كتاب الخلع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وقد نجز تمام المقصود في ابتدائه بالمخالعة وابتدائهن بالاستدعاء وما يفرض من جمع وتفريقٍ في القبول منهم، وفي إجابة من الزوج.
8868 - ثم ابتدأ الشافعي هذا الفصل وغرضه الكلامُ في طريان الردة، ونحن نقول: إذا قالت المرأة: طلقني بألف، ثم ارتدت قبل إجابة الزوج، فأجابها الزوج بعد ردتها، فنذكر غرضَ الشافعي، ثم ننعطف على ما يتعلق به من الإشكال، قال الشافعي: إذا كانت المرأة غيرَ مدخول بها، فإذا ارتدت، انقطع النكاح بردّتها، ولغا طلاق الزوج؛ فإنه يقع بعد انفساخ النكاح.
وإن كانت مدخولاً بها، فليس يخفى أن انفساخ النكاح موقوفٌ عندنا، فإن أصرت على الردة، تبيّنا أن النكاح انفسخ مع الردة وأنها استقبلت العدة بعد الردة.
وإن عادت إلى الإسلام في زمن العدة، تبيّنا أن [الردة] 1 لم تقتضِ انفساخ النكاح، والخلعُ يخرج على هذا التقدير، فإن أصرت حتى انقضت مدة العدة، لغا طلاق الزوج، وبان أن صدوره من الزوج بعد الانفساخ، وإن عادت، فالطلاق واقع، والخلع صحيح، هذا مراد الشافعي.
8869 - ثم يتطرق إلى ما ذكر أسئلةٌ وأجوبة عنها، مثلاً: إنّ قائلاً لو قال: هذا النص هل يدل على أن تخلل كلام بين الإيجاب والقبول لا يوجب انقطاع أحدهما عن الثاني؟ قلنا: قد استدل بهذا النص من صار إلى أن تخلل الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول، لا يؤثر، ووجهُ الاستدلال أن الشافعي صحح الخلع مع تخلل كلمة الردة إذا جرت بعد الدخول، وفرض العوْد إلى الإسلام قبل مدة العدة.
وهذا فيه نظر عندي من قِبل أن الشافعي صور مسألته فيه إذا استدعت المرأة الطلاق، ثم ارتدت، ثم أجاب الزوجُ، فالكلام صادر من المرأة بعد فراغها عن الاستدعاء، وإنما يقع التناقش والبحث [فيه إذا] 2 جرى الإيجاب، فتكلم القائل بكلامٍ غير القبول، ثم قبل.
وهذا يناظر ما لو تخالع الرجل مبتدئاً، فارتدت المرأة،
ثم قبلت، والشافعي لم ينص على الردة في هذه الصورة، وإنما ذكر الردة في الصورة الأولى.
وقد يجري في هذا نوع آخر من السؤال، وهي أنها لما ارتدت، كان يجب أن نجعل ارتدادها رجوعاً [منها] 1؛ فإن الردة تُغنيها عن طلب الفراق، فهلا أشعرت الردة برجوعها؟ وسبيل الجواب أن الردة لا تَعْني الرجوعَ عن الاستدعاء، ولكن المرأة إذا لحقتها شِقوةُ الردة، لم تقصد بالردة أمراً سوى ما بدا لها، ثم الانفساخ حكم الشرع.
فهذا وجه التنبيه على ذلك.
8870 - ومن تمام الكلام في ذلك أن الرجل إذا خالع امرأتين، ثم ارتدتا بعد الدخول، وقبلتا أو استدعتا وارتدا، وأجابهما الزوج، فإن أصرّتا، لم يخف حكمهما، وإن رجعتا، لم يخف أمرهما.
وإن أصرت إحداهما ورجعت الأخرى؛ فإن كان الاستدعاء منهما، ثم جرى الأمر كما ذكرنا، فهذا بمثابة ما لو استدعتا ولا ردة، فأجاب إحداهما.
وقد مضى هذا.
وإن ابتدأ الزوج المخالعة، فارتدتا، ثم قبلتا، فقد يتجه ألاّ نصحّح قبولهما وإن عادتا؛ لتخلل الكلام؛ بناء على أن الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول قاطعٌ؛ وليس هذا كالصورة الأولى.
وإن صححنا الخلع ولم نجعل الكلام في نفسه قاطعاً، فإن أصرتا أو عادتا، لم يخف الحكم.
وإن أصرَّت إحداهما وعادت الأخرى، فليتأمل الناظر هذا الموقف؛ فإنَّ القبول في حق المُصِرَّة باطل؛ فقد ذكرنا أن إحداهما إذا قبلت دون الأخرى، لم يثبت الخلع في حق القابلة، ولم يقع الطلاق؛ فقد ينظر الناظر إلى أنهما قبلتا، ثم أبطلنا قبول إحداهما، وقد يخطُِر له تقريب هذا مما إذا كانت إحداهما محجورة، والأخرى مطْلَقة، وليس الأمر كذلك.
فنجعل كما لو قبلت إحداهما، ولم تقبل الأخري؛ فإنا أبطلنا القبول في حق التي قبلت، وجعلنا كأنا لم تقبل، فوجود ذلك القبول وعدمه بمثابةٍ، ووضوح ذلك يغني عن كشفه.
وقبول السفيهة صحيح إذا
انفردت، فإن الطلاق يتعلق به، وإن كان رجعياً.
فصل
8871 - ثم قال الشافعي: "ولو قال لهما: أنتما طالقان إن شئتما ... إلى آخره" 1.
مضمون هذا الفصل قد سبق موضحاً، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شئت ولم يذكر عوضاً، اقتضى ذلك مشيئةً على الاتصال، وإذا قال لها: أنت طالق بألف إن شئت، فقد ذكرنا تردد الأصحاب في ذلك، واخترنا أنه يكفيها أن تقول: شئت، ثم ذكر الشافعي فرضَ الكلام في امرأتين بأن يقول الزوج لهما: أنتما طالقان بألف إن شئتما، والغرض لا يختلف، وإنما قصد الشافعي أنه لا بد من [مشيئتهما] 2. وهذا بيّن مبيّنٌ على الأصول المقدمة.
فصل
" قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال له أجنبي: طلق فلانة ولك عليّ
ألف ... إلى آخره" 3.
8872 - غرض الفصل أن بذل المال على الطلاق من الأجنبي جائز وإن لم تشعر المرأة، ولم تأمر، وهذا لا خلاف فيه.
والتردُّدُ الذي ذكرناه في صدر الكتاب في الخلع الذي يختلف القول.
في كونه فسخاً أو طلاقاًً، فأما الطلاق نفسه، فيجوز للأجنبي بذلُ المال عليه، ثم يصح منه أن يختلع [امرأةً] 4 على عينٍ من أعيان مال نفسه، ويصح منه أن يختلعها على مالٍ يلتزمه في ذمته، ثم إذا انفرد بذلك، نفذ اللزوم عليه، ولم يجد مرجعاً.
وإن أمرته المرأة بأن يختلعها، نُظر: فإن شرطت له الرجوعَ [عليها] 5 بما يغرَم،
رجع إذا غرِم، وإن أطلقت الإذن، فغرم الأجنبي، فهل يرجع عليها؟ فعلى وجهين.
وكان شيخي يقول: من ضمن مالاً عن إنسان بإذنه، ولم يشترط الرجوع عليه، فإذا غرِم، ففي الرجوع خلافٌ مشهور.
وإذا وكل رجلٌ رجلاً حتى اشترى له عبداً بمال في الذمة، فاشترى، وغرم الثمن، فالمذهب الذي يجب القطع به أنه يرجع على الموكِّل، وذلك أنه حصّل له ملكاً بعوض، فيبعد أن يعتقد المشتري سلامةَ الملك له في المبيع من غير عوض.
وإذا اعترف الموكِّل بالتوكيل، لم يختلف الأصحاب في أنه لو أراد البائع مطالبته بالثمن، أمكنه، فالإذن في البيع إذاً بمثابة الإذن في الضمان مع التقيد بالرجوع.
وأبعد بعضُ أصحابنا، فألحق المشتري إذا ضمن بالضامن إذا غرم.
وهذا بعيد.
والمرأة إذا أذنت لأجنبي في الاختلاع، ولم تذكر الرجوع عليها، فهذا بين الضمان وبين التوكيل بالشراء: شَبَهُه بالتوكيل من جهة أن منفعة الخلاص تعود إليها، كما أن الملك في المبيع يقع للموكِّل بالشراء.
ويُضاهي الضمانَ من جهة أن الضامن يُتصور أن ينفرد بالضمان والأداء، والأجنبي يُتصور أن ينفرد بالاختلاع والتخليص.
فهذا بيان هذه المنازل.
وحقيقةُ القول في الوكيل بالخلع والاختلاع ستأتي في فصلٍ مفرد بعد هذا، إن شاء الله عز وجل.
8873 - ثم اختلاعُ الأجنبي الزوجةَ مع كونه مُجْمَعاً عليه خارجٌ على مذهب الافتداء؛ فإن المرأة في أسر الزوجية، [وحِبَالة] 1 النكاح، وقد سمى الله تعالى الاختلاعَ افتداءً، وأثبته على صيغةٍ تُشعر بالرخصة، فقال عز وجل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وشبه الشافعي اختلاعَ الأجنبي بافتداء الأسرى.
ولو قال الرجل لمالك المستولدة: أعتقها، ولك ألف، أو على ألف، فأعتقها، استحق الألفَ المسمى على باذله، وخرج هذا على مذهب التخليص والافتداء؛ فإن الملك في رقبة المستولدة لا يقبل النقل، كحق الزوج في زوجته.
ولو قال الرجل لمالك عبدٍ: أعتقه عنِّي بألفٍ، فأعتقه، صح، ووقع العتق عن
المستدعي بناء على تقدير انتقال الملك إليه أولاً، ونفوذ العتق عن المستدعي في ملكه.
ولو قال: أعتق عبدك عن نفسك بألف، فأعتقه، ولو قال: [أعتقه بألف] 1، ولم يضف العتق إلى نفسه، فأعتقه، وقع العتق عن المالك.
وهل يستحق العوض على المستدعي؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يستحقه إذا 2 كان من الممكن أن يقابل المالَ المبذول بنقل الملك إليه ونفوذ العتق عليه، وهذا لو فعله، كان على قياس المعاوضة، فإذا كان قياس المعاوضة ممكناً، فالمعاملة التي مساغها الافتداء يبعد أن تنفذ؛ إذ محلها الضرورة.
ولو قال: أعتق أم ولدك عني بألف، فإذا أعتقها، وقع العتق، ولم يستحق على المستدعي شيئاً؛ فإنه شرط في استحقاق المال عليه وقوع العتق عنه.
هكذا ذكر الأصحاب.
ولو قال الأجنبي للزوج: " طلق زوجتك عني بألف "، فطلقها، فالوجه القطع أنه يستحق الألف؛ فإنه لا تخيّل لوقوع الطلاق عن المستدعي، ووقوع العتق عن المستدعي ممّا يُتخيل على الجملة.
نعم، لا يمتنع أن يقال: يفسد لفظ الأجنبي بقوله: " طلقها عني ". ثم أثر فساد اللفظ الرجوعُ إلى مهر المثل.
والذي يتعلق بتمام البيان في المسائل أن الأجنبي إذا قال: " طلقها بألفٍ أو على ألفٍ "، فإذا طلقها، استحق عليه الألف.
ولو قال الأجنبي: " طلقها ولك ألف " فقد ذكرنا تردُّداً في أن المرأة لو استدعت الطلاق بهذه [الصيغة، فهل] 3 يُستحق العوض عليها.
والأجنبي [أولى بالتردّد من المرأة] 4؛ فإنه أبعد عن غرض الخلع، فكان جانبه أولى بصلةٍ مصرِّحة بمعنى المعاوضة.
فصل
قال: "ولا يجوز ما اختلعت به الأمة إلا بإذن سيدها ... إلى آخره" 1.
8874 - الأمة إذا اختلعت نفسها عن زوجها، فلا يخلو إما أن تختلع بإذن السيد أو تختلع بغير إذنه.
فإن اختلعت بإذن السيد، لم يخل إما أن تختلع على عينٍ من أعيان مال السيد، وإما أن تختلع بمالٍ ملتزَم في الذمة.
فإن اختلعت بإذن السيد على عين من أعيان ماله، صح ذلك، واستحق الزوج تلك العين فإن اختلعت بعوض ملتزَم تعلّق العوض بكسبها، وكان عوض الخلع عليها بمثابة الصداق على العبد المأذون له في النكاح، ويُخرَّج في بدل الخلع [القول القديم] 2 في أن السيد هل يصير بنفس الإذن ضامناً لعوض الخلع، وهذا أجريناه في الصداق، ولا فرق بينه وبين الخلع.
هذا إذا اختلعت بإذن السيد.
8875 - فأما إذا اختلعت نفسَها عن زوجها بغير إذن مولاها، فلا يخلو إما أن تختلع بمالٍ في الذمة، أو تختلع [بعين من أعيان] (؛) الأموال.
فإن اختلعت بمالٍ في الذمة، فقد تردد الأئمة في هذا، فذهب طوائفُ إلى أن اختلاعها فاسد، والمراد بفساده فساد التسمية، أما البينونة فواقعة، والمال يلزم ذمةَ الأمة على التفصيل الذي سنذكره في التفريع، إن شاء الله تعالى.
هذا ما ذكره الصيدلاني وشيخي وبعض المصنفين.
وقطع الشيخ أبو علي جوابه بأن الخلع يصح، والمسمى يثبت.
فحصلنا على وجهين.
وقد ذكرت اختلاف الأصحاب في العبد لو ضمن مالاً بغير إذن مولاه، فهل يصح ضمانُه أم لا؟ وذكر الشيخ أبو علي في هذا الفصل أن العبد لو اشترى شيئاً بغير إذن مولاه، ففي صحة شرائه وجهان، وقد فصلنا هذا فيما تقدم في موضعين.
والذي يتعلق بغرضنا الآن في ضمان العبد بغير إذن مولاه وجهان، وفي اختلاع3
الأمة بغير إذن مولاها وجهان.
والضمان والاختلاع في مرتبةٍ واحدة؛ لأنه لا يتضمن واحد منهما تصرفاً في حق المولى، لا في الرقبة، ولا في الكسب [وإنما] 1 تفرض المطالبة بالملتزم بعد العتق [إذا] 2 فرض يوماً من الدهر.
وإذا اشترى العبد بغير إذن مولاه، ففي صحة الشراء وجهان مرتبان على الضمان، والشراءُ أولى بألا يصح؛ لأن من ضرورته ثبوت الملك [في] 3 المبيع، ويستحيل أن يملكه العبد، وإن ملكه المولى قهراً، كان بعيداً.
ثم إن صححنا الضمان، لم يطالب العبد من مكاسبه، ولا تتوجه [عليه] 4 الطّلبة ما دام الرق.
وإن أفسدنا الضمان، فأثر إفساده إلغاؤه، حتى لا تتوجه الطَّلبة بالمضمون بعد العتق أيضاًً.
[وأما الاختلاع] 5 فسواء أفسدناه أو صحَّحناه، فالبينونة واقعة، والأمة مطالبة إذا أعتقت.
وأثر الخلاف ثبوت المسمّى، ولا مطالبة به إلا بعد العتق.
وإن أفسدنا الاختلاع، فالحكم ثبوت مهر المثل، والمطالبة به بعد العتق.
وأما التفريع في البيع إذا صححناه، فقد مضى مستقصىً في كتاب البيع.
8876 - ومما نفرعه اختلاع المكاتبة، فإذا لم نصحح اختلاع الأمة، لم نصحح اختلاعها بعوض ملتزم في الذمة، ولكن البينونة واقعة، والطّلبة تثبت بعد العتق؛ فإن بدل عوض الخلع مشبَّهٌ بالتبرع، وبذل ما يستغنى عن بذله.
وإن جرى اختلاعها بإذن المولى، فهو [كالتبرع] 6 بإذنه، وفي تبرع المكاتب بإذن المولى قولان سيأتي ذكرهما -إن شاء الله عز وجل- فيِ كتاب الكتابة، والغرضُ أن نبين أن اختلاعها بمثابة تبرعها.
8877 - وإن اختلعت الأمة بعينٍ من أعيان مال السيد من غير إذنه، فالزوج لا يستحق العين.
ولكن إن جعلنا الأمة من أهل الاختلاع في الذمة، فهي كالحرة تختلع بمالٍ مغصوبٍ، غيرَ أن الحرة قد تطالب إذا كانت موسرة، والأمة بمثابة الحرة المعسرة بمطالبتها بعد العتق.
ثم فيما تطالب به قولان: أحدهما - أنها بعد العتق تطالب بقيمة تلك العين المذكورة عوضاً.
والثاني - أنها تطالب بمهر المثل.
وكل ذلك تفريع على أن الأمة من أهل الاختلاع.
فإن لم نجعلها من أهل الاختلاع، فالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً؛ فإن إحالة الفساد على خروجها من أن تكون من أهل الاختلاع أولى وأقرب، فإذا كانت إحالة الفساد على غير العوض، فالوجه الرجوع إلى مهر المثل.
والأمر في هذا قريب.
والمكاتبة إذا اختلعت بعينٍ من أعيان مالها بغير إذن المولى، فالزوج لا يستحق تلك العين، وهي كالأمة إذا اختلعت بعينٍ من أعيان مال السيد، فإن اختلعت بإذن السيد، ففي المسألة قولان مبنيان على تبرع المكاتب بعينٍ من أعيان ماله.
هذا منتهى المراد.
وزعم صاحب التلخيص أن اختلاعها بإذن المولى لا يصح، وإن صححنا تبرعها بإذن المولى.
وهذا مزيف متروك لا حاصل له.
فصل 1
قال: "وإذا أجزتُ طلاق السفيهة بلا شيء ... إلى آخره" 2.
8877/م- لا [يختلف] 3 المذهب أن السفيه ينفذ طلاقه، وهو مما لا يدخل تحت الحجر المطرد بسبب السفه، وليس الطلاق كالعَتاق، والفارق أن الطلاق
لا يُتلف ما يلتحق بالأموال المحضة، والإعتاق إتلافٌ محض، ولا ينفذ من المبذر التصرفاتُ في المال، ولا يصح منه الاستقلالُ بالنكاح، ويصح النكاح بعبارته إذا أذن الولي، فلو أذن له في [بيعٍ خاص] 1 على حسب المصلحة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يصح كالنكاح.
والثاني - لا يصح؛ لأن النكاح من حاجته وضرورته، وليس محضَ مال، ولكن وقف على الإذن لما فيه من استحقاق المهر.
وأما البيع، فتصرف في المال المحض.
ثم إذا كان طلاق المحجور نافذاً، فلو طلق بمال، نفذ، وصح، قلّ المال أو كثر؛ لأن طلاقه إذا كان ينفذ من غير عوض، فلأن ينفذ مع العوض أولى.
والعبد يطلِّق مجاناً، ولو طلق على مال، صح ونفذ، ودخل المال في ملك المولى قهراً، كما يدخل في ملكه ما [يحتطبه] 2 العبد وما يصطاده، واختلف الأصحاب فيما يتّهبه العبد من غير إذن المولى، كما تقدم ذكره، والفرق بين الهبة وبين بدل الخلع واضح مذكور في موضعه.
ثم إذا خالع السفيه على مالٍ وحكمنا 3 بصحته، [لم] 4 نفرق بين أن يكون البدل المسمى مثلَ مهر المثل، أو أقل منه.
ثم ما يأخذه من البدل لا يترك تحت يده [بل] 5 يلتحق بسائر أمواله، فيمتنع 6 تصرفه فيه، وإن لم يكن عليه حجرٌ في تحصيل هذا [العوض] 7 أصلاً ومقدارً، وكذلك إذا احتش، أو احتطب، أو اتّهب، فما يحصل [بهذه] 8 الجهات باختياره، فالحجر عليه مطرد في جميعه 9.
فصل
قال: "ولو اختلفا، فهو كاختلاف المتبايعين ... إلى آخره" 1.
8878 - إذا اختلف المتخالعان بعد جريان الخلع في قدر بدل الخلع، أو صفته، أو جنسه، فقال الرجل: قد خالعتك على ألفٍ، وقالت: "بل على خمسمائة، أو قال: خالعتك على ألفٍ صحاح، فقالت: بل مكسرة، أو قال: خالعتك على خمسين ديناراً، فقالت: بل على ألف درهم.
فإذا اختلفا على وجهٍ من هذه الوجوه، فإنهما يتحالفان، والفرقة لا ترتد، والرجوع إلى مهر المثل؛ فإن البضع في حكم المبيع الفائت؛ وإن اختلف المتبايعان على وجهٍ من الوجوه التي ذكرناها في الثمن، وكان المبيع قد تلف في يد المشتري، فمذهبنا أنهما يتحالفان، والبائع يرجع على المشتري بقيمة المبيع، فمهر المثل في معنى قيمة المبيع.
وإذا اختلفا في العدد، والمسؤول، فقالت المرأة: طلَّقَني ثلاثاًً سألتُها بألف، وقال الرجل: بل طلقتك واحدة سألتِها بألفٍ، فهذا الاختلاف يجر التحالف أيضاًًً.
ولكن القول قول الزوج في نفي ما عدا الواحدةَ المقَرَّ بها.
وأثر الاختلاف والتحالف يرجع إلى بدل الخلع، فإذا تحالفا، سقط البدل المسمى، ويرجع الزوج عليها بمهر مثلها.
وإنما لم يؤثر [اختلافهما في تغيير أمر الفراق؛ لأن الطلاق] 2 لا مرد له، ولا يتصور نقضه 3، فيجري في أصله على القياس الذي يقتضيه الشرع.
وإذا كان الزوج هو المطلق، فالقول قوله في الأصل، ثم في العدد، واختص أثر الخلاف 4 بالعوض؛ فإنه يلحقه الفسخ، والرد، والفساد، والاستبدال، وهذا بمثابة اختلاف الزوجين في مقدار الصداق، وإذا تحالفا، اختص أثر التحالف بالصداق وتسميته، والنكاح قائم لا يزول بفرض الاختلاف في مقدار
العوض؛ والسبب في ذلك أن البدل في النكاح والخلع ليس ركناً، بل هو في حكم الدخيل الذي يستقلّ الفراق دونه.
8879 - ومما يتصل بهذا الفصل نصٌّ نقله القفال عن (الكبير) 1 ونحن ننقله على وجهه، ونذكر كلام الأصحاب فيه، ثم نوضّح المسلك الحقَّ الذي لا سبيل إلى مخالفته، قال: نص في (الكبير) على أن المرأة لو قالت لزوجها: سألتك أن تطلقني ثلاثاًً بألفٍ فطلقتني واحدة، وقال الرجل: بل طلقتك ثلاثاً، كما استدعيتِ.
قال الشافعي: إن لم يكن قد طال الفصل، وقع الثلاث، وإن طال الفصل، ومضى ما يبطل 2 خيار القبول، فالطلقات واقعة بإقرار الزوج، ويتحالفان؛ لأنه يدعي عليها كمال الألف، وهي تقرّ بثلثها، وإذا تحالفا، فالرجوع إلى مهر المثل.
[هذا هو النص، والوجه أن نبين طريق الإشكال في الاتصال، ونذكر ما قال الأصحاب] 3 في هذا الطرف.
ثم نذكر وجه الإشكال في الانفصال، ونبين ما قيل فيه، ثم ننص على ما هو الحق عندنا.
فأما إذا قرب الزمان ولم يمض ما يفصل الإيجاب عن القبول، فقال الزوج ما قال، والزمان متصل، فالنص يقتضي أن الزوج يستحق المسمّى، ونجعل قوله الصادر منه بمثابة إنشاء الطلاق؛ فإنه لم ينفصل بعدُ الإيجابُ عن القبول، والإنشاءُ ممكن.
هذا معنى النص، وظاهرُ الكلام.
ووجه الإشكال فيه أن الزوج إن كان طلّقها قبل هذا القبول طلقةً واحدة، [فقد] 4 بانت بها، [وإذا بانت] 5 بواحدة، لم يلحقها بعد الواحدة طلاق، وإن قرب الزمان،
فما معنى تنزيل قوله على الإنشاء؟ ولو فرض الإنشاء، لما وقع على التحقيق الذي ذكرناه.
هذا وجه الإشكال.
8880 - ومما ذكره المحققون في محاولة حلّ هذا الإشكال ما لا يتبين [إلا بتقديم مقدّمة] 1: فإذا قال الرجل لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، تلحقها الطلقةُ الأولى، وتبين بها، ولا تلحقها الثانية.
ولو قال لها: إن دخلت الدار، فأنت طالق وطالق.
فإذا دخلت الدار، فهل يلحقها طلقتان، أم لا يلحقها إلا واحدة؟ فعلى وجهين، سيأتي أصلهما، والتفريعُ عليهما في كتاب الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
فإذا بانت المقدمة قال قائلون بعدها: إذا استدعت المرأة طلقتين أو ثلاثة بمال، فقال الزوج في جوابها: " أنت طالق [وطالق] 2 "، ففي لحوق الطلقة الثانية الوجهان المذكوران فيه إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: " إن دخلت الدار، فأنت طالق وطالق ". والجامعُ أن صفة الدخول تجمع الطلقتين المعلّقتين به، وكذلك استدعاء المرأة يجمع قولي الزوج إذا قال: أنت طالق وطالق؛ فإن استدعاءها في الطلقة الثانية على حسب استدعائها في الأولى، وكذلك القول في الثالثة إن فرضت على صيغة العطف والتقطيع.
ثم هذا القائل يقول: إن كان الزوج طلق طلقة بثلث ألف، والزمان بعدُ على حد الاتصال، فلا يفوت تطليقٌ آخرُ يُنشئه في إسعافها بالطلاق على أحد الوجهين، فينتظم على هذا إمكان الإنشاء، وإن سبق تطليقٌ بجزء من الألف.
ووراء ذلك سؤال سنورده ونجيب عنه، إن شاء الله تعالى.
هذه طريقة أوردناها في الدروس، وهي غير مرضية؛ فإن الذي يجب القطع به أن المرأة إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فقال في جوابها: أنت طالق وطالق [وطالق] 3 لا يقع إلا طلقة واحدة، وهي الأولى؛ فإنها تبين بالأولى، ولا تلحقها الثانية والثالثة
بعد البينونة، ويكون هذا كما لو قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، فتبين بالأولى، ولا تلحقها الثانية، وليس ذلك بمثابة ما لو قال لها: أنت طالق وطالق إن دخلت الدار؛ وذلك أن وقت الطلاقين ينطبق على أول الدخول، ويتحقق اجتماعهما في الزمان، فليس أحدهما أولى بالوقوع من الثاني، وإذا أنشأ، فالإنشاء مأخوذ من لفظه، واللفظُ مرتب، ويستحيل أن يقع معنى اللفظ الثاني قبل اللفظ.
وإذا كان يقع مع اللفظ واللفظ مؤخر عن الأول، فلو وقع باللفظ الثاني طلاقٌ، لصادف بائنةً؛ وهذا بعينه يتحقق في جواب السائلة عدداً بمال، فإنه إذا قال: أنت طالق وطالق، فيقع طلاق مع فراغه عن اللفظ الأول، فلو وقع بالثاني طلاق [آخر] 1، لكان بعد البينونة بالطلاق الأول لا محالة، [والبائنة] 2 لا تطلق عند الشافعي؛ فلا وجه لتخريج وجه في وقوع ما ينشئه ثاني بعد وقوع الأول.
8881 - ولو قال قائل: " أحمل كلام الشافعي على ما إذا قالت: سألتك ثلاثاًً بألف فطلقتني واحدةً بألف، ورامت بذلك ألا يقع شيء، ولا يلزمها من البدل شيء "، فلا معنى [للإطناب] 3 في هذا الفن؛ فإن النص مصرح بخلافه، ومحلُّه مفروض 4 فيه إذا قالت: استدعيتُ ثلاثاً بألف فطلقتني واحدة، وأطلقتْ، ثم مقتضى 5 إطلاق الطلاق الواحد أن يقع بثلث المسؤول.
هذا هو النص.
على أنا قد حكينا عن الأصحاب خبطاً في الصورة التي ذكرناها، وهي إذا سألت ثلاثاًً بألف، فقال: أنت طالق واحدة بألف، فهذا مما حكينا فيه كلامَ الأصحاب وأوردنا عليه المباحثات من جهتنا، فلا حاصل لحمل الكلام على هذا المحمل والتطويل لا يفيد.
فإن قيل: أي غرضٍ في الحمل على هذه الصورة؟ قلنا: لو جرى جارٍ على
القياس، لقال: إذا استدعت ثلاثاً بألف، فقال في جوابها:- أنت طالق واحدة بألف، فلا يقع شيء، ولا يكون ما جاء به جواباً لها، فإذا كان الزمان على القرب والاتصال، فيتصور منه إسعافها على الموافقة الآن، فإذا تصور المساعفة، انبنى عليه حمل قول الزوج على إنشاء الطلاق، ولكن لا نرى الحمل على هذا المحمل، النص ظاهره وفحواه يخالف هذه الصورة.
8882 - ثم وراء ذلك كله إشكال عتيد، وهو أن الزوج أقرّّ بأنه طلقها ثلاثاً، ولم ينشىء الطلاق 1، وقوله متردد بين الصدق والكذب، فكيف يقع الطلاق؟ وسبيل الجواب أن من يملك إنشاء شيء فقد يجعل إقراره بمثابة إنشائه له، ولهذا نظائر عند الأصحاب، منها: أن الزوج إذا ادّعى أنه ارتجع زوجته، فأنكرت الزوجةُ الرجعةَ في [بقاء] 2 العدة ودوامها، فنفسُ إقرار الزوج بالارتجاع [قد نجعله] 3 إنشاءَ ارتجاع، وإن كان كاذباً، وسأذكر هذا وأجمع إليه نظائره في كتاب الرجعة، إن شاء الله تعالى.
وما ذكرناه من تنزيل الإقرار منزلة الإنشاء مشكلٌ لا يستقيم فيه تعليلٌ فقيه، كما سنوضحه في المحل الذي ذكرناه، ولكن لو قدّرنا أن الأمر كذلك، فلا انتفاع بهذا مع ما قدمناه من أن الطلاق السابق يمنع إنشاء الطلاق بعده، وإن قرب الزمان.
وإذا انحسم إمكان الإنشاء مع قرب الزمان، فلا معنى للانشغال مع ذلك بتنزيل الإقرار منزلة الإنشاء، ولم [يُحوِّم] 4 أحد من الأصحاب على هذا الإشكال والاعتناء به إلا شيخنا أبو بكر 5؛ فإنه حوّم، ولم يَرِدْ، فكان كالذي ينتبه ثم يتغافل.
8883 - ونحن نذكر الآن وجه الحق ونقول: إذا قالت المرأة: سألتك ثلاثاً بألف
فطلّقتني واحدةً، فقال [الزوج] 1 ما طلقتك قبلُ، وإنما أطلقك ألآن، ثم طلّقها، والزمان قريب، والوقت متصل، فالوجه القطع بأن الثلاث تقع، ويستحق الزوج المسمى بكماله، بناءً على ما ذكرناه من اتصال الوقت، وما ادّعته عليه من التطليق الواحد لو تحقق، لامتنع نفوذُ غيره، ولكن القول قولُ الزوج في نفي ما ادعته قبلُ؛ فإنه المطلِّق وإليه الرجوع في النفي والإثبات، والعدد والمقدار.
هذا على [هذا] 2 الوجه متجه.
ولو قال الزوج: قد طلقتك قبلُ ثلاثاًً، وهي تزعم أنه طلقها واحدة، فلا [ينفع] 3 -والصورة هذه- قُرْبُ الزمان؛ فإن الإنشاء بَعْدَ ما مضى غيرُ ممكن.
بقي أن الزوج هل يصدق في أنه طلقها ثلاثاً أم لا؟ والوجه المبتوت الحكم 4 بوقوع الثلاث لإقراره بها، ولكن لا يقبل قوله عليها في استحقاق تمام المسمى 5؛ فإن الرجوع إليها فيما يستحق عليها، كما أن الرجوع إليه في عدد الطلاق.
وهذا بمثابة ما لو قال القائل: إن رددت عليّ عبيدي الثلاثة الأُبَّق 6، فلك ألف.
فقال المجعول له: قد رددتهم، فلا يقبل قوله، ولا يستحق من الجعل شيئاً ما لم يثبت الردّ بالبينة أو بإقرار الجاعل، فالوجه إذاً أن نقول: لا يستحق عليها إلا الثُّلثُ؛ فإن هذا المقدار متفق عليه، والباقي متنازع فيه، فالقول قولها مع يمينها.
هذا هو الذي [لا] 7 يجوز غيره [وإنما] 8 يحرص الحارص على تخريج وجهٍ
لقولٍ مشكل إذا كان يتطرق إليه إمكان.
فأما إذا لم ينسلك فيه ظن 1، فلا وجه لمصادمة القطع.
والسبيل في مثل هذا الحملُ على الزلل في النقل، أو الخلل في النسخ 2، ولا معصوم إلا من عصمه الله تعالى.
هذا منتهى الكلام في هذا الطرف.
8884 - وتمامه أن الزوج إذا قال: ما أجبتك قبلُ، ولكن طلقتك ثلاثاًً الآن، فقد ذكرنا أنه يستحق تمام المسمى، ولكن يتوجه عليه يمينٌ من جهتها، فتقول: تحلف بالله أنك لم تطلقني طلقة في جواب سؤالي قبيل هذا.
فيتعين عليه أن يحلف إن أراد المسمى 3. وقد ذكر الصيدلاني اليمين في ذلك على هذا الوجه، ولكنه [لم يَبُحْ بالتصوير] 4 على التفصيل الذي ذكرناه، فإن أراد ما ذكرناه، فقد طبق مفصل الحق، [ولكنه حوّم عليه] 5 ولم يَرِدْه، وإن أراد أن المرأة تحلّفه 6: أنك ما طلّقتني واحدة [قَبْلُ، والزوج يزعم] 7 أنه طلقها قبلُ ثلاثاً، فلا خير في هذه الصورة؛ فإن الزوج إذا أسند قوله إلى ما تقدم، ولم ينكر إجابتها من قبل حتى ينشىء الإجابة في الحال، فيؤول الأمر إلى النزاع فيما كان، وموجبه أن قول الزوج مقبول عليه في الثلاث، ولا يُقبل قوله عليها في استحقاق المسمى.
ولست أبعد أن المنتهي إلى هذا الفصل، إذا كان ذا فكرٍ قد يخطُر له أن مقصودها في الثلاث قد حصل [بحكمنا] 8 على الزوج وقضائنا بوقوع الثلاث، فيجب أن يكون مصدّقاً في استحقاق المسمّى.
وهذا تلبيس لا يقنع به طالبُ غاية؛ فإنا حكمنا عليه ظاهراً حكمنا في 1 الأقارير، وقد لا يكون الأمر في الباطن كذلك.
ومن الأصول الممهدة أن قول الإنسان مقبول فيما هو عليه، وليس مقبولاً فيما يجب على غيره.
8885 - وسيبين ما ذكرناه بذكرنا الطرف 2 الآخر، فنقول: إذا انفصل الزمان، فموجب النص أن الزوج لا يستحق كمالَ المسمى، ولو كان على الحكم بوقوع الثلاث معوّلٌ، لقضينا باستحقاقه المسمى [وإن] 3 انفصل الزمان؛ اعتماداً على قضائنا عليه بموجب إقراره.
ثم قال الشافعي: لا يستحق المسمى إذا طال الزمان، وهذا حق.
وقال 4 فيما نقله النقلة: يتحالفان؛ لأنه يدعي عليها كمال الألف، وهي [تقرّ بثلثها] 5، وهذا أبعد عن التحقيق من الطرف 6 الأول؛ فإن التحالف إنما يجري إذا كان الاختلاف آيلاً إلى [صفة العقد] 7 أو إلى صفة عوضه، فإذا حصل التوافق على أن المطلوب ثلاث والبدل ألف، ووقع النزاع فيما وقع من الزوج، [فالتحالف] 8 في هذا محال، والوجه القطع بأنه لا يستحق عليها إلا القدر المتفق عليه، وهو ثلث الألف.
وإذا لم يتجه التحالف [لم يتجه الرجوع] 9 إلى مهر المثل.
ثم لا يخفى 10 أن الزوج لو أراد أن يحلفها على المسلك الحق، حلفها على نفي
العلم؛ فإن يمينها تتضمن نفي فعلٍ للغير.
ومن الأصول التي تكررت في المعاملات وستقرر في الدعاوى والبينات -إن شاء الله تعالى- أن اليمين إذا تضمنت نفي فعل الغير فصيغها نفي العلم.
فإن قال قائل: هلا قلتم: الزوج من وجهٍ مصدق في [التطليق] 1 والمرأة مصدقة في عدم التزام [تمام] 2 البدل، فيتعارض الأصلان، ولا يكون أحدهما أولى بالتصديق من الثاني، وإنما ينشأ التحالف من استواء الجانبين.
ثم إذا تحالفا، فلا وجه إلا الرجوع إلى قيمة البضع الفائت؟ قلنا 3: إن كان لما نقله الأصحاب وجه، فهو هذا، ولكنه تلبيسٌ عندنا؛ فإن الزوج في إقراره بمثابة البائع يدعي تسليمَ المبيع إلى المشتري وتلفه في يده، مع إنكار المشتري للقبض، وهذا بيّن لا غموض فيه.
فلم نغادر إذاً طرفاً لم ننته إليه نقلاً وإيضاحاً، وغايتنا في هذا الكتاب إنهاء كل فصلٍ نهايته.
والله ولي التوفيق، وهو بإسعاف راجيه حقيق.
فصل
قال: "ولو قال: طلقتك بألفٍ، فقالت: بل على غير شيء ... إلى آخره" 4.
8886 - إذا ادعى الرجل أنه طلقها على ألف، فأنكرت التزام الألف قبولاً واستدعاء، حكمنا بوقوع الطلاق على صفة البينونة على إقرار الزوج، والقولُ في نفي البدل قولُها، وهذا يؤكد الأصلَ الذي مهدناه، وإن كان وضوحه مغنياً عن الاحتياج إلى الاستشهاد، ولكن ذلك [النص] 5 المشكل حكاه القفال عن الأم 6، ولم ينقله
المزني، وكل ما يضاف إلى الأم، فهو من الأقوال القديمة 1.
8887 - ولو قال السيد لعبده قد أعتقتك على ألفٍ، فأنكر العبد التزام الألف، نفذ الحكم بالعتق، ولم يلزم المال.
ولو قال: بعت منك إياك بألف، فأنكر، أو قال: بعت منك هذا العبد بألف، [فأعتقته] 2، فالعتق ينفذ في هذه المسائل، ولا يثبت المال على المنكر.
وبمثله لو قال: بعت منك هذا العبد بألف، ولي عليك ثمنه، فأنكر المدعَى عليه البيع، فلا يؤمر المقِرُّ بتسليم العبد إليه، والسبب فيه أن مستحِقَّ الحق في هذه الصورة الأخيرة هو الذي ادعى صاحبُ العبد كونه مشترياً وأنكر هو حقَّ نفسه، فيستحيل أن يثبت حقه، على الرغم منه، والعتق في المسائل التي ذكرناها لله تعالى فلا يرتد إذا جرى الإقرار به، ومن الأصول الثابتة أن من أقر بشيئين وأحدهما يضره، والثاني ينفعه قُبل قوله فيما يضره، ورُدّ فيما يضر غيره.
فرع:
8888 - قال صاحب التقريب: إذا قالت المرأة: طلقني على شيء أو على مال، فقال: أنت طالق على ألف درهم، فالرجوع إلى مهر المثل والبينونة تقع بهذا الذي بينهما.
وسبب الرجوع إلى مهر المثل أنهما لم يتراضيا على معلوم.
وهذا يحتاج إلى مزيد تفصيل، فيجوز أن يقال: إذا قال المرأة: طلقني على شيء فغرضها بذلك أن تلتمس [منه] 3 تطليقها على عوض، حتى إذا طلّقها على عوض قبلت، هذا ظاهرٌ في قول المرأة: طلقني بعوض، أو طلقني بما تريد.
لأتخلّص بقبول مرادك 4، فعلى هذا لا يحكم بوقوع الفرقة.
وسبيل التفصيل في ذلك أن نقول: إذا أرادت المرأة الاستدعاء الجازم، المغني عن القبول، فالحكم ما ذكره صاحب التقريب، وتعليله بيّن.
وإن زعمت أنها أرادت استنطاقه بشيء يقدّره لتقبله، ففي قبول ذلك منها احتمالٌ ظاهر: يجوز أن يقال: لا يقبل ذلك منها، ويحمل قولها على الاستدعاء الجازم، كما لو قالت: طلقني بألف، فقال طلقتك بألف، ويجوز أن يقال: هذا منها استنطاق الزوج بابتداء الإيجاب الذي يقتضي استعقابَ القبول.
وفي المسألة احتمال ظاهر.
ولو قالت: طلقني بشيء، فقال في جوابها: أنت طالق بشيء، فالأظهر هاهنا حمل استدعائها على الجزم الذي يكتفى به، وليست [المسألة] 1 خاليةً عن الاحتمال، والعلم عند الله تعالى.
فصل
قال: " ويجوز التوكيل في الخلع، حراً كان، أو عبداً ... إلى آخره" 2.
8889 - هذا الفصل بقية الكتاب، وهو من الفصول المنعوتة 3 -والله ولي التوفيق عند كل عسر- فليقع تصدير الفصل بمن يجوز أن يكون وكيلاً في الخلع، فنقول أولاً: للزوج أن يوكل بالمخالعة، وللمرأة أن توكل من يختلعها عن زوجها، والتوكيل جارٍ 4 من الجانبين.
ثم 5 نذكر وراء هذا من يجوز أن يكون وكيلاً [للزوج في المخالعة، ثم نذكر من يجوز أن يكون وكيلاً] 6 للمرأة في الاختلاع.
8890 - فأما الضبط فيمن يجوز أن يكون وكيلاً للزوج في المخالعة، فقد قال الأئمة = الإيجاب، فإذا قال ما طلبته، كان عليها القبول.
الماضون: من ملك مباشرةَ الخلع لنفسه بنفسه، تُصُوِّر أن يكون وكيلاً للغير في الخلع، فللرجل أن يوكل حراً أو عبداً، ومحجوراً عليه بالسفه؛ فإن العبد يستبد بالمخالعة، وكذلك المحجور المبذر.
وقالوا: للمسلم أن يوكل ذمياً في مخالعة امرأته المسلمة؛ إذ الذمي قد يخالع زوجته المسلمة، وذلك بأن تسلم ذمية تحت ذمي بعد الدخول، فإذا خالعها، ثم جمعهما 1 الإسلام، بان أن الخلع كان صحيحاً.
وهذا الذي ذكره الأصحاب منتظمٌ في النفي [والإثبات] 2 والطرد والعكس، ولكنْ فيه تقييد [ليس يفيد] 3 فقهاً على ما نؤثره.
ولو كان 4 يتصور تطليق الذمي [زوجةً مسلمة] 5، لصح أن يكون وكيلاً [لمسلم] 6 في تطليق زوجته، تعويلاً على صحة عبارته.
ولهذا قلنا: الذمي على المذهب الأظهر [لا] 7
يجوز أن يكون وكيلاً في تزويج مسلمة، [والتزوّج] 1 بها لمسلم.
8891 - ومما ظهر الاختلاف بين أصحابنا فيه أن المرأة هل يجوز أن تكون وكيلة في الطلاق بالعوض [وغير العوض] 2: فمن أصحابنا من قال: يجوز أن يوكل الرجل امرأة حتى تخالع زوجته وتطلقها بمال، ويجوز أن يوكل امرأةً حتى تطلق زوجته من غير مال؛ إذ لا خلاف أن الرجل إذا قال لامرأته: طلّقي نفسك، فطلقت نفسها، نفذ الطلاق بلفظها؛ وإذا كان قولها صالحاً للطلاق في هذا المحل الذي حكينا الوفاق فيه، فلا يمتنع أن تكون الأجنبية وكيلة في تطليق الزوجة، ولمّا [استُلبت] 3 عبارة المرأة في طرفي النكاح، لم يتصور منها على الصحة تزويج [ولا تزوّج] 4.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن تكون المرأة وكيلة في الطلاق، ولا يقع الطلاق بعبارتها، كما لا ينعقد النكاح بلفظها، وهذا القائل يقول: تفويض الرجل الطلاق إلى المرأة ليس توكيلاً، وإنما هو تمليك، [وقد رمزنا] 5 إلى هذا الأصل، وأحلنا استقصاءه على كتاب الطلاق.
وقال الأصحاب: الخلاف في أن المرأة هل يجوز أن تكون وكيلةً في الطلاق مأخوذ من الخلاف في أن الرجل إذا فوّض الطلاق إلى امرأته، فهذا تمليك أو توكيل؟ فإن جعلناه توكيلاً، لم يمتنع توكيل المرأة بالطلاق، وإن جعلناه تمليكاً، اختص التمليك بالزوجة، ولم يُتصوّر من غيرها عبارةٌ صحيحة عن الطلاق، ولولا [اشتهار هذا] (6) الخلاف،6 = نكاح مسلمة" ا. هـ. فهل هذا هو الحكم عند الإمام؟ وإذا كان كذلك يبقى السؤال: لماذا لم يحكه أحد عنه، إلا البلقيني؟! وتبقى المسألة محل نظر! (ر.
الشرح الكبير: 7/ 557، الروضة: 4/ 300 و7/ 66).
لتناهيت 1 في تزييف منع توكيل المرأة؛ فإنه إذا صح تمليك المرأة، فلأن يصح توكيلها أولى، فقد يتوكل في الشيء من لا يملكه؛ ولذلك لنا: يجوز أن يكون العبد والكافر والفاسق [وكلاء] 2 في النكاح على الرأي الأصح.
وإن كانوا لا يلون النكاح على الاستقلال؛ فلا حاصل إذاً لهذا الخلاف؛ ولكنه مشهور مذكور في كل طريق.
هذا قولنا فيمن يصح أن يكون وكيلاً بالتطليق على مال، والمخالعة من جهة الزوج.
8892 - فأما من يكون وكيلاً لها، [فكل من يكون من أهل العبارة في الطلاق يجوز أن يكون وكيلاً لها في] 3 سؤال الطلاق.
وقال الأئمة: إن خالف مخالف في المرأة هل يجوز أن تكون وكيلة عن 4 الزوج، فلا خلاف أن المرأة يجوز أن تكون وكيلة عن [الزوجة] 5 في الاختلاع؛ فإن الأصل في الاختلاع المرأة، وقد نص الشافعي على أن المرأة إذا اختلعت نفسها وضرتها بمالٍ، صحَّ.
وإذا كان يصح منها أن تختلع ضرتها من غير توكيل من جهتها، فلا يمتنع أن تكون وكيلة أيضاًً.
هذا تفصيل القول فيمن يجوز أن يكون وكيلاً من الجانبين.
وفي تنبيهنا على من يجوز أن يكون وكيلاً إيضاح لمن لا يكون وكيلاً.
8893 - وإذا تبين هذا، خضنا بعده في تصرف الوكيل على الموافقة والمخالفة: فنبيّن تفصيلَ القول فيما يصدر من وكيل الزوج، ثم ننعطف، فنبين ما يصدر من وكيل الزوجة.
فأما وكيل [الزوج] 6، فلا يخلو إما أن يكون موكلاً بالمخالعة المطلقة، وإما أن
ينصّ الزوج على مبلغ من المال، فإن نص على مبلغٍ معلوم، وقال: طلّق زوجتي بمائة دينار، فلا يخلو الوكيل إما أن يوافقه، وإما أن يزيد، وإما أن ينقص.
فإن خالعها بالمقدار المذكور، نفذ الخلع، وثبت البدل، وإن زاد على المقدار المسمّى، ثبت ما سماه الوكيل، وكان ما جاء به في حكم الموافقة.
وهذا بمثابة ما لو قال مالك العبد للوكيل: بع عبدي هذا بمائة، فإذا باعه بمائتين، نفذ البيع بهما.
وقد قررنا هذا وما يليق بجوانبه في كتاب الوكالة.
وإن خالف الوكيل الزوجَ، فنقص وخالع بأقلّ من المقدار المسمى، فالمذهب [المبتوت] 1 الذي عليه التعويل أن الطلاق لا يقع؛ فإن الوكيل لا يملك الاستقلال بالتطليق، وإنما يطلّق مأذوناً، وإذا خالف، لم يكن مأذوناً.
وذكر بعض أصحابنا قولاً مخرجاً في وقوع الطلاق على ما سنذكر -على الاتصال - أصله في هذا الفصل، إن شاء الله تعالى.
ولسنا نفرع على القولين حتى نذكر صورةً أخرى.
8894 - فإذا وكل الزوج بالمخالعة مطلقاً، ولم ينص على مقدارٍ من العوض، فقال: خالع زوجتي هذه، فالذي ذكره الأصحاب أن الوكيل إذا خالعها بمهر مثلها، أو أكثرَ من مهر مثلها، نفذ وصح 2، وكان بمثابة ما لو باع الوكيل المطلق ما وكّل ببيعه بثمن المثل، أو بأكثر من ثمن المثل.
فأما إذا خالعها بأقلَّ من مهر مثلها، فظاهر النص في الإملاء وفيما حكاه الربيع أن الطلاق يقع على تفصيلٍ سنذكره في التفريع، إن شاء الله تعالى.
وخرّج مخرجون [قولاً] 3 أن الطلاق لا يقع؛ فانتظم من هذا أن ظاهر النص في التوكيل المطلق وقوعُ الطلاق، وإن جرت المخالعة بدون مهر المثل، وظاهر النص أن الزوج إذا عين مقداراً، فخالع الوكيل بأقلّ منه، فالطلاق لا يقع.
وخرج الأصحاب في كل صورة قولاً على خلاف النص.
فأما وجه التخريج [في صورة] 1 الإطلاق، فبيّنٌ؛ فإنه مخالف، والعقدُ المطلق محمول على عوض المثل، فلذلك جعلنا الوكيل المطلق بالبيع إذا باع بأقل من ثمن المثل مخالفاً، نازلاً منزلة ما لو عين له مالك المتاع مقداراً من الثمن، فباع بأقلَّ منه، فليكن الأمر كذلك ها هنا.
وإذا ظهرت المخالفة، وبطل استقلال الوكيل بنفسه، [لم] 2 يبق إلا رد الطلاق.
فإن قيل: هذا بيّن، فما وجه نفوذ الطلاق على ما اقتضته النصوص؟ قلنا: الطلاق مأخوذ من اللفظ، مُدار على التطليق 3، فإذا قال الزوج: خالع زوجتي، فالذي جرى من الوكيل يسمى مخالعة، فيجب تحقيق التطليق بحكم اللفظ، وليس كالمبايعات؛ فإنها مدارة على العادات.
وفيما قدمناه من تنزيل العقود على النقود الغالبة وقطع تعليق الطلاق عن هذا الأصل ما يؤكد هذا 4.
فإن قيل: ما وجه تنفيذ طلاق الوكيل الذي عيّن له الموكل مقداراً، فخالع بأقلّ منه؟ قلنا: [أول] 5 ما نوجه به أن نستدل بالتوكيل المطلق مع فرض المخالعة بأقلّ من مهر المثل، وعلى الجملة، [يضعف] 6 توجيه هذا.
وقد أضرب عن حكايته كثير من الأئمة.
هذا بيان القولين في وقوع الطلاق وعدم وقوعه.
8895 - ونحن الآن نفرّع ونستعين بالله عز وجل: فإن قلنا: لا يقع الطلاق، فقد لغا لفظ الوكيل، ولا حكم لما جاء به.
ان حكمنا بأن الطلاق واقع، فقد ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص قولين:
أحدهما - أن [الزوج] 1 بالخيار إن شاء أجاز ما فعله الوكيل وتنفذ البينونة، وإن شاء، ردّ المال [وردّ البينونة، ووقع الطلاق رجعياًً؛ فإن الطلاق إن كان يقع بحكم اللفظ، فالبينونة لا تثبت إلا بالمال، والمال لم يثبت على موجب الإذن، فهذا نوع من التخيير.
وحكى قولاً آخر مخرجاً عن ابن سريج أن الزوج بالخيار، إن شاء أجاز ما - فعله الوكيل، وإن شاء ردّ المال] 2 والطلاق أصلاً 3.
فإن قال قائل: هذا بعينه مصير إلى وقف الطلاق، وقد ذكرتم في المعاملات للشافعي قولاً في وقف العقود، ثم ذكرتم الآن الوقف من وجهين، وقفاً في البينونة والرجعة، ووقفاً في رد الطلاق قلنا: لو كان هذا مأخوذاً من وقف العقود، فالممكن فيه اختصاص [الطلاق بمزايا يقتضي بها مزيد النفوذ] 4، فقد يقول القائل: نحن وإن لم نجوز وقف سائر العقود، فقد نجّوز وقف الطلاق لما أشرنا إليه.
وهذا ليس على [الحد الذي] 5 أرتضيه؛ فإنا لو أخذنا هذا من وقف العقود، لوجب تعطيل [التوكيل] 6 فيها، ولوجب أن يقال: إذا أقدم أجنبي على مثل ما وصفناه، فالكلام في إجازة الزوج وردّه على ما تقدم.
وهذا انحلال وخروج عن الضبط.
ونحن نستفرغ الوسع في توجيه ما حكيناه، ونقول: أما الحكم [بوقوع] 7 الطلاق في إطلاق الوكالة، فمأخوذ من اللفظ، وما ينبني الطلاق عليه.
في الحنث والبر، فليتخذ الناظر هذا معتمده.
ثم وراء ذلك مالٌ 8، فيجوز أن يُفرض فيه [خيار] 9.
ثم ينقدح من فرض ردّه قولان: أحدهما - أن الطلاق لا مرد له؛ فإن ارتدّ المال، بقي الطلاق عريّاً؛ فكان رجعياًً، ويجوز أن يقال: وقع الطلاق، ولكن ارتبط بمالٍ يقبل الرد، وهو لم يرض بالطلاق المطلق، فينعكس رد المال على رد الطلاق، وليس هذا [كردّ] 1 عوض الخلع بالعيب؛ فإن الطلاق لزم متعلقاً بعينه، فلم يكن له بعد لزومه مردّ، وهذا النوع من الرد الذي نحن فيه ينعكس على أصل [الإذن] 2 ومن طلب أكثر من هذا في هذا المقام، وقع في الوقف، مع ما فيه من الفجاجة.
8896 - وبالجملة لسنا ننكر سقوط القولين جميعاً في رد البينونة، وأصل الطلاق، ولم أر هذين القولين إلا للشيخ أبي علي، والأصحابُ في الطرق مجمعون على أن الفرقة إذا وقعت، كانت بينونة لا خِيرَةَ في ردها، وحكَوْا عن الشافعي بعد القضاء بلزوم البينونة 3 قولين على وجهٍ آخر أحدهما - أن الطلاق إذا وقع بالمقدار الذي سماه الوكيل، نفذ وتم، والرجوع إلى مهر المثل، فينفذ الطلاق لموجب الإطلاق، وفقضي، بفساد التسمية للإخلال بما يجب أن يُرعى في المال، ونتيجةُ هذه الجملة الرجوعُ إلى مهر المثل.
ْوالقول الثاني - أن الزوج بالخيار: إن شاء، فسخ ورجع إلى مهر المثل، وإن شاء، قنع بذلك المقدار ورضي به، وقد يكون له فيه غرض، وقد يكون عيناً وهو يبغيه، ولا يريد إسقاطه.
فإن قيل: فما وجه القولين؟ قلنا: [الأوجه] 4 ثبوتُ مهر المثل، وجهه لائح.
وأما وجه [قول] 5 الخيار، فهو أنا إذا نفذنا الطلاق، لم يمكننا أن نقطع القول بفساد المسمى، ولم يمكننا أن نهجم على إبطال حق الزوج من المال، فكان يتجه ما ذكرناه أن يتخير الزوج، كما نصصنا عليه.
8897 - ولا ينبغي للمفرّع أن يذكر هذه التفاريع في غير صورة الإطلاق؛ فإن المذهب المبتوت أن الزوج إذا عين للوكيل مقداراً وأمره بالمخالعة [به] 1، فخالف وخالع بأقلّ منه، فالطلاق لا يقع؛ فلا حاجة إلى تفريع المسألة بعد الحكم بوقوع الطلاق.
ولو فرّع مفرع على أن الطلاق يقع مع المخالفة لصريح 2 الإذن، لَسَمُجَت التفاريع؛ فإن ما ذكرناه وتكلفناه إنما يلطف [موقعه] 3 مع إطلاق اللفظ، واشتماله على مقتضى العموم مع الالتفات على قاعدة الحِنث والبر [من وجه] 4، ومع النظر إلى اختلال المال في الأثناء من [وجه] 5، والخلع مركب من أصول متعارضة، فجرى ترتيبٌ عليه طلاوةُ [القبول] 6 وإن كان التحقيق مخالفاً [له] 7. فأما إذا فرض التصريح بالمخالعة 8، فتبعد تلك التفاريع.
8898 - ومما يدور في الخلد أن الرجل إذا قال للوكيل: خالع امرأتي، فهل نقول: مجرد ذكر المخالعة يشعر بالمال؟ وهل يخطر لذي النظر في المغمَضات [تخريجٌ] 9 هذا على ما إذا قال الرجل لامرأته.: " خالعتك "، فقالت: اختلعت.
ولم يُجرِ واحدٌ منهما للمال ذكراً؟ ففي ثبوت المالية كلام ذكرتُه في أول الكتاب.
يجوز أن يقال 10: التوكيل بالمخالعة بمثابة التوكيل بالبيع، [ولو قال: بع عبدي، كان ذلك محمولاً على البيع] 11 بالعوض.
ويجوز أن يقال: ليست المخالعة كذلك، فإنها كناية في وضعها، ومن محالّ ترددها إرادة الخلع بها من غير مالٍ، فليكن في هذا مزيد نظر، وإذا 1 قال الرجل للوكيل: طلق امرأتي بمالٍ، أغنى هذا عن ذكر المخالعة، وكان تصويراً في الإطلاق من غير تعرض لمقدارٍ في المال.
وقد انتجز بعون الله ولطفه تفريع القول في تصرف الوكيل من جهة الزوج.
8899 - فأما تفصيل القول في تصرف الوكيل من جهة المرأة، فنقول: لا تخلو المرأة إما أن توكل بالاختلاع مطلقاً من غير تنصيص على مقدار من المال، وإما أن تنص على مقدار من المال، فإن نصت على مقدارٍ من المال، وقالت لوكيلها: اختلعني بكذا.
فإن وافق الوكيل واختلعها بذلك المقدار، صح، ونفذ.
وإن وقع الاختلاع بأقل من ذلك المقدار، صح أيضاًً، وكان ذلك تناهياً في الموافقة، وهو بمثابة ما لو قال الرجل لوكيله: اشتر لي هذا العبد بألف، فإذا اشتراه الوكيل بخمسمائة، فقد وافق وزاد، فالنقصان في هذا الجانب بمثابة الزيادة في ثمن المبيع من الوكيل بالبيع.
8900 - وإن خالف الوكيل واختلعها بأكثر مما سمَّت، فهذه مخالعة متضمنها جرُّ ضرار ومزيدُ غرم، فلا يخلو الوكيل إما أن يضيف العقد والقبول إليها، وإما أن يطلق الاختلاع، ولا يضيف إليها.
[فإن أضاف إليها] 2 وقال: اختلعتها بألفٍ من مالها أو بألفٍ عليها، فظاهر النصوص في الكتب الجديدة والقديمة أن الطلاق يقع.
ومذهب المزني أن الطلاق لا يقع، وليس يخفى اتجاه القياس فيما اختاره المزني؛ فإن هذا الوكيل لم يضف الاختلاع إلى نفسه، فينزل العقد عليه، وإنما أضاف إليها، وهي لم تلتزم بنفسها هذا المقدار، ولم تأذن لوكيلها في التزامه، فاقتضى القياس أن يكون هذا القبول لاغياً بمثابة المعدوم، وإذا انتفى القبول -والإيجابُ يتعلق به- كان
بمثابة ما لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق بألف، فسكتت، ولم تقبل.
هذا وجه ما ذكره المزني، ولم أر أحداً من الأصحاب يرى مذهبه قولاً مخرجاً في المذهب على [اتجاهه] 1.
والذي أراه أن يُلحَق مذهبُه في جمبع المسائل بالمذهب؛ فإنه [ما انحاز] 2 عن الشافعي في أصلٍ [يتعلق] 3 الكلام فيه بقاطعٍ، وإذا لم يفارق -الشافعيَّ- في أصوله، فتخريجانه خارجةٌ على قاعدة إمامه، فإن كان لتخريج مخرِّج التحاقٌ بالمذهب، فأولاها تخريج المزني لعلوّ منصبه في الفقه، وتلقّيه أصول الشافعي [من فَلْق فيه] 4 وإنما لم يُلحق الأصحابُ مذهبَه في هذه المسألة بالمذهب؛ لأن من صيغة تخريجه أن يقول: قياس مذهب الشافعي كذا وكذا.
وإذا انفرد بمذهبٍ، استعمل لفظةً تشعر بانحيازه، وقد قال في هذه المسألة لما حكى جواب الشافعي: " ليس هذا عندي بشيء "، واندفع في توجيه ما رآه بما ذكرناه.
8901 - فإن قيل: ما وجه القول المنصوص عليه؟ قلنا: "الإذن قد صدر منه على الجملة، والوكيل جرى في أصل الاختلاع على الإذن، وإنما خالف في العوض، وقد تمهد في أصل الشرع أن العوض ليس ركناً في الخلع، حتى يفسدَ الخلعُ بفساده، [وإذا] 5 كانت الفرقة تقع بالمخالعة على الخمر مع القطع بأن القبول في الخمر باطل، [وكان] 6 من الممكن أن يقال: إذا لم تكن الخمر مقبولة، فإضافة القبول إليها لاغٍ، [فلما] 7 تعلّق بقبول الخمر وقوع الطلاق شرعاً، وليست الخمر مقبولة شرعاً، (8 دل على ما ذكرناه 8)، وليس الطلاق المتعلق بالقبول بمثابة الطلاق المعلق بالصفات؛8
فإن الطلاق إذا علقه مالكه بصفة، فلا فرق بين أن تكون تلك الصفة محظورة ديناً، وبين أن تكون مباحة؛ فإن تقدير وقوع الطلاق في التحقيق يرجع إلى تأقيت الطلاق، وكأن مالك الطلاق قال عند وجود الصفة المذكورة: أنت طالق، هذا مسلك التعليق، فلا يختلف إذاً -على هذا- التعليقُ باختلاف المتعلقات.
وأما القبول، [فالطلاق] 1 يقع به على حكم تصحيح القبول أخذاً من أحكام المعاوضات، فإذا وقع الطلاق بقبول الخمر، تبين أن فساد العوض لا أثر له، فقد قبل الوكيل عنها حقّاً، ولكن أتى وراء القبول بما هو فاسد في حكم إذنها، فوقع الطلاق لذلك.
هذا وجه النص والمذهب.
التفريع:
8902 - إذا تبين أن الطلاق واقعٌ، فالمذهب الصحيح أن المسمَّى يسقط، والرجوع إلى مهر المثل، بناء على ما وجهنا به المذهب من القياس على فساد العوض، وهذا من باب الفساد الراجع إلى صيغة اللفظ، ثم موجب هذا الرجوع إلى مهر المثل.
وفي المسألة قول آخر أن على المرأة الموكِّلة أكثرَ الأمرين من المائة التي سمَّتها، ومن مهر مثلها، [فإن كان ما سمّته أكثر من مهر مثلها، فعليها بذلُ ما رضيت به، وإن كان مهر مثلها أكثرَ مما سمته، فعليها مهرُ مثلها] 2.
وحقيقة القولين لا تتبين إلا بمعاودات ومباحثات.
أما القول الذي صححناه في التفريع، فمأخذه من إفساد التسمية، وهذا لائحٌ.
وأما القول الثاني، فليس القائل به قاطعاً بالفساد، ولكنه يقول: إذا سمى الوكيل مائتين وسمت المرأة مائة، فقد أتى الوكيل بالمقدار الصحيح، وضم إليه ما لا يصح، وهو الزيادة، وكأنه لا يقطع القول بالفساد.
ومما يسوغ الاحتجاج به لهذا القول أن المبالغة في تقرير 1 فساد التسمية توجب رفع الإذن من البَيْن، وهذا تورط في مذهب المزني.
وإنما يتجه الحكم بوقوع الطلاق لاشتمال قول الوكيل على ما فيه بعض الموافقة.
وإذا لم يقدر هذا، كان ذلك استئصالاً للإذن ورفعاً له، ثم هذا القائل إذا لم يجزم القول بالفساد، كان موجَب [ما يؤصّله] 2 أن ينظر إلى ما رضيت بالتزامه، فإن كان مثلَ مهر المثل أو أكثر، ألزمنا الزوجَ الرضا به، وإن كان أقلّ من مهر المثل، فيثبت عند ذلك للزوج حقٌّ؛ من جهة إخلاف ظنه، ولا معتبر ينظر إليه إلا فوات البضع وإيجاب قيمته، وهذا إيجاب مهر المثل، من غير فساد ولا تقدير خيار وفسخ، ولكن يثبت للزوج حق لم نجد له مأخذاً إلا القيمة، ووجد من المرأة التزامٌ، [فتردّد] 3 النظر بينهما على ما حكيناه.
هذا هو الممكن في توجيه هذا القول.
والقول الأسدُّ الرجوعُ إلى مهر المثل جزماً، من غير تفصيل.
ثم سواء أوجبنا مهر المثل، أو ألزمنا أكثر الأمرين مما سمّت أو مهر المثل، فليس على الوكيل غرم، ولا ضمان؛ فإنه أخرج نفسه من البَيْن، ولم يضف الالتزام إلى نفسه [أصلاً] 4.
التفريع على القولين:
8903 - إن جزمنا 5 القول بثبوت مهر المثل، فلا كلام، ويجب تمامه، وإن زاد على ما سماه الوكيل.
وإن فرعنا على القول الثاني وقد سمت المرأة مائة، ومهر المثل مائة وخمسون، وسمى الوكيل مائتين، فالواجب مائة وخمسون، ولو كان مهر المثل تسعين،
فالواجب مائة، ولو كان مهر المثل ثلاثمائة، فالأصح أنا 1 نوجب المائتين؛ فإن الزوج رضي بهما فيما سماه الوكيل، فكما يلزم المرأة المائة وإن كان مهر المثل أقل منها لالتزامها، فكذلك يلزم الرجل الاكتفاء بالمائتين إذا كان مهر المثل أكثر منهما، لأنه رضي بهذا المقدار، فإنّ 2 رضاه معتبر، كما كان رضاها معتبراً.
ومهر المثل دائر بينهما.
هذا تفصيل القول فيه إذا أضاف الوكيل ما ذكره من المسمى الزائد إلى التزام المرأة.
8904 - فأما إذا لم يتعرض للإضافة إليها، ولكن أطلق اختلاعها بالمائتين، فالخلع نافذ، والبينونة واقعة، فإنها إذا كانت تقع والخلع مضاف إليها على خلاف إذنها، [فلأن] 3 تقع والاختلاع مطلق أولى.
ثم ما الذي يجب على الوكيل؟ أولاً - أجمع أصحابنا على أن المرأة لا تخرج من البَيْن، ولا يقال: لمّا خالف الوكيل مقدار ما سمَّته، وأطلق القبول والالتزام، كان هذا بمثابة ما لو اختلع بنفسه من غير توكيل.
هذا لم يصر إليه أحدٌ من الأصحاب، [إذا أطلق الالتزام، ونوى الموكّلة] 4.
ثم فيما يجب عليها 5 وعليه قولان: أحدهما - أنا ننظر إلى مهر المثل، فنوجبه على المرأة إذا كان أكثر مما سمّت، ونوجب على الوكيل تكملة المائتين.
وبيان ذلك أنها سمَّت مائة، ومهر المثل مائة وخمسون، وقد سمَّى الوكيل مائتين، فنوجب عليها مائة وخمسين، ونوجب على الوكيل الخمسين، تكملة المائتين.
وإن كان ما سمته أكثر من مهر المثل، بأن كان مهر المثل تسعين، وما سمته مائة، وما سماه الوكيل مائتان، فعلى المرأة المائة، وعلى الوكيل المائة الأخرى.
ولو بلغ مهر مثلها
مائتين، فكمال مهر المثل عليها [على] 1 هذا القول.
فإذاً الواجب عليها أكثر الأمرين، فإذا لم يبق شيء إلى تمام المائتين، فلا طلبة على الوكيل، وإن بقي شيء، فعلى الوكيل إتمامه.
وفي المسألة قولٌ آخر، وهو أقيس عند أئمة المذهب، وذلك أنا لا نُلزم المرأةَ إلا ما سمَّت، فلا نحط ولا نزيد، ونوجب على الوكيل إتمام المسمى من عند نفسه.
وحقيقة القولين في هذه الصورة تؤخذ أولاً من أن الفساد لا يتطرق إلى التسمية؛ فإن الالتزام جرى من الوكيل مطلقاً، [ومطلق] 2 الالتزام صحيح منه من غير توكيل، وليس كما لو أضاف إليها على الخُلف؛ فإن [الإضافة] 3 فاسدة، وبم يوجد منه التزامٌ [مطلق] 4، حتى ننزّل عليه.
[فإذا فُهم هذا، نقول بعده: إنا في القول الأول نقول: قد تعلق الخلع بها] 5 على حالٍ؛ إذ لو لم يتعلق بها، [لبرئت] 6 بالكلية، ولاختص الوكيل بالالتزام، وهذا لا سبيل إليه لما بنينا المذهب عليه من أن قاعدة الخلع لا تزول بالتغاير في [التسميات.
نعم، قياس مذهب المزني] 7 انصراف الاختلاع عنها بالكلية إلى الوكيل؛ فإنه ينزل الاختلاع منزلة الابتياع؛ وإذا كان الرجل وكيلاً بابتياع عبد بمائة، فإن أضاف
الشراء إلى الموكل وأوقعه بمائتين، كان الشراء باطلاً، وإن أضافه إلى نفسه، انصرف عن الموكل، ووقع عن الوكيل.
هذا قياس المزني.
8905 - وإذا فرعنا على مذهب الشافعي، فلا بد 1 من تعليق الخلع بالمرأة، ثم إذا تعلق بها وقد جرى على خلاف ما رسمت، دار الأمر عليها بين ما سمّت، وبين مهر المثل، فلزمها الأكثر منهما، ثم ذكرنا في الصورة الأولى أنه إذا قَصَر 2 الأكثرُ عن المائتين، فلا يجب على الوكيل شيء، والسبب فيه أنه لم يلتزم، بل أضافه [فكان] 3 خارجاً عن الغرم، وقد التزم في مسألتنا، فلزمه الوفاء بما [التزمه] 4 هذا بيان هذا القول.
[والأقيس] 5 القولُ الآخر؛ فإن اعتبار مهر المثل إنما يحسن إذا كنا نشَوبُ الخلعَ أثر الفساد.
وهذا إنما يتجه إذا فسدت التسمية بالإضافة، وهاهنا لم تفسد، وإنما 6 جرت مطلقة، فإن كان يتعلق بالمرأة شيء، فلا التفات على مهر المثل، وإنّما الالتفات إلى ما التزمته، قلّ أم 7 كثر، وعلى الوكيل التتمّة.
وعلى 8 هذا أطلق الغواصون القولَ بأن هذا أقيسُ من الأول، ولم يعتبر أحد من الأئمة مهرَ المثل جزماً في هذه الصورة، بخلاف صور الإضافة على الفساد؛ فإن تلك الإضافة فسدت، فكان الرجوع إلى مهر المثل في القول الصحيح، والتسميةُ المطلقة صحيحة في صيغتها؛ فلم ينقدح مهر المثل (9 على جزم 9)، ثم سرّ المذهب في9
هذا أن المقدار الذي يلتزمه الوكيل منفرد به، فهو مطالب به، والزائد عليه يتخير الزوج فيه، إن شاء طالب به المرأة، وإن شاء طالب به الوكيل، ثم هو يرجع به على الموكلة.
هذا على المذهب المشهور في العهدة.
وإن قلنا: لا يطالَب الوكيل بعهدة العقد، فالقدر الذي يتوجه الطلبة به على المرأة لا يطالب الوكيل به إذا اعترف الزوج بكونه وكيلاً، ولم يكن بينهم اختلاف، وكانت 1 هذه الصورة بمثابة ما لو بذلت المرأة مالاً، ووكلت وكيلاً، فقال الوكيل: إن زوجك لا يخالعك بهذا المقدار، فلا عليك، وأنا اختلعك بما يطلبه، وإن زاد على ما بذلتِ، فالخلعُ يَقْبل هذا؛ فإن الأجنبي إذا ملك الافتداء من خالص ماله [والبضع] 2 يرجع عليها لا حظ للأجنبي فيه، فيقبل التبعيض على موجب الافتداء.
هذا نظر الشافعي.
وقد بان تحقيقه.
ثم إن حكمنا بأن المرأة تغرم الأكثر مما سمت ومن مهر المثل، فإن زاد مهر مثلها عن المائتين، فالزوج لا يطلبه أصلاً.
وقد ذكرنا هذا في الصورة الأولى، وهو في هذه الصورة أوضح.
وأجرينا في الصورة الأولى قولاً أن مهر المثل يجب بالغاً ما بلغ، وإن زاد على ما سماه الوكيل، ولا شك أن ذلك القول لا يجري هاهنا؛ فإن صورة الإضافة اتجه فيها الفساد، وموجبه الرجوع إلى مهر المثل، ولا يتجه الفساد في هذه الصورة التي ذكرناها.
هذا تفصيل المذهب فيه إذا أضاف الوكيل العوض 3 إليها، أو أطلق التزامه، ولم يُضف ولكنه نواها 4.
8906 - فأما إذا قصد اختلاعها من تلقاء نفسه، أو أطلق ولم 5 ينوها، نزل الخلع عليه وانقطعت الطّلبة عن المرأة.
وهذا بينٌ لا إشكال فيه.
8907 - ولو أضاف الوكيل المال إليها، كما قدمنا التصوير فيه، ولكنه ضمن عنها.
وإيضاح التصوير أنها إذا وكلته بأن يختلعها بمائة، فقال الوكيل: اختلعتها بمائتين من مالها، على أني ضامن، فهذه الصورة ذكرها الصيدلاني، وزعم أن حكمها حكم ما لو أطلق التسمية والالتزام، ولم يضف إليها.
وهذه هفوةٌ بيّنة؛ فإن الإضافة إذا فسدت، فالضمان لا يردّها إلى الصحة، فيجب طرد القولين المذكورين في صورة الإضافة إليها، حتى يتبين ما يجب.
ثم إذا استمر القولان على نحو ما جرى ذكرهما، فهذه الصورة [التي ذكرها] 1 تمتاز عن الأولى في حكمٍ وهو أنا لم نلزم الوكيل في الإضافة إليها شيئاً، وهاهنا نُلزمه ما يلزمها من جهة الضمان.
فإن قيل: لم لا تلزمونه التتمّة إلى المائتين؟ قلنا: لأنه لم يضف التزام العوض إلى نفسه، وإنما أقام نفسه كفيلاً، والكفيلُ لا يستقل بنفسه في الغرم.
فهذا ما يجب التنبيه له.
8908 - وكل ما ذكرناه فيه إذا وكلت المرأة وكيلاً بالاختلاع، وسمت مقداراً من المال، فأما إذا أطلقت التوكيل 2، ولم تتعرض لتسمية مقدار، فحق الوكيل إن أراد أن يجري على مرتبة الوكالة ألا يختلعها بأكثر من مهر المثل.
فإن اختلعها بمهر المثل أو أقلَّ، فذاك، والخلعُ نافذ على الصحة.
وإن اختلعها بأكثر من مهر المثل، فالزيادة على مهر المثل كالزيادة على المقدار المسمى إذا كانت سمَّت مقداراً.
ثم يختلف الأمر بأن يضيف إليها أو يطلق الالتزام.
فإن أضاف إليها، فهو كالإضافة إليها وقد كانت سمّت فزاد الوكيل.
وإن أطلق، فهو كالإطلاق في الصورة الأولى.
والجملة أن مهر المثل في صورة إطلاق التوكيل بمثابة ما لو 3 سمت إذا فرض من الوكيل الزيادة عليه، فلا فرقَ، غيرَ أن المسألة تمتاز عن المسألة بأمرٍ يرجع إلى
الصورة، وهو أنا قد نجري فيه إذا سمت شيئاً قولاً في أنه يلزمها أكثرُ الأمرين مما سمّت أو مهر المثل.
وهذا لا يتصور جريانه في الإطلاق، فإنها ما سمت شيئاً، فلا ينتظم التردّد في حقها [بين] 1 شيئين، ولكن لا يلزمها إلا مهر المثل، والكلام في أن الوكيل هل يلتزم تتمة المسمّى يخرّج على القياس المقدّم؟ فإن أضاف الالتزام إليها، لم يضمن شيئاً، وإن أضاف الالتزام إلى نفسه، فهو كما لو أضاف الالتزام إلى نفسه في صورة التسمية.
هذا منتهى القول في تصرف وكيل المرأة ألاختلاع.
وكل ما ذكرناه فيه إذا اختلع الوكيل بجنس ما سمت -إن كانت سمت- فوافق المقدارَ، أو زاد، أو نقص.
8909 - فأما إذا حاد الوكيل عن الجنس الذي سمت، وذكر جنساً آخر، وذلك بأن تسمّي دراهم، فيختلع الوكيل على الدنانير، قال القاضي: إن أطلق الاختلاع، صح، ووقع عن [الوكيل] 2، وبطل أثر الوكالة، وكان بمثابة ما لو اختلع أجنبيٌّ [زوجة] 3 إنسان بمالٍ من عند نفسه، وهذا إذا أطلق الالتزام.
وإن أضاف الالتزام إليها، فسد ولم يقع الطلاق، وهذا يؤكد مذهب المزني في الصورة الأولى؛ فان أصل التوكيل جارٍ منها، والفساد راجع إلى التسمية، فإذا كان فساد التسمية في المقدار لا يمنع وقوع الطلاق، ففساد الجنس لا يبعد ألا يؤثر، ولم أر هذا التفصيل 4 في الجنس والمقدار إلا للقاضي، وإن أراد المريد فرْقاً، لم يعدمه على شرط أن ينطاع لتركيب 5 الخلع [ولا يبغي] 6 فيه كلاماًً مجرداً، فنقول:
[المخالفة] 1 في الجنس إعراضٌ بالكلية عما قالت، [والمخالفة] (1) في المقدار [إتيان] 2 بما ذكرت مع مزيدٍ، كما تقدم.
ومما يجب تجديد العهد به التوكيلُ في النكاح، فإذا وكلت المرأة في أن تُزوَّج بمائة، فزُوِّجت بخمسين، فالذي ذهب إليه القفال أن النكاح لا ينعقد.
وقال بعض الأصحاب: ينعقد بمهر المثل، فإن حكمنا بأنه ينعقد، فهذا يطابق الخلع في أصله؛ من حيث إنه لا تندفع البينونة [بخلافٍ] 3 يجري في العوض.
وإن جرينا على طريقة القفال، احتجنا إلى فرقٍ بين النكاح والخلع، والممكن فيه التعلّق 4 بغلبة الطلاق وجريانه، وتصحيح فاسده، وتكميل مبعّضه، وتأبيد مؤقته، والنكاح لا يحتمل شيئاً من ذلك؛ [فإذا] 5 وكل الرجل وكيلاً حتى يقبل له نكاح امرأة بألف 6 فقبل الوكيل النكاح بألفين، [فاختيار] 7 الشيخ 8 أن النكاح لا ينعقد، وقال بعض الأصحاب: ينعقد، والرجوع إلى مهر المثل، والحكم بالانعقاد بعيد 9 في هذا الطرف.
وقد انتهت المسألة نهايتَها، وبلغت مبلغاً لا مزيد عليه، ولكن ليس من الممكن
إنهاء كل مسألة إلى حدٍّ يفهمه كل أحد، ولن يحيط بمأخذ الكلام في هذه المسألة إلا دربٌ 1 فقيهٌ عالم في الفقه سديدُ القريحة شديدُ الطلب للغايات 2.
فرع:
8910 - إذا وكل الرجل وكيلاً حتى يخالع زوجته بمائة، فوكلته المرأة حتى يختلعها بمائة، فكان وكيلَه ووكيلَها، فهل يصح ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يصح، كما لا يصح مثله في البيع والإجارة، والسبب فيه أنه إيجاب وجوابٌ، ولا ينتظم صدورهما عن شخص واحد، والأب مستثنىً عن هذا القياس، كما قدمناه في كتاب النكاح.
والوجه الثاني - أنه يصح؛ لأن الطلاق يقبل ما لا تقبله المعاوضات المحضة، ولذلك صح فيه الخلع، وجرت البينونة، ولزم العوض من غير فرض قبول إذا قال الزوج: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، فجاءته 3 بالألف، وقع الطلاق، وثبت المال، على التفاصيل المقدمة، فإذا لم يبعد هذا، وفيه اكتفاءٌ بقولِ واحدٍ من أحد الجانبين، [فالاكتفاء بشخصٍ واحدٍ] 4 لا يكون بدعاً، [فإن منعنا هذا 5، لغا لفظ الوكيل] 6، ولم يقع شيء.
وإن صححنا، فهل يقتصر الوكيل على أحد الشقين، أم لا بد من الإتيان باللفظين المعبّرين عن الشقين؟ فعلى وجهين ذكرناهما في الأب إذا كان يعامل ابنه الطفل، وكان شيخنا أبو محمد يحكي في هذه المسألة مسألةً عن القفال وتردداً من جوابه فيها، وهي أن [مستحق] 7 الحق إذا وكل رجلاً باستيفاء حقه من إنسان، فوكّله ذلك الذي