نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 297-336
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الديات

صفحات 297-336
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

والثالث - يسقط نصف الدية وهو يقابل أرشَ اليد، وذلك على شرط وفاء الثلث، ولا يسقط النصف الآخر 1. ولو كان قَطَعَ اليدين، فقال المجني عليه: عفوت عن الجراح، وعما يحدث منه، فإن أبطلنا الوصية، وجبت الدية.
وإن صححناها ووفّى الثلث، سقط الدية بكمالها، وإن فرعنا على [أن] 2 الإبراء عما لم يجب [لا يصح] 3، والسبب فيه 4 أن أرش [اليدين دية] 5 كاملة، فليس تتجدد بالسراية.
ومما يتعلق بذلك أنه لو أوصى للجاني بأرش الجرح -وهو قَطْع يدٍ - وبضمان السراية لم يخرج في المسألة إلا قولان: أحدهما - سقوط تمام البدل على تصحيح الوصية.
والثاني - وجوب تمام البدل على بطلان الوصية، ولا يخرج القول الثالث في الفرق بين أرش الجرح وضمان السراية، فإنه لم يُسقط ضمان السراية بطريق الإبراء حتى يخرّج على القولين في صحة الإبراء قبل الوجوب، وإنما استعمل في الجميع الوصية، والوصية تحتمل التعليق [بالأغرار] 6 والأخطار.
وهذا تفصيل القول في ذلك.
10558 - واختار المزني إبطال الوصية للقاتل، وأخذ يقضّي العجب أولاً من إشارة النص إلى الفرق بين الأرش وضمان السراية، وقال: إن سقط، [فليسقط] 7 الكل، وإن ثبت، فليثبت الكل.
وهذا الذي ذكره إنما كان يبعد [لو] 8 كان التفريع على أصلٍ واحد، وهو أن

الوصية هل تصح أم لا؟ ولو كان كذلك لم يستقم إلا نفي الكل [أو إثبات] 1 الكل، فأما وقد ثبت أن التفريع على أصلين، فلا يمتنع مع هذا الفرقُ بين الأرش وضمان السراية، كما قدمناه.
ثم تمسك المزني في أخبار الوصية للقاتل بنصوص الشافعي في مسائلَ، وجوابُ الأصحاب عن استدلاله في جميعها أن النص جرى فيها على أحد القولين.
ونحن نذكر الآن مسائله واحدة [واحدة] 2، ونخرج كل مسألة على أصول المذهب.
10559 - المسألة الأوّلة: وهي: [قال] 3: قال الشافعي: لو جنى عبدٌ على [حرّ] 4 جناية مالية، وتعلق الأرش برقبته، فعفا المجني عليه، فالعفو صحيح؛ لأنه يتعلق بحق السيد، وليس السيد قاتلاً، فتعلق المزني بهذا المفهوم 5، فقال الأئمة: هذه المسألة تخرج على أن الجناية هل تتعلق [بذمة] 6 العبد أم لا تعلّق لها إلا بالرق ومالية الرقبة، وهذا فيه اختلاف، سيأتي مشروحاً في آخر الديات، إن شاء الله تعالى.
فإن حكمنا بأن الأرش يتعلق بذمة العبد حتى [يتبع] 7 به إذا عَتَق، فالوصية في التحقيق ترجع إلى العبد، فلتخرج على القولين: أن الوصية للقاتل هل تصح أم لا؟، فإن قلنا: الجناية لا تتعلق إلا بمالية العبد، فالوصية للمولى.

وهذا محتاج إلى فضل نظر، فإن قلنا: لا تعلق للجناية [بالذمة] 1 أصلاً، فالوجه ما ذكرناه لا غير.
وإن قلنا: الجناية تتعلق بذمة العبد، فالمجني عليه هل يملك فكَّ الرقبة [عن] 2 التعلّق وردَّ حقه إلى [ذمته بانتظار] 3 عتقه يوماً؟ اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من قال: لا يتصور هذا؛ فإن التعلق بالرقبة والذمة متلازمان لا يفرض أحدهما دون الثاني، وليس هذا التعلق مما يقدر فيه انفراد، وليس كحق المرتهن؛ فإن المرتهن يملك فك الوثيقة، [فإن شرع بفسخ الرهن، أدى تيك الوثيقة بطرى لعقد وقبض، فيزول بفسخ العقد] 4. ومن أصحابنا من قال: يتصور قطع الأرش برقبة العبد، كما يتصور قطع وثيقة الرهن ولا يخفى توجيه ذلك على من يحاوله.
التفريع: 10560 - إن حكمنا بأن قطع التعلق غير ممكن، فذاك.
[أما إذا قلنا: يمكن] 5، فذلك إذا جرّد مستحقُّ الأرش القصدَ إلى قطعه، فأما إذا أبرأ عن الأرش، ثم لم يسقط الأرش عمن عليه، فلا يسقط التعلق أيضاًً، هذا ما لا نرى غيره 6.

وقد نجز الكلام في مسألة واحدة من مسائل المزني.
10561 - المسألة الثانية: قال: قال الشافعي: إذا كان الجاني مخطئاً، وكان الأرش على العاقلة، فإذا عفا المجني عليه، صح العفو في مرض الموت؛ فإن [أثره] 1 يرجع إلى العاقلة، وليسوا قاتلين.
وفصّل الأصحاب هذه المسألة وخرجوها على أصلٍ في المذهب، وهو أن الخاطىء هل يلاقيه وجوبُ الضمان، ثم العاقلة يتحملون عنه، أم الوجوب يلقى العاقلة ابتداء؟ وفيه كلام سنشرحه في كتاب الديات، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: الوجوب لا يلاقي الجاني، فالعفو عن العواقل تبرعٌ على غير قاتل.
[وإن] 2 حكمنا بأن الوجوب يلاقي الجاني، نظر في صيغة قول العافي: فإن قال: عفوت عن العاقلة، نفذ العفو، وكان ذلك عفواً عمن ليس بقاتل، فلزم ترتبهم إذا وفّى الثلث، فإنهم إن كانوا متأصلين نفذ العفو، وإن كانوا ضمناء كافلين كذلك.
ولو قال المجني عليه: عفوت عن الدية، ولم يتعرض لإضافة العفو [إلى] 3 الجاني ولا إلى العاقلة، فالعفو ينفذ، والعواقل يترادّون، وإن توجه العفو على الجاني فقال: عفوت عنك.
فإن قلنا: الجاني لا يلاقيه الوجوب، فالعفو عنه لغوٌ، فإن قلنا: يلاقيه الوجوب، ففي العفو عنه وجهان: أحدهما - أنه يصح على [تقديره] 4 أصلاً وتقدير العواقل ضمناء، ثم إذا برىء الأصل برىء الضامن.
والثاني - لا يصح؛ فإن هذا التقدير لا ثبات له مع القطع [بأنه] 5 ليس مطالباً.
= وان أضاف العفو إلى العبد، فإن قلنا: يتعلق بالرقبة دون ذمة العبد، لم يصح، وان قلنا: يتعلق بالذمة، ففيه القولان في الوصية للقاتل.
وان كانت الجناية موجبة للقصاص، فالعفو عن العبد صحيح، فإنه عليه بكل حال.

والقائل الأول يقول: نجعل الجاني -وإن كان موسراً- كالأصيل المعسر، ثم إبراؤه يبرىء الضامن عنه، وهذا يظهر في [إبراء] 1 المضمون عنه بعد موته معسراً في علم الله تعالى.
وسر هذا الفصل يظهر من بعدُ، ولكن لا بد من ذكر ما يقع الاستقلال به هاهنا، فنقول: الجاني محمول عنه، ولكن وجبت الدية، فيتجه أمران: أحدهما - لم تجب على الجاني، وإنما وجبت ابتداء على العاقلة.
والثاني - أنه لاقاه الوجوب، ثم تحمَّلَ العاقلةُ عنه الوجوب، فهذا ليس [تحملَ واجبٍ] 2، بل هو تحمل وجوب.
ويتضح هذا بشيء، وهو أن الجاني المخطىء لو لم تكن له عاقلة، ففي تعلق الدية بماله تفصيل وصور وفاقية، وأخرى خلافية، هذا في الابتداء، وإذا [ضُرب] 3 الأرش على العاقلة، فامتنعوا أن يقدر الاستيفاء منهم، [فلا رجوع] 4 إلى الجاني بعد ذلك، وهذا شديد الشبه بحوالة شرعية، وحكم الحوالة إحالة الوجوب.
فإذا ظهر ما ذكرناه، فتوجيه الإبراء على الخاطىء ينقسم: فإن وقع بعد قرار الوجوب على العاقلة، فالقول في ذلك يتردد حينئذ، وإدط لم تكن عاقلة، فالإبراء توجه بحق على الخاطىء، فهذا القدر كافٍ الآن، وتمامُه في باب العواقل، ولنا عودة إلى الإبراء عن العواقل قبل انقضاء السنة؛ فإن ذلك ليس في حكم دَيْن مؤجل، ولا يحتمل هذا الموضع ذكر ذلك.
10562 - والمسألة الثالثة للمزني: أنه قال: قال الشافعي: لو كان الجاني ذمياً وعاقلته مسلمون، فالدية في ماله، فلو فرض العفو، فهو باطل، فإنه عفو عن القاتل، وهذا لا تفصيل فيه، ولكنه جوابٌ على أحد القولين.
ومما أورده المزني من قول الشافعي: أنه قال: "لو أقر الرجل بجنايةٍ خطأ وأنكر

العواقل، فجرى العفو وهو عفو عن [القاتل] 1، فيكون مردوداً" وهذا جواب عنه بناء على أحد القولين، وقد نجز غرض الفصل، ونحن نرسم وراء ذلك فروعاً تتعلق بالعتق.
فصل 2 10563 - إذا قطع عبدٌ يدي عبد، ثم إن سيد المجني عليه أعتق المجني، فسرت الجراحة، وقتلته بعد الحرية، فيجب القصاص في النفس، ولكن إذا كان للمعتَق ورثة أحرار، فيثبت القصاص في النفس لهم، ويثبت الاقتصاص في الطرف للسيد، قطع به صاحب التقريب وغيره؛ وذلك لأن قطع الطرف اتفق في [الملك] 3 وبقاءِ الرق، فحق القصاص في الطرف للسيد، وحق القصاص في النفس للورثة، فلو أن السيد قال: عفوت عن القصاص في الطرف، فلا شك أن القصاص يسقط في الطرف، ولا يسقط القصاص في النفس.
وكذلك لو قطع رجل يدي رجل وأُلزم القصاصَ في يديه، وقتل رجلاً آخر، فعفا المقطوع يده 4 عن القصاص في اليد، فلولي المقتول أن يستوفي القصاص في النفس، ولا خفاء بذلك.
ولو كان مستحق الطرف والنفس واحداً، فلو قال: عفوت عن القود في الطرف، فهل يسقط حقه من القصاص في النفس؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - لا يسقط القصاص في النفس، وهو القياس، كما لو كان مستحقُّ الطرف غيرَ مستحق النفس، [وكل] 5 واحد من القصاصين مقصود في نفسه.
والثاني - أنه يسقط

القصاص في النفس؛ لأن مستحقهما واحد، فإذا عفا عن الطرف، فكأنه ضمن سلامة الأطراف، ففي قتله إتلاف أطرافه.
ولو قال: عفوت عن القصاص في النفس، وأنا أقتص من الطرف، فله ذلك، لم يحك 1 فيه اختلافاً، وإن كان القطع ربما سرى إلى البدن، ولكن لا حكم لهذه السراية.
والدليل عليه أنه إذا استحق الطرفَ دون النفس، فله قطع الطرف، وإن كانت النفس محرمة عليه وقد سرى الجراح.
ومما يتعلق بهذه الجملة أن الجاني لو قتل إنساناً بأن أجافه جائفة، وقلنا: لوليّه أن [يجرحه] 2 في رعاية المماثلة.
فلو قال عفوت عن النفس، ولكني أجيفه، فليس له ذلك؛ فإن الجائفة لا يجري فيها القصاص لو انفردت عن النفس.
فصل 10564 - قال العراقيون: إذا قطع رجل يدَ رجل، فعفا المجني عليه عن القود، فسرى الجرح إلى نفس المجني عليه، ومات، فالمذهب أنه لا يجب القصاص في النفس؛ فإنه عفا عن الجراحة أولاً، فصار ذلك شبهة، وفيه وجهٌ بعيد عن أبي الطيب بنِ سلمة، كما ذكرناه.
قالوا: ولو قطع يد رجل، فعفا المجني عليه عن القصاص في الطرف، وأخذ المال مثلاً، ثم إن الجاني عاد فقتل المجني عليه، وحزّ رقبته، فهل لأوليائه القصاص أم لا؛ تفريعاً على أن الجناية لو سرت، لم يجب القصاص في النفس؟ ذكروا وجهين: أحدهما - لا قصاص عليه، وذلك أن حزَّ الرقبة بعد قطع اليد بمنزلة سراية الجراحة في القصاص والدية.
هذا هو النص، والقصاص لا اندراج فيه، والدية على الاندراج في السراية، وحزُّ الرقبة، لم يخالف فيه إلا ابنُ سريج، فإذا كان القتل من قاطع اليد بمثابة سراية

قطع، وقد قلنا: إنه لو قطع يد رجل، فأخذ المقطوعُ يدِه [الأرشَ] 1 وعفا [عن] 2 القصاص، ثم سرت الجراحة إلى نفسه، فلا قصاص في النفس على المذهب، وكذلك هاهنا.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني -وهو الصحيح الذي لا يجوز غيره- أنه يجب القصاص في النفس بسبب أنه لما عاد، فقتله، فليس القتل من أثر الجراحة التي أخذ أرشها وعفا عن القصاص فيها، وإنما هو قتلٌ ابتدأه، فلا يورِّث العفوُ عن الطرف شبهةً فيه.
وقالوا: لو جرح رجل رجلاً جراحة لا يتعلق بها القصاص، فأخذ المجني عليه [الأرشَ] 3، ثم سرت الجراحة إلى نفسه، فيجب القصاص في النفس وجهاً واحداً، فإنَّ أخذه المال في هذه الصورة، لم يتضمن عفواً عن قصاص؛ إذ الجراحة مما لا يتعلق بمثلها قصاص، وليس كقطع اليد ونحوه، فإن القصاص يتعلق به، فإذا عفا عن القصاص فيه، فيجوز ألا يترتب على سرايتها إلى النفس وجوبُ القصاص.
[وهذا الذي ذكروه] 4 آخراً فيه أدنى احتمال؛ من قِبَل أن الجراحة وإن لم تكن موجبةً للقصاص، فهي سبيل القصاص، وقد يقع القتل بمثلها في إقامة المماثلة، وأخذُ المال يشعر بالعفو، فلا يبعد أن يصير ذلك شبهة في إسقاط القصاص في النفس إذا كان الهلاك بالسراية [لا يقتل بمثله] 5. فصل قال: "ولو جنى [عبدٌ على حرٍّ] فابتاعه ... إلى آخره" 6. 10565 - العبد إذا جنى على مالٍ أو على عبد جناية موجبها المال، وتعلق الأرش

برقبته، [فللمولى] 1 أن يبيع العبد الجاني بأرش الجناية من المجني عليه، إذ الأرشُ دراهمُ إذا كان المجني عليه مالاً، والدراهمُ معلومة، ثم لو اطلع المجني عليه بعيبٍ بالعبد، قال الأصحاب له الرد، وأثر الرد انفساخ البيع، ثم لا يرجع على السيد بشيء ويعود حقه إلى رقبة العبد، والسيد بالخيار بين أن يفديه، وبين أن يسلمه للبيع.
وهذا فيه فضل نظر، فإنه إذا لم يكن للمجني عليه تعلُّقٌ إلا الرقبة، فأي فائدة في رده، والأمر كما نبهنا عليه.
فإن قيل: فائدة رده أنه يملك مطالبة العبد إذا عَتَق يوماً.
قلنا: هذا سديد، ويلزم منه أن نقول: إذا لم نجعل للعبد ذمةً في الجناية، فلا معنى لهذا الرد أصلاً.
فإن قيل: [المالك يبغي] 2 أن يباع ويسلم إليه الثمن، قلنا: فليبعه بنفسه.
والمسألة على حالٍ محتملة؛ فإن قاعدة الرد بالعيب ليست مبنية على الأغراض 3. 10566 - ولو جنى العبد على حرٍّ وكان أرشُ الجناية من الإبل، فلو باع السيد العبد من المجني عليه بالأرش، فهل يصح البيع؟ فوجهان؛ بناء على أن الاعتياض من إبل الدية هل يجوز أم لا؟ وفيه خلاف سأذكره، إن شاء الله تعالى.
ثم الترتيب: أنا إن جوزنا الاعتياض، ففي جواز بيع العبد بأرشٍ هو من الإبل من المجني عليه وجهان: أحدهما - لا يجوز الاعتياض عنه.
والثاني - يجوز؛ فإن هذه المعاملة ليست لإيفاء أرش أو استيفاء، وإنما هو لسراية الدية والإبراء عن الأروش من الإبل جائز.
ومن نظائر ذلك أن المرأة إذا جنت على رجل جناية أرشها خمسٌ من الإبل، فلو نكحها بالأرش، ففي صحة الصداق الخلاف الذي ذكرناه في بيع العبد من المجني عليه بالأرش الذي في رقبته.

هذا آخر مسائل (السواد) 1 في القصاص 2، وقد تقع في مسائل الديات جملٌ من أحكام القصاص، لم نُرد ذكرها، لأن الغالب عليها أحكام الدية، [وقد أجرينا جملاً] 3 من أحكام الديات في القصاص، لأن الغالب عليها أحكام القصاص.
فرع: 10567 - لا أثر للالتجاء إلى [الحرم] 4 في ترك الاقتصاص، فلا [يعيذُ الحرم] 5 مستوجبَ عقوبة سواء كانت قصاصاًً أو [حدّاً] 6، وسواء كان في الطرف أو النفس، وخلاف أبي حنيفة 7 في هذا مشهور.
ولو لاذ من عليه القصاص بالمسجد الحرام أو غيره من المساجد، فلا يقتص منه في المسجد ولكن نخرجه.
وأسرف بعض الأصحاب، فقال: لو أراد صاحب الأمر أن يقيم الهيبةَ، ويقتصَّ في المسجد ببسط [الأنطاع] 8 وتَوْقية المسجد عن التلويث، فلا بأس، وهذا ليس بشيء.
ثم إذا كان لا يتوقع التلويث بالأسباب التي ذكرناها، فلست أدري أن الاستقادة [محرمة] 9 في المسجد أو مكروهة.
...

باب] [أسنان الإبل المغلظة والعمد وكيف يشبه العمد الخطأ

1 الجناية على ثلاثة أقسام: أحدها - العمد المحض، وهو تعمد القتل بما يُقصد به القتل غالباًً.
والثاني - الخطأ المحض، وتصويره من غير تردد فيه: إذا [رمى] 2 إلى غرضٍ، فاعترض آدمي فأصابه السهمُ، أو انقلبت يد الرامي ومال السهم.
هذا وما في معناه هو الخطأ، وضبط القول فيه ألا يقصد الشخصَ الذي يصيبه الجرحُ، وسنذكر ما فيه كلام في تصوير الخطأ.
والثالث- أن يقصد المجني عليه، ولكن لا يقصد قتله، بل يقصد ضربه بما لا يُقصد به القتل غالباًً، [فيتّفق] 3 منه [القتل] 4. وأما موضع التردد في تصوير الخطأ، فهو أن يترائى للرامي شخصٌ ويحسبه ظبيةً، فيسدد الرامي نحوه؛ فإذا هو إنسان.
هذا موضع التأمل.
كان شيخي يقطع بأن هذا خطأ محض، إذا لم يُنسب الرامي إلى تقصير، [كأن] 5 رمى في [الصحراء، أو موضع] 6 يندر فيه ثبوت آدمي، وإن طرقه آدمي، كان عابراً.

وأنا أقول: قد ثبت اختلاف القول في أن من قصد شخصاً على زي الكفار في دار الحرب حسبه كافراً، فرماه، فإذا هو مسلم، ففي وجوب الدية قولان، وسبب اختلاف القول ظهور عذر الرامي، ثم إن أوجبنا الدية، ففي ضربها على العاقلة وجهان: أحدهما - أنها مضروبة عليهم، وهذا يصرح بأن الشخص قد يقصد ونحكم بأن القتل خطأ، وإنما الخطأ أن يقع فعلٌ من غير قصد إليه، وإذا تحقق القصد إليه وإلى محله، فالفعل عمدٌ، والقصاص مندفع لظهور عذر الفاعل، فإن القصاص مشروع [للزجر] 1، فمن يعذر في ظنه لا يتأتى زجره.
فإذا وضح ذلك، قلنا بعده: قَصْد شخصٍ حيث يظهر العذر بمثابة قصد من يظنه القاصد كافراً، حيث يظهر العذر، غيرَ أن ظهور العذر في دار الحرب [إن] 2 انتهى في قولٍ إلى إسقاط البدل، فلا ينتهي [العذر] 3 في قصد [الجراثيم] 4 والأشخاص إلى هذا المنتهى، والدار دار [حقن] 5 والأمر بالحفظ دائم.
ومما يتصل بما ذكرناه أنا إن قدرنا هذا [القتلَ] 6 خطأً محضاً، فسنذكر حكم الخطأ وموجَبه، وإن لم [نقدره] 7 خطأ، [فالمسلك] 8 الذي سلكناه يتضمن التغليظ لا محالة؛ فإن [بدل] 9 شبه العمد مع كونه مغلظاً في نفسه مضروب على العاقلة، فما * تنبيه: نذكّر أن نسخة الأصل وحيدة، فما تراه في الحواشي ليس فروق نسخ، وإنما المثبت في الصلب من استكناه المحقق وبحثه.
نسأل الله أن يلهمنا الصواب.

لا يضرب على العاقلة ويضرب على الجاني مع وجود [العاقل] 1 يكون مغلّظاً، ثم أبو حنيفة 2 قال: دية العمد إذا ضربت، ضربت على العامد، وهي مؤجلة عليه، فلو كنا نرى تأجيل دية على جانٍ، لكنا لا نبعد القول في الصورة التي انتهينا إليها، وهي إذا قتل مسلماً في دار الحرب، على ظن أنه كافر أو رمى إلى جرثومةٍ، فإذا هي إنسان.
هذا منتهى القول في تقاسيم جهات القتل.
10568 - ونحن نذكر بعدها أحكاماً على الجملة، فيما يتعلق بالتغليظ والتخفيف، فأما موجب العمد المحض، ففيه ثلاث جهات من التغليظ: أحدها - أنه يضرب على الجاني.
والثاني - أنه يعجّل لا مَهَل فيه، ولا [أجل] 3 خلافاً لأبي حنيفة 4، فإنه أجل دية [الابن على الأب] 5 القاتل.
والثالث - أنه مثلث، كما سنصفه.
وأما الخطأ المحض، ففيه ثلاث جهات من التخفيف، أحدها - أن موجَبه مضروب على العاقلة، والأخرى - أنه مؤجل عليهم، والأخرى - أنه مخمسٌ على ما سنذكره.
وأما شبه العمد، فيلحقه تخفيفان: أحدهما - الضرب على العاقلة، والآخر - أنه مؤجل، ويلحقه تغليظ، وهو [أنه] 6 مثلث كالعمد المحض.
وأصل التغليظ بطريق [التثليث] 7 منصوص عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "ألا إن قتل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الأبل أربعون منها خَلِفة في بطونها أولادها" 8 ويقرِّب القولَ من جهة المعنى أن شبه العمد مردَّدٌ بين الخطأ والعمد

المحض، فينبغي أن يكسب من كلِّ أصل شبهاً، ويبعد أن يشبه بموجب العمد في [الضرب] 1 على الجاني مع أنه لم يقصد القتل، ويبعد رفع الأجل، وإثبات بدله معجلاً على العاقلة، ويبعد إلحاقه بالخطأ من كل وجه، فإذا تحمّل العاقلةُ الأصلَ، لم يبعد تحملهم مزيدَ صفة.
10569 - والآن نذكر التخميس والتثليث، فأما الدية المخمسة، فهي التي تتعلق بخمسة أسباب، وقد يكون واحدٌ من الخمسة صنفاً متميزاً بصفة لا تميز، فإذا نوجب مائة من الإبل في قتل الخطأ، فعشرون منها بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، فالمائة مخمسة: أربعة منها في تفاوت الأسنان، وواحد في الذكورة.
وأما المثلث فَنِصفُه في المائة من الإبل، فإذا وجبت عن عمدٍ محضٍ أو شبه عمد، فثلاثون منها حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة في بطونها أولادها.
وإذا نسبنا التثليث، لم تكن الأقسام على تعديل التثليث، بخلاف البدل المخمس؛ فإنه على تعديل التخميس في الأعداد.
والنسبةُ المرعية في التثليث [بالأعشار] 2 فثلاثة [أعشار] البدل المغلظ حقاق، وثلاثة [أعشارها] 3 الأجذاع، وأربعة [أعشارها] 4 خَلِفة أثم إن هذه النسب، 5 [التي تكون في الإبل، وهي مائةٌ في الدية الكاملة، تكون في الإبل في دية المرأة] 6، وفي أروش الجنايات.
وإن اقتضى الحساب = حبان (وصححه)، ونقل الحافظ عن (ابن القطان) تصحيح الحديث.
(ر.
أبو داود: الديات، باب في دية الخطأ شبه العمد ح 4588، النسائي: القسامة، باب من قتل بحجر أو سوط، ح 4789، 4790، ابن ماجه: الديات، باب دية شبه العمد مغلظة، ح 2627، ابن حبان: رقم 5979، تلخيص الحبير: 4/ 30 حديث رقم 1872).

تشقيصاً ألزمناه، ولم نبالِ به، [فإذا] 1 وجب على الشاج خمسٌ من الإبل، وكان فعله عمداً [فيجب حِقّة ونصف، وجَذَعة ونصف، وخَلِفتان] 2 في هذه بسبب التثليث.
ثم ذكر الشافعي الخَلِفات في هذا الباب، فنتحرى ونذكر ما يتعلق بها، وذكر الأجناس المطلوبة في الباب الذي يلي هذا.
10570 - فأما الخَلِفات، فهي الحوامل والغالب أنه لا تحمل إلا الثنية، وهي فوق الجذعة بسنة، وليست من أسنان الذكورة.
نعم هذا السن هو المعتبر في الإجزاء في [الضحية] 3، فلو فرضت [الخَلِفات فوق] 4 الثنايا، فمزيد خير، وإن فرضت الخلفات [جذاعاً على ندور، فهل] 5 تجزىء؟ ذكر العراقيون وجهين: أصحهما - أنها تجزىء، وهو قياس طريق المراوزة، ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخَلِفات، ولم يرع شيئاً 6، فينبغي أن يعتبر الحمل فحَسْب.
والوجه الثاني - أنها لا تقبل، لندور هذه الصفة فيها، وقد يُظن أن [أجنتها] 7 لا تبقى إذا اتفق الحمل بها [قبل السن] 8 المعتاد في الحمل.
وهذا الخلاف الذي أطلقوه فيه فضل نظر، وسأذكره على أثر هذا.
ثم الرجوع في كون الأربعين خَلِفات إلى أهل البصيرة، ولا يكاد يخفى مخايل الحمل عندهم.
ولو تنازع الجاني والولي، رجعنا إلى أهل البصيرة، ثم نبغي اثنين

منهم عند فرض التنازع، كما نطلب مقوِّمَيْن عند الاختلاف في مقدار القيمة، فلو أخذ الولي الأربعين على تقدير أنها خَلِفات، ثم جاء بها، وقال: ليس خلفات، [فإن] 1 تحققنا أنها لم تُجهض، رجعنا إلى قول أصحاب البصائر، فإن قالوا: إنها خلِفات، انقطعت الطلبة في الحال، ثم ننظر ما يكون، وإن قالوا: ليس خلفات، طالب بالخلفات ورد ما أخذ، وإن قالوا: لا ندري أهن خلفات أم لا؟ فقال الجاني: ترفقوا إلى أمدٍ يتبين كونهن خلفات في مثله، لم يُجب إلى ذلك، ودامت عليه الطّلبة بأداء إبلٍ يظهر كونهن خلِفات.
فإن قال الجاني: قد أَجْهَضْن، واحتمل ما قال، وقال الولي: ما أجهضن، واحتمل ما قال، فالقول قولُ مَنْ؟ قاعدة المذهب: أن أَخْذهن إن كان بقول الجاني 2، فالقول قول الولي، وإن كان بقول أهل البصائر، ثم وقع التنازع كما وصفناه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القول قول الجاني، لأنا أسندنا الأمر إلى قول من يعتبر قوله.
والثاني - أن القول قول الولي، فإنه المستحِق، ولا يسقط حقه بظنٍّ وتخمين، وقول ذوي البصائر تخمين في هذا الباب.
ومن تمام القول في الفصل أن الجاني والولي لو تنازعا في صفة الإبل حالة الأخذ: فزعم الجاني الإبل خَلِفات، وأبى الولي ذلك، ورجعنا إلى قول أهل البصائر، [فإذا] 3 قال اثنان منهم: إنها حوامل، فقال الولي: لستم تقطعون بذلك، فلا أعوّل على قولكم، فلا خلاف أنه محمول على [الصبر إلى أن يتبين] 4 الأمر؛ فإن أقصى الإمكان هذا.
وقد انتهى الغرض في الخلفات، ونصُّ الشافعي ظاهرٌ في [أنهن لو حملن جذاعاً،

قُبلن] 1 ولفظ (السواد) 2: "والخَلِفة الحامل، وقلّما تحمل إلا ثنية فصاعداً، فأية ناقة من إبل العاقلة حملت، فهي خَلِفة تُجزىء في الدية ما لم تكن معيبة" 3. وسنتكلم في المعيب والسليم في الباب الذي يلي هذا عند ذكرنا تصنيف الإبل.
فصل "وكلذلك التغليظ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذي الرحم ... إلى آخره" 4. 10571 - إذا وقع القتل خطأ محضاً، فقد يُغلّظ بدلُه بأحد ثلاثة أسباب: أحدها - أن يقع في البلد الحرام، وهو حرم مكة، وأرجاؤه معلوم بأعلام [معروفة] 5. هذا أحد الأسباب، فإذا اتفق القتل الخطأ، غُلّظ البدل تغليظَ بدل شبه العمد.
والسبب الثاني - أن يتفق القتل في الأشهر الحرم: ثلاث منهن سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وواحد فردٌ، وهو رجب.
فإذا وقع القتل في هذه الأشهر، تغلّظت الدية [بشبه] 6 العمد.
والسبب الثالث - أن يقتل الإنسان خطأ ذا رحم.
ثم معظم الطرق تشير إلى اعتبار المحرمية مع الرحم، وهو المنقول عن القاضي، والمذكور في بعض التصانيف، وكان شيخي يميل إلى أن الرحم المجرد كافٍ في اقتضاء التغليظ، والأحاديث المستحثة على تعظيم الرحم ترد مطلقة من غير تقييد

بالمحرمية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى أنا الرحمن، وهذه الرحم شققت لها اسماً [من اسمي] 1 فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" 2 ونص الشافعي في (السواد) مطلق، كما حكيناه في صدر الفصل، والعلم عند الله.
وإذا اجتمعت هذه الأسباب، وانضم إليها شبه العمد، وحقيقة العمد، فلا مزيد في تغليظ الكيفية على ما ذكرناه.
ومعتمد الشافعي رضي الله عنه في التغليظ بهذه الأسباب الآثار، وقد روي أن ابن عباس قال فيمن قتل شخصاً في البلد الحرام في الشهر الحرام: "عليه عشرون ألف درهم: اثنا عشر ألفاً أصل الدية، [وأربعة آلاف للبلد الحرام] 3 وأربعة آلاف للأشهر الحرم" 4 فتضمن كلامه تضعيف التغليظ 5 في الدراهم، فأما تضعيف التغليظ فلم يره أحد من أصحابنا.
10572 - وأما التغليظ والواجب دراهم، فالذي ذهب إليه الجماهير أنه لا تغليظ في مقدارٍ إلا في الإبل.
ومن أصحابنا من أثبت التغليظ مقدراً بأربعة آلاف، واتبع ابن عباس فيه، وهذا ارتكبه بعض أئمة الخلاف، ولم [يُعْنَ] 6 غير القاضي من أئمة المذهب بنقله.

فإن قيل: لم قطعتم بمخالفته [في] 1 تضعيف التغليظ [وترددتم] 2 في تغليظ الدراهم؟ قلنا: الصحابي لا يُقدِّر من [عند نفسه؛ فاتبعناه فيما صدر قوله عن توقيف] 3، أما تضعيف التغليظ، فلا يبعد أن يكون صدَرُه عن رأي، [وما كان] 4 كذلك، فقول الصحابي [فيه] 5 غير متبع في الرأي الظاهر لصاحب المذهب، ثم طرد القاضي هذين الوجهين في التغليظ، إذا أوجبنا الدراهم، وسبب التغليظ شبه العمد أو العمد المحض؛ فإن ما يجري في سبب من أسباب التغليظ يجري في [غيره] 6 من الأسباب، والقياسُ ما ذكرناه، ولكن أصل الخلاف لا مستند له، ولسنا ننكر ظهور القياس في التغليظ عند إيجاب الدراهم المقدّرة أن يبعُد في طريق الرأي أن نُغلّظَ بدلاً في جهة، ولا نغلّظ بدلاً آخر مع اتحاد المبدل.
10573 - وإذا اتفق القتل في حرم المدينة، ففي التغليظ خلافٌ مشهور، وهو مأخوذ من قول العلماء في ضمان صيد المدينة.
وظاهر المذهب أن القتل في الإحرام لا يوجب التغليظ، وإن كان يُثبت حرمةَ الصيد، وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك يقتضي التغليظ، وهذا الوجه نسبه القاضي إلى شيخ من شيوخ المذهب يعرف [بأبي الفياض] 7، ثم إن أثّر الإحرام، فالمعتبر إحرام القاتل لا محالة.

فإذا قطعنا بالتغليظ بسبب القتل في الحرم: حرم مكة، فالوجه أن نعتبر ما نعتبره في طريق ضمان الصيد، حتى لو كان الرامي في الحرم، والمقتول في الحلّ، أو على العكس، تغلّظت الدية، ولو زعم زاعم أن الرجوع في ذلك إلى الأثر، وقد قال عثمان 1 في امرأة وُطئت بالأقدام في الطواف، ما قال، فكأنه 2 للقتيلة في الحرم، قيل له: هذا = على ذلك إلا سياقةُ الحكاية عن (ابن القاص) وكأنه منكور غير معروف، برغم تكرار وروده في كل باب من الأبواب على طول المجلدات الأحد عشر.
ومن أجل هذا -عند مراجعة تجارب الطباعة- عدت إلى غير الرافعي أبحث عمن يحكون هذا القول، فوجدت البغوي قال بالوجه المعتمد، ولم يُشر إلى هذا الوجه -الذي نبحث عن صاحبه- أصلا (ر.
التهذيب: 7/ 137) وأما العمراني، فقد حكى القول ولكن لم يقل لنا عمّن يحكيه (ر.
البيان: 11/ 486) فرجعنا إلى مخطوطة البسيط، فوجدنا الغزالي يقول: " وأما الإحرام من القاتل، فلا يوجب تغليظ الدية .... وحكى القاضي عن (أبي الفياض)، وهو من شيوخ المذهب أن الإحرام يلتحق به (أي الحرم) " (ر.
البسيط: جـ 5 ورقة 32 يسار).
فقطع الغزالي قول الرافعي، وعبارته هي عبارة شيخه بألفاظها، فعدلنا عما كان ترجح لدينا وأثبتنا مكانه [أبي الفياض] مطمئنين واثقين بحمد الله.
ويبقى النظر في إسناد الرافعي القول إلى [ابن القاص] لا سيما أن هذا القول ليس موجوداً في التلخيص الذي بأيدينا، فهل هو تصحيف أيضاً، أم وهم، أم صواب، وقاله ابن القاص في كتاب آخر؟؟ الله أعلم.
أما ترجمة أبي الفياض فهو أبو الفياض البصري، محمد بن الحسن بن المنتصر البصري.
من أعيان تلاميذ القاضي أبي حامد المرورُّوذي وصاحبه، أخذ عنه فقهاء البصرة، ومن أخص تلاميذه أبو القاسم الصيمري.
ومن تصانيفه (اللاحق بالجامع) الذي صنفه شيخه وهو تتمة له.
نقل عنه الرافعي في أوائل الحيض في الكلام على الاستمتاع بالحائض فيما بين السرة والركبة، ونقل عنه في غيره أيضاًَ.
قال ابن قاضي شهبة: " لا يُعرف وقت وفاته ولذا ذكرته فيمن توفي في العشرين الخامسة من المائة الرابعة؛ فإن تلميذه الصيمري ياتي في الطبقة الآتية ". (ر.
طبقات الفقهاء للشيرازي: ص 119، طبقات ابن الصلاح: 1/ 146، الإسنوي: 1/ 192، ابن قاضي شهبة: ترجمة رقم 123، طبقات ابن كثير: 2/ 867، ابن هداية: 116).

لا يدفع ما ذكرنا، فإن مضمون الأثر مقول به، ولا وجه إلا ما ذكرناه من اعتبار طريق [وجوب] (1) ضمان الصيد.

باب] [أسنان الخطأ وتقويمها، وديات النفوس والجراح

2 10574 - قال: [فهذا وجه دلالة الآية 3 والخبر 4 اللذين صدر بهما الباب] 5، وغرضه أن يبين أن الأصل في الدية الإبل، هذا مذهبه الصحيح المنصوص عليه في الجديد، فالدية الكاملة مائة من الإبل، وقد ذكرنا في الباب السابق أسنانها، ووقوعَها مغلّظةَ ومخفّفة وهذا أوان ذكرنا الأصناف؛ فإن الأغراض تختلف بها اختلافاً بيّناً، وقد يزيد أثرها على التفاوت بالضِّعف، وهذا من مواقف النظر.
والوجه أن نذكر سبب التردد والإشكال، ثم نبيّن الممكن: أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبل، ولم يتعرض للأصناف وأنها (مهرية) أو (أَرْحَبيّة) أو (مُجَيْديّة) أو (بُختيّة) 6 ولا يزلّ عن ذكر كل ذاكر عند ترديده الكلامَ في الإبل تفاوت أصنافها، فليس هذا مما يحتاج إلى ردّ الفكر إليه، وقد أطلق الرسول1

صلى الله عليه وسلم، ولم يفصل الأصناف، وكان [لولا] 1 الإجماع يحتمل أن يكتفى بكل صنف [يجد] 2 المعطي.
ويشترط السلامة من العيوب اللازمة لمقصود الباب؛ فإن المطلق محمولٌ في وضع الشرع على السليم، والعبد الذي يجب إعتاقه [في] 3 الكفارة ليس عوضاً، وثبوته [مطلق] 4 في الكتاب، وهو محمول على رعاية السلامة في الوجه اللائق لمقصود التحرير، والإطلاق عن [الأسْر] 5. 10575 - وقد يخطر للفقيه أن الدية عوضُ متلَفٍ، ولا يجوز ثبوت [التخيّر] 6 فيها بين الشيء وضعفه، هذا وجهٌ.
والإبل تختلف قيمتها [باختلاف] 7 الأزمان والمكان وثبوت بدل [الجناية] 8 إلى توقيف الشرع، ويتأبّى 9 عن التفاوت الراجع إلى الزمان والمكان.
فهذا يبيّن للناظر أنه واقف في محل النظر.
والذي تحصّل لنا من كلام الأصحاب في ذلك أن الذي يجب عليه جانياً كان أو عاقلةً، إذا لم يكن له إبل، فالمعتبر إبلُ الناحية والقُطر الذي هو [منسوب] 10 إليه، وقد يُطلِق الشافعي رضي الله عنه إبلَ القبيلة، هذا أصلٌ متفق عليه إلى أن نفصّله.
ومأخذه أن كل قوم مخاطبون بإخراج الإبل، وأقرب الأمور تنزيل الخطاب على المعتاد عندهم، ولو كان المخاطب ببذل الدية من حُرٍّ شريف أو خسيس، فإن كان

ذلك الجنس هو الجنس العام في الناحية أو القبيلة، فلا كلام، وإن كان ذلك الجنس يخالف [جنس] 1 الإبل العام لشرفٍ أو نقيصة، فالذي أشار إليه العراقيون وبعض المصنفين أنا نطالبه بالصنف الذي [يملكه] 2، ولا نعدل عنه إلى الإبل العام، وهذا مشكل، والقطع به لا وجه له.
وأقرب ما يتوجه به كلام هؤلاء النظر إلى ما يخرجه صاحب القُطر من أجناس الأقوات، وفيه خلاف ذكرناه في موضعه: من أصحابنا من يرعى القوت العام، ومنهم من يوجب على كل شخص أن يُخرج من قوته الذي يليق به.
وإسقاطُ اعتبار أحوال الأشخاص وردُّ الأمر إلى الإبل العامّ أوْجَه في الديات؛ من جهة أنها أعواض، والأولى تنزيلها على ما يعم وجودُه، والمصير إلى اعتبار حال المتلِف بعيد فيه، والأقوات إن اعتبر فيها أحوال الأشخاص، فذاك أن [الفِطرة] 3 أوجبها الله تعالى [قُربة] 4 ابتداء على قدر القدرة، وأصلُها يسقط بالعجز في وقت الوجوب، ولا يبعد أن يُعتبر منها حال كل شخص، والدية بخلاف ذلك، فالوجه ردُّ الأمر إلى الإبل الموجودة في الموضع، وإلى هذا صار المحققون من المراوزة.
وفي نص الشافعي ما يدل على مطابقة ما حكيناه عن طريقة العراق.
10576 - ونحن ننقل لفظ (السواد) ونحرص على تأويله.
قال: "ولا يكلَّف أحد من العاقلة غيرَ إبله" 5 أراد إبلَ قبيلته، ولا يبعد إضافةُ إبلِ القبيلة إلى الشخص، كما يقول النيسابوري، [وما ـرا ـا أبا أشرف وأفضل] 6، وهذا سائغ في الكلام مبادرٌ إلى الفهم، وشهد له أنه قال على إثر هذا: "وإن لم يكن ببلده إبل" ولو كان يريد

بإضافة الإبل إليه [أوّلاً إضافةَ] 1 الملك، [لكان] 2 نظم الكلام يقتضي أن يقول: إن لم يكن في ملكه إبل، فإبل بلده، وإن لم يكن ببلده إبل، فإبل أقرب البلدان.
وأما قوله آخراً: "فإن كانت إبل العاقلة مختلفة" أراد إذا كانت العواقل من قبائلَ مختلفةٍ اعتُبر إبلُ القبائل.
هذا وضعُ الكلام، والرجوع بعده إلى اعتبار إبل البلدة أو القبيلة.
هذا أصل المذهب.
وأما إبل البلدة، فبيّن، وأما القبيلة التي يعنيها بالبلدة، فيعني بها قبائل العرب الناوية 3، وهي تنتوي ولا تستقر في [قُطر] 4 ... ، فإبلها [التي] 5 تسايرها 6. فإن غلب صنف، علقنا الحكم به، وإن غلب صنفان أو أكثر، ولم يكن صنف واحد بحيث نحكم عليه بالغلبة، فالذي رأيت صغواً إليه أن الخيرة -والحالة هذه- إلى المعطي، لا إلى الطالب، فليفهم الناظر ما انتهى إليه.
وإن عدمنا الإبلَ في الناحية، لزم الرجوع إلى صنفٍ من الإبل في أقرب البلدان إلى تلك البلدة، هذا إذا كان التحصيل غير متعذر.
فإن تعذر النقل والتحصيل، وكان لا يتأتى ذلك إلا بمشقات، فيعدل عن الإبل كما سنصف ذلك عند نجاز الكلام، إن شاء الله تعالى.

وهذا موقف آخر محوج إلى نظر يجمع سرَّ الكلام، فما المعتبر في [المشقة] 1؟ ولا شك أن أدناها لا يُسقط الطّلبة بالإبل، وليس ينضبط أقصى المشقات، فما الوجه؟ قلنا: اعتقدنا التعذر على المذهب الجديد، فرجعنا إلى قيمة الإبل لا غيرها، فنعتبر ذلك المبلغ [فننظر] 2 إلى ما يحتاج إلى بذله لنقل الإبل، فإن كان لا يزيد على قيمة [المثل] 3 في مكان المطالبة، فيلزم تحصيل الإبل، وإن كانت مؤنة النقل تزيد زيادةً ظاهرةً، يعتبر مثلُها غبينة في الإبل لو حضرت، [فلا يلزم] 4 نقلُها والحالة هذه؛ فإن هذا ضمُّ [غُرم] 5، فليكن الاعتبار بما وصفناه.
10577 - ولو قال مستحق الدية: لست أطالبك الآن وأصبر إلى تيسر الإبل، فهذا محتمل، والأظهر أن الأمر في ذلك إليه؛ فإن الأصل الإبل، ويتطرق إلى هذا احتمال؛ من جهة أن الدراهم إذا أقرت، [فإنها] 6 ليس كقيمة المثل [عند] 7 عدم المثل؛ إذ لم يصر أحد من أصحابنا [إلى] 8 أن الدراهم إذا بذلت عند تحقق التعذر، ثم فرض وجود الإبل، فلصاحب الحق ردُّ الدراهم والرجوع إلى الإبل، وقد اختلف الأصحاب في أن المثل إذا عدم مثله وصِير إلى القيمة، ثم وجد المثل، فهل نُثبت للمغروم له حق الرد والاسترداد؟ فمن هذا الوجه يجوز أن يقال: للجاني أن يكلفه قبض ما عليه لتبرئة ذمته، فإن هذا لو جرى، انقطعت الطلبات في المآل، وما أذكره تنبيهٌ، وليس يخفى على الفطن وجوه الاحتمال، وسأعضد هذا التنبيهَ بعد هذا، إن شاء الله تعالى.

10578 - قال العراقيون: إذا كان للغارم إبل وأصنافها مختلفة، [أخذ] 1 من كل صنفٍ بقسطٍ.
وهذا بنَوْه على اعتبار إبل الغارم، وقد ذكرنا مثلَ هذا الطريق عن المذهب.
ثم إن كان له ثبوت، فقد ينقدح فيه تخريج قولين: أحدهما - الأخذ من كل صنفٍ كما ذكروه.
والثاني - الأخذ من أغلب ملكه إن كان في ملكه أغلب، وقد ذكرنا مثلَ هذين القولين في الزكاة.
فإن قيل: إذا [اعتبرتم] 2 إبلَ الناحية وهي أصناف، فهلا خرجتم في كل صنف؟ قلنا: هذا إن كان ينقدح في الملك المحصور، فكيف ينضبط في إبل القطر، وكيف تتجه أقساط [النسب] 3 إلى قيمة الإبل في القول الجديد اعتباراً بوقت [العِزّة] 4. هذا معتمد الشافعي.
قال فيما نقله المزني: "فإن أعوزت الإبل، فقيمتها بالدنانير أو بالدراهم كما قومها عمر رضي الله عنه" 5 قال عطاء: "كانت لإبل حتى قومها عمر رضي الله عنه" 6. قال الشافعي رضي الله عنه: "والعلم يحيط أنه لم يقوّمها إلا قيمةَ يومها" 7. هذا نص الشافعي في لجديد.
ونص في القديم على أنا نأخذ في [الذهب] 8 ألف دينار، ومن أهل الورِق اثني عشر ألف درهم، وله في المصير إلى هذا القدر تعلّقٌ بآثار وأخبار ذكرناها في (المسائل) 9.

واختلف أصحابنا في تنزيل هذا القول، فمنهم من قال: هذا في [عزّة] 1 الإبل، ففي المسألة عند [عزتها] 2 قولان: أحدهما - أن الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت.
والثاني - أن الرجوع إلى المقدار الشرعي من الدراهم والدنانير.
هذا طريق.
وذهب بعضُ أصحابنا إلى إجراء القول القديم مع وجود الإبل، وهذا القائل يردّ الأمر إلى [اختيار] 3 الجاني، وفيه بُعد.
وإن لم يكن من القول القديم بدّ، فالوجه تخصيصه بحالة الغرم.
قال المزني: "رجوعه عن القديم رغبة عنه إلى الجديد، وهو بالسنّة أشبه" 4. ثم الدنانير على قول التقدير من [الذهب] 5 الخالص، وكذلك الدراهم من النقرة الخالصة، ولسنا نقنع [بأحدٍ] 6 من الصنفين حتى يطبع ويسك، والخِيَرة على قول التقدير إلى المعطي بين الدراهم والدنانير، وإن رجعنا إلى قيمة الإبل، فالرجوع إلى النقد الغالب؛ اعتباراً بقيمة المتلفات، وإن غلب النقدان، فالخِيَرةُ إلى الجاني.
10579 - ومن تمام القول في هذا التفصيل: أنا لا نأخذ قطّ معيباً من أصناف الإبل [إلا] 7 أن يرضى المستحق، وإذا كنا نرعى البراءة من العيوب في الرقبة المعتقة في الكفارة، وليست عوضاً، والملك إلى الزوال بالإعتاق، [فلأن نرعى] 8 السلامة عن العيوب في الديات وهي أعواض أولى، غيرَ أن السلامة المرعية في رقبة الكفارة هي السلامة عن العيوب المانعة من الاستقلال المؤثرة في العمل؛ فإن الغرض تخليص عبدٍ عن الرق ليستقل، لا ليصير كلاًّ على المسلم، وكل باب معتبرُه على حسبه.

فأما المرعي في عيوب الديات، فما يؤثر في المالية؛ فإنها أعواض، فكل عيب يُثبت الرد في البيع، فالسلامة منه معتبرة.
ولو كانت إبل الناحية عجافاً مِراضاً، أو كانت إبلُ الغارم كذلك -إن اعتبرنا ملكه-[عدلنا] 1 عنه، وجعلنا عيبَ الإبل كعدمها، وليس هذا كأخذنا المعيب من الإبل المعيبة في الزكاة؛ فإن الزكاة واجبُ الأموال، فاعتبرت [فيها] 2 صفة الأموال وهذا ظاهر.
ثم نقول: إن كانت الدية مخففة، قوّمت على صفاتها، وإن كانت مغلّظة قومت، ثم يظهر التفاوت تغليظاً وتخفيفاً في القيمة، كما كان يظهر في الأصل لو وجد.
وإن فرعنا على القديم، ورجعنا إلى المقدّر من الدراهم والدنانير، فالمذهب الأصح أن أثر التغليظ يسقط، وهذا من أصدق ما يدل على فساد هذا القول.
وذهب بعضُ أصحابنا إلى أنا وإن قدّرنا [نزيد للتغليظ] 3 ثلث المقدّر، فيصير الاثنا عشر ستةَ عشرَ ألفاً، أخذاً من قول ابن عباس.
وهذا لا أعتد به ولا أعده من المذهب.
10580 - ثم ما ذهب إليه المحققون أنا نغلّظ دية المرأة على [النسبة] 4 المتقدمة، ونغلّظ دية اليهودي، والنصراني، وهذا مجمع عليه بين الأصحاب، والغرض ما وراءه، قال هؤلاء: نغلظ دية المجوسي على قدره، فإنا إذا كنا نغلّظ أروش الجنايات وإن قلّت، فأبدال النفوس ينبغي أن تكون في معناها.
وكان شيخي أبو محمد يقول: التغليظ جارٍ في كل ما نطق الشرع فيه بالنسبة والجزئية، وقد ورد في الشرع أن المرأة على النصف من الرجل، واليهودي عند الشافعي على الثلث، ولم يصح في دية المجوسي لفظ النسبة، وإنما اتبع الشافعي قضاء عمر في ديته بثمانمائة درهم.
قال رضي الله عنه: "نتبع هذا المقدار،

ولا نوجب الأبل، وإن وجدناها" ويتفرع عليه ألا يغلظ، وهذا عندي كذلك 1. والوجه القطع بتنزيل دية المجوسي منزلة سائر الديات في التغليظ والتخفيف، والرجوعُ إلى الإبل عند وجودها، وديتُه ثلث خمس 2 دية المسلم، فإنها لم ترد [بلفظ] 3 النسبة لطول الكلام فيه.
فهذا ما نراه مقطوعاً به في الباب، ولم أحك ما ذكرته عن شيخي [إلا] 4 لتعتقدوا أنني نبهت على ما فيه من خلل، والمعتمد إجراء الديات قلّت أو كثرت على وتيرة واحدة في التغليظ والتخفيف، والتقويم والتقدير.
نعم، إذا وجب العبدُ غرةً عن الجنين، فذاك لا تفاوت قطعاً، وهذا بدل النفس؛ إذ لا يتصور فيه رعاية التفاوت أعني تفاوت التغليظ والتخفيف، والجناية على الجنين تفرض خطأً وشبهَ عمد، وإذا رجعنا إلى الإبل في بدل الجنين، عاد النظر في التخفيف والتغليظ، كما سيأتي أبدال [الأجنّة] 5. فصل قال: "وفي الموضحة خمسٌ من الأبل ... إلى آخره" 6. 10581 - قد مضى معظم الكلام في الشجّات 7 في كتاب الجراح، فإنا وإن سقناها للقول في القصاص، فقد أتينا في أثناء الكلام بجمل من أحكام الديات، ونحن الآن نذكر ما يتعلق بالأروش في الشجات، وإن مست الحاجة إلى إعادة بعض ما مضى، أعدناه على قدر الحاجة.

والذي يجب تصدير هذا الباب به أن المقادير مستندها توقيف الشارع لا يهتدي إليها رأي، ولا يجري فيها قياس.
نعم، قد يتأصل منها أصول، فيلتحق بها من طريق التشبيه والتقريب فروعٌ، وقد اعتمد الشافعي رضي الله عنه في تقدير أروش الأطراف كتابَ عمرو بن حزم، وقد أورد إسحاقُ في مسند عمرو بن حزم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً فيه: [وفي] 1 أصابع اليدين والرجلين في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي الموضِحة خمسٌ من الإبل، وفي الجائفة الثلث، وفي المأمومة الثلث، وفي الأنف إذا [أُوعي] 2 جدعاً مائةٌ من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل" 3. فيثبت من جهة النص تقدير أرش الموضحة بالخمس من الإبل، وهي إذا نسبت إلى الدية الكاملة، وقعت نصفَ عشرها، فالواجب في الموضحة من كل شخص نصفُ عشر ديته، على اختلاف المقادير، ولا حاجة إلى ذكر الديات في هذا الفصل.
ثم الكلام متعلق في الشجات وأروشها بأصولٍ لا بد من تفصيلها، ونحن نأتي بها مفصلة: الأول، فالأول.
10582 - فأهم ما نبتديه ذكر محل الموضِحة وفي كلامٍ كيِّسٍ 4: وقد تحقق لنا من مجموع كلامهم أن الموضحة محلها كُرةُ الرأس، ومنها الوجه، وهي مركبة على السالفة، وكل عظم اتصل بالجرح من القمة إلى تركّب الكرة، فهو موضِحة، وتفصيل ذلك: أما الأجزاء الثلاثة المشهورة من الرأس، فلا حاجة إلى ذكرها: كالهامة والفَوْدَيْن 5 والقَذال والناصية، [وما] 6 يتصل باستواء القفا في منحدر القَمَحْدُوة إذا

اتضح العظم منه، فموضِحة، وهذه المواضع إذا عمرتها 1 [استبنت] 2 العظمَ في محل العَمْر، وما ينطبق عليه صدفة الأذن عظمة صلبة تسمى الخُششاء، كل ذلك محل الإيضاح، وليس من الرأس في أحكامٍ [كالستر] 3 على المحرم، ومحل المسح من الرأس، وإذا تعدى تصور الإيضاح إلى الوجه والوجنة واللِّحى، فما ذكرته إشكال، ومحل الإيضاح من الوجه بيّن: [منه] 4 الوجنة والجبينان، [والجبهة] 5، وقصبة الأنف، واللحيان [في جهة] 6 المقابلة [ومن جهة تحت] 7، فهذا بيان محل الموضحة تفصيلاً وضبطاً.
وأما الرقبة نفسها، فالعظم الخصِّيص بها فقراتٌ يحيط بها الحلقوم، والمريء، والأوداج، من جهة المقابلة، والأعصاب والشجاج من جهة الفقار، ولا تعلق بوضوح العظم منها [أرش] 8 مقدّر كسائر عظام البدن.
وإنما خص الشارع [بتقدير] 9 الأرش شجات الرأس -فيما نظن- لأنها المنظر ومحل الجمال، ومجمع المحاسن، والشَّيْنُ عليها ظاهر [الوقع] (1). هذا كافٍ في بيان المحل.10

10583 - والأصل الآخر في بيان وجوب اتباع الاسم، وذلك من غير نظر إلى الصغر والكبر، فيجب [في] 1 الموضحة التي يقرعها المِيل 2 ما يجب في استيعاب الرأس، والسبب فيه أنه لا ضبط [ننتهي] 3 إليه إلا الاسم، وهذا هو المتعلق إذا انحسم الضبط والتقدير، وعلى هذا الأصل نبني تعدد الأروش عند تعدد الموضحة وانفصال بعضها عن البعض بالحواجز الكاملة، ولو فرض الاختلاف في الموضحة المتصلة من جهة المحل، [فلا] 4 أثر لأجزاء الرأس في ذلك، فالموضحة التي تعم الناصية والهامة ليس لها حكم التعدّد، من جهة [أنها] 5 على مسمّيَيْن.
فإن قيل: أي إشكال في هذا، وقد ذكرتم أن الموضحة المستوعبة للرأس واحدة؟ قلنا: قد يتخيل الفطن فرقاً بين أجزاء الرأس وبين جملته، وعلى هذا انبنى اتحاد الدية في النفس، وتعددها في الأطراف، فنصصنا على ما ذكرناه [دفعاً] 6 لهذا الوهم.
والأجزاء مختلفة في القصاص، حتى لا نقيم جزءاً من الرأس في القصاص مقام جزء من غير ضرورة، وهي متساوية في تصوير اتحاد الموضحة.
ولو اتصلت الموضحة من الناصية إلى الجبهة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الأرش لا يتعدد، لاتصال الجراحة واتحاد الاسم، ولا ينظر إلى تعدد المحل.
والوجه الثاني -[يتعدّد] 7 لاختلاف المحل، [وأنا لا نكمل] 8 في القصاص جراحة على الرأس الكبير [من جبهة الجاني بعد استيفاء] 9 رأسه.

وإذا جمع الناظر ما ذكرناه من آثار الاختلاف في القصاص إلى ما نبهنا عليه الآن من اختلاف المحل في الدية، [استبان ما بين البابين من بون] 1. ولو انتهت الجراحة إلى العظمة المعمودة وراء القَمَحْدُوة القريبة من مركب الكرة من الرقبة، فالأصح الاتحاد في هذا؛ فإن تيك العظمة من تتمة القِحف 2 ذي [الدوران] 3 ومن أئمتنا من جعل اتصال الموضحة بها كاتصالها بالجبهة، حتى تخرّج على الخلاف الذي قدمناه.
وهذا الأصل متصل بالكلام في المحل.
والموضحةُ على الجبهة إذا انحدرت إلى الجبينين، فأراها واحدة، وإن هي اتصلت بالوجنة، ففيه تردد، والأظهر منع الاتصال [الآن] 4، تنزيلاً لما تقابَل به منزلة الرأس.
10584 - الأصل الآخر: الكلام في [الجراحة ووصفها وتقدير] 5 رفعها وارتفاعها، فمن أوضح موضعين من رأس إنسان وبينهما حاجز كامل أو لحم وجلد، فموضحتان، وفيهما أرشان، وإن كان الحاجز لحماً لا جلد عليه، أو لا لحم تحته، [اضطربت] 6 مسالك الأصحاب في الطرق، ومجموعها أوجه: أحدها - أن الجلد دون اللحم، واللحم دون الجلد ليس حاجزاً، وللجرح حكم الموضِحة الواحدة؛ لأن الجناية أتت على الموضِحتين وما بينهما، فنَجْعل كأن الجناية بينهما إيضاح، ولو اتصل الإيضاح، لاتحد الأرش، فالمتلاحمة دون الموضحة، وهذا وجهٌ منقاس.
والوجه الثاني - أن الأرش يتعدد اتباعاً للاسم، وقد تحقق [الحائل] 7 سواء كان

جلداً مَحْضاً أو لحماً، والتعويل على الاسم عند هذا القائل.
والوجه الثالث - أن اللحم حائلٌ والجلد ليس بحائل؛ لأن اللحم ساترٌ للعظم تحته سترَ خلقة، فلا وضوح بالعظم الذي تحته، وإذا انقطع الإيضاح، تعدّد الاسم، فأما الجلد إذا لم يكن [تحته] 1 لحم، فالعظم تحته بادٍ ووضوحه متصل.
والوجه الرابع -وهو أضعفها- أن الجلد المجرّد حاجزٌ، واللحم ليس بحاجز؛ فإن المرعي في الوضوح ما يبدو للناظر، وإن كانت الجلدة متصلة، فالعظم غيرُ بادٍ.
وهذا ليس بشيء.
هذا مجموع ما قيل في بيان الحواجز.
ومن لم يجعل اللحم دون الجلد والجلد دون اللحم حاجزاً، هؤلاء اختلفوا في صورةٍ، وهو إن أوضح الرجل موضعين من رأس رجل، وبين الموضحتين حاجز قائم، ثم إنه أدخل حديدة من الموضحة إلى الموضحة، ثم [استلّها] 2، فهل يكون الحاجز في حكم المرتفع بهذا؟ فعلى وجهين ذكروهماً: أحدهما - أنه لا يكون مرتفعاً، فإن الحديدة إذا استلّت انطبق اللحم على اللحم، وعاد الأمر إلى ما كان.
والثاني - أن هذا يكون رفعاً للحاجز، فإن الحديدة قد نفذت واتصلت الموضحتان، فإن فرض بعد هذا انطباق والتحام، فلا حكم لما يجري من بعدُ، والدليل أنا إذا لم نجعل اللحم بمجرده حاجزاً، فلو فرضنا موضحتين وبينهما لحم، وقلنا: الجراحة واحدة، فلو ألبست تلك اللحمة بالجلد، فقد كمل الحاجز الآن، ولا نقضي بتعدد الأرش بعد الحكم باتحاده، فإن طوارىء الالتحام لا تؤثر في الشجات، كما سنصف ذلك.
وإذا بان ما ذكرناه من إدخال الحديدة وتنفيذها من الموضحة، [فقد] 3 ينشأ من ذلك صورة وفيها احتمال ظاهر عندي، وهو أن الرجل إذا غرز إبرة في رأس إنسان، وتحققنا انتهاء رأس الإبرة إلى العظم، ثم استلّها، فهل يكون هذا موضحة أم لا؟ أرى تخريج هذا على الوجهين اللذين نقلتهما في تنفيذ الحديدة في الحاجز بين

الموضحتين؛ فإن لم يكن [رفعاً، فهذا ليس] 1 موضحة، وإن كان ذلك رفعاً للحاجز، فهذا موضحة، وترجع حقيقة التردد إلى أن الاعتبار بجرح يشق إلى العظم ويوضِحه فعلاً، أم الاعتبار [بما] 2 سمي موضِحة مدركة.
ومما يتصل بهذا الفصل أن الجاني لو أدخل حديدة في رأس إنسان وجرها، فأوضح موضعاً وانملست 3 الحديدة على موضعٍ، ثم غاصت، وأوضحت موضعاً،.
وفِعْلُ الجاني في حكم المتَّحد، فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن هذه موضحة واحدة نظراً إلى اتحاد الفعل، وهذا خَرْمٌ لقاعدة المذهب الكلّية؛ فإذا تعدد الجرح، وتعدد الاسم، وكمل الحاجز، فالنظرُ بعد هذا إلى اتحاد الفعل، وتواصلُ الجراحات لا حاصل له، وقد قال هذا القائل: إنما تتعدد الموضِحة إذا رفع الحديدة من شجة ووضعها في أخرى، وهذا ليس بشيء.
10585 - الأصل الآخر في رفع الحواجز وارتفاعها، فإذا أوضح الرجل مواضع من رأس إنسان، واتصلت الموضِحات بالحواجز، ثم تأكّلت وارتفعت بالسراية، اتحد الأرش، وزال تقدير التعدد، ونزل ارتفاع الحواجز بالسريان منزلة سريان قطع الأطراف إلى الروح، لا خلاف على المذهب في ذلك.
ولو عاد الموضح ورفع الحواجز بنفسه، فهذا مسلك النص، وتخريج ابن سريج في الأطراف والنفس، ومقتضى النص اتحاد الأرش، كما لو قطع يدي رجل ورجليه، ثم حز رقبته، وابن سريج خالف في الجراح، وأوجب على قاطع اليدين والرجلين، ثم القاتل بعد ذلك دياتٍ، ومذهبه يطّرد لا محالة في رفع الحواجز.
ولو أوضح موضعين عمداً، ورفع الحاجز خطأ، والتفريع على النص، ففي اتحاد الأرش وجهان، وكذلك الخلاف في الجراح والنفس، كما تقدم في أول الجراح، ولا فرق على الجملة.

ولو رفع الحاجز [بين] 1 الموضحتين، [رجل آخر] 2، فلا خلاف أن الأروش لا تتحد في حق الجاني الأول، وهذا يناظر في الجراح والنفس ما لو قطع رجل يدي رجل، فجاء آخر وقتله، فلا خلاف في تعدد الدية عليهما؛ إذ لا نربط فعل شخصٍ بفعل شخص في هذه الأبواب، فلا جَرَمَ قلنا: على صاحب الموضحتين أرشان، وعلى رافع الحاجز أرشٌ ثالث.
ولو أوضح رجل موضعاً من رأس إنسان، فجاء آخر وابتدأ من منتهى جناية الأول، وأوضح، ثم هكذا حتى إذا استوعب الرأسَ جناةٌ، فعلى كل واحد أرش موضحة، بلا خلاف.
وإذا كان قياس مذهب ابن سريج أن يجعل أفعال جان واحد في تعديد الموضحة أولاً ورفع الحاجز ثانياً بمثابة أفعال جناة، فليت شعري ما يقول إذا استوعب جان واحد رأسَ إنسان بالإيضاح بموضحتين [متواصلتين] 3 بأفعال متفرقة؟ ظاهر قياسه أنها موضحات إذا تعددن بالأفعال، وفيه احتمال على خلافٍ، فإنها في الآخر جنسٌ واحد، وليس كقطع اليدين والقتل، وليس كما إذا تحقق تعدد الإيضاح ثم فرض الرفع.
فلينظر الناظر، وليستدّ [نظره] 4 إذا كُرِّر أعدادُ الموضحات في شخص، ولو اجتمعت أروشها، لزادت على دية، فالمذهب أنا نوجبها بالغةً ما بلغت، وأبعد بعض المصنفين وقال: نردها إلى دية، وهذا بعيد، والاختلافُ المذكور فيه [مذكور] 5 في الأسنان، والأصح ثَمَّ أيضاًً أنا لا نبالي بالزيادة على مقدار الدية ولو قُتل الإنسان، الزيادة أولى؛ من جهة أن أعدادها في اعتدال الخلقة إذا قوبلت بالأروش زادت الأروش على الدية، وإطلاقُ الشارع ذكر الأروش في آحادها من غير تعرض لرده الزيادة إلى مقدار الدية مناقض لما قال هذا القائل، ولا ينبغي أن نفرع على الوجه

الضعيف.
وما ذكره هذا القائل في الموضحة ليس بعيداً في التفريع، ولكن التفريع على الضعيف مجتنبٌ.
فرع: 10586 - إذا أوضح الرجل موضعاً من رأس إنسان، وجرّ السكين، فاتصل بالموضحة متلاحمة، فقد أجمع المحققون على أنا لا نفرد المتلاحمة بأرش، لأن الجراحة واحدة، ولو كانت المتلاحمة موضِحة، لما وجب إلا أرش واحد، وهو منفصلٌ عما قدمناه من موضحتين بينهما لحم؛ فإن اسم الموضحة متعدد ثَمَّ في [وجهٍ] 1، ولم أعرف في الصورة التي رسمتُ الفرعَ لها خلافاً بين الأصحاب، وهذا يدل على اتحاد الأرش في اللحم الحائل بين الموضحتين.
ولو أوضح قَمَحْدُوة إنسان، وجرّ السكين إلى القفا، فموضحة، وجرحُ حكومة، وإن جرها من الناصية إذا أوضحها إلى الجبهة وجرح الجبهة متلاحمة، فهذا يخرج على أن الموضحة لو اتصلت هل كان يتعدد الأرش فإن قلنا: لا يتعدد [فالمتلاحمة] 2 على الجبهة تتبع الموضحة على الناصية، إذا اتصلت بها، فإن قلنا: لو اتصلت الموضحة على الناصية بإيضاح الجبهة، لتعدد الأرش، فتفرد المتلاحمة بحكومة.
هذا وضع المذهب.
فصل 10587 - ذكرنا اختلاف قولٍ في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة، وكان شيخي رحمه الله يقول: أرش المتلاحمة يُبنى على وجوب القصاص؛ إن قلنا: لا قصاص في المتلاحمة، فأرشها حكومة، وإن قلنا: فيها القصاص، فإنا نطلب [تقدير] 3 أرشها بالنسبة إلى السُّمك جهدنا، كما نطلب هذا المسلك في إجراء القصاص، وهذا عندي ليس يظهر له أثر؛ [فإنا] 4 وإن لم نوجب القصاص إذا

حاولنا الحكومة، فتحويمنا على النظر إلى النسبة، ولهذا نفصل بين متلاحمة غائصة وبين أخرى دونها، ولا نغفل على كل مذهب عن الفرق بين النصف الذي بقي إلى العظم وبين النصف الذي شُق، ونرى النصف الآخر أشرف، فإنه ينتهي إلى الإيضاح، وإذا كان هذا عمادنا في النظر، فليس يختلف المذهب بأن يجري القصاص أو لا [يجري] 1 وأرش الجائفة [مقدّرٌ ولا قصاص] 2 فيها، والقصاص جارٍ في الإصبع الزائدة وأرشها لا يتقدّر.
فرع: 10588 - إذا ثبت أرش الموضِحة، فلم نستوف من الجاني حتى التحمت الموضحة واكتست، فالأرش لا يسقط بما يجري، باتفاق الأصحاب؛ فإن مبنى الباب على اتباع الاسم، ولو أوضح [جانٍ] 3 ذلك الموضع الذي [اكتسى] 4، استوجب أرشاً جديداً، ولو أوضحنا رأس الجاني قصاصاًً، ثم [اندمل] 5 موضع القصاص، فقد استوفينا الحق كَمَلاً.
وهذا متفق عليه، والجراح قد تختلف في هذا المقتضى على ما سنجمعها في فصلٍ، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: "وفي الهاشمة عشر من الإبل ... إلى آخره" 6. 10589 - إذا أوضح العظمَ، وهشم العظمَ الذي أوضحه، لزمه عشرٌ من الإبل، فكان الايضاح مقابل الخمس، والهشم مقابل الخمس.
ومن أصحابنا من قال: لم يرد في الهاشمة حديث، وإنما جرى التقدير فيه من جهة الرأي والنظر.

ومن أئمتنا من روى عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب في الهاشمة عشراً من الإبل" 1. ولو [هشم] 2 الرجل العظم من الرأس ولم يوضح فيه؟ اختلف أصحابنا فيما يجب: فمنهم من قال: الواجب خمسٌ من الإبل، وهو أرشٌ مقدّر، ومنهم من قال: الواجب فيه حكومة، وسبب هذا التردد إذا انفرد الهشم [ما] 3 حكيناه في الموضحة الهاشمة، فإن أوجبنا [أرشاً مقدَّراً] 4 وهو المذهب، فلا خلاف أن في الموضحة الهاشمة عشراً، فإذا أُفرز منه حظ الموضحة، بقي على القطع مقدارٌ في مقابلة الهشم.
وإن فرعنا على أن الهشم إذا تحدد ولم يسبقه إيضاح، فموجبه حكومة، فهل تبلغ تلك الحكومة أرش موضِحة؟ تردد في هذا جواب القاضي، وهو موضع التردد؛ من جهة أن الموضحة الهاشمة فيها عشر وأرشُ الموضحة منها خمس، فلا يبعد بلوغها إذا انفردت خمساً، وفائدة هذا الوجه أنه لا يمنع أن تنقص حكومة الهشم عن خمس من الإبل، وسبب هذا التردد أنه تفريع على وجه ضعيف.
10590 - وفي المنقّلة خمسةَ عشرَ، وقد روي ذلك عن النبي عليه السلام، والمأمومة جائفة، فلو أوضح رأسه واحدٌ، وهشمه آخر في محل الإيضاح، ونقّله آخر، وأمّه آخر، وكل ذلك على محلٍّ واحد، فعلى الأول خمسٌ من الإبل، أو القصاص، ولا قصاص في غيره مما جرى، وعلى الثاني تفاوت ما بين الموضحة والهاشمة على الأصح، وهو وجهٌ، والتقدير والتفاوت خمس من الإبل، وعلى الثالث تفاوتٌ ما بين الهاشمة والمنقّلة وهو خمس، وعلى الرابع تفاوت ما بين المنقلة والمأمومة وهي ثمانية عشر وثلث بعير.

وذكر الأصحاب صوراً يُرشد إليها ما مهدناه، فقالوا: في متلاحمة فيها موضحة أرشُ موضِحة [بلا] 1 مزيدٍ، وفي موضحة فيها هاشمة عشرٌ بلا مزيد، وفي منقّلة فيها في حسابها هشم وإيضاح عشرٌ بلا مزيد، وسبب ذلك مأخوذ مما قررناه.
أما المتلاحمة إذا كان فيها موضحة، فلو كانا موضحة لم يجب فيها إلا خمس.
وهذا المسلك يطّرد في جميع ما ذكرناه.
10591 - ثم ذكر الأصحاب ما يتصور في الوجه من الشجاج، أما الموضحة فتتصوّر [فيه] 2، وكذلك الهاشمة، والمنقّلة، [وفي الجراحة التي تنفذ إلى داخل الفم والأنف] 3 خلاف سنذكره في فصل الجوائف؛ فإن قلنا: إنه جائفة، فقد تُصوَّرُ على الوجه أمثال شجاج الرأس.
والدامغةُ ليست من الجراح؛ [فإنها توحي وتذفّف تذفيف] 4 حز الرقبة.
وإن لم نجعل الجراحة النافذة إلى داخل الفم جائفة، قال الأصحاب: إن نفذت من الوجه إلى الفم، فيجب فيها أرش منقلة وزيادة؛ فإن [النفوذ] 5 في صورته يزيد على التنقيل، وإن نفذ الجرح من الخد إلى الفم، ففيه أرش متلاحمة وزيادة لصورة النفوذ.
وأعاد الأصحاب في آخر الفصل اختلافاً بين الجاني والمجني عليه، وقد قدمنا ذكره، فلا نعيده، وصورته أن يقول الجاني: ارتفعت الجراح بالسراية من جراحتي، وقال المجني عليه: بل رفعها أجنبي.
هذا فن مضى مقرّراً.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل