نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 371-410
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الخلع

صفحات 371-410
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الأصحاب فيه الاتصالُ، والإحالةُ على العرف، وقد تقصَّيت هذا في البيع، وأوضحتُ أن المنتهى المطلوبَ فيه أن لا يتخلل زمانٌ يشعر تخلُّله بإعراض المخاطَب عن الجواب؛ فإذا تخلل مثله، انقطع.
ومن لطيف الكلام في ذلك أنه لو أمكن تردده ليفكر ويرعى المصلحة، ويرى ما عنده، فلا معوّل على هذا، فإن الإيجاب والقبول مبنيان على تقديم الرأي، ومن يوجب يبتدىء الكلام، وغرضه أَخْذُ الجواب على الفور، لا تفويضُ الأمر إلى المخاطب ليرى [رأيه] 1. فإذا تخلل ما يقطع الاتصال الذي ذكرناه، بطل التواصل، ولو وجد قبول من بعدُ، لم ينفع.
والمذهب أنه لو تخلل كلامٌ يسير لو فرض بدله سكوت لما انقطع، فلا أثر لتخلل ذلك الكلام، ونصُّ الشافعي: [شاهد] 2 فيه؛ فإنه قال: "لو خالع امرأته، فارتدت، ثم قبلت، ثم عادت قبل انقضاء العدة، وهي ممسوسة، فالخلع واقع"، فلم يجعل تخلل كلمة [الردة] 3 قاطعة للجواب عن الإيجاب.
وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص أن تخلّل كلامٍ من القابل بين الإيجاب والقبول يقطع القبول، وهذا غير سديد؛ فإنه [لا يدلّ] 4 على الإعراض، والنص يخالف ما قال، كما ذكرته.
ولو طال الزمان، وكان المجلس الواحد جامعاً لهما، فينقطع العقد، ولا أثر لاتحاد المجلس، لم يختلف فيه أئمة المذهب.
وقد يُطلق الشافعيُّ لفظ المجلس في مثل ذلك، ولا يعني به المجلس الذي يتعلق به خيار المجلس؛ فإن ذلك المجلس وإن طال، امتد الخيار بامتداده، فمن أطلق المجلس [عَنَى] 5 المجلسَ القصير الذي يليق بمجلس المخاطب على ما سبق تفصيله.
ولو وُجد الإيجابُ، ففارق المخاطَبُ

المجلسَ مفارقةً ينقطع بها خيار المجلس، ولكن قَرُبَ الزمان، فأجاب، ففي العقد وجهان، والأصح الانعقاد؛ تعويلاً على الزمان، فمن لم يحكم بانعقاده، جعل المفارقةَ مشعرةً بالإعراض.
8780 - وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الخلع عريّاً عن التعليق، وقال الزوج خالعتك، أو طلقتك بألفٍ أو على ألفٍ.
فأما إذا ذكر الزوج لفظ التعليق، فقد يستدعي قوله فوراً، وقد لا يستدعيه، فإذا قال لامرأته: متى ما ضمنت، [أو متى ضمنت أو مهما] 1 ضمنت ألفاًً، فأنت طالق، فهذا على التراخي.
وإذا قال: إن ضمنت ألفاًً، فأنت طالق، فهذا يقتضي أن تضمن على الفور.
فأما حمل متى، وما، ومهما، وأي وقت على التراخي، فلصريح اللفظ، ولقبول الخلع لهذا المعنى.
وقد قررناه عند تمهيد الخلع وحقيقته وماهيته وما فيه من شوب 2، واسترداد، وتمحّض، فأما حمل [إن] 3 على الفور، فليس من جهة استدعاء (إن) فوراً، فإنه شرطٌ والشرط، ينبسط على الأزمان.
وإذا قال الرجل لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، لم يقبل ذلك فوراً، ولكن يقترن بـ (إن) العوضيةُ، وهي مقتضية التعجيل، و (إن) الشارطة ليست صريحة في اقتضاء التأخير، فاقتضت القرينةُ الفورَ، وليس كما لو قال: متى أو متى ما ضمنت، فإن ذلك تصريح بتجويز التأخير.
ومقتضى النصوص لا تدرؤه القرائن.
8781 - وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت.
فهذا يقتضي مشيئتها على الفور والاتصال، وإن لم يكن في الكلام معنى، وليس كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وليس هذا من مقتضيات كتاب الخلع.
ومهما جرى ذكر طلاقٍ من غير تعرضٍ

لذكر [عوض] 1، فهو معترض في الخلع، فليُلْحَقُ بمسائل كتاب الطلاق.
ولكن إذا جرى هذا وهو مجمع عليه، فلا بد من الإشارة إلى تعليله، مع [إحالة] 2 تحقيقه على كتاب الطلاق، فنقول: أما احتمال دخول الدار للتأخير، وما في معناه في قوله: إن دخلت، فبيّنٌ، لا حاجة إلى كشفٍ، وإنما نميز عن هذا القبيلِ إذا قال: أنت طالق إن شئتِ، فسببه أن قوله: إن شئتِ معناه استدعاء جواب، فكأنه إذا قال: إن شئت يلتمس منها جواباً بذكر المشيئة، وشرط الجواب أن يكون متصلاً بالخطاب، وعليه ابتنى وجوبُ ترتيب الجواب في العقود على الإيجاب، وإلا فالعوضية في عينها ليس فيها إشعار بالتواصل الزماني، ولكنها تذكر في ابتداء وجوب وإيجاب وقبول وتفاوض مبناه في [التجاوب] 3 على التواصل عرفاً وعادة، حتى يعد السكوت المتطاول فيه إعراضاً.
فإذا كان يتحقق استدعاءُ الجواب في قوله: إن شئت، وإن لم يكن عوضٌ، فهذا يقتضي التواصلَ الزماني لا محالة، وهذا إنما يتحقق فيما يجوز أن يقدر جواباً.
فأما الدخول فيما عداه من الأسباب، فلا يصلح أن تكون أجوبةً، فلم يكن لشرط [الاتصال] 4 فيه معنى.
ومما لا يخفى مُدركه، ولا بد من ذكره في ترتيب الكلام أن المرأة إذا قالت: أشاء أن تطلقني.
فقال: أنت طالق إن شئت، فما تقدم من قولها لا يكفي؛ فإن التعليق على هذه الصيغة يقتضي وقوع المشيئة [في] 5 المستقبل بعد صدور التعليق؛ فإن الشرط لا يعقل تعلقه إلا بالمستقبل.
ولو كانت دخلت الدارَ، فقال الزوج: إن دخلت الدار، فأنت طالق، فلا يقع الطلاق ما لم تستأنف دخولاً، إلا أن يكون قال: إن كنت دخلت الدار، فأنت طالق.

وستأتي هذه الألفاظ وحقائق معانيها في كتاب الطلاق.
8782 - فإذا ثبتت هذه المقدمات قلنا بعدها: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق على ألفٍ، فهذا يستدعي قبولاً منها على الاتصال.
وإن قال: أنت طالق إن شئت [فهذا يستدعي جواباً منها] 1 على الاتصال، كما تقدم، ولو جمع بينهما فقال: أنت طالق على ألف إن شئت، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب بعضهم إلى أنه يكفيها أن تقول 2: شئتُ على الاتصال، وينتظم الخلع، ولزوم المال ووقوع البينونة بقولها: شئتُ.
وهذا قد يدل عليه فحوى كلام الأئمة كالقاضي وغيره، وهو ظاهر كلام الصيدلاني.
ومن أصحابنا من قال: لا بد من الجمع [بين] 3 لفظ القبول ولفظ المشيئة.
وذهب بعض الأصحاب إلى أنه يكتفى [منها] 4 أن تقبل.
أما من اكتفى بلفظ المشيئة، فوجهه أن قول الرجل: أنت طالق [إن شئت] 5 ليس [في صيغته تعرُّضٌ من طريق التصريح] 6 لقبولها، ولكن لما لم يتصور منه أن يحتكم بإلزامها مالاً، اقتضى ذلك منها التزاماً، فكان قولها في معنى الضَّمَن 7، كما وصفناه.
فإذا قال: أنت طالق على ألفٍ إن شئت، فقد جعل متعلَّقَ الطلاق ولزومَ المال قولَها المجردَ شئتُ، فيجب أن يتعلق الأمران جميعاً به.
ولو قال الرجل لمن يخاطبه: بعت منك عبدي بألف درهم إن شئت؛ فالبيع

لا ينعقد؛ فإنه لا يقبل التعليق؛ إذا 1 وضع البيع على المعاوضة المحضة، ومتضمنها أن يكون صَدَرُ شقَّي العقد من المتعاوضين على نسق واحدٍ، مع اجتناب التعليق من الجانبين جميعاًً، فهذا وجه هذا الوجه.
وأما من قال: لا بد من الجمع بين الإيجاب والقبول ولفظ المشيئة، فوجه قوله أن الزوج لما قال: أنت طالق على ألف، فهذا منه لو تجرد يقتضي اجتماعَهما: اجتماع القبول ولفظِ المشيئة منها، فليأت بهما جميعاً.
ثم لا ترتيب، فإن شاءت قالت أولاً: قبلت وشئت.
وإن شاءت قالت: شئت وقبلت.
والأصح الأول، ولا يستقيم على الفقه المعتبر في الخلع إلا ما ذكرناه في توجيه الوجه الأول.
والذي يؤكده أنه لو قال: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، فإذا أعطت ألفاًً، طُلِّقت وإن لم يوجد من جهتها تمليك؛ نظراً إلى ظاهر التعليق، واكتفاء بما يسمى إعطاء في الحقيقة.
فإذا كان كذلك، فالاكتفاء بلفظ المشيئة في الحكم بوقوع الطلاق ولزوم المال جائز على هذا القياس.
فأما من يقول: لا بد من قبولها 2 ويقع الاكتفاء به، فاشتراط قبولها عنده موجبه [ما] 3 تقدم، وأما عدم اشتراط لفظ المشيئة [فقبولها] 4 المجرد في العرف يعد جواباً عن جميع كلام الرجل.
وهذا القائل يغلّب مقتضى المعاوضة، ويشترط القبول؛ فإنه الركن.
وهذا الوجه عندي غلط صريح، ولم أره إلا لشيخي، فلا يجوز عده من المذهب، ولولا تكرر سماعي [منه] 5 لما أوردته، فيبقى الوجهان المقدمان، وأوضحهما الاكتفاء بلفظ المشيئة كما تقدم.
8783 - ثم يتفرع على ما ذكرناه أنا إذا اشترطنا لفظ المشيئة، واكتفينا به، فلا يصح

من الزوج الرجوع عنه؛ فإنه تعليق مجرد، والرجوع عن التعليق غير ممكن.
ومَنْ شرط [الجمعَ] 1 بين القبول وبين لفظ المشيئة، فهل يجوّز للزوج الرجوعَ قبل أن تقبل المرأة [وتشاء] 2؟ فيه تردد ظاهر، بسبب اشتمال كلام الزوج على المعاوضةِ 3 والتعليقِ جميعاًً، ووجه الاحتمال بيّن، ولكن لست أجد لهذا الوجه أصلاً، والوجه الاكتفاء بلفظ المشيئة، ثم مَنعُ الرجوع كما تقدم.
فهذا تمام ما أوردناه في ذلك.
8784 - عدنا إلى صورة المسألة إذا قالت المرأة: طلقني واحدةً بألف، فقال الزوج: أنت طالق بألفٍ إن شئت.
فهذا الذي ذكره يُخْرِج كلامَه عن كونه كلاماًً جواباً لها؛ فإنه لو اقتصر على قوله: أنت طالق، لكان ذلك إسعافاً وجواباً، فإذا قال: إن شئت فهذا يقتضي أمراً في الاستقبال؛ لما قررناه من أن الشرط مقتضاه معلّقٌ بالاستقبال لا محالة.
ثم إن كنا نعد اقتصارها على القبول إذا [ابتدأ] 4 الرجل فقال: أنت طالق بألفٍ إن شئت وجهاً [مرتباً] 5، فلا بد على هذا من تجديد القبول، [وما] 6 تقدم من استدعائها لا يكفي؛ لأن قوله: إن شئت، تضمن معنىً في المستقبل لا محالة، قولاً كان أو لفظ مشيئة، فوضح أن المرأة إذا سبقت واستدعت التطليق بالمال، فقال الزوج: أنت طالق بألفٍ إن شئت، فالقول الوجيز المشعر بكمال المقصود أنا نجعل كأن استدعاءها لم يكن، وكأن الزوج ابتدأ، فقال: أنت طالق بألف إن شئت، ثم التفصيل ما قدمنا ذكره.
8785 - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن المرأة لو قالت: طلقني واحدة بألف،

فقال الزوج: أنت طالق، ولم يُعد ذكرَ المال، وقع كلامه جواباً، واستحق المال الذي التزمته.
وبمثله لو قالت: طلقني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق إن شئت، ولم يذكر المال، فقد بطل أثر استدعائها، وصار الرجل كالمبتدىء، [في هذا] 1 القول، وإذا ابتدأ، فقال: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئتُ، وقع الطلاق [رَجعياً] 2، ولم يثبت المال، فكذلك إذا قالت: طلقني بألفٍ، فقال: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئتُ وقع الطلاق رجعياً؛ [فإنا] 3 جعلنا قوله ابتداء، وقطعناه عن كونه جواباً.
8786 - ثم قال المزني نقلاً عن الشافعي: إذا قال: أنت طالق على ألف إن شئت، فلها المشيئةُ وقتَ الخيار، وأراد بذلك اشتراطَ اتصالِ لفظ المشيئة، كما تقدم، وعبر عن الاتصال بوقت الخيار، وأراد الوقتَ الذي يجري فيه إمكان الرجوع عن الإيجاب قبل القبول، وهو الذي يسمى وقتَ [القبول] 4. 8787 - ثم ذكر 5 بعد هذا ألفاظاً مضطربة، وكلاماًً هو جواب مسألة لم يذكرها بعد، فقال متصلاً بما ذكرناه: "وإن أعطته إياها وقت الخيار، لزمه الطلاق".
وهذا جواب لما لم يجر له ذكر، وهو أن الرجل إذا قال: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق.
فمن جواب هذا أنها إن أعطته على الاتصال، وقع.
فلم يذكر المسألة وذكر جوابها.
ثم قال: "وسواء هرب الزوج أو غاب أو أبطأت بالألف" وهذا غير منتظم أيضاًًً، فإنه عطف هذه المسألة على وقوع الطلاق، والحكم فيها أن الطلاق لا يقع إذا شرطنا اتصال القبول والإعطاء.
وفي كلامه خبطٌ ظاهر، وشرطنا ألا نطنب في التعرض (للسواد) والاعتراض عليه، إذا لم يكن لنا غرض فقهي، فهذا نجاز المسألة.

فصل قال: "ولو قال: أنت طالق إن أعطيتني ألف درهم ... إلى آخره" 1. 8788 - هذا الفصل عُدّ من مشكلات الكتاب 2، وسبب الإشكال فيه اشتماله على خواصَّ للخلع سبق تعليلُ بعضها، وفيه أيضاًًً حُكمٌ قدمتُ في الأقارير استقصاءه، يتساهل فيه الفقهاء، ولم يفردوه هاهنا، فاجتمعت جهاتٌ من الإشكال، ونحن نأتي، بمضمون هذا الفصل موضّحاً، إن شاء الله عز وجل.
فإذا قال الرجل لامرأته: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، فأول ما نذكره أنه لا حاجة في ذلك إلى قولٍ لفظي منها، فإنه لم يعلّق الطلاق على قولٍ؛ فلا يقتضي قولاً أو يتضمنه.
وبيان ذلك أنه علق الطلاق على فعلها إذا 3 قال: "إن أعطيتني" وأخرج قولَه عن صيغة المعاوضة، التي تقتضي إيجاباً وقبولاً، فلا نشترط قولاً منها أصلاً.
ثم الذي يجب البحث عنه في ذلك أنها إذا جاءت وسلمته إليه، فقد نقول: إنه يملكه على ما سيأتي ذلك في أثناء الفصل -إن شاء الله تعالى- وهذا تمليكٌ بمجرد فعلٍ من غير قبول.
وليس في قاعدة الفصل خلاف، وغموضه في أنه عديم النظير، وإلا فالتمليك في درك العقول في معنى التمليك بالفعل، والصحيح أن القبض في الهبة هو [المملِّك] (4) دون اللفظ المتقدم عليه.
واتفق الأصحاب على ما ذكرناه أن من الهدايا والمنح ما لا يفتقر إلى اللفظ، وما يؤثر عن ابن سريج من كون المعاطاة معاقدة يتأكد بهذا.
8789 - ثم مما يتعلق بهذا أنها إذا جاءت بالمشروط ووضعته بين يدي الزوج، فإنه يدخل في ملكه قهراً، وإن لم يأخذه؛ فإنه ذكر لفظةً معناها الإعطاء، وهذا متحقق

من غير أخذ بالبراجم 1، وليس يملك الزوج الرجوعَ عما قال.
فانتظم من مجموع ما ذكرناه أن الطلاق لما قبل التعليق بالقول والفعل والالتزام والقبول، وقد أثبت الله المال في المفاداة في حكم الرخصة، فثبت المال في الجهة التي يثبت تعليق الطلاق فيها.
فهذا ما أردناه في ذلك، وهو واضحٌ -إن شاء الله عز وجل- لائق بخاصية الخلع.
8790 - ثم قال الأئمة: إذا قال: إن أعطيتني ألفَ درهم، فأنت طالق.
فيبنغي أن تأتي بالألف وازنةً، فلو أتت بألفِ درهمٍ معدودةٍ لا تزن ألفاًً [لم يقع شيء] 2. ولتكن نقرة خالصة، ولتكن مضروبةً مسكوكة، والقول في هذا مما تقدم استقصاؤه في كتاب الأقارير.
ونحن نذكر هاهنا ما تمس الحاجة إليه، فنقول: الدراهم في الشريعة وازنة، والدرهم هو النقرة كالرِّقة والورِق، وإذا كانت الفلوس لا تسمى دراهم، فالمغشوش الذي بعضه نحاس [ليس] 3 درهماً؛ فإن جنس النحاس لا ينقلب بسبب [مخالطة] 4 النقرة، وقد تقدم تقرير هذا في الأقارير.
ومما ذكرناه ثَمَّ أنه لو أقر بدراهم، وفسرها بدراهم معدودة، لم يقبل منه إلا إذا كان ببلدة يعمّ فيها الدراهمُ النقصُ المعدودة غيرُ الوازنة، فإذا أقر في مثلها بألف درهم، وفسرها بالمعدودة والنقص الجارية الغالبة في البلد، ففي قبول تفسيره وجهان، ذكرناهما في الأقارير.
8791 - ولو قال الزوج: إن أعطيتني ألف درهم، وفسرها بالنقص في بلد يغلب فيه جريانها، وزعم أنه أراد النقصَ، فكيف التصرف فيه؟ قال الأئمة: هذا يخرّج

على الوجهين المذكورين في الإقرار؛ فإن المرعيّ في لفظ الأقارير مثلُ المرعي في صيغ [التعليق] 1 وهذا حسن.
ولكن وراءه غائلة لا بد من التنبيه لها، وهي أن الزوج إذا فسر الدراهم بالنقص المعدودة، فهذا يتضمن وقوع الطلاق دون الوازنة، فإذا كان ما يقوله محتملاً [وفيه] 2 توسيع وقوع الطلاق، فيجب القطع والحالة هذه [بقبول] 3 قوله.
وإنما يظهر أثر الاختلاف في عكس هذه الصورة، وهي أنه إذا كان في بلدة دراهم معدودة تزيد على الوازنة في زنتها، فإذا فسر الدراهم التي علّق وقوع الطلاق بعطائها، [بالمعدودة] 4 التي تزيد زنتها على الوزن المعلوم في الوازنة، وكانت تلك الدراهم غالبة، فينقدح حينئذ فيه ذكرُ الوجهين؛ لمكان النية الموافقة للعادة الجارية.
ولو أقر بألف درهم، ثم فسر إقراره بألف معدودة يزيد زنتها على وزن الوازنة، فلا شك في قبول تفسيره، وإنما الخلاف فيه إذا فسرها بالنقص، ولا حاجة إلى الإطناب في هذا؛ فإنه واضح.
ولو قال المقر: لفلان علي ألفُ درهم.
ثم فسره بالمغشوشة، وكانت غالبة جارية في محل الإقرار، ففي قبول تفسيره وجهان، وهما الوجهان المذكوران في النقص؛ فإن المغشوشة نقرتها ناقصة، ونقصانها لا ينجبر بالنحاس.
وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، وكان لفظه مطلقاًً، فهذا محمول على النقرة الخالصة، ولو قال: أردت بذلك المغشوشة، فيجب القطع بقبول تفسيره؛ فإن ما قاله محتمل، وفيه توسيع وقوع الطلاق.
فليتأمل الناظر هذه الأمور الجليّة التي لم يتعرض لها الأئمة لوضوحها.
8792 - ومما يتعلق بتحقيق القول في ذلك إذا انتهى الكلام إلى هذا المنتهى أن من اشترى شيئاً بألف درهم، في بقعةٍ دراهمُها الجارية نقصٌ، فالذي يرى الأصحابُ فيه

أن مطلق الدرهم في البيع والمعاوضات محمولة على الدراهم الجارية في العرف.
وليس الأمر على هذا الإطلاق عندنا.
ونحن نفصل القول فيه ونستعين بالله تعالى - فنقول: إذا كان في أيدي الناس نقود من أصنافٍ مختلفة النقوش والسكة، وكان الغالب في المعاملات صنفٌ منها، فإذا أطلقت الدراهم -والحالة هذه- انصرفت إلى ما يغلب، وصار جريان العرف واطراده بالمعاملة في ذلك الصنف بمثابة التقييد لفظاً [فيُفيد] 1 اقترانُ العرف من الإعلام ما يفيد التقييدُ نطقاً ولفظاً.
ولو كانت النقود كما وصفناها، فقال الرجل: لفلان عليّ ألف، فلا يتقيد المقرّ به بالنقد الغالب.
وكذلك لو قال الرجل لامرأته - والنقود كما وصفناها: إن أعطيتني ألفَ درهم، فأنت طالق، لم يختص هذا بالنقد الجاري في البلد، بل لو أتت بألف من أي نقدٍ كان، وقع الطلاق بعد أن تكون وازنة.
وهذا موضع استفراق 2؛ فإن النقد الغالب يتعين في المعاملات، ولا يتعين في الأقارير، ولفظ التعليق.
وهذا عندنا -في المعنى والفقه- ليس بتفاوتٍ، وطريق الكلام فيه [أن المعاملات إخبارٌ عمّا نصف] 3، والإقرار إخبارٌ عن ماضٍ، ولا يمكن أن نحكم على العادة بالاطراد فيما تقدم، فلا يتحقق كون العادة قرينة في المخبرَ عنه، فبقي الإجمال في الصنف.
وكذلك إذا قال لامرأته: إن أعطيتني ألف درهم.
فليس تعليق الطلاق أمراً معتاداً، فلا يصير اطراد الاعتياد قرينةً فيه، وتحقيقه أن العادة لا معنى لها على الانفراد، والمعنيّ بجريانها، جريانُ المعاملات، والتعليقُ ليس مما يتكرر جريانه في الدراهم، [فكان] 4 مطلق الدراهم يجري على مقتضى الإطلاق فيها، ومقتضى الإطلاق التعميم بأي صنف أتت به وقع الطلاق، إذا كان نقرة وازنة.
هذا في اختلاف النقود.

8793 - فأما إذا كان الجاري في البلد دراهمُ ناقصةٌ في الوزن، فهذا موضع النظر، فاسم الدراهم [مقيدٌ] 1 بالنقرة الوازنة، فإذا جرى العرف بخلاف ما يقتضيه الاسم، فإذا قال المقر: أردت النقص تمسكاً بالعرف، ففيه وجهان.
وإذا أراد من علَّق الطلاق تفسير لفظه في هذا المقام بالنقص المعدودة، فقد ذكر الأصحاب وجهين.
ولا معنى لهما عندي، بل الوجه القطع بالقبول؛ فإن فيه توسيعَ الطلاق، والاحتمال في ذلك كافٍ.
فإذا جرى ذكر الدراهم في المعاملة في الموضع الذي دراهمه الغالبة نقصٌ، فهذا فيه اختلاف بين الأصحاب، فالذي ذهب إليه المعظم أن العرف مقيِّدٌ في المعاملات وطريق الفرق فيه ما ذكرناه من جريان المعاملات، وعدم ذلك في التعليق، وحققنا في الإقرار استناده إلى سابقٍ لا تحكّم فيه بعرف.
ومن أصحابنا من قال: اسم الدراهم صريح في الوازنة، والعرف لا يغيّر الصريح عن معناه ووضعِه، وليس هذا كما قدمنا ذكره من إثبات أثر العرف في إعلام نقدٍ من النقود المختلفة؛ فإن ذلك إعلام بطريق القرينة في محل الإبهام، ولو حملنا الدراهم على الناقص، لكان ذلك تغييراً لموجب النص الصريح، والعرف لا يغير [النصوص ومعناها] 2 وهذا إن كان له اتجاه في المعنى لكن 3 المشهور حمل الدراهم في المعاملات على النقص إذا كانت غالبة، وإنما الخلاف في الأقارير، وفي التعليق الذي قدّمته.
فهذا ما عليه بناء المذهب.
وقد أوضحنا الفرق بين المعاملة.
8794 - ومما [نتمّم] 4 به الغرض في ذلك، القولُ في الدراهم المغشوشة، وإجمال الكلام فيها أولاً أنها بمثابة النقص في الإقرار والتعليق، وإنما نفصّل [فيها] 5 ذكر المعاملات.
فنقول: يعترض في المغشوشة أصلٌ آخر، وهو أن مقدار النقرة إن

كان مجهولاً في الدراهم، ولم يكن لها جريان، فلا يصح [التعويل] 1 عليها لا مذكورة ولا معيّنة؛ فإن الجهالة على هذا الوجه تمنع الثبوت في الذمة.
وإذا عيّنت، فأشّر إليها، [فالإشارة] 2 بمثابة الإشارة إلى تراب المعدن.
[فإن] 3 كان لها جريان في العادة، مع أن مقدار النقرة [مجهول فيها] 4، ففي صحة التعامل بها وجهان، قدمنا ذكرهما في كتاب البيع وأبوابٍ من المعاملات.
وتعويل من يجوّز على الجريان، والصحيحُ [المنعُ] 5. وإن كان مقدار النقرة معلوماً -ففي طريق العلم به توقف، فإنه مما لا يعاين، فإن أمكن العلم به فبقول ثقات - فيزول في هذه الصورة [الجهلُ] 6 بالمقصود، وتصير الدراهمُ المعلومةُ العيار المغشوشةُ بمثابة الدراهم المعدودة والنقصُ في الوزن.
وقد تفصّل القولُ فيها.
فهذا تمام القول في هذا الفن.
8795 - ومما يخرج مما قررناه أنا إذا قيدنا لفظ التعليق بالعرف الجاري في الموضع، فقد يقتضي الحالُ حملَ الدراهم على المغشوشة في الإقرار، ولكن الوجه عندي فيه أنه إذا قال المُقر: أردت المغشوشة، ففي قول منه -وعرف الموضع مساعدٌ - الوجهان، فلو لم يدع أنه أراد المغشوشة، فالوجه عندي مطالبته بالخالصة، وسبب ذلك أن العرف لا جريان له في الأقارير، فاسم الدراهم على اقتضاء الخلوص والزنة التامة.
ولكن إن زعم أنه أراد ما يجري به العرف في المعاملة، فقد يعذره بعضُ الأصحاب بسبب جريان المعاملة، وهذا لا قطع به، ولا يمتنع أن يقال: إن تراجع فيما أراد، فإن زعم أنه لم يرد شيئاً، فإقراره محمول على الغالب في المعاملة.
هذا تردد لطيف يجب تدبره.

وأما إذا جعلنا للعرف أثراً، وقد جرى التعليق في الطلاق، أو العتاق، فإن قال: أردت الدراهم المغشوشة، فالوجه عندي القطع بتصديقه لما فيه من توسيع الطلاق.
وإن أطلق، فالوجه القطع بحمل لفظ المطلق على الخالصة الوازنة.
ومن أصحابنا من ذكر وجهاً وهو صادر عن غير بصيرة ودراية بحقائق الأشياء ووضعها.
وقد انطوى إلى هذا المنتهى أصلان: أحدهما - تعلّق الإعطاء بفعلٍ مجرد من غير قول من جهتها.
والثاني - الكلام في الخلوص والنقصان.
8796 - ونحن نبتدىء -بعد هذا- الكلامَ في مقصود آخر، والبناءَ على الفرق بين المعاملات وألفاظ المُعلِّقين، فنقول: إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، وكان في البلد نقد غالب وزان خالص، فإذا جاءت بألفٍ من النقد ووضعته بين يدي الزوج، قُضي بوقوع الطلاق، لتحقق الصفة، ثم ما أعطته من جنس النقد فيملكه الزوج ولا يجري فيه رد واسترداد، وقد وقع الطلاق وجرى الملك في المعطى معاً.
ولو أتت بألف درهم وازنة خالصة، ولكن النقد الغالب في البلد غيرُ ذلك الذي أتت به، وليقع الفرض إذا كان النقد الغالب خالصاً وازناً أيضاًًً، ولكن الاختلاف في جودة السكة وزكاتها 1، وفي لين النقرة وانْطراقها، وفي خشونتها، فالذي ذكره الأئمة أن الطلاق يقع، كما ذكرناه، ثم الزوج لا يملك ما جاءت به، ولكن يرده ويسترد ألفاًً من نقد البلد؛ فإن الذي تقتضيه المعاملة التقييد.
بنقد البلد، والذي يقتضيه التعليق اتباع الاسم، فوقع الحكم بوقوع الطلاق لتحقق الاسم، وثبت الرجوع إلى النقد الغالب لموجب المعاملة.
هذا قول الأصحاب.
وهذا مشكل.
فليتأمله المنتهي إليه؛ فإن الطلاق إنما يقع لتحقّق الصفة

[وتمليك] 1 الدراهم، فلئن كان ما جاءت به على حقيقة الصفة، فليتحقق فيه التمليك؛ فإن الإعطاء معناه التمليك، فالذي يقتضيه القياس الحق أن يتملّك الزوج ما يقع الطلاق بالإتيان به، وإن كان يجب اتباع النقد الغالب، فيجب أيضاًًً أن يتوقف وقوع الطلاق على ما هو المملوك.
وهذا لا مطمع في دفعه.
[و] 2 في نص الشافعي في (السواد) ما يدل على أنا لا نرجع إلى نقد البلد، ولكن إذا أتت بالدراهم وهي نقرة وازنة، وقع الطلاق للاسم، فإن كانت النقرة معيبة، فعليها ألفٌ خالصة غيرُ معيبة، ولم نرجع إلى النقد الغالب.
وهذا فيه دفعٌ لنوعٍ من الإشكال، وهو المصير إلى نقد البلد؛ فإنه لم يعتبره، ولكن لما وضح قصد التمليك في الألف، اقتضى ذلك السلامةَ من العيوب، كما يقتضيه كل ما أُثبت عوضاً.
وهذا ليس ينفي الإشكال بالكلية؛ فإن القياس يقتضي ألا يقع الطلاق إلا بما يجري الاستحقاق فيه، وما يقع الطلاق به فينبغي ألا يبدّل.
وقد أجمع الأصحاب في الطرق [على] 3 أن الرجوع إلى نقد البلد إذا كان في البلد نقد غالب.
وهذا مع اشتهاره لا وجه له أصلاً، وفي إيجاب الإبدال [لعين] 4 المعيب إشكالٌ قائم أيضاًً، ولكنه أمثل من الرجوع إلى نقد البلد، والله أعلم.
وقال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: من أصحابنا من قال: إذا وقع الطلاق إذا جاءت بالألف الخالصة الوازنة، فالرجوع إلى مهر المثل، وعلَّل هذا القائل [بأن التمليك] 5 من غير إلزام والتزام، وعقدٍ مشتملٍ على شقيه بعيدٌ.
ولكن الزوج لم

يرض بوقوع الطلاق من غير مال، وفسد التملك بلفظ الإعطاء مع [الفعل] 1، [فكان] 2 مجموع ذلك يقتضي الرجوع إلى مهر المثل.
ولو أتت [بألفٍ] 3، يقع الطلاق بمثلها، وكان النقد الغالب من ذلك الجنس أيضاًًً، فهذا القائل يقول: الألف الذي به [وقع الطلاق] 4 مردود، والرجوعُ إلى مهر المثل؛ لما ذكرناه، من أن لفظ التعليق لا يفيد معنى التمليك على التمام، وليس خالياً عن اقتضائه أيضاًًً، فهذا بيان هذا الوجه.
ومما نجري في ذلك أيضاًًً أن من يحمل لفظ المعلِّق على موجب العرف في الدراهم النقص والمغشوشة، كما قدمناه، فيلزمه أن يقول: إذا أتت المرأة بألف -والنقد الغالب غيره- فلا يقع الطلاق؛ لأن اللفظ يتضمن [التقيّد] 5 بالعرف.
وهذا بعيد، ولكنه مستند إلى ما تقدم تقريرُه وحكايتُه عن بعض الأصحاب.
8797 - فهذا تمام ما قيل فيه.
والمذهب الحكم بوقوع الطلاق إذا جاءت، بألف وازنة خالصة، ثم إن كانت موافقة لنقد البلد، فالزوج يملكه.
وإن كان النقد مخالفاً لما أتت به، وقع الطلاق، ورد الزوج ما جاءت به وطالبها بألفٍ من النقد.
وإن لم يكن بين ما أتت به وبين النقد إلا تفاوتٌ في النوعين، فإن [تراضيا بما جاءت به] 6 جرى الملك فيه، كما سبق تقريره في السَّلم إذا أتى المسلم إليه بما يخالف، النوع الموصوف والجنس جامعٌ، ولا وجه للخصوص في ذلك، والقياس ما تقد التنبيه عليه من وقوع الطلاق إذا أعطت ما وصف، وتعلق الملك بعينه، وما حكاه الشيخ أبو علي من الرجوع إلى مهر المثل فيه [غَوْص] 7 في الفقه.
فهذا تمام الاطلاع على حقيقة هذا الطرف.

8798 - ومما يتعلق بتمام الكلام أنه إذا قال: إن أعطيتني ألفاًً، فهذا يقتضي أن تأتيَ به على الفور في زمان قبول العقد، حتى لو فرض تخللُ زمانٍ ينقطع بمثله الإيجاب عن القبول، فإذا أتت بالألف بعد ذلك، لم يقع الطلاق.
وهذا مما مهدناه عند ذكر أصل الخلع وماهيته.
وقد اتفق الأصحاب على هذا في طرقهم.
ورأيت في شرح التلخيص أن من أئمتنا من قال: قوله: إن أعطيتني ألفاً لا يقتضي الفور، كما أن قوله إن دخلت الدار لا يقتضي الفور، فإن التواصل إنما يليق بكلامين: أحدهما التماس جواب، والثاني جواب عنه.
وهذا وإن أمكن توجيهه، فهو بعيد في الحكاية، لا تعويل عليه، وسيأتي فصلٌ في أنه إذا قال: [إن] 1 أعطيتني ألفَ درهم، فهذا محمول على تسويغ التأخير.
فهذا بيان أصول الفصل، والتنبيهُ على موقع الإشكال فيه، والانفصال عما يمكن الانفصال فيه 2. 8799 - ثم مما ذكره الشافعي في ذلك أنه إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فلو أتته بألفي درهم، وقع الطلاق، ولا أثر للزيادة التي جاءت بها، وليس كما لو قال: أنت طالق على ألف، فقالت: قبلت ألفين، فلا يقع شيء، والفرق أن القبول جواب الإيجاب، فإذا خالفه في الصفة، خرج عن كونه جواباً.
وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فالإعطاء ليس جواباً، وإنما هو فعل، وإذا جاءت بألفين، فمما جاءت به ألف درهم، ولا اعتبار بالزيادة.
ولو قال: إن ضمنتِ لي ألفَ درهم، فأنت طالق، فقالت: ضمنت ألفي درهم، وقع الطلاق، ولا يلزمها إلا الألف؛ فإن الضمان وإن كان قولاً منها، فليس أحدَ شِقَّي عقد، حتى يشترط وقوعه على وفق النسق الصادر من.
الرجل.
والدليل عليه أن

الضمان مما يقبل التأخير إذا ذكر الزوج لفظاً مقتضاه التأخير، وذلك إذا قال: متى ضمنت لي ألفاًً، فأنت طالق.
8800 - ومما نذكره وهو ختام الفصل أنه إذا قال: إن أعطيتني ألفَ درهم، فأنت طالق، والتفريع على أن الطلاق لا يقع إلا بالنقرة الخالصة، فلو أتت بالنقرة المطبوعة وكان النقد الغالب مغشوشاً معلومَ العيار، والبناءُ على أخذِ التملك من النقد الغالبِ وأخذِ الوقوعِ من الدراهمِ الخالصةِ الوازنة، فموجب ذلك أن تسترد الدراهم الخالصة وتغرم للزوج المغشوشة.
وهذا في نهاية الإشكال، كما تقدم من الكلام الواضح في المسألة أنها إذا أتت من التبر بزنة ألف درهم [أو بما] 1 فيه وزن الألف، فلا يقع الطلاق، إذا كان المذكور دراهمَ؛ فإن النقرة لا تسمى دراهم ما لم تطبع، وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأتته بدرهم خسرواني وزن ألف درهم، ففيه كلام ذكرته في الإقرار بألف درهم، فيطلب في موضعه.
فصل قال: "ولو قال: متى أو متى ما أعطيتِني ... إلى آخره" 2. 8801 - قد ذكرنا التفصيل فيه إذا قال: إن أعطيتني، وأوضحنا أن هذا محمول على الفور، وكذلك إذا قال: إذا أعطيتني، فهو في اقتضاء الفور بمثابة قوله: إن أعطيتني.
ولو قال: متى أعطيتني، أو متى ما أعطيتني، فهذا لا يقتضي التنجيز، ولكن الأمر موسّعٌ عليها؛ فإن اللفظ صريح في اقتضاء التأخير، فإن أخرت، فمهما أعطت على القرب أو البعد، حُكم بوقوع الطلاق، وليس هذا بدعاً إذا ثبت ما قدمنا ذكرَه من إيقاع لفظ التعليق من غير اشتراط لفظٍ من جهتها في القبول.
وكذلك إذا قال: متى ضمنت لي ألفاًً، فمهما ضمنت على القرب أو البعد، وقع

الطلاق؛ فإن ضمانها ليس يُنحى به نحو قبول المال المذكور في صيغة المعاوضة.
وإنما سبيله سبيل تحقيق الصفة التي هي متعلق الطلاق، وهو بمثابة الإعطاء إذا قال: إن أعطيتني، أو متى أعطيتني.
8802 - فإذا تبين هذا، فنقول: إذا قال: متى أعطيتني، فلا شك أنها بالخيار إن شاءت أعطت، وإن شاءت لم تعط، ولكن إذا جاءت بالألف على الوجه الذي يقع به الطلاق [ووضعته] 1 بين يديه، فلا حاجة إلى قبضه إياه بالبراجم 2، هذا يسمى إعطاء على الحقيقة، ثم إن كان لا يفرض فيه إبدال، فكما 3 جاءت به ملكه الزوج، [ردّه أو لم يردّه] 4، فإنه بعد ما قال، فلا يجد سبيلاً إلى الرجوع عن موجب قوله، وإذا حصل ملكه فيه، فلا يمكنه إخراجه عن ملكه إلا بطريق شرعي من الطرق المُرسِلة للأملاك.
وإذا جاءت بها وجرى الملك فيها، سقط خيارها أيضاًًً، فلا تملك استرداده؛ فإن الملك يثبت فيه على اللزوم.
وإذا كان علق الطلاق بضمانها، فهي بالخيار [إن شاءت، ضمنت] 5 وإن شاءت لم تضمن، فإذا ضمنت، لزمها الوفاء بما ضمنت، ولا خِيرَةَ بعد الضمان، وجريان الالتزام.
8803 - ومما يتعلق بهذا أنه إذا قال إن أعطيتني ألف درهم، فهذا مذكور على الجهالة، ولكنه يحصل الحنث 6 بالاسم، ثم يتفرع المذهب على حسب ما تقدم.

وإذا قال: متى ضمنتِ، أو إن ضمنت ألفَ درهم، فالألف مجهول، والضمان فيه على الجهالة ضمانُ 1 مجهول، ولكنه يتعلق بما إذا أعطت ألفَ درهم، ثم سبيل الرجوع إلى النقد الغالب على ما تقدم، ويتجه في الضمان جدّاً الرجوع إلى مهر المثل كما ذكرناه في مسألة الإعطاء؛ فإن التعويل على اللفظ في الضمان، فإذا جرى على صيغة الجهالة، اتجه فيه الرجوع إلى مهر المثل.
فظاهر المذهب أنها تضمن الألف، وتطلّق، ثم يستحق عليها ما يستحق إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم.
هذا هو المذهب.
ثم الوجه الذي ذكره الشيخ 2 في الرجوع إلى مهر المثل يعود.
وإن وصف، فقال: إن أعطيتني ألف درهم صفتها كذا وكذا، وبالغ في الصفة، فإذا أتت به، فيجب القطع على الطريقة المشهورة بأنها إذا جاءت بها على [ما] 3 وصف، استحق الزوج عينَ تلك الدراهم، وإنما التردد في الرجوع إلى نقد البلد على قول الأصحاب، أو إلى ألفٍ سليمة من العيب على ظاهر النص فيه إذا ذكر الألف مطلقة.
ويجري مع الإعلام واستقصاء الوصف الطريقةُ التي ذكرها الشيخ؛ من جهة أنه تلقَّى الفساد من جهة أن التمليك من غير لفظ من جهتها بعيد.
وإذا كان السبب هذا، لم يختلف بأن يكون الألف موصوفة، أو لم تكن.
ومما يتعلق بهذا أنه إذا قال: إن ضمنت لي ألفاًً ووصف الألف، واستقصى الوصف، فضمنت، فما ذكره الشيخ أبو علي من الرجوع إلى مهر المثل يجري هاهنا أيضاًًً.
فإن قيل: معتمده في مسألة الإعطاء أن التمليك من غير قبولٍ من جهتها بعيد.
وإذا كان متعلق الطلاق بالضمان وهو يحصل بقولها، فما وجه الرجوع إلى مهر المثل؟ قلت: ضمانها ليس قبولاً لإيجاب، وإنما هو التزام مستقل بنفسه منقطعٌ عن إيجاب من جهة الزوج، ولذلك يُتصور تأخير الضمان عند قول الزوج إذا قال: متى ضمنتِ، كما يتصور ذلك في الإعطاء.
فهذا منتهى ما أردناه في ذلك.

8804 - ولو قال: إن أقبضتني ألف درهم.
فهذا على ظاهر المذهب لا يتضمن تمليكاً، فإذا أقبضته، لم يملك الزوج ما قبض، ولم يملك عليها شيئاً غيره، وكان الطلاق الواقع رجعياً، بمثابة ما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق.
ومن أصحابنا من قال: قوله " أقبضتني " بمثابة قوله: "أعطيتني" في التفاصيل التي قدمناها.
وهذا بعيد لا تعويل عليه.
وإذا قال: "إذا أقبضتني"، وحملناه على التعليق المحض من غير تمليك، فلا يبنى ذلك على الفور، كما لو قال: إن دخلت الدار، وليس كما لو قال: إن أعطيتني ألفاًً.
فإن هذا محمول على الفور، لما فيه من معنى المعاوضة.
8805 - ولو قال: إن أعطيتني ألف درهم، أو متى أعطيتني، ثم أكرهها على الإعطاء، فلا يقع شيء؛ لأن هذا عطاء تمليك والإكراه ينافي التملك.
وإذا قال: إن أقبضتني، وقد بان أنه محمول على التعليق من غير رعاية العوضية، فإذا أكرهها، فأقبضته، مكرهةً، فهذا يخرّج على القولين في أن الصفة التي علق الطلاق بها إذا وجدت على صفة الإكراه، فهل نحكم بوقوع الطلاق.
وسيأتي شرح ذلك بما فيه في كتاب الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
ثم إذا قال: إن أقبضتني، فجاءت به وأوقعته بين يديه، فهذا إقباض، لا يشترط في تحقيق الإقباض أن يقبض الزوج بالبراجم.
ولو قال: إن قبضتُ من مالِكِ ألفاًً، فأنت طالق، فقبض من مالها قهراً، وقع الطلاق قولاً واحداً، فإنه قَبَضَ مختاراً وقبضُه متعلَّق الطلاق، فيعتبر الاختيار فيه، ولو أُكرِه فقبض مُكرَهاً، فقولان.
8806 - فهذا غاية ما يتعلق بهذا الفصل في هذا المعنى، والغائلة الكبرى من الفصل فيه إن قال: إن أعطيتني ألف درهم، فجاءت بألفٍ مغصوبة، وسيأتي هذا في فصل مفرد على ترتيب (السواد) 1 ويستكمل فيه الغرض، إن شاء الله عز وجل.

فصل قال: "ولو قالت له: طلقني ثلاثاًً ولك ألف درهم ... إلى آخره" 1. 8807 - إذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثاًً بألف درهم، فطلقها واحدة، وقعت الطلقة بثُلث الألف، سواء أعاد ذكر العوض، أو لم يتعرض لذكره، إذا خرج كلامه جواباً، وأجراه على شرط الاتصال الزماني.
هذا مما مهدناه عند ذكرنا أصلَ الخلع [وماهيتَه] 2، وفرقنا فيه بين الجانبين، فأوضحنا أن المرأة إذا استدعت ثلاثاًً بمال، فأجابها الزوج إلى بعض ما استدعت بقسطه من المال، [نفذ] 3، وثبت قسطٌ من المال.
ولو قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً بألف، وقالت: قبلت طلقةً بثلث الألف، لم يقع شيء، وقدمنا في إيضاح الفرق بين الجانبين ما فيه مَقْنع.
ثم إذا كانت المرأة هي المستدعية، فلا فرق فيما ذكرناه من جريان التبعيض [بين] 4 صلةٍ وصلةٍ إذا استوت الصلات في جواز الاستعمال واقتضاء التعويض.
فإذا قالت: طلقني ثلاثاًً على ألف، أو طلقني ثلاثاً، ولك عليّ ألف، أو طلقني ثلاثاًً ولك ألف، فإذا طلقها واحدةً، بانت به، واستحق عليها ثلثَ الألف، كما لو قالت: طلقني ثلاثاًً بألف.
وأبو حنيفة 5 خصص جريان التبعيض بصلة (الباء) فقال: إذا قالت: طلقني ثلاثاًً بألف، فطلقها واحدةً، استحق ثلث الألف، وأما إذا قالت: على ألف، أو لك ألف، فلا يستحق الزوج بإجابتها إلى بعض ما سألت شيئاً؛ واعتقد الفرق بين (الباء) و (على) صائراً إلى أن الباء تقتضي التعويض المحقق، والتعويضُ من مقتضاه مقابلة

الجملة بالجملة وتوزيع الأبعاض على الأبعاض.
(وعلى) كلمةُ شرطٍ ومن مقتضى الشرط وجودُ كمال الشرط في ثبوت المشروط.
وهذا الذي ذكره خيالٌ لا أصل له، والصلات مستوية في اقتضاء التعويض، وجريان التبعيض.
ثم ما أشرنا إليه من التعويض لا يكفي في إجراء التبعيض، حتى نضم إليه نزوعَ المعاوضة في جانبها إلى الجعالة، كما سبق تقريرها.
وإذا جرى كلام على البسط تأصيلاً، فلتقع القناعة بإحالة الفروع عليها.
هذا أصل الفرع.
8808 - ولو سألت المرأة ثلاثاً بألف.
وكان الزوج لا يملك إلا الطلقة الأخيرة، فطلقها تلك الطلقة.
قال الشافعي: يستحق عليها تمامَ الألف.
وقال المزني: لا يستحق عليها إلا ثُلثَ الألف، وذكر أبو إسحاق المروزي طريقة أخرى، اختارها لنفسه، وقد نزّل عليها نصَّ الشافعي بزعمه، فنذكر طريقته، ثم نذكر تصرفه على النص.
قال: الحكم يختلف بعلم المرأة وجهلها، فإن كانت تظن أن الزوج يملك عليها ثلاث طلقات، فإذا طلقها الطلقةَ الأخيرة، وكان لا يملك غيرها، لم يستحق عليها إلا ثلث الألف، ولو كانت عالمةً بأنه لا يملك عليها إلا الثالثة، فسألت الثلاث بالألف، فطلقها الثالثة، استحق تمام الألف، كما قاله الشافعي؛ لأنها لما سألت الثلاث مع العلم بأنه لا يملكها، حُمل سؤالها على تحصيل [الحُرمةِ] 1 الكبرى.
هذا أصل كلامه.
ثم تصرف على النص، وزعم أن قول الشافعي، في ثبوت الألف بالطلقة الثالثة محمول على ما إذا كانت عالمةً [بأن] 2 الزوج لا يملك إلا الثالثة.
فنقول: لا يستقيم تصرفُ المروزي على النص لمسألةٍ تص عليها الشافعي في [الكبير] 3؛ فإنه قال: لو قالت له: طلقني ثلاثاًً بألفٍ، وكان بقي له عليها طلقتان، فإن طلقها واحدة، استحق ثلث الألف، وإن طلقها ثنتين، استحق كل الألف.
ولم

يفرق بين حالة العلم وحالة الجهل، وهذا لا يستقيم على مذهب المروزي؛ فإن المرأة لو كانت عالمة، فمقتضى أصله أن الزوج يستحق عليها بالطلقة نصف الألف، تنزيلاً للعوض على معلومها.
وقد قال الشافعي: لو طلقها طلقة استحق ثلث الألف، فإن حُمل استحقاق الثلث على جهلها، [فمذهبه] 1 أنها إذا كانت جاهلة فلو طلقها الطلقتين، استحق ثلثي الألف، فلا يستمرّ مذهب المروزي في هذه المسألة منطبقاً على النص، ولأن الشافعي أجرى جوابه في الطلقتين على نسق واحد، فقد بطل تصرفه 2، وبقي مذهبه.
8809 - ومسائل الفصل مُدارة على ثلانة مذاهب: أحدها - النص، والآخر مذهب المزني، [والثالث مذهب المروزي] 3 ونحن نذكر قواعد المذاهب موضحة، ثم نذكر وجوهَها، ثم نفرع المسائلَ عليها.
أما مذهب الشافعي، فقاعدته أن المرأة إذا سألت الثلاثَ، فحصَّل الزوج لها الحرمة الكبرى، استحق عليها تمامَ العوض المسمى، ولا نظر إلى العدد، ولا فرق بين أن يكون الزوج مالكاً للثالثة أو لاثنتين، ومهما حصلت الحرمة الكبرى، تعلق 4 به استحقاق تمام العوض.
وإن لم تحصل الحرمة الكبرى يوزّع المال المبذول على [العدد] 5 المسؤول، ونُظر إلى ما أوقعه الزوج، فوجب بقسطه من العوض؛ نظراً إلى التوزيع الذي ذكرناه، ولا فرق بين أن تكون عالمة أو جاهلة.
وبيان ذلك -على قدر الحاجة إلى تمام التفريع- أنها لو سألت ثلاثاًً وكان الزوج يملك واحدة أو اثنتين، فاستوفى ما يملكه؛ فإنه يستحق تمام العوض.
ولو كان يملك طلقتين مثلاً، فطلقها واحدة، استحق ثلث الألف؛ لأنه لم يحصّل الحُرمة

الكبرى، فيوزع المبذول على العدد المسؤول، وهي قد سألت الثلاث، فلم يجبها إلا إلى واحدة.
هذا [أصل] 1 النص.
وأما قاعدة مذهب المزني، فتوزيع البدل على العدد المسؤول أبداً، سواءٌ حصّل الزوجُ الحرمةَ الكبرى، أو لم يحصِّلها.
وأصل مذهب المروزي أنها إن كانت جاهلة، فالبدل موزع على العدد المسؤول كما قاله المزني.
وإن كانت عالمة بأن الزوج لا يملك تمام المسؤول، فالعوض يقابِل معلومَها وإن علمت أنه لا يملك إلا واحدة، فالعوض في مقابلته.
فإن علمت أنه يملك طلقتين يوزع البدل على ما علمته ملكاً للزوج.
فإن طلقها بثنتين استحق التمام؛ فإنه استوفى جميع ما علمت.
وإن طلقها واحدةً، وهو يملك اثنتين، استحق نصف البدل؛ توزيعاً على معلومها، لا على مسؤولها.
هذا بيان أصول المذاهب الثلاثة.
ولم ينسب أحد من الأصحاب مذهبَ المزني إلى مذهب الشافعي ومتبعيه إلا الشيخَ أبا علي، فإنه حكى أن بعض الأصحاب رأى مذهب المزني تخريجاً ملحقاًً بالمذهب.
وهذا متجه؛ [و] 2 في كلام المزني، ما يدل عليه؛ فإنه قال: قياس مذهب الشافعي كذا وكذا، والذي يقتضيه الإنصاف تقديمُ تخريجه على تخريج غيره، فإذا كان تخريج ما ذكره على قياس الشافعي، فهو تخريج منه وقد يجانب مذهبُه الشافعيَّ ويخترع لنفسه مقالة؛ فإذ ذاك لا يُلحق بالمذهب.
8810 - توجيه المذاهب: أما مذهب المزني، فوجهه ظاهر؛ فإنها إذا سألت الثلاث بالألف، فقد قابلت عدداً بمبلغٍ، فإذا لم يحصّل الزوج من العدد إلا بعضَه بَعُد أن يستحق تمامَ البدل المسمى.
ثم أكد المزني ذلك وتشوف إلى تقدير سؤال وأجاب عنه، فقال: إن نظرنا إلى حصول الحرمة الكبرى، فليست هي حاصلة بالطلقة الثالثة، وإنما تحصل باستيفاء العدد، والاستيفاءُ لا ينحصر معناه على الثالثة، بل إنما يحصل بالطلقتين السابقتين وبالثالثة المنجّزة، وإذا لم يجبها إلى العدد، فلم يأت بما

هو مقتضى الحرمة، ومقتضى اللفظ مقابلةُ الألف بالثلاث.
وأما وجه النص، فهو أن الطلقات لا تُعنَى لأعيانها، وإنما الغرض الأحكامُ المرتبةُ عليها، والمقصود الأقصى منها الحرمةُ الكبرى، فإذا حصّلها الزوج بالطلقة الثالثة، فقد حصل تمام مقصودها، والعدد لعينه لا معتبر به، فإن الأموال إنما تقابل بمقاصدَ معقولةٍ.
فلا يبقى بعد ذلك إلا ما أورده المزني من إحالة الحرمة على الطلقات الثلاث، وقد يشبِّه المزني ذلك بإحالة السُّكر على الأقداح السابقة واللاحقة.
وهذا موضع التثبت، [فللقدح الأول والأخير] 1 أثرٌ في العقل مخامرة وتخميراً.
ولا يحصل بالطلقة الأولى من تحريم النكاح شيء، ولو فرض حصولٌ لا يتبعّض، وإذا شبه المشبه ما نحن فيه بتغريق السفينة بتثقيلها بكثرة الشِّحنة، وكلُّ قدرٍ يُغوِّص من السفينة قدراً، فلا نظر إلى هذه الأجناس، والذي نحن فيه ليس في معناها؛ فإن شيئاً من حرمة العقد لم يحصل، وإنما تحصل حرمةُ العقد خصلةً واحدةً -من غير ترتب وتبعّض- بالطلقة الثالثة.
ثم إذا وضح أن النظر إلى تحصيل المقصود، فالمناقشة في العلة لا معنى لها.
وقد حصّل الزوج كلّ المقصود، وما كان حَصل من هذا المقصود شيء قبلُ.
وأما وجه مذهب المروزي، فهو أنها إن كانت جاهلةً، فقد ثبتت المقابلة على معادلة المسمى ما سألته من العدد، فيجب رعاية قصدها، وهي مقدورة.
فأما إذا سألت الثلاث، والسؤال يتعلق بالاسقبال، فيستحيل حمل سؤالها على محالٍ، فيتعين حمله على المقصود الذي علمته.
وهذا ليس بشيء، وليس ينقدح إلا النص، ومذهبُ المزني؛ فإنه يجوز أن يقال: إذا علمت أنه لا يملك الثلاث، وسألت الثلاث، قصدت تنقيص المسمى، إذا استوفى الزوج ما يملك.
هذا بيان أصول المذاهب تمهيداً وتوجيهها.

8811 - ونحن نوضحها الآن بالمسائل الجليّة، ثم نأتي بعدها بالمسائل التي فيها بعض الغموض، ونختتم الفصل بمسائل أوردها صاحب التلخيص، ونذكر فيها ما ذكره الشارحون، إن شاء الله تعالى.
فنقول: إذا كان يملك عليها طلقة، فسألت ثلاثاًً بألف، فطلقها الثالثة؛ فإنه يستحق تمام الألف على النص، ويستحق ثلثه على مذهب المزني توزيعاً للبدل المبذول على العدد المسؤول، والمروزي يقول بمذهب الشافعي إن كانت عالمة، وبمذهب المزني إن كانت جاهلة.
وإن كان الزوج يملك عليها طلقتين، فسألت ثلاثاً بألف، فتفريع المسألة على النص أنه إذا طلقها الثنتين، استحق الألفَ بحصول الحرمة الكبرى، وإن طلقها واحدةً من الثنتين، استحق ثلث الألف توزيعاً للمبذول على العدد المسؤول؛ فإنها سألت الثلاث، ولم يحصّل الزوجُ مقصود الثلاث، ولم يوقع إلا طلقة واحدة.
وأما المزني؛ فإنه يقول: إن طلقها ثنتين، استحق ثلثي الألف، وإن طلقها واحدةً، استحق ثلث الألف؛ فإنه يوزع البدل على العدد المسؤول أبداً.
والمروزي يفصّل بين أن تكون عالمة أو جاهلة، ويقول: إن كانت جاهلة، فطلقها طلقتين، استحق ثلثي الألف، وإن كانت عالمةً فطلقها طلقتين، استحق تمام الألف، وإن طلقها طلقة، استحق نصف الألف؛ توزيعاً للبدل على معلومها لا على مسؤولها، فيكون مذهبه في حالة علمها وقد طلقت طلقةً واحدة مخالفاً للنص ومذهب المزني.
8812 - ولو قالت: طلقني عشراً بألف وكان يملك عليها ثلاثاًً أو اثنتين أو واحدة.
فالتفريع على النص أنه إن حصّل الحرمة الكبرى، استحق تمام العوض المسمى، وإن لم يحصّل الحرمةَ الكبرى، بل طلّق واحدة من الثلاث، أو واحدة من اثنتين؛ فإنه يستحق عُشر البدل؛ توزيعاً له على العدد المسؤول.
فإن كان يملك ثلاثاًً فطلق اثنتين استحق خمس البدل؛ لأن ما أتى به خمس العشرة.
وعلى مذهب المزني البدل يتوزع أبداً على العدد المسؤول، حتى لو كان لا يملك

إلا واحدة، لم يملك بإيقاعها إلا عشر البدل، وإن حصلت الحرمة الكبرى.
وذكر الشيخ أبو علي في بعض مجاري كلامه أن المزني لا يوزع إلا على العدد الشرعي، فإن زاد السؤال، فالتوزيع مردود إلى الثلاث.
وهذا فيه احتمال على مذهبه؛ فإن مذهبه مدارٌ على ركنين: أحدهما - رعاية المقابلة اللفظية، وهذا القياس يقتضي التوزيع على العشر فصاعداً، كيفما اتفق السؤال؛ نظراً إلى اللفظ.
والركن الثاني - أنه يقول: الحرمة لا تحصل بالطلقة الأخيرة وحدها، بل تحصل [بها] 1 والطلقتين السابقتين، فعلى هذا لا يبعد رعايةُ الثلاث، والمنعُ من [تعدّيها] 2 في الاعتبار؛ فإن الحرمة الكبرى تتعلق في الثلاث على رأيه.
وهذا وإن كان له اتجاه، فالمذهب المعروفُ به التوزيع على العدد بالغاً ما بلغ.
وأما المروزي، فإنه يبني مذهبه على العلم والجهل، ولا تكاد المرأة تجهل أن عدد الطلاق لا يزيد شرعاً على الثلاث، فنذكر السؤال على هذا التقدير: فإذا سألت عشراً، وكان الزوج يملك ثلاثاًً مثلاً، فالبدل موزع على الثلاث، فإنها منتهى العدد في علمها، فيقع التوزيع على معلومها، ويكمّل البدل باستيفائه تمام المعلوم.
وإن فرض فارض امرأة حديثة العهد بالإسلام، لم يبلغها العدد الشرعي في الطلاق، فإذا سألت عشراً على تقدير أن الزوج يملك ذلك، فالتوزيع يقع على مسؤولها.
ومن أصحابنا من تصرف على المروزي، وقال: إنما يؤثر جهلها إذا لم يتعدَّ الحصرَ الشرعي، فإن تعدته، فلا معوّل على جهلها.
وهذا ضعيفٌ، ومذهبه أن جهلها مهما تُصوّر معتبرٌ في العدد الشرعي، وفي الزائد عليه.
فإن قيل: حكيتم على الجملة خلافاً 3 على طريقة المروزي والمزني في العدد الزائد على العدد الشرعي، وقطعتم باعتبار العدد الزائد على مذهب الشافعي، فما السبب فيه؟ قلنا: ما حكيناه أولاً من مذهب المزني، والمروزيِّ مزيفٌ، لا اعتداد

بمثله.
ثم له 1 وجه على المذهبين، أما مذهب المزني، [فمعوّله] 2 أن الحرمة تناط بالثلاث، وهذا يوجب حصره النظر في الثلاث.
والمروزي إنما يحصر اعتبار الجهل فيما يفرض جهله، وما يندر جهله لا معوّل عليه.
أما إذا فرعنا على النص [فالتعويل] 3 على شيئين: أحدهما - تحصيل الحرمة الكبرى، وهي المقصود، فإذا لم تحصل الحرمة، فلئن قيل: الزائد على الحرمة لغوٌ، فالمرأة قابلت المال بالثلاث.
وبالزائدة 4 عليها، فليقع نظر الفقيه في مقابله، وليعتقد أنه إذا ألغى مقابل المال، لغا المال، وهذا المعنى يوجب التقسيط على المقصود لا محالة، وهذا التقسيط لضبط [المذهب] 5 وإلا فالتقدير إسقاط سبعة أعشار الألف بطريق الإلغاء، فلا تبقى إلا ثلاثة أعشار، فيثبت بالواحدة عشر، وبالثانية عشر آخر، وبالثالثة التمام لحصول الحرمة الكبرى، وكأن الألفَ على حصول المقصود، ويتطرق الإلغاء إليه دون المقصود.
فهذا تفريع جليات المسائل على أصول المذاهب.
8813 - ونحن الآن نأخذ في المسائل الغامضة، فنقول: إذا قالت: طلّقني ثلاثاً بألف، وكان يملك عليها ثلاثاًً، فقال في جوابها: أنت طالق واحدةً بألف واثنتين بغير شيء، فتلحقها الطلقة الأولى، وتبين بها، ولا يقع الأخريان؛ لأنها تصير مختلعة بالأولى، والمختلعة لا يلحقها الطلاق.
هذا ما ذكره الصيدلاني والقاضي، والأئمة المعتبرون في المذهب.
وفي المسألة إشكالٌ لا دفع له، وذلك أنها لما سألت الثلاثَ بألف، فقد سألت كل طلقة بثلث ألف، وقد قال الزوج في جوابها: أنت طالق واحدة بالف، فلم يقع

كلامه على موافقة تقديرها، وعلى مقتضى مقابلتها، وإذا خالف كلامُ الزوج استدعاءَ المرأة، لم يكن كلامه إسعافاً، وإذا أظهر الزوج خلافاًً، صار مبتدئاً غير مجيب، فالذي يقتضيه القياس الحقُّ أن الطلقة الأولى لا تقع؛ لأنه ربط وقوعها بالتزام الألف، ولم يسبق من المرأة استدعاء ذلك، ولم تقبل أيضاًً الألف على حسب قوله بعد قوله 1، وإذا لم تقع الطلقة الأولى، وقعت الطلقتان الأخريان رجعيتين.
هذا هو الذي لا يجوز غيره، وإذا كان الكلام على مقتضى لفظٍ، وهو على حسب ما ذكرناه قطعاً ولم نصادف على مخالفته نصاً، فلا وجه للتماري في التعلّق بالحق.
هذا منتهى المراد في ذلك، نقلاً واستدراكاً.
والذي ذكره الأصحاب أن الطلقة الأولى تقع بثلث الألف، وتصير المرأة مختلعة، وهذا على نهاية الخبط (2) والفساد.
8814 - ولو قالت: طلقني ثلاثاًً بألف، فقال: أنت طالق طلقة مجاناَّ بلا عوض، وطلقتين بألف درهم.
فنقدم على المسألة تجديد العهد بأن الرجعية هل تُخالع؟ وفي ذلك قولان: أصحهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أن مخالعتها تصح؛ فإنه إذا كان يلحقها الطلاق بلا عوض يلحقها الطلاق بالعوض.
والقول الثاني - أن الطلاق بالعوض لا يلحقها، وهو منصوص عليه في القديم.
وهذه المسألة مفرعة على هذا الأصل، ونحن نصوّرها على وجهٍ لا يلحقها غائلة، ونعيد تصوير الأولى على حسبها حتى يتبين الغرض في النفي والإثبات، ثم نعود إلى ما في المسألة من غائلة، فنقول: إذا قالت: طلقني ثلاثاًً بألفٍ، فقال الزوج: طلقتك واحدة بثلث الألف، واثنتين مجاناً، فتقع الواحدة بثلث الألف، فإن الزوج موافق فيها موجب استدعاء زوجته، ولا تلحق الطلقتان بعدها؛ فإنها صارت مختلعة.

ولو قال في جوابها وسؤالها كما مضى: أنت طالق واحدةً مجاناً بلا عوض، واثنتين بثلثي الألف.
فهذا يخرّج على أن الرجعية هل تخالع؟ فإن قلنا: إنها تخالع، ثبت ثلثا الألف، وإن قلنا: إنها لا تخالع، فلا يثبت للزوج شيء من المال، ثم إذا لم يثبت المال، فالذي قطع به الأصحاب وقوع الطلاق من غير عوض.
وهذا من الأصول، فليتنبه له الناظر، وليقف عنده؛ فإنا نبتدىء فنقول: من طلق امرأته طلقةً رجعية، وقلنا: الرجعية لا تخالع، فإذا قال لها: أنت طالق على ألف درهم، فقالت: قبلت، فالطلاق يقع رجعياً؛ فإنه إن كان لا يلحقها الطلاق بعوض يلحقها الطلاق بغير عوض، فتصير الرجعية في هذا المقام كالمبذرة السفيهة.
وقد نص الشافعي وأطبق الأصحاب على أن الزوج إذا قال لامرأته السفيهة المبذرة: أنت طالق على ألف درهم، فقالت: قبلت، فالطلاق يقع رجعياً.
ولا شك أن الرجعية في المعنى الذي ذكرناه بمثابة المبذرة، إذا تُصوِّر تطليقُها من غير عوض، وقد وُجد القبول منها على صيغةٍ واحدة، وهما من أهل العبارة، بل عبارة الرجعية إذا لم تكن مبذرة أولى بالصحة.
فإن عاود معترضٌ، وأبدى إشكالاً ينعكس على السفيهة، كان كلاماًً في غير موضعه.
ثم الذي عليه التعويل في السفيهة أن الطلاق على صيغة المعاوضة يعتمد صورة القبول، ولا يعتمد اللزوم، والدليل عليه أنه إذا قال لامرأته المُطْلَقة 1: أنت طالق على زِقِّ خمر، فقالت: قبلت، وقع الطلاق، والمقبول لا يلزم.
ولو التزمت مهر المثل في مقابلة قول الزوج، لم يقع شيء، فاستبان أن التعويل في وقوع الطلاق على التوافق في القبول، على شرط صحة العبارة.
وسنُجري مسألة السفيهة بعد ذلك [ونزيدها] 2 كشفاً، والغرض المنتجز الآن تشبيه الرجعية بالمبذرة.
وهذا واقعٌ لا رفع له.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أنها إذا قالت: طلقني ثلاثاًً بألف، فقال: طلقتك واحدة بلا عوض، وطلقتين بثلثي الألف، فلا خلاف في وقوع الثلاث، ولكن إن

صححنا [مخالعة] 1 الرجعية، وقعت الطلقتان الأخيرتان بثلثي الألف، وإن منعنا مخالعة الرجعية، وقعت الطلقات الثلاث من غير عوض؛ فإن الأولى وقعت رجعية، ثم امتنع بعدها ثبوت العوض.
هذا تفصيل القول مع فرض المسألة من غير غائلة.
8815 - فأما إذا سألت ثلاثاًً بألفٍ، فقال: أنت طالق واحدةً مجاناً، واثنتين بالألف، فإن جوزنا مخالعة الرجعية، فالوجه القطعُ بثبوت الألف، ولا حكم لما في لفظه من مخالفة المرأة؛ فإنها قابلت الثلاث بالألف، وقابل هو طلقتين بالألف، والسبب فيه أنه حصّل الحرمة الكبرى، وقد ذكرنا أنه إذا حصلها، فلا نظر إلى العدد، وهذا حكم النص، وعليه التفريع.
فإن فرع مفرّع المسألة على مذهب المروزي في حاله، فينقدح في هذه الصورة ألا تقع الطلقتان على موجب القياس الذي ذكرناه، من جهة مخالفة الزوج استدعاءها، وليست هذه المسألة بمثابة الأولى؛ فإنها مفروضة فيه إذا طلق الطلقة الأولى بالألف، مع العلم بأن الأولى لا تفيد الحرمة الكبرى، فاتجه فيها القياس الذي ذكرناه، من جهة [مخالفة الزوج استدعاءها] 2 وإن كان مذهب الأصحاب على مخالفته.
8816 - ومما نفرعه أن المرأة إذا قالت: طلقني واحدة على ألف، فقال: أنت طالق ثلاثاًً، قال الشافعي في هذه المسألة: طلقت ثلاثاً وله الألف.
وقال أبو حنيفة 3: لا يستحق عليها شيئاً، وأبو يوسف ومحمد مع الشافعي.
معتمد المذهب أنه أجابها إلى ما سألت، وزاد.
ولم يخالف أبو حنيفة في أنها إذا سألت ثلاثاً بالألف، فطلقها واحدةً، استحق ثلث الألف، وهذا أقرب إلى مخالفتها.
وما ذكرناه فيه إذا قال: أنت طالق ثلاثاًً في مقابلة قولها: طلقني واحدة.
فإذا لم يُعد الزوج ذكرَ المال، فالجواب كما ذكرناه.

وإذا قالت: طلقني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق ثلاثاً بألف، أو على ألف، فهذا موضع التردد؛ من قِبَل أنها قابلت واحدةً بألف، فقابل الزوج في جوابها ثلاثاًً بألف، فاقتضى ما جاء به الزوج مقابلة طلقة بثُلث الألف، فالذي ذهب إليه معظمُ الأصحاب وقوع الثلاث [و] 1 استحقاق الألف كالصورة الأولى، وهي إذا لم يُعد الزوج ذكرَ المال؛ ووجهه أنه أتى بما سألت وزاد.
[و] 2 في بعض التصانيف عن القفال أن الثلاث تقع، ويستحق الزوج ثلث الألف؛ لأنها رضيت بواحدة على العوض، ولم يثبت العوض إلا على مقابلة ملك الواحدة، ولكن لا ترتّب في الطلقات حتى يقال: ثبت الطلاق بمالٍ، ولم [يلحقه] 3 غيرُه.
وفي هذا التصنيف وجهٌ آخر، وهو أنه يقع طلقة واحدة فحسب؛ لأن التوافق لم يقع إلا على طلقة واحدة، والزوج قابل الطلقتين الأخريين بمالٍ، والمرأة لم تقبله، وهذا والذي حكاه عن القفال ليسا بشيء؛ إذ لوْ صحّ هذا المسلك، لوجب أن لا يقع شيء؛ من قِبل أنه قابَل كلَّ طلقة بثلث الألف.
وهذا يخالف استدعاءها.
8817 - ولو قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق واحدة بثلث الألف، لم يقع شيء؛ فإن الاختلاف [بين] 4 الإيجاب والقبول لا فرق فيه بين الزيادة وبين النقصان.
ولو قال الرجل: بعتك عبدي هذا بألف درهم، فقال: اشتريته بألفين، لم ينعقد البيع، ولم نقل: أتى بالألف وزاد فلغت الزيادة، فلو كانت المسألة التي نحن فيها تخرّج على القاعدة التي شبَّب بها هذا المصنف حكايةً عن القفال، لوجب المصير إلى أنه لا يقع شيء، ثم كان لا يفرّق بين أن يعيد الزوج ذكرَ الألف وبين أن يذكرَ

الألفَ إذا [طلق] 1 ثلاثاًً؛ فإنه وإن لم يُعد ذكرَ الألف، [فهو] 2 معادٌ ضمناً، وعلى هذه القاعدة تثبت الأعواض.
فإن قال قائل: فما الجواب [فيما] 3 شبّبتم به في إعادة الألف، وفي السكوت عنه؟ قلنا: خروج المسألة على أنه إذا طلقها ثلاثاًً، فقد حقق غرضها، فلا نظر بعد ذلك إلى شيء.
وهذا مشكلٌ في صورةٍ سَهْلُ المحتمل في الأخرى، فأما الصورة السهلة، فهي إذا طلقها ثلاثاًً؛ فإنه استوفى ما عنده، وصارت الحرمة الكبرى في حكم الخَصْلةِ الواحدة، فلا تقسيم ولا تبعيض بعد حصولها، وكانت سألت فُرقةً مخففة، فأجابها مغلظة، وينقدح عليه عكس هذه الصورة.
وأما الصورة التي فيها عسر هي 4 إذا قالت: طلقني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق ثنتين بألف، فلم يتحقق في هذه الصورة حرمةٌ مغلّظة، نتّبعها ونترك العدد، والمقابلة تختلف في الصورة ويترتب على اختلافها اختلاف الاستدعاء والإجابة، ولم ينص أصحابنا على هذه المسألة بعينها، ولكن قياس كلامهم القطعُ بوقوع الطلقتين.
وينقدح عندي في هذه الصورة مذهب أبي حنيفة، فليتأمل الناظر مواقف الكلام ومواقع الأشكال.
8818 - وقد انتهى ما أضمرناه من تفريع المسائل الغامضة على القواعد المقدّمة.
ونحن نذكر بعدها ما يتعلق بكلام صاحب التلخيص 5 من الزوائد -والله المستعان.
فمما ذكره أن المرأة إذا سألت طلقتين [أو ثلاثاً وهو لا يملك] 6 إلا الواحدة،

والتفريع على النص، وقال الزوج في جوابها: طلقتك اثنتين [الثانية منهما] 1 بألف، فلا يستحق من العوض شيئاً؛ فإنه عرَّى الطلقة الأولى عن العوض، وكان لا يملك غيرها.
وقد أتى بذكر الطلقتين أولاً على صيغةٍ تقتضي الجمع، ثم جاء بها تقتضي الترتيب؛ إذ ذَكرَ الثانية، ومن ضرورة الثانية أولى، وهذا لائح، فإن قال في جوابها: أنت طالق اثنتين الأولى منهما بألفٍ، استحق تمام الألف، ولغا تقدير الطلقة الثانية.
وكل ذلك يخرّج على أنا لا نرعى العدد مع تحصيل الحرمة الكبرى.
ولو سألت طلقتين، وهو لا يملك إلا واحدة، فقال في جوابها: أنت طالق طلقتين، ولم يتعرض لذكر المال وتقديرهِ المقابلةَ، ولما راجعناه، قال: لم يكن لي نية تقدير مقابلة، ولكني زدتُ على ما أملك لفظاً، فكيف السبيل فيه؟ نقول أولاً: لو نوى صرفَ الألف إلى [الأولى] 2 استحق تمام العوض، [أما] 3 لو لفظ أو نوى صرف الألف إلى الثانية -كما صورناه أولاً- لم يستحق شيئاً.
وإذا قال: لم يكن لي نية، فقد ذكر الشيخ وجهين: أحدهما - أنه لا يستحق شيئاً؛ فإنه يجوز تقدير الأمر على وجهِ لا يستحق شيئاً، ويجوز خلافه، [والأصل] 4 براءة الذمة.
والوجه الثاني - وهو اختيار [أبي زيد] 5 المروزي أنه يستحق تمام العوض لتحصيل الحرمة الكبرى؛ فإنه لم يأت بما يناقض استحقاقَ العوض.
وهذا هو الصحيح.
والذي يقتضيه كلام الشيخ أنه لو قال: نويت مقابلة الثانية بالعوض لا يستحق.
وهذا فيه نظر عندي، فإنه إذا لم يتلفظ بهذا، ولفظه للجمع، فلا يختلف مقتضاه الصريح بنية باطلة.

ومما ذكره من هذا الجنس أنه لو كان يملك طلقة كما صورنا، فقالت المرأة: طلقني اثنتين بألف، فقال في جوابها: طلقتك اثنتين بألف، فقابل الأولى في لفظ بهما، والتفريع على مذهب الشافعي ونصه، قال الشيخ: اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فمنهم من قال: يستحق تمام الألف، وهو الصحيح؛ فإن الحرمة الكبرى مهما حصلت، لم يبق بعد حصولها نظر إلى تفصيل المقابلة، وكما لا يعتبر التوزيع على ما سألت إذا أجيبت إلى الحرمة الكبرى، فلا يعتبر التوزيع على ما لفظ الزوج به.
ومن أصحابنا من قال: لا يستحق إلا نصف العوض، وهو خمسمائة؛ فإنه قابل الطلقة المملوكة بخمسمائة، فلا يستحق أكثر منها.
وهذا ساقط مع حصول الحرمة الكبرى، كما قدمنا.
وليس كما لو قالت: طلقني اثنتين بألفٍ، وكان يملك ثلاثاًً، فقال: طلقتك واحدة بخمسمائة؛ فإن تلك الواحدة تقع بالخمسمائة؛ إذ ليس فيها تحصيل الحرمة الكبرى.
8819 - ومما فرعه أن المرأة لو سألت طلقة بألف، وكان الزوج يملك عليها ثلاثاًً، فقال في جوابها: أنت طالق وطالق ثم طالق، نُراجعه.
فإن قال: أردتُ مقابلة الألف بالطلقة الأولى، فلا يلحقها بعدها طلاق.
فإذا [قال:] 1 أردت [إيقاع] 2 الطلقة الأولى بلا عوض، [وإيقاع] 3 الثانية بالألف، ثم إيقاعَ الثالثة، فهذا يخرّج على مخالعة الرجعية، فإن قلنا: يلحقها الطلاق بالعوض، طُلّقت طلقتين الأولى بغير عوض، والثانية بالألف، ولا تقع الثالثة.
وإن قلنا: الرجعية لا تخالع، لم يستحق الزوج من العوض شيئاً، [وطلقت] 4 المرأة ثلاثاً بناء على أن الرجعية إذا خولعت، وقلنا: لا يصح مخالعتها، فيقع الطلاق من غير عوض، قياساً على السفيهة.

ولو قال الزوج: أردت بالطلقة الأولى والثانية رجعتين بلا عوض، [وأردت] 1 مقابلة الثالثة بالعوض، فالذي ذكره الأصحاب أن ذلك يخرّج على القولين في مخالعة الرجعية، وهو بيّن لائح.
فإن جوّزنا مخالعتها، وقع الطلاق، واستحق الزوج الألف كَمَلاً، وإن منعنا مخالعة الرجعية، وقع الثلاث، ولم يستحق الزوج شيئاً.
وقال الشيخ أبو علي في الشرح: إذا طلق الرجل امرأته طلقتين، وجرت في عدة الرجعية، فخالعها على الثالثة، صحت المخالعة على الثالثة قولاً واحداً؛ فإنه يتعلق بها مزيد فائدة، وهي الحرمة الكبرى، وإنما القولان في مخالعتها بالطلقة الثانية، وهذا تفصيلٌ لم أعرفه 2، ولم أره إلا له، وليس فيه كبير معنى؛ فإن الخلع بالطلقة [الثانية] 3 يفيد البينونة وبتَّ النكاح، فإذا لم يصحح الخلع مع ذلك، فأي أثر للحرمة الكبرى في التصحيح.
8820 - ثم إن صاحب التلخيص أتى بكلام مضطرب، وأعاد صوراً أجاب فيها بخلاف ما سبق من جوابه في أعيانها، فكانت هذه المسألة معروفةً بكثرة عثراته، ونحن لا نذكر ما لا يفيد معنى ولا يجدي فقهاً، فالذي يتعلق به -على كل حال- شيٌ أنه قال: إذا [كان] 4 الرجل يملك طلقة واحدة، فسألت المرأة ثلاثاًً، فقال في جوابها: أنت طالق ثلاثاً، قال: يثبت الرجوع إلى مهر المثل، وقد سألت الطلاقَ الثلاثَ بالألف 5، ولم يتعرض لهذا الكلام فيما تقدم، بل أطلق ما أطلقه الأصحاب من ثبوت البدل المسمى إذا [حصلت] 6 الحرمةُ الكبرى، واتفق معظم الأصحاب على

تغليطه في إثبات مهر المثل، وتناقضُ كلامه بيّنٌ لا حاجة إلى تكلفٍ في إيضاحه.
قال الشيخ أبو علي: وجدت نسخاً من التلخيص أصلح فيه ذكر مهر المثل [وحذفه] 1. ووجدتُ 2 لبعض الأصحاب وجهاً غريباً أنها إذا سألت ثلاثاًً والزوج لا يملك [إلا] 3 واحدة أو اثنتين، فحصّل الحرمة الكبرى بإيقاع ما يملك -أن البدل المسمى يسقط، والرجوع إلى مهر المثل؛ لما حصل من الاختلاف بين القولين، والمسمى إنما يثبت عند التوافق المحقق؛ ولا سبيل إلى تعرية الحرمة الكبرى عن العوض؛ فكان الرجوع إلى مهر المثل.
وهذا ليس بشيء، وبأمثاله تختبط أصول المذهب.
وأنا لم أذكره وأنا أسوق ترتيبَ المذهب، وأخّرت ذكره؛ حتى لا يعدّ من المذهب.
وقد [انتهى] 4 هذا الأصلُ العظيم من الخلع مشتملاً على أكمل البيان، منبهاً على مواقع الإشكال، وإلى الله الابتهال في الإكمال.
فصل قال: "ولو بقيت له عليها طلقة، فقالت: طلّقني ثلاثاً بألف، واحدةً أحرم بها عليك ... إلى آخره" 5. 8821 - إذا كان الرجل يملك طلقة واحدة، فقالت المرأة: طلقني ثلاثاً واحدةً أحرم بها، وثنتين إن نكحتني، فقد ذكر أصحاب القفال صورتين: إحداهما - أن تستدعيَ منه ثلاثَ طلقات بألفٍ: واحدةً تنجز الحرمة، واثنتين يلتزمهما في الذمة إذا نكحها يوماً، نجّزهما.
هذه صورة.
فإذا نجّز الطلقة التي يملكها، والتزم طلقتين، فالذي ذكره الأئمة المراوزة أن

الطلاق المنجز ينفذ بالمال، ولكن المسمى لا يثبت، والرجوع إلى مهر المثل.
والسببُ فيه أنها قابلت المال بتنجيز والتزامٍ في الذمة، والتزامُ الطلاق في الذمة فاسدٌ، فشرطه فاسد مفسد؛ وإذا فسدت صيغة العقد والطلاقُ المنجَّز لا مردَّ له، وقد تثبت المالية، فينحصر [أثر] 1 الفساد الواقع في صيغة العقد في المال المسمى.
وهذا النوع من الفساد يوجب الرجوع إلى مهر المثل، على ما سنعقد في ذلك فصلاً جامعاً لمحل الخلاف والوفاق.
ثم لو فرض نكاحٌ، فلا شك أن الزوج لا يطالَب بالوفاء بما التزمه من الطلاق؛ فإنا أفسدنا الالتزامَ، ولو وجب الوفاء، لصح الالتزام.
8822 - الصورة الثانية: أن تقول: طلقني الواحدة التي تملكها، وعلّق طلقتين إن نكحتني يوماً ولك ألف، فإذا نجّز ما ملك، وعلق الطلقتين، كما استدعت، فالتعليق مردود، فإنه تعليقٌ للطلاق قبل النكاح، وصيغة استدعائها فاسدة [و] 2 الرجوع إلى كمال مهر المثل، كما ذكرناه في الصورة الأولى المشتملة على التزام الطلاق بدل التعليق.
فهذا منتهى ما بلغنا من قول أصحاب القفال.
8823 - وذكر صاحب التقريب في المسألتين طريقةً أخرى حسنةً، فقال: قد جمعت المرأة بين طلاقٍ يصح الاعتياض عنه، وبين طلاقين لا يصح الاعتياض عنهما، وقابلت الكلَّ بعوض، فالوجه تخريج ذلك على تفريق الصفقة، ولو جمع الرجل في صفقة واحدة بين عبد يملكه، وعبدٍ مغصوب أو حُرٍّ، وفسد العقد في المغصوب أو الحر، ففي فساده في المملوك قولان، فليكن الأمر كذلك في الطلاق.
فإن قلنا بصحة تفريق الصفقة، فيصح الخلع متعلّقاً بالمسمى في الطلاق المنجز.
وإن حكمنا بالفساد لم يُرَدّ الطلاق، ولكن نحكم بفساد ما يقابله من المسمى، ثم نفرِّع عليه أنا إذا صححناه، فللمرأة الخيار، بسبب تبعّض المقصود صحةً وفساداً.
فإن أجازت، فبكم تجيزه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها تجيز بتمام المسمى.
والثاني

-أنها تجيز بقسطٍ، فيلزمها ثلثُ المسمى، والطلقات في حكم التوزيع متساويةً بلا خلاف بين الأصحاب.
وإن فسخت، ارتد البدل بجملته إليها، وكان الرجوع إلى مهر المثل في المذهب الظاهر.
وكل ما ذكرناه تفريع على تصحيح تفريق الصفقة، وإن أفسدناها، فالرجوع إلى مهر المثل، لا غير، كما حكيناه عن الأولين.
وهذا الترتيب حسن، لم يتعرض القفاليون إليه، ذكره صاحب التقريب، وأورده العراقيون على هذا الوجه.
فإن قيل: إذا [لم تصححوا] 1 باب التفريق، فهلا قلتم: إنا وإن أفسدنا الصفقة بسبب التفريق، فلا يلزمها إلا قسط من المسمى؟ قلنا: هذا ليس بشيء، فإنا إذا أفسدنا العقد، ولزم الرجوع إلى المال، فالوجه الرجوع إلى قيمة ما فات على الزوج، وقيمة ما فات على الزوج مهر المثل، ولو [عُدْنا] 2 إلى أعداد الطلقات والتوزيع عليها، لكان هذا حكماً بالصحة، وقضاءً بثبوت المقابلة، وهذا ظاهر، ولكني لا أرى التبرّم بذكر الظواهر في الكتب المنعوتة بالإشكال.
فإن قيل: هل تتوجه طريقة القفالين بشيء؟ قلنا: أجل، وجهُهُ أن الطلاق الملتزمَ في حكم ما لم يحصل 3، ولا يقدّر مضموماً إلى غيره، حتى يخرّجَ على قاعدة التفريق، ولا وقع له إلا من جهة تنزيله فاسداً مفسداً.
8824 - ومما يهجِس في القلب تقويةُ الصحة على نص الشافعي، فإن المرأة لو سألت ثلاثاً وكان الزوج لا يملك إلا واحدةً، فطلقها [تلك] 4 الواحدة، فإنه يملك تمام المسمى من غير حكمٍ بتقسيطٍ ولا فسادٍ؛ [نظراً] 5 إلى تحصيل الحرمة

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل