعترض على ذلك أنه لم يُفسد نطقاً، إذ لم يدخل وقت النطق، لأن إفسادَ العضو [المتهيِّىء] 7 للمنفعة إتلافُ المنفعة، ولهذا قلنا: من قلع سن من لم [يُثغر] 8، فلم يَنبُت سنُّه، كملت الدية على الجاني، لا من جهة [اعتدائه على السن] 9، ولكن من جهة إفساده
[للمنبت] 10.
ولو كان الإنسان في الخلقة مقصوم الفقار ورجلاه سليمتان، لا آفة بهما، ولو كان
ذا فقارَ، [لمشى] 1 برجليه، فالميل الظاهر للأصحاب إلى إيجابِ الدية على قاطع رجلي من وصفناه، وقالوا بحسبه: لا يجب على كاسر الفقار إلا ديةٌ واحدة، ولا يلزمه ديةُ الرجلين، وإن تعطلتا.
والوجه عندي تنزيل الرجلين من المقصوم فِقارُه منزلةَ اللسان ممن [ولد أصم] 2 ولا فرق بين الأصلين.
10620 - ومما فرعه الأصحاب أن من أذهب بجنايته حرفاً، فقد سبق أنه يلتزم جزءاً من ثمانية وعشرين جزءاً من الدية، فلو تعطل بالحرف الذي أذهبه [كلمة] 3 مثل أن يذهب الميم فيتعطل بذهابه النطق لمحمد، فقد أطلق الأصحاب القولَ بأنه لا يلتزم إلا ما يخصّ حرفاً؛ فإن الحروف هي الأصول، والكلام فروعها، ولو أُلزمنا [الخرصَ] 4 فيما ينتظم من الكلام وفيما لا ينتظم، كان ذلك إلزام [خَرْصٍ لما] 5 لا يتناهى بالقوى [البشرية] 6؛ فإن جهات المناظم لا يحدها الوهم، فليقع الاعتناء بالحروف.
ولكن ما يقتضيه الإنصاف على هذا [أن] 7 لا نوجب الدية الكاملة بإذهاب عشرين حرفاً، [ممّن] 8 لا يحسن غيرها [لكنه] 9 ينظم بها كل [صيغة] 10.
10621 - ومما ذكره الأصحاب في ذلك أن الرجل إذا كان لا ينطلق لسانه بالثاء وكان ينطق بالسين، فجنى عليه جانٍ [فأذهب] 1 مكنة السين من [أسنانه] 2 ولكن [نطق] 3 لسانه بالثاء، وصار يقول بدل [السين الثاء] 4، فقد قال العلماء: على الجاني أرش ما أذهبه، وما تجدد له من الحرف [منحةٌ] 5 من الله تعالى، [وهنا] 6 لا بد من النظر في شيء وهو أن الثاء [المستفادة هل تُضَمّ في التوزيع إلى الحروف التي كانت في اللسان قبل الجناية] 7؟ هذا موضع النظر، فليتأمله الفطن.
10622 - ولو جنى على لسان إنسان، فألزم لسانَه تمتمة أو فأفأة، والتمتام هو الذي [يتردّد] 8 في التاء، ثم ينطق [بها] 9 آخر الشيء، فليس على الجاني -وهو أثر جنايته- إلا الحكومة؛ فإنه لم يذهب الحرفَ، بل أضعف اللسان فيه.
ولو قطع الجاني فِلقةً من اللسان، ولم يسقط بسببها شيء من الكلام، فهذا يخرّج
على القاعدة الممهدة في [مراعاة المنفعة أو الجرم] 1: من راعى الكلام، لم يوجب على القاطع إلا الحكومة، ومن راعى [الجِرم] 2، أوجب قسطاً بالنسبة إلى العضو، كما أوجبه [على] 3 قاطع جزء من المارن [أو جزءٍ من] 4 الحشفة، وهذا غير محبوب عند القياسين؛ فإن إيجاب قدرٍ من الدية، والمنفعةُ [بحالها] 5 وتمامها، يلتزم إيجاب الدية الكاملة بقطع لسان الأخرس، وإن لم يؤثر القطعُ [في] 6 إفاتة الكلام.
فليتأمل الناظر ما ينتهى إليه.
فلو قطع فِلْقة من لسانه واقتضى الحال إيجابَ مقدارٍ حكومةً، فلو نبتت، وعاد اللسان إلى شكله في اعتداله، فقد اختلف أئمتنا: فمنهم من نزل عَوْد اللسان إلى ما كان منزلةَ عود السن من بعد، وسيأتي شرح ذلك في فصول الأسنان، والجامع أن عود ما يقطع من اللسان [ندوره في ندور] 7 عود السن من المثغور، وسأجمع، إن شاء الله، تفصيلاً فيما يعود، وأذكر فيه مواقع الخلاف والوفاق في النفي والإثبات.
ومن أصحابنا من قطع بأن عَوْد المقطوع من اللسان لا حكم له أصلاً، وأرش الجناية لا يزول قولاً واحداً؛ لأن هذا مما يُتحدّث به ولا [يقع] 8، فإن فُرض، كان بالغاً في الندور، والسن على الجملة من العائدات.
10623 - ومما يتعلق بتمام الفصل القول في لسان الصبيان، فالذي ذكره الأصحاب
فيه أنه إذا بدا في لسان الصبي مخايل [النطق] 1 فكان يحركه تحريكاً صحيحاً بالضحك، والبكاء، والمصّ، قاللسان صحيح، والجاني عليه يلتزم الدية أو القصاص، كما يلتزم ذلك بالجناية على رجليه، قبل [أن يستقل] 2 وينهض إذا ثبتت علامة الصحة في رجليه.
فإن لم يبد في لسان الصبي مَخيلة النطق، لم نحكم بوجوب الدية حملاً على غالب الحال، [وإن] 3 لم يتبين فيه مخيلة الخرس.
وكان شيخي يقول: إن بانت [مخيلة] 4 الخرس، فالحكومة، وإن لم تبن علامة الخرس ولا علامة النطق، فالذي قطع به الأصحاب الحكومة وإن لم تبن علامة الخرس.
وكان يقول: في قلبي من هذا شيء، وليس هذا وجهاً ولا احتمالاً، فاعلموه 5.
ولو قطع بعض لسان المجني [عليه] 6، فبلغ حالةً لو كان جميع لسانه باقياً،
لتكلم بجملة الحروف، وقد تكلم الآن بما يتكلم به البالغ، لو قطع هذا القدر من لسانه، فيجب على الجاني [ما] 1 يقابل الحروف الفائتة.
ولو لم يتكلّم [بما يتكلم] 2 به البالغ [بما] 3 بقي من لسانه، ولو كان ناطقاً، لنطق بشيء مما بقي، فهذا علمه عند الله ظاهر في الخرس في الأصل، فالواجب الحكومة.
ولو اختلف الجاني والمجني عليه، فقال الجاني: كنتَ أبكم أو أخرس، فعليّ الحكومة، واعترف المجني عليه عن نفسه بأني كنت ناطقاً، فعليك الدية، فهذا مما مهدناه في اختلاف [الجاني] 4 والمجني عليه، فلا نعيده.
فصل
10624 - [الذوق] 6 إذا أفسده الجاني بالجناية، تعلقت به الديةُ الكاملة؛ فإنه من [الحواس] 7 العظيمة النفع، وإذا ادعى المجني عليه بطلانَ حاسة الذوق، امتحن [بأن] 8 يُلقم الأشياء المرة الشنيعة، فإن لم يظهر عليه أثر العبوس والتكرّه ظهر صدقه، ولا بد من [تحليفه] 9 إذا أراد الجاني، كما قدمناه 10. ويمكن أن يجري5