نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 393-432
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحيض

صفحات 393-432
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

التأسّي بما ذكر لنتخدّ ذلك دستوراً فيما يجري بعده.
إن شاء الله عز وجل.
ثم نذكر زوائد من الفوائد في هذه الصورة، يتدرب بها المنتهي والمبتدىء.
571 - فنقول: إذا ذَكَرَتْ الخلط المطلق، وكان في ذمتها صلاة منذورة مثلاً، فأرادت الخروج عما عليها، أو أرادت إقامة صوم يوم واجب عليها، فقد ذكرنا في المتحيرة المطلقة، أن الوجه أن تصلي ثلاث مرات، وتصوم ثلاثة أيام.
وذكرنا ما يتخلل بين الكرات من المواقيت.
فإذا ذكرت أنها كانت تخلط الشهر بالشهر، فيكفيها أن تقضي ما عليها مرتين: مرة في حساب التقديم، ومرة في حساب التأخير، ولكن لا بد من رعاية وجهٍ يقع به أحدهما في الطهر.
فلو صامت يوم السادس والعشرين من شهر، ويوم السادس من الشهر الثاني، فلا تخرج عما عليها؛ لجواز وقوع اليومين في الحيض، [إن] 1 كانت تخلط.
ولكن إذا صامت يوم الخامس عشر ويوم السادس عشر، فتخرج عما عليها؛ فإن الحيض لا يدرك اليومين جميعاًً، بل إن أدرك، فإنه يدرك أحدهما.
ولو [صامت] 2 السابع عشر من شهر، والخامس عشر من الشهر الذي يليه، فإنها تخرج عما عليها؛ فإن الحيض مع تقدير الخلط لا يدرك اليومين جميعاًً في هذه الصورة.
ولا يكاد يخفى على من أحكم استخراج الغوامض [المقدمة] 3 مأخذ هذا.
572 - ومما نذكره الآن أنا قدّمنا في المتحيرة المطْلقة من مذهب أبي زيد، أنها تصلي كل صلاة، ثم تقضيها كما تفصّل.
ولا بد من تفصيل هذا الفن مع ذكرها الخلط.
فنقول: نذكر التفصيل في الأيام المقدّمة في الزمان الماضي، ثم نذكر الأيام

المؤخرة المقدّرة في الاستقبال، والأيامُ المقدمةُ تقع في النصف الأخير من الشهر، والمؤخرة تقع في النصف الأول من الشهر.
فأما النصف الأخير من كل شهر، فلا يحتمل الانقطاع؛ فإن في آخر الشهر حيضاً معلوماً، وإن انقطع الحيض، لم يعد إلى خمسةَ عشرَ يوماًً، ولكن يلزمها إقامة الصلوات في أوقاتها؛ لإمكان الطهر.
ثم لو كانت تصلي في الأيام المتقدمة في أول الوقت وتطبق التكبير على أول الوقت، فلا يلزمها القضاء أصلاًً؛ لأن الصلاة إن وقعت في الطهر، فقد أدت ما عليها، وإن وقعت في الحيض، أو وقع آخرها فيه، فلا تلزمها هذه الصلاة، لا أداءً ولا قضاء، ولا يحتمل أن ينقطع الحيض في آخر الوقت، كما تقدم ذكره.
ولو صلت في وسط الوقت، فيتجه أمرُها بالقضاء؛ لاحتمال أن أول الوقت كان عارياً عن الحيض، فلم تصلّ فيه، ولما صلت كانت حائضاً.
والذي يقتضيه تحقيق هذا الحساب، أنها لو أوقعت الصلاة بعد مضي مقدار تكبيرة من أول الوقت، فيلزمها القضاء؛ لجواز أن تقع التسليمة في ابتداء الحيض، وقد مضى من أول الوقت، ما يسع صلاة تامةً.
ثم يتجه على ما أوضحناه أن نوجب عليها ملازمةَ أول الوقت؛ فإنها لو استيقنت من نوَب حيضها -ولم تكن مستحاضة- أنه إذا مضى من وقت الزوال مقدارُ أربع ركعات تَحيضُ 1، فيتعين عليها إيقاع الصلاة في أول الوقت، وإذا احتمل ذلك، فالاحتمال في قاعدة الاحتياط بمثابة اليقين.
ولا يمتنع أن يقال: عليها مع رعاية التطبيق على أول الوقت أن تقتصر على مقدار الفرض؛ فإنها لو [بسطت] 2 وطوَّلت، فربما توقع شيئاًً من الصلاة في الحيض، مع القدرة على تبعيد الفرض عن المانع.
ولا يبعد أن يقال: يشق عليها مراعاة التطبيق على أول الوقت، والاقتصارُ 3 على

ما لا يتصوّر أقل منه، فنقول: هي بالخيار بين مراعاة التطبيق وقدر الفرض، وبين أن تصلي في الوقت متى شاءت، ثم تقضي تلك الصلاة مرةً أخرى.
فهذه جهات الاحتمالات فيما أردناه.
573 - [ومما يليق] 1 بتمام البيان في الأيام المقدمة، أنها إذا صلت على وجهٍ يلزمها القضاء، فلو أرادت أن تقضي في الأيام المقدمة لتخرج عما عليها، لم يمكنها؛ لجواز وقوع القضاء في الحيض، ولكن سبيلَها أن تؤخر القضاء، وتصلي في الأيام المقدمة [مثلاً] 2 في أوساط الأوقات، ثم تقضي صلواتِ يومٍ وليلة؛ وذلك لأنه لا يبطل من صلاتها إلا واحدة في جميع الأيام المقدمة؛ فإن الصلاة إنما تبطل بتقدير ابتداء الحيض في أثناء الصلاة.
و [هذا] 3 إنما يتصور مرة واحدة في الأيام المقدمة، ولكن لما أشكلت الصلاة التي قدرنا فسادها، أوجبنا قضاء صلاة يوم وليلة.
فهذا تمام الكلام في الأيام المقدّمة.
ثم إنما تقضي الصلوات في الأيام المقدّمة والمؤخرة مرتين، كما تقدم، فتصلي مرتين خمساً خمساً، فتصير عشر صلوات.
574 - فأما الأيام المؤخرة، فيحتمل فيها الانقطاع، فلو صلت في أول الوقت، فيلزم القضاءُ لتقدير الانقطاع في آخر الوقت، ووقوع الصلاة المتقدمة في الحيض، فالوجه أن تؤخر الصلاة -إن أرادت ألا تقضي- إلى آخر الوقت.
ثم نذكر مقدمةً لغرضنا، وهي أن من لا علّة به إذا أوقع بعضَ الصلاة في الوقت، وبعضها خارج الوقت، فالصلاة مقضية أو مؤداة؟ فيه خلاف، وسيأتي في كتاب الصلاة.
فإن قلنا: الصلاة مؤدّاة، فيجوز في حالة الاختيار تأخيرُ الصلاة إلى هذا الحد.

حتى لو لم يقع في الوقت إلا مقدار تكبيرة، جاز، [وكانت الصلاة أداءً] 1. وإن قلنا: تصير الصلاة مقضية، فلا يجوز تأخير الصلاة إلى حالةٍ يقعُ بعضُها خارج الوقت.
فإذا ثبت ذلك، عدنا إلى غرضنا في الأيام المؤخرة.
575 - فإن قلنا: تكون الصلاة مؤداةً، فلو أوقعت مقدار تكبيرة في الوقت، ووقع الباقي وراءه، فلا قضاء عليها، ولها أن تفعل ما ذكرناه؛ فإن هذه الصلاة إن وقعت في الطهر، فقد خرجت عما عليها، وإن وقعت في الحيض، فنعلم قطعاً أن الحيض طبق وقت الصلاة؛ فإن ابتداء الحيض في الأيام المؤخرة لا يتصور.
وإنما الممكن استمرار الحيض، أو الانقطاع في كل وقت يشار إليه.
وإنما [ينشأ] 2 الاحتياط في هذه الأيام من إمكان الانقطاع.
فهذا إذا قلنا: تكون الصلاة مؤداة، وإن وقع بعضُها وراء الوقت.
576 - فأما إذا قلنا: تكون مقضيّة، فلا يجوز لها أن تُخرج شيئاًً من الصلاة عن الوقت، ولكن توقع الصلاة أداءً في آخر الوقت، وكما يلزمها ذلك لتكون مؤدية، يلزمها قضاء الصلاة؛ لجواز أن الحيض انقطع في آخر الوقت 3. ثم إذا قضت عقيب الوقت مثلاً، وقد أدت في الوقت، فقد خرجت عما عليها؛ فإن الحيض إن انقطع في الوقت، فالقضاء يقع في الطهر، وإن وقع القضاء في الحيض، فالحيض مستمر قبله إلى اللحظة الأخيرة من الشهر السابق، ولا أداء ولا قضاء.
ثم لا يتعين -على إيجاب القضاء- تعقيبُ الوقت بالقضاء، ولكنها تقضي متى شاءت في الأيام المؤخرة، وسيأتي تمام ذلك الآن.
وإذا كنا [نوجب] 4 الأداء في الوقت، فلا معنى لتكليفها تطبيق الصلاة على آخر

الوقت؛ فإنها وإن فعل ذلك، فهي مأمورة بالقضاء، فلتصلِّ في الوقت متى شاءت، ثم لتقض.
577 - ومما ننبه عليه -وإن [كان بيِّناً] 1 - أنا ذكرنا أن الصلاة التي نقدر فسادها في الأيام المقدّمة بالوقوع في وسط الوقت، لا تقضيها في الأيام المقدّمة مقتصرة عليها، والتي نأمر بقضائها في الأيام المؤخرة إذا قضتها فيها، كفاها ذلك.
والفارق أن القضاء في الأيام المقدمة قد يقع في الحيض مع وقوع الأداء فيه، وأما الأيام المؤخرة، فإنما يجب القضاء فيها في الصورة التي ذكرناها، لإمكان انقطاع الحيض في بقية الوقت.
ولو فرض ذلك، فلا يقع القضاء بعده في الحيض قطعاًً.
وهذا مُغْنٍ بوضوحه عن مزيد كشف فيه.
578 - ومما يتعلق بذلك أن [الخالطة] 2 لو كانت لا تقضي حتى مضت الأيام المؤخرة، فلا يلزمها إلا قضاء صلوات يوم وليلة؛ فإن الانقطاع لا يمكن تقديره في جميع الأيام المؤخرة إلا مرة واحدة، وذلك إذا اتفق، فقد يوجب قضاء صلاة واحدة، ثم تلك الصلاة لا تتعين، فيلزم لأجل ذلك قضاء صلوات يوم وليلة، ثم تقضي هذه الصلوات عند انقضاء الأيام المؤخرة [كما تقضي صلاةً مطلقة في ذمتها، فتأتي بها مرة في الأيام المقدمة، ومرة في الأيام المؤخرة] 3 كما تفصّل.
ولو أوقعت هذه الصلوات الخمسة 4 في آخر زمان من الأيام المؤخرة، كفاها ذلك مرة واحدة؛ فإنا لو فرضنا الانقطاع الآن، لم تجب الصلاة فيما مضى، لا أداءً ولا قضاء، ولكن فيه فضلُ فكرٍ.
وهو أن أول الشهر لو حسبناه من أول ليلة، ثم فرضنا الانقطاع في آخر الأزمان المؤخرة، فينقطع في آخر نهار قبل الغروب، ولو فرض ذلك، فقد يلزم الظهر

والعصر في هذا اليوم، بإدراك زمانٍ في آخر النهار، فيرجع القضاء إلى الظهر والعصر إذا قضت الصلوات الخمس في آخر الأزمان المؤخرة.
وهذا لا يدركه إلا موفَّقٌ سديد الفكر، والبليد لا يزداد بالإطناب في البيان إلا دهشةً وتدوّخاً 1 والله المستعان.
579 - ومن تمام البيان في ذلك أنا إذا أوجبنا القضاء والأداء في الأيام المؤخرة؛ تفريعاً على أنه لا يجوز إخراج شيء من الصلاة عن وقتها، فلو لم تؤدّ كما أُمرت، ولكن أوقعت التكبيرَ في الوقت والباقي وراءه، ونوت القضاء، فقد عصت بترك الأداء، ولكنها خرجت بالقضاء عما عليها؛ فإنها إن كانت طاهرةً في الوقت؛ فإن الطهر يدوم، فإن [ابتداء] 2 الحيض لا يتصور طريانه في الأيام المؤخرة، وإن فرضنا انقطاعاً وراء الوقت، فلا يجب قضاء الصلاة، والحيض مطبق للوقت، وإن فرضنا الانقطاع في آخر الوقت، فقد وقعت التكبيرة في الطهر، فإن فَرضَ متكلفٌ الانقطاع، وقد بقي نصف تكبيرة، فلا يجب قضاء هذه الصلاة، كما لو طبق الحيضُ الوقتَ، وسيأتي ذلك مشروحاً في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
580 - وإن تركت الخالطة صلاة في الأيام المؤخرة، وأخرجتها عن الوقت، ثم قضتها عقيب الوقت مثلاً، فقد سقط الفرض عنها؛ فإنها إن كانت طاهرة في الوقت، فهي طاهرة في وقت القضاء، وإن انقطع الحيض في آخر الوقت، فقد لزم القضاء وقضت، وإن طبق الحيض الوقتَ، فلا أداء ولا قضاء.
وكل ما ذكرناه في صلاة الصبح والعصر والعشاء، فأما صلاة الظهر، فلو وقعت التكبيرة في الوقت، وباقي الصلاة خارجاً، ونحن نجوز ذلك، فلا تخرج عن عُهدة الظهر؛ لجواز أن يقع جميع ذلك في الحيض، ثم يتفق انقطاعُ الحيض في آخر النهار، فيجب قضاءُ الظهر مع العصر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فسبيلها في الظهر أن تؤدي الظهر في أي زمان يتفق، من زوال الشمس إلى انقضاء الوقت، ثم تقضي الظهر بعد الغروب.

ثم قد ذكرنا أن الأيام المقدمة أيام الوضوء، والأيام المؤخرة أيام الغسل، ويمكن ضبط المقصود في ذلك بأن الخالطة في أيام الوضوء تطبق الصلاةَ على أول الوقت، وفي أيام الغُسل قد تطبق التكبير في الصلوات الثلاث: الصبح والعصر والعشاء على آخر الوقت، عما عليها إذا ارتسمت رعاية الأول والآخر، كما رسمنا وقدّمنا ذلك.
581 - وجميع ما ذكرنا فيه إذا لم تذكر إلا خلطاً مطلقاً، فأما إذا ذكرت خلطاً، وقيدته بشيء آخر، فنذكر فيه صوراً ترشدُ إلى أمثالها، وهي بينةٌ بالإضافة إلى ما تقدم.
فلو قالت: لا أحفظ شيئاًً إلا أني كنت أخلط الشهر بالشهر، يوماًً بيوم، فمعناه أني كنت حائضاً يوماًً وليلة في آخر الشهر، ويوماً [وليلة] 1 في أول الشهر، فقد قيدت الخلطَ بذكر مقدارٍ، فيقدّمُ الحيض أقصى ما يمكن، ويقدر اليوم الأول آخر الحيض، فيقع ابتداؤه أول السابع عشر.
وإذا أخرناه على أقصى الإمكان، قدرنا الأولَ اليومَ الأخير من الشهر، والآخرَ آخرَ [اليوم] 2 الرابع عشر، فقد دخل في الحسابين اليوم الآخر والأول، فهما حيض، وخرج من الحسابين الخامس عشر والسادس عشر، فهما طهر، وما دخل في الحساب المقدم فَحسْب أيام الوضوء، وما دخل في الحساب المؤخر فَحسْب أيام الغسل.
وباقي التفريع [كما] 3 تقدم.
582 - ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر، وأحفظ أن حيضتي كانت خمسة أيام، فقد قيّدت الخلطَ بذكرها لمقدار حيضتها الأصلية، فتقدّم وتؤخر، ولكن تقدّم الخمسة وتؤخرها، وليس كما تقدم؛ فإنها لم تذكر فيه مقدارَ الحيض فيما سبق 4، فاقتضى الاحتياطُ رعايةَ أكثرِ الحيض في التقديم والتأخير، فإذا ذكرت المقدارَ وربطته بآخر الشهر وأوله، فتقدم الخمسة، وتقدر آخرها اللحظة الأولى من الشهر، فينتهي

أولها إلى السادس والعشرين إلا لحظة من أوله.
وإذا أخرنا، قدّرنا اللحظة الأخيرة من الشهر أول الحيض، فينتهي إلى آخر الخامس إلا لحظةً، فقد دخل في الحسابين لحظتان [من الآخر والأول] 1، فهما حيض، وخرج من الحسابين اللحظة الأخيرة من الخامس إلى انقضاء لحظةٍ من السادس والعشرين.
فهذه الأيام طهرٌ كلها؛ فإنه لم يلحقها الحيض لا بحساب التقديم، ولا بحساب التأخير، والأيام الداخلةُ في التقديم فحسب أيام الوضوء، والداخل في حساب التأخير أيامُ الغسل، كما تقدم ذكره.
583 - ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر، وكنت يوم الخامس بليلته حائضاً، فقد قيدت الخلط بتعيين يومِ من الحيض، ولم تذكر مقدارَ حيضها القديم، فيقدم حيضُها أقصى ما يمكن، ويقدّر آخر حيضها اليوم الخامس، فينتهي التقديم إلى أول الحادي والعشرين.
وإن أخرنا أقصى ما يمكن، قدّرنا الابتداء من اللحظة الأخيرة من الشهر لذكرها الخلط، فينتهي إلى آخر الخامس عشر إلا لحظة، فقد دخل في الحسابين من اللحظة الأخيرة إلى آخر الخامس [فهي حائض] 2 في هذه المدة بيقين، والخارج من الحسابين هي اللحظة الأخيرة من الخامس عشر إلى أول الحادي والعشرين، فيكون طاهراً قطعاًً على حكم ذكرها.
ولا تخفى باقي الأحكام في هذه الصورة.
584 - ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر، أو العَشر الأول بالعَشر الثاني فقد ترددت بين خلطين، وهذا أشد إيهاماً من خلط الشهر بالشهر مطلقاًً؛ فإنها ردّدت قولها بين خلطين، وذكرت إيهاماً في [محلّين] 3، فليس لها والحالة هذه حيض بيقين، ولا طهر بيقين؛ فإن اليقين فيهما إنما يثبت إذا تعين محل الخلط في الذكر،

وقدمنا وأخرنا على أقصى التصوير، فما يدخل في الحسابين حيض، وما يخرج عنهما جميعاًً طهر، ونحن في هذه الصورة لا ندري أنتخذّ أصل التقديم والتأخير الشهر أو العشر.
ولكنا نقول: لا غسل عليها من السادس والعشرين إلى انقضاء آخر الشهر؛ فإنها إن كانت خلطت الشهر بالشهر، فالانقطاع غير ممكن في هذه الأيام لا محالة، وكذلك إن كانت تخلط العشر بالعشر، فلا يُحتمل الانقطاع في هذه الأيام؛ فإنه لو انقطع، لم يعد إلى خمسة عشر يوماًً، وكذلك لا تغتسل في اللحظة الأولى من الشهر؛ فإنها إن كانت خلطت الشهر بالشهر، فتكون حائضاً في اللحظة الأولى من الشهر، وإن كانت خالطة العشر الأول [بالعشر] 1 الثاني، فكذلك لا يحتمل الانقطاع في هذه اللحظة، كما ذكرناه قبلُ، فإذا مضت اللحظة الأولى، احتمل الانقطاع بتقدير أن آخر حيضها اللحظة الأولى، ثم ينسحب إمكان الانقطاع إلى آخر العشر، ويمتدّ بعده بتقدير خلط العشر بالعشر، ويتمادى إلى آخر السادس والعشرين، كما تقدّم، ثم بعد ذلك حكم الوضوء 2 إلى انقضاء اللحظة الأولى من الشهر.
ولست أطنب في شرح هذا ومثله لبيانه، ومن تدرّب في المشكلات المتقدمة، هان عليه طلبُ اليقين في أمثال الصور التي ذكرناها.
فهذه صورٌ في تقييد الخلط بوجوه غير ذلك، تهدي إلى أمثالها.
585 - ولو قالت: لا أحفظ [شيئاًً] 3 إلا أني كنت أخلط الشهر بالشهر طهراً بطهر، فكأنها ذكرت أنها كانت طاهرة في اللحظة الأخيرة من الشهر، وفي اللحظة الأولى من أول كل شهر، ولا تستفيد حيضاً مستيقناً؛ فإن أكثر الطهر لا نهاية له، فلا يُفيد مَدُّه في التقديم والتأخير تعيين حيض.
ولكن إذا مضت اللحظتان اللتان في آخر الشهر وأوله، فإنا لا نأمرها بالاغتسال

بعد اللحظة الأولى، حتى يمضي يومٌ وليلة، فإن الطهر إن استمرّ، فلا غسل، وإن ابتدأ حيض، لم ينقطع حتى يمضي أقل الحيض، وهو يوم وليلة، فلو انقضى ذلك، اطرد الأمر بالغُسل إلى اللحظة الأخيرة من الشهر، لاحتمال الانقطاع.
586 - ولو قالت: كنتُ أخلط الشهر بالشهر حيضاً بحيض، وكنتُ طاهرةً في اليوم الخامس، فسبيل التقديم أن نقدّر آخر حيضها اللحظةَ الأولى من الشهر، فتنتهي بالتقديم إلى أول السادس عشر إلا لحظة.
وإذا أردنا التأخير، نقدّر أول حيضها اللحظة الأخيرة من الشهر، فينتهي حساب التأخير إلى آخر اليوم الرابع، ولا يتعداه لمكان الطهر في اليوم الخامس، فيخرج من الحسابين من اليوم الخامس إلى مُضي لحظة من أول السادس عشر، فتكون هذه الأيام طهراً بيقين.
ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر، حيضاً بحيض، وكنت يوم الخامس أو الرابع عشر طاهرة بيقين.
فنقول: هي طاهرة يوم الرابع عشر؛ فإنها إن كانت طاهرة يوم الخامس، فيمتد الطهر إلى استيعاب الرابع عشر، فهو طهر في كل تقدير.
فهذا المبلغ كافٍ في صور الخلط، وفيه إرشاد إلى أمثاله.
فصل في الضلال 587 - وهذا عدّه الفقهاء من غمرات أحكام الناسية، والغرض منه، ومما تقدم من أمثاله بيانُ أحكامٍ مستفادةٍ مِنْ ذِكْرها أشياءَ في أدوارها، مع بقاء الإبهام في أشياء، ثم بوّب العلماء أبواباً وذكروا أسماء وألقاباً، وغرضهم إيناس الناظرين بمدارك التصرّف، ومسالك استخراج اليقين في الأمر بالاحتياط.
588 - والضلال هو الذي نصفه، وهو منقسم إلى الضلال المطلق على الأجمال، وإلى الضلال المقيّد: فأما الضلال المطلق الذي لا تقييد معه، فلا فائدة فيه، مثل أن تقول: أضللت حيضي في دوري، ولم تذكر مقدار الدور وابتداءه، فلا أثر لما ذكرت، فهي متحيرة مطلقة.

وكذلك إن ذكرت أن دورها كان ثلاثين، ولم تذكر ابتداء دورها أنه كان من أي وقت، فلا أثر لما ذكرت، وهي متحيرة.
ولو ذكرت ابتداء دورها، وزعمت أنها أضلّت حيضَها فيه، فلا بدّ أن تذكر مقدار الدور لتستفيد من ذكرها.
فإذا قالت: كان دوري ثلاثين، وابتداؤه من وقت ذكَرَتْه، وقد أضلَّت حيضها فيه، فمن ضرورة الإضلال ألا تكون خالطة آخِرَ دورٍ بأولِ دورٍ؛ فإنها لو ذكرت خلطاً، فقد سبق حكم الخلط، فإذا ذكرت الضلال، تضمن هذا انحصارَ الحيض في الدور، ولا يبعد في مقتضى الضلال انطباقُ الحيض على أول الدور.
589 - فإذا ذكرت مقدارَ الدور وابتداءَه، وقالت: أضللت حيضي فيه، فلا يخلو إما أن تذكر مقدار الحيض، أو لا تذكر، فإن قالت: لا أدري مقدار حيضي، فلا تستفيد مما ذكرت شيئاًً، إلا أنها لا تغتسل يوماًً وليلة من أول الدور؛ فإن الغسل إنما يجب لاحتمال الانقطاع، والانقطاع غير محتمل في اليوم الأول؛ فإنه لو فرض الانقطاع فيه، لكان من ضرورة ذلك أن تخلط، وقد ذكرت أنها كانت لا تخلط، فإذاً هي في اليوم الأول بين أن تكون طاهرة أو حائضاً، فإذا مضى يومٌ وليلة، اغتسلت لكل فريضة إلى آخر الدور.
فهذا إذا لم تذكر مقدار الحيض.
(1 وإن ذكرت مع الضلال مقدار الحيض 1)، فقالت: أضللت حيضي، وهو خمسة في دوري، والدور ثلاثون، وهو معلوم المبتدأ، فتستفيد مما ذكرت ألا تغتسل خمسةَ أيام من أول الدور؛ فإن الانقطاع لا يحتمل فيها مع نفي الخلط، وهي بين أن تكون طاهرة أو حائضاً، كما تقدم.
ولو عينت للضلال أياماًً من دورها، فإن كان الحيض مثل نصف محل الضلال، أو أقل، فلا يحصل لها حيض معيّن، وإن كان حيضُها أكثرَ من نصف محلّ الضلال، فيثبت لها يقين حيضٍ، على ما سنصف.
فإذا ذكرت أنها أضلت خمسةً في العشر الأول1

من دورها، فتستفيد بهذا أنها طاهرة وراء العشر إلى آخر الدور قطعاً، ثم لا تغتسل في الخمسة الأولى، [من العشر الأولى] 1؛ فإن الانقطاع فيها لا يحتمل، وتغتسل في الخمسة الثانية، ولا تغتسل في بقية الدور؛ فإنها طاهرة بيقين وراء العشرة، ولا يثبت لها في العشر حيض على التعيين مستيقن.
ولو كانت حيضتها تزيد على نصف محل الضلال، فيثبت لها حيض معيّن مستيقن.
مثل أن تقول: أضللت ستة في العشرة الأولى -ثم الأصل في معرفة مقدار الحيض التقديم والتأخير- فنقدم حيضها على أقصى الإمكان، فنقدر كأن حيضها منطبق على أول المحل، فينتهي الحيض على هذا التقدير إلى آخر السادس، ونؤخر الحيض أقصى ما يمكن فنقدر، كأن آخر حيضها منطبق على آخر العشر.
فيقع أول الستّة في أول الخامس، فيدخل في حساب التقديم والتأخير الخامس والسادس، فهما حيضٌ بيقين؛ فإن أقصى التبعيد 2 في التقديم والتأخير ما ذكرناه، فما يندرج تحت التقديرين، فهو يقع حيضاً، لا محالة.
ثم هي مأمورة بالوضوء في الأيام المقدمة الخارجة عن حساب التأخير؛ فإن الطهر والحيض محتملٌ فيه، ولا يحتمل فيه الانقطاع، وما يقع بعد الحيض 3 مما دخل في حساب التأخير ولم يلحقه حساب التقديم، فهي مأمورة بالغسل فيه، لاحتمال الانقطاع في كل وقت من الأوقات هذه الأيام.
وقد ذكرنا في الأيام المقدمة في باب الخلط أنها مأمورة بتطبيق الصلاة في أول الوقت، وذكرنا أنها في الأيام المؤخرة مأمورة بتأخير الصلاة، على تفاصيلَ بالغنا في إيضاحها، والأيامُ المقدّمة في الضلال على يقين الحيض في تلك الأحكام التي ذكرناها كالأيام المقدمة في الخلط، والأيام المؤخرة بعد يقين الحيض في الأحكام المذكورة، كالأيام المقدمة في باب الخلط، حرفاً حرفاً.
وهذا الذي ذكرناه يجري إذا كانت في الضلال على وجهٍ يقتضي يقين حيضٍ لا محالة.

590 - ثم عبر الفقهاء عن مقدار يقين الحيض بعبارتين ضابطتين: إحداهما - أنا ننظر إلى المقدار الزائد من الحيض على نصف محل الضلال، فنضعّفه، ونحكم بأنه حيض بيقين من وسط المحل.
وبيان ذلك أن الحيض ستة، والمحل عشرة، والستة زائدة على نصف العشرة يوم وليلة.
ثم نضعِّفه، فيصير يومين وليلتين، فيكونان حيضاً من وسط المحل، ووسط العشرة الخامس والسادس.
وهذا يجري في كل صورة فيها حيض بيقين في صور الضلال.
والعبارة الثانية - أنا نضعف الحيض ونقابله بالمحل، فيزيد على المحل لا محالة، فيصير قدر الزيادة حيضاً من وسط المحل، وبيان ذلك أن الستة إذا ضوعفت، فالمبلغ اثنا عشر، وهو يزيد على المحل بيومين، فهو حيض من وسط المحل، فيقاس على هذه الصورة ما في معناها.
ولا معنى لتكثير الصور مع القطع بجريان ما ذكرناه واضحاً بيَّنَّاً في كل صورة.
591 - فنذكر صورة أخرى للإيناس.
فلو قالت: أضللت يومين في ثلاثة أيام، فتجري الطرق المتقدّمة، ونحكم لها بالحيض في اليوم الثاني.
هذا ما يقتضي التقديم والتأخير.
وإن أجرينا العبارتين الأخريين، جرتا، فنصفُ المحلِّ يوم ونصف، والحيض يزيد على ذلك بنصف يوم، فنضعّفه فيصير يوماًً وليلة، فهو الحيض من وسط المحل.
وكذلك تجري العبارة الأخرى، والأحكام في الوقت المقدّم والمؤخر على الترتيب المقدّم.
فهذا كافٍ فيما ذكرناه 592 - فأما إذا ذكرت مع الضلال شيئاًً آخر، فعينت يوماًً للحيض، أو يوماًً للطهر، فنذكر في كل قسم من هذين صوراً.
فلو قالت: أضللت خمسةً في عشرة، وأعلم أني كنت حائضاً يوم الخامس، وليلته بيقين، فيحتمل أن يكون هذا آخر حيضها، بأن يقدر أول الحيض من أول

المحل.
ويحتمل أن يكون هذا أول حيضها، فينتهي إلى آخر التاسع، فيخرج اليوم العاشر عن الحسابين، فهو طهر بيقين؛ فإنه خارج عن أقصى التقديرين والحسابين؛ فآل محلُّ الضلال إلى تسعة، فكأنها قالت: أضللت خمسةً في تسعة، ولو قالت ذلك، لم يخف تخريج الصور على العبارات الثلاث المقدمة، والطرق السابقة 1، فيقتضي تحييضها اليوم الخامس وليلته.
وهو الذي عيَّنته بذكرها.
ولو قالت: كنت يوم السابع حائضاً -وإذا ذكرنا يوماًً أردناه بليلته- فإن أخرنا، انتهى إلى آخر المحل، وانتهى 2 الأول إلى السادس.
وإن قدمنا، فقدرنا السابع آخراً، كان الأولُ الثالثَ، فيخرج الأول والثاني من الحسابين جميعاً، فهي طاهرة فيهما بيقين فنخرجهما من المحل، فكأنها أضلت خمسة في ثمانية أيام، أول المحل اليوم الثالث من العشر الأول، فيقتضي ما تقدم من الطرق أن نحيّضها اليوم السادس والسابع.
ولو قالت: كنت يوم الثالث حائضاً بيقين، فنقدّم، ونقدّر أول الحيض اليومَ الأول، فينتهي الآخر إلى الخامس، وإذا أخرنا، فقدّرنا أول الحيض [اليوم] 3 الثالث، فينتهي إلى آخر السابع، فيخرج الثامن والتاسع والعاشر عن المحل، ويكون طهراً بيقين، فتكون قد أضلّت خمسة في سبعة، فنحكم بالحيض يقيناً في الثالث والرابع والخامس، على الأصول المقدمة.
593 - فأما إذا ذكرت مع الضلال طهراً بيقين في يوم من المحل، فنذكر في ذلك صوراً.
فإذا قالت: أضللت خمسة في عشرة، وكنت يوم الخامس طاهرة بيقين، فهذه تَحسبُ ضلالاً، ولا ضلال؛ فإنا نعلم أن الخمسة لا تقع قبل اليوم الخامس، فهي طاهرة في الخمسة الأولى، وإذا تعينت الخمسة الأولى للطهر، تعينت الخمسة الثانية للحيض، ولا ضلال.

وإن قالت: أضللت أربعة في عشرة، وكنت يوم الخامس طاهرة بيقين، فالأربعة قبل الخامس تحتمل الحيض وتحتمل الطهر، ولا تحتمل الانقطاع، فهي أيام الوضوء، ثم تغتسل في آخر الرابع مرة، ثم تتوضأ من أول السادس إلى آخر التاسع؛ فإن الانقطاع غيرُ ممكنٍ فيها، وتغتسل في اليوم العاشر، لاحتمال الانقطاع في جميع ساعاته، بتقدير استئخار أوّل الحيض عن أول السادس، وانتهاء الانقطاع إلى أوقات اليوم العاشر.
ولو قالت: أضللت أربعةً في عشرة، وكنت يوم الرابع طاهرة، فهي طاهرةٌ أيضاً في [الأيام] 1 الثلاثة قبل الرابع.
فنقول: قد أضلّت أربعةً في ستة، أوّلها اليوم الخامس، فتجري الطرق في [استخراج يقين الحيض كما تقدم ذكره، ولا يكاد يخفى بعد ذلك على الفَطِن] 2 استخراج 3 اليقين من أمثال هذه الصور.
فلنكتف بهذا المقدار في ذلك.
فصل 594 - كنا وعدنا في المعتادة أن نذكر التي تختلف عاداتها ثم تُستحاض في آخر الناسية.
وهذا أوان تفصيل القول في ذلك.
فإذا كانت تحيض من أول شهرٍ ثلاثة، ومن أول شهر خمسة، ومن أول شهر سبعة، ثم تعود إلى الثلاثة، ثم إلى الخمسة، ثم إلى السبعة، ثم تعود وأوائل الحيض منطبقة على أوائل الدور، وأواخرها مختلفة المقدار، ولكنها متسقة في الأدوار [المتعاقبة] 4، فإذا جاءها شهر، فاطرد الدم، فقد اختلف أئمتنا، فقال بعضهم: نردّها إذا استمرّ الدم بها إلى ما كانت عليه في الشهر الذي قبل الاستحاضة،

حتى إن كان شهر الثلاثة، فنحيّضها ثلاثة من أول الدور أبداً، ولا ننظر إلى ما كانت عليه في غيره من الأشهر.
وهؤلاء يقولون: إذا كانت عاداتها المتعاقبة مختلفة، فهي متناسخة، والأخير منها ناسخ لما تقدم.
وذهب الأكثرون إلى أنها مردودة إلى ترتيب عاداتها، وهؤلاء يقولون: تباينُ أقدارِ حيضها على الاعتقاب، والانتظام - عادة 1 محكوم بها، فإن كان الشهر المتقدم على الاستحاضة شهر الثلاثة، فنردُّها في شهر الاستحاضة إلى الخمسة، ثم إلى السبعة، ثم إلى الثلاثة، فندير عليها أدوارها في الاستحاضة، كما عهدناه قبل الاستحاضة.
وهذا الاختلاف الذي ذكرناه لا اختصاص له بقولنا: العادة تثبت بالمرة الواحدة أم لا تثبت؟ وإنما منشأ الخلاف في أن اختلاف أقدار الحيض -وإن كانت على انتظام- هل تنتظم منه عادةٌ أم لا؟ وإن حاضت أول مرة ثلاثة، ثم حاضت خمسةً في الدور الثاني، ثم سبعة في ثالث، ثم استحيضت في الرابع، فلا خلاف أنها لا ترد إلى انتظام تلك الأقدار في الأدوار، وإن قلنا تثبت العادة بالمرة الواحدة، ولكن على هذا الوجه تُردّ إلى أول الدور المتقدّم على شهر الاستحاضة.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، فقد اختلف أئمتنا: فمنهم من قال: نردّها إلى أقل عاداتها؛ فإن الثلاثة موجودة في دَوْر الخمسة.
والسبعة، فكأنها متكررة.
ومنهم من قال: لا نردّها إلى شيء من تلك الأقدار الجارية في الأدوار، وسبيلها سبيل مبتدأة تستحاض في الدور الأول.
وقد مضى التفصيل، وقد مهدنا هذا المسلك في فصول المعتادة.
595 - وكل ما ذكرناه فيه، إذا انتظمت لها أدوارٌ متفقة الأوائل مختلفة الأواخر، على اتساق ونظام، فاستحيضت وعلمت الشهر الذي تقدَّمَ الاستحاضة.
فأما إذا كانت عاداتها كما وصفناها، ولكنها قالت: لست أدري أن استحاضتي

في أي نوبة كانت، ولست أعرف الشهر المتقدم على شهر الاستحاضة، فقد أشكل عليها الأمر في مقدار الحيض، وعلمت أن حيضها كان ينطبق على أوائل الشهور، وهي تعلم أن حيضها كان لا ينقص في نوبةٍ من النُّوَب على ثلاثة، وعلمت أن حيضها كان لا يزيد على سبعة.
فإن فرعنا على [أن] 1 انتظام العادات المختلفة أمرٌ مستفاد من تكرار العادات، كما سبق، فقد عسر علينا معرفة قدر الحيض في كل نوبة، ولكن سبب ذلك جهلُها بالنوبة التي استحيضت فيها.
فنقول: نقضي بما نتحقّقه، ونأمر بالاحتياط فيما لا نعلمه، فنحيّضها ثلاثة أيامٍ من أول كل دَوْر، ثم نأمرها بالاغتسال عقيب الثالث، ثم تتوضأ لكل صلاة، فِعْل المستحاضات إلى آخر الخامس، ثم تغتسل مرة أخرى، لاحتمال الانقطاع بأن نقدر النوبة للخمسة، ثم تتوضأ إلى آخر السابع، ثم تغتسل مرة ثالثة، ثم حكمها حكم الطاهرات المستحاضات إلى آخر الدور.
ويحرم على هذه في السبعة من أول [الدور] 2 ما يحرم على الحُيّض، ولكن لا نأمرها بالاغتسال إلا في آخر الثالث والخامس والسابع.
وإن قلنا: لا يثبت من انتظام عاداتها حكم، وهي مردودة إلى النوبة الأخيرة المتقدمة على الاستحاضة [لو] 3 كانت ذاكرة لها، فكيف حكمها وهي جاهلة بها؟.
فنقول: قد يظن ظان في التفريع على هذا أنها تكون مردّدة 4 بين الثلاثة والخمسة والسبعة؛ فإن نوبتها كانت لا تخلو من هذه الأعداد، ثم يلزم من هذا التقدير أن نحيّضها ثلاثة أيام بيقين، ثم سبيلها في آخر الخمسة والسبعة كما تقدم إذا فرعنا على أنها تستفيد من انتظام عاداتها أمراً، فيتفق التفريعان على الوجهين عند فرض الجهالة.
وهذا الظنّ خطأٌ، وآيةُ ذلك استواء التفريع على وجهين مختلفين؛ فالوجه القطعُ

بأنا لا نديرها على الثلاثة والخمسة والسبعة، إذا كنا نردّها إلى النوبة الأخيرة لو كانت عالمةً بها؛ فإن صاحب هذا المذهب لا يلتفت إلى ما قبل النوبة الأخيرة أصلاًً، وما ظنَّه هذا الظان نتيجة الالتفات على ما مضى.
فإذاً قد جهلت هذه مقدارَ حيضها، ولكنها علمت مقدارَ الدور، وانطباقَ الحيض على أول الدور، وأنها كانت لا تخلط دوراً بدور، ولا خلاف أنا نعمل بهذا، وإن التبس الأمر في المقدار؛ فإن الناسية لو قالت: كنت لا أخلط دوراً بدور، ولا أذكر غير ذلك، لكنا نبني على هذا ما يليق به من الحكم، فاختلاف المقادير لا يمنعنا من التمسك بانطباق الحيض على أوائل الأدوار.
فهذا قولنا في أصل الدور إذا علمته، والأولية.
فأما المقدار، ففيه الخلاف المقدَّم: فمن أئمتنا من قال: نحيّضها ثلاثة أيام، وهو أقل عاداتها، ومنهم من يجعلها كمبتدأة لا تعرف شيئاً.
ثم القول في المبتدأة قد مضى، وهذا أَقْيس على هذا الوجه الذي نفرع عليه.
ثم قد ذكرنا في المبتدأة قولين في أنها هل تؤمر بالاحتياط إلى آخر 1 خمسة عشر يوماًً من أول [كل دور، وهما] 2 يجريان في هذه، ولا يختص الاحتياط بالسَّبع، كما نفرع على الوجه الأول في استفادة الانتظام من عاداتها؛ فإن ذلك إن قيل به، كان التفاتاً إلى ما تقدّم 3، وذلك يوجب التمسك بنظام العادات، ولا يكاد يخفى بعد وضوح هذه التفاريع أن الأصح استفادةُ الانتظام كما تقدم.
596 - وكل ما ذكرناه في العادة المنتظمة.
فأما إذا كان أقدار الحيض منضبطة، فكانت ثلاثة وخمسة وسبعة.
ولكن لم تكن عوداتها منتظمة، فمرّة كانت تحيض ثلاثة ثم خمسة ثم سبعة، وأخرى كانت تحيض خمسة ثم ثلاثة ثم سبعة، لا على أمرٍ منظوم يتعلّق [الفقه] 4 به، فإذا استحيضت وطبق الدم، فإن رأينا في الصورة

الأولى، وهي إذا انتظمت العادات أن نردها إلى النوبة الأخيرة، فهذه الصورة أولى بذلك.
فإن قلنا في الصورة الأولى بالاستمساك في ترتيب عودات الحيض، فهاهنا لا ترتيب في [العود] 1 ولكن الأقدار مضبوطة، فلا زيادة على السبعة، ولا نقصان من الثلاثة، والمتوسطة بين الثلاثة والسبعة خمسة، فإذا استحيضت، والتفريع على استفادة ما يمكن استفادته، فالقول فيها كالقول في التي جهلت النوبةَ المتقدمة على الاستحاضة، وكانت عاداتها منتظمة القدر والعود، ولكنها إذا جهلت، لم تنتفع بما كان من انتظام العود، فعدمُ انتظام العود في الصورة الأخيرة كجهلها بالانتظام الذي كان، فتتحيّض ثلاثة، وتغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة، وتغتسل بعد انقضاء الخمسة، ثم تتوضأ إلى آخر السابع، ثم تغتسل، ثم هي مستحاضة إلى آخر الدور.
فهذا منتهى غرضنا في اختلاف العادات، وإن زاد زائدٌ صوراً، لم يخف على الفَطن وجهُ استخراجها، مما ذكرناه الآن من الأصول المتقدمة في أبواب الناسية.
...

باب التلفيق

597 - هذا مما يُعدّ من غوامض أبواب الكتاب 1 وهو [أصل] 2 مستفتح، فلا بدّ من الاعتبار بدرك أصله.
والقول فيه يتعلق بنوعين: أحدهما - فيه إذا [تقطَّعَ] 3 النقاء والدم، وجرى ذلك في مدة لو طبّق الدمُ فيها، لكان حيضاً، ثم ترى بعد ذلك نقاءً مطرداً خمسةَ عشرَ يوماًً فصاعداً.
والأخرى - أن يجري التقطّع ويزيد أمدُه: دماًً ونقاءً على الخمسةَ عشَر، وقد يطّرد ذلك في جميع الأيام.
598 - فأما إذا وقع التقطع في الخمسةَ عشرَ، ورأت بعد ذلك طهراً كاملاً متواصلاً، فنستوعب قواعدَ المذهب في ذلك إن شاء الله، ونسميه التلفيق في غير المستحاضة.
فإذا كانت ترى دماًً يوماًً وليلة، ونقاءً يوماًً وليلة، ثم دماً، كما ذكرناه إلى الخمسةَ عشرَ مثلاً، أو إلى مدة أقلَّ منها، فما حكم النقاء المتخلل بين الدماء؟ فعلى قولين: أحدهما - وهو الذي نص عليه في عدة مواضع أن النقاء حيض، وحكمها فيه حكمُ الحيض.
وهذا مذهب أبي حنيفة 4. والثاني - أنّ حكمها في زمان النقاء حكم الطاهرات في الصلاة والصوم، وحِلِّ المواقعة وغيرها.

وقيل: ذكر الشافعي هذا القولَ في مناظرةٍ جرت له مع محمد بن الحسن.
توجيه القولين: من قال: حكمُ النقاء الناقص عن أقل الطهر المحتوش بدمين هما حيض - أنه 1 حيضٌ.
قال: إذا نقص عن الأقل، وأحاط به دمان هما حيض، حُمل النقاءُ على الفترات التي تقع في خلال استرسال الحيض؛ فإن الحيض لا يسيل سيلاناً متصلاً، بل يخرج دُفعة دُفعة، كما دلّ عليه بعضُ الأحاديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي يعضد ما ذكرناه أنّ الدم الناقص عن أقل الحيض دمُ فسادٍ، وحكمه حكم الطهر.
والنقاءُ الناقص عن الأقل حكمه حكم فترات الحيض.
ومن قال: حكمها في زمان النقاء حكمُ الطاهرات، استدلّ بأنها نقية حسّاً، طاهرةٌ قطعاًً، والنقاء مجاوزٌ لأزمنة الفترات في العادات، فثباتُ الحيض ولا حيضَ بعيدٌ.
التفريع على القولين: 599 - إن قلنا: حكم النقاء حكمُ الحيض، فهذا يسمى ترك التلفيق، فإن رأت يوماًً وليلة دماًً [ومثله نقاءً] 2 ثم مثله دماًً، ثم مثله نقاءً، ثم هكذا، حتى انقطع على الخمسةَ عشرَ، ولم يجاوز، فالكل حيضٌ.
ولو رأت يوماًً وليلةً دماًً [وثلاثة عشر يوماًً نقاءً، ويوماًً وليلة دماًً] 3 ثم طهراً كاملاً، فهي حائض في الخمسةَ عشرَ يوماً، وإن كانت نقيةً في ثلاثة عشر يوماً.
ثم اختلف الأئمة في تفصيل مقدار ما تراه من الدماء: فقال بعضُهم: إنّما يكون النقاء الواقع بين الدَّمين حيضاً، إذا كان كلُّ واحدٍ منهما بالغاً أقلَّ الحيض، فإن نقصا أو نقص أحدهما عن الأقل، فلا يكون النقاء حيضاً، وهذا الوجه مزيَّفٌ.
وقال أبو بكر المحمودي 4: ينبغي أن يبلغ الدّمان إذا جمع أحدهما إلى الثاني

أقل الحيض.
مثل أن ترى اثنتي عشرة ساعةً دماً، ثم نقاءً إلى الخامس عشر إلا اثنتي عشرة ساعة.
ثم ترى في هذه الساعات الباقية دماًً، فالدمان وما بينهما من النقاء حيضٌ.
وإن نقص مجموع الدمين عن يوم وليلة، فليس النقاء حيضاً، وما رأته من الدم دمُ فساد، لقصوره عن الأقل.
ثم من مذهبه أن اليومَ والليلة لو انقطع على الخمسةَ عشرَ، وكان مجموعهما بالغاً أقل الحيض واقعاً في الخمسة عشرَ يوماًً، فالنقاء حيضٌ، ولا يشترط أن يكون كل دمين بينهما نقاء بالغين 1 أقل الحيض، بل يعتبر ما قاله في جملة الدماء الواقعة في الخمسةَ عشرَ.
وقال أبو القاسم الأنماطي: لو رأت لحظةً دماً، ثم امتد النقاء إلى آخر الخامس عشر إلا لحظة، ثم رأت فيها دماًً، ثم امتدّ الطهرُ، فالخمسة عشر كلها حيض، وإن نقص ما رأته من الدماء عن الأقل.
وهذا سرفٌ ومجاوزةُ حدّ.
وأعدل الوجوه ما ذكره أبو بكر المحمودي.
600 - ومن أهم ما يفرّع على هذا القول: أن المرأة إذا رأت دماًً ثم نقاءً، فبماذا تؤمر، على قول ترك التلفيق في [الحال] 2 إلى أن يعود الدم أو لا يعود؟ قال أئمة المذهب: إن كان ما رأته من الدم أقلَّ من يومٍ وليلةٍ، فلا نأمرها بالاغتسال؛ فإن الدم إن لم يعد، فالذي انقطع دمُ فسادٍ، ولا غسل فيه.
وإن فرض عودُه في الخمسةَ عشرةَ، فذلك النقاء حيضٌ في بعض الوجوه المتقدّمة، وليس على المرأة غسلٌ في استمرار الحيض.
فأما إذا كان ما رأته من الدم المتَّصل بالغاً أقل الحيض، فإذا انقطع، وجب = أبي محمد المروزي المعروف بعبدان (بفتح العين، وبسكون الموحدة، تثنية عَبْد) تلميذ المزني والربيع، قال الإِسنوي: لم أقف له على تاريخ وفاة، ولكن ذكره العبادي في طبقة الإصطخري، وأبي علي الثقفي.
(ر.
طبقات السبكي: 3/ 225، والإِسنوي: 2/ 376، وتهذيب الأسماء 2/ 196، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: 1/ 119، والعبادي: 65).

الغُسل؛ فإنّ الذي رأته حيض، وقد انقطع ظاهراً، فإن قيل: ربما يعود الدم في الخمسةَ عشر، فنتبين على القول الذي نفرع عليه أنها اغتسلت في أثناء الحيض.
قلنا: الحكم ينبني على الانقطاع المحسوس، لا على توقُّع العودِ.
وهذا متفق عليه في هذه الصورة.
ثم ينبني على ذلك إثبات أحكام الطاهرات لها زمانَ النقاء، في الصوم والصلاة، وحلّ الوطء، وغيرها.
فإن عاد الدمُ، نتبين بالأَخَرَة وقوعَ ما قدمناه في الحيض، ثم لا يخفى حكمُها، وسبيل تدارك ما يُتدارك منها.
601 - فلو عاد الدم، ثم انقطع على الترتيب الذي عهدناه، فهذا مما تخبط فيه كلامُ المصنفين في كتاب الحيض.
وأنا أذكر فيه وجهَ السداد، وطرقَ الاحتمال.
فالذي وجب القطع به أن ما ينقطع في النوبة الأولى في الخمسةَ عشرَ لا يعدّ في حكم المتكرر، حتى يُبنى عليه الكلام المعروف في أن العادة تثبت بالمتكرر، وفي ثبوتها بالمرَّة الواحدة الخلاف.
بل نقول: كما 1 أمرناها بالغسل لما انقطع الدم، ثم أمرنا بتدارك ما مضى -كما تقدم- فإذا انقطع الدم ثانياً، نأمرها بالاغتسال، فقد لا يعود الدم.
ثم إن عاد في الخمسةَ عشرَ، فيتدارك كما تقدم.
وكذلك الانقطاع الثالث والرابع في نوبة واحدة؛ فإن الحكم بعَوْد الدم وبناء الأمر عليه بعيدٌ في النوبة الواحدة من الحيض، فإذا انقطع الدم على الخمسةَ عشرَ، وامتدّ طهرٌ كامل، ثم عاد الدم على [سجيّة] 2 التقطع في الدور الثاني، وكذلك في الدور الثالث مثلاً، فهذا موضع تردّدِ الأصحاب.
فذهب ذاهبون إلى أنّ هذا يخرَّج الآن على الأصل الممهّد في أنّ العادة هل تثبت بالمرة الواحدة أم لا؟ فإن قلنا: لا تثبت، فالحكم في الدور الثاني كالحكم في الدور

الأول.
وإن حكمنا بأن العادة تثبت بالمرة الواحدة فقد تمهّد [التقطع] 1 في الدور الأوّل، ونحن نفرع على ترك التلفيق، فالنقاء حيض، ولا يوجب الغسل، ولا تثبت أحكام الطهر بناءً على ما عهدناه أول مرّة، ثم من يسلك هذا المسلك، يقطع بأن الأمرَ في الدور الثالث يُخرّج متفقاً عليه؛ فإن التقطع قد ثبت مرتين، ولم يبن وجهٌ في الخلاف.
فهذا مسلكٌ.
ومن أئمتنا من قال: لو تكرر التقطع مراراً كثيرة، فالحكم في الكرّة الأخيرة كالحكم في الكرة الأولى.
وهذا القائل يقول: ليس التقطع مما يثبت على اعتياب، ولا خلاف بين فرق الأصحاب أن الدمَ إذا انقطع مراراً في أدوارٍ، ثم استحيضت المرأةُ، وطبَّق الدمُ من غير تقطّعٍ، فلا نحكم على قول التلفيق بتقطيع 2 الحيض في [زمن] 3 الاستحاضة، حتى تلقط حيضاً من الخمسة عشر، كما سيأتي ذلك.
ونحكم بتخلل دم الاستحاضة في أثناء الحيض، على قولنا بالتلفيق.
فإذاً كل دورٍ في التقطع يقدّر كأنه ابتداء التقطع.
والسبب فيه أنه إذا انقطع الدم عيناً، فبناء الأمر على عَوْد الدم بعيدٌ.
نعم، إن عاد، فاستدراك ما مضى على ما يقتضيه الشرع لا يبعد.
فهذا ما ثبت عندي من كلام الأصحاب.
602 - وذكر شيخي أن الدم إذا انقطع في الدور الأول، فيجري فيه التردّد، حتى إذا انقطع أولاً، فليس إلا الأمر بالغُسل، ثم الاستدراك، كما مضى.
فإذا انقطع ثانياً، فقد تكرر الآن الانقطاع، فيندرج بالثاني الانقطاعُ الأول في العدد؛ فنحكم بالتكرر.
وهذا بعيد، لم أره لغيره؛ فإن الحكم بالتكرر في نوبة واحدة محال، وقد ينقص الحيض ويقتصر على مقدار 4، فبناء الأمر على تقدير العود لا وجه له.
نعم، إذا بان

ذلك في نوبةٍ، ثم بدا مثلُه في نوبةٍ، فقد يتخيل ذلك.
ثم ما ذكره شيخي فيه إذا كانت لها عادة في مقدار الحيض، فكانت تحيض خمسة أيام متوالية، ثم جرى من التقطع ما وصفناه، فيحتمل ارتقابُ العَوْد إلى استيفاء ما كانت تراه، فأمّا المبتدأةُ إذا انقطع دمُها في أول نوبة، فلا يخطُر لمحصّل بناء الأمر على العود في النوبة الأولى أصلاًً.
603 - وأنا الآن أجمع في التكرر والاتحاد في قواعد الحيض كلاماً يحوي المقصودَ.
وأشير إلى موضع الخلاف والوفاق.
فأقول: ما يرجع إلى مقدار الحيض زيادةً ونقصاناً، فيجري فيه أن العادةَ هل تثبت بالمرة الواحدة أم لا؟، كما سبق تقريره، [وهذا] 1 مع ملازمة الحيض أول الدّور، والحكم بالاستحاضة يثبت بدورٍ واحد، وجهاً واحداً؛ فإن الدم إذا طبَّق وزاد على خمسةَ عشرَ يوماًً، فقد أمرناها بالتربص إلى الخمسةَ عشرَ، ثم زاد الدم، فنردّها إلى العادة، وفي [الدور] 2 الثاني لا نأمرها بالتربص، فإذاً الاستحاضةُ تثبت بدورٍ واحد.
وكان من الممكن أن تؤمر بالتربص مرتين عند من لا يُثبت العادة بالمرة الواحدة، ولكنّ الأمرَ مجمع عليه، كما حكيناه.
والسبب فيه أنا استيقنّا أنها مستحاضة في الدور الأول، والاستحاضة من العلل التي إذا وقعت، دامت وتمادَت، فيحصل لها بالمرّة الواحدة ظنٌّ غالب في استمرار الدم.
فأما زيادة الحيض ونقصانه، فعادات النسوة في ذلك تضطرب 3، ولا يُستبعد توقع الاختلاف فيه، فإن استظهر مستظهر بالتكرر، كان حسناً، وكان سببه ما ذكرناه: أن الحيض فضلة تنفضُها الطبيعة كسائر الفضلات، وقد تختلف الحالات، فتختلف لها أقدار الفضلات، ولكنا لا نتعدى ما حُدَّ لنا في الأكثر والأقل.
والاستحاضة دم عرق ينفطر، أو ينقطع، وهو مزمنٌ إذا وقع.

قال القفال: لو كانت امرأة تحيض خمسةً، وتطهر خمسة وعشرين يوماً، فرأت خمستها، وانقطع الحيضُ عشر سنين مثلاً، ثم طبَّق الدم، فلا يجوز أن يقال: نردّها إلى 1 مقدار الطهر عشر سنين، إذا فرعنا على الوجه الأصح، وهو أن العادة تثبت بالمرة الواحدة.
فإذا لم يسغ هذا، فالسنة 2 الواحدة في معنى عشر سنين فصاعداً، [فما] 3 المنتهى المعتبر في ذلك؟ قال: راجعتُ في ذلك مشايخي، فلم يذكروا ضابطاً، ثم قال: والوجه عندي أن يقال: غايةُ طول الدور تسعون يوماً، الحيض منها ما يتفق، والباقي طهر.
واعتبر في ذلك أنّ الشرع جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، فكانت أقربَ معتبر.
فلو كانت تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين، فحاضت خمسةً، وطهرت خمسة وثمانين، ثم طبق الدم، فتجعل طهرها خمسةً وثمانين، ودورها تسعين.
وإن حاضت خمسةً، وطهرت تسعين، فلا يعتبر هذا في الاستحاضة، ولكن نردها إلى الخمسة والعشرين التي كانت تطهر فيها قديماًً.
فإن قيل: هلاّ قلتم: نردُّها إلى خمسة وثمانين، ونطرح الزيادة؟ قلنا: إذا تناهى تباعدُ الحيض، فسبب الاحتباس علة أخرجت الطبيعةَ عن الاعتدال، وجميع أمد التباعد محمول على هذا، فلا نعتبره، ونرجع إلى العادة القديمة.
ولا مزيد على ما ذكره القفال.
ولكن لو تكرر طهرها سنة [سنة] 4 مرتين أو مراراً، ففي ردّها إلى ما تكرر احتمالٌ، والظاهر عندي أنه لا تبالي به وإن تكرر.
والله أعلم.
وأما مفارقة الدم أول الدور، فإن انضم إليه زيادةُ الطهر، فهو مما يُبنى على الخلاف في المرّة والمرتين.
وإن استأخر مدةً، ثم عاد قدرُ الطهر كما كان، فالنظر عند المحققين إلى المقدار.

وقد اختبط في ذلك المروزي، كما سبق.
وأما تقطّع الدم، فهل يُتلقى أمره من [التكرر] 1 في نوبة أو نوبٍ؟، فيه من التفصيل ما ذكرته الآن.
ولا خلاف أنه لو تكرر التقطع في مائة نوبة، ثم اطَّرد الدم واستُحيضت، فلا نلتفت إلى قول التلفيق -وإن كنا نرى القولَ بالتلفيق- حتى لو كنا على قول التلفيق نلقط خمسة أيام من خمسةَ عشرَ يوماًً، ثم طبق الدمُ، فنحيّضها خمسة وِلاءً من أول الدم المطبق، هكذا قال الأئمة.
وفيه للاحتمال أدنى 2 مجال.
فهذا مجموع ما يتفرق في أصول الحيض في هذا الفن جمعناه، [لينْظر] 3 الناظر فيه مجموعاً.
604 - ثم إذا كنا نجعل النقاء بين الدّمين حيضاً، فلا شك أنا نشترط وقوع الدمين في الخمسة عشر.
فلو رأت يوماًً [وليلة] 4 دماًً، وأربعة عشر نقاءً، ثم يوماًً وليلةً دماًً، فالدم الثاني استحاضة لوقوعه وراء زمان الإمكان، ثم يكون النقاء طهراً أيضاً؛ فإنه غيرُ محتوشٍ بدَمين هما حيض، وسنبيّن هذا في أحكام التلفيق في المستحاضات.
إن شاء الله عز وجل.
فأما إذا فرَّعنا على التلفيق، وحكمنا بأن النقاء بين الدَّمين طهر، فإن رأت يوماًً وليلةً دماًً ومثلَه نقاء، ثم يوماًً وليلةً دماً، فالدمان حيضٌ.
ولو كان مجموع الدماء في الخمسةَ عشرَ ينقص عن أقل الحيض، فالكل دم فسادٍ، لا شك فيه، فإنّا نُفرّع على أن النقاء طهرٌ.
ومن اكتفى بلحظتين في الدم في الخمسةَ عشرَ على قول [ترك] 5 التلفيق يعتمد أنّ النقاء حيض، فيضمه إلى الدم.
وهذا لا يتصوّر في قول اللقط والتلفيق، على أنّ ذلك الوجه في قول ترك التلفيق ضعيفٌ جدّاً كما مضى.

فأمّا إذا كان مجموع الدماء في الخمسةَ عشرَ يبلغ أقلّ الحيض [ولكن كل دمٍ في نفسه لا يبلغ أقلَّ الحيض] 1. فالمذهب الصحيح أنها حيض؛ فإن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ثم على قول التلفيق: ينقطع الطهر على الحيض، ولا يبعد أن ينقطع الحيض على الطهر أيضاً.
ومن أصحابنا من قال: الدم الناقص ليس بحيض؛ لأنه ينضم إلى قلّته انقطاعه عما قبله وبعده بالنقاء الذي يتخلّل.
والدم ينقسم إلى ما هو حيض، وإلى ما ليس بحيض.
فأما 2 صورة النقاء، وهو عدم الدّم، فمهما 3 تحقق، بَعُدَ معه الحكم بالحيض.
والمذهب الأول.
فإن رأت يوماًً وليلةً دماًً وانقطع، والتفريع على التلفيق، فلا شك أنها تغتسل، وحكمها حكم الطاهرات.
وإن رأت دماً ناقصاً عن الأقل، وانقطع، فإن لم نجعل ما رأت حيضاً، فلا غسل، ولكنها تتوضأ وحكمها حكم الطاهرات.
وإن فرعنا على المذهب الصحيح، وقلنا: هو حيضٌ إذا عاد في الخمسةَ عشرَ ما يُكمّله، فعلى هذا لا ندري أيعود أم لا، ولو لم يعد، لما وجب الغسل، فكيف الحكم؟ من أصحابنا من قال: لا نوجب الغُسلَ في الانقطاع الأول؛ [فإنا] 4 لا ندري أنّ المنقطع حيضٌ أم لا، وإيجاب الغسل من غير ثَبَت يُخالف موضوع الطهارات.
ومنهم من قال: نوجب الغسل احتياطاً؛ فإنا أوجبنا الغسلَ على الناسية المستحاضة، لاحتمال انقطاع الحيض من غير قطعٍ، وهذا الاختلاف يقرب من القولين في أن الناسيةَ هل تؤمر بالاحتياط أم لا؟.
هذا ما أردنا في ذلك.
ولعل الأمر بالاغتسال يتجه؛ فإنّ ما رأته في زمان إمكان الحيض، ونفس الانقطاع

لا يخرجه عن كونه حيضاً، حتى تخلو الخمسةَ عشرَ، عن تتمة يوم وليلة.
605 - ومما يتم به التفريع أن الحيض لا يسيل سيلاناً في الغالب، بل يخرج دُفَعاً، والفترة بين الدفعتين حيضٌ قولاً واحداً، ولم يذكر الأصحاب في تمييز الفترة عن النقاء -الذي يقع في القولين- ضبطاً.
ومنتهى المذكور فيه أن ما يُعتاد تخلله بين الدُّفع، فهو من الفترات الملحقة بالحيض.
وما يزيد على المعتاد [و] 1 يكون أكثر منه، [فهو] 2 على القولين.
ثم جميع النقاء في القولين لا شك فيه، قدر الفترة من أول النقاء الكثير لا يستثنى من القولين، ويلحق بالحيض، وهذا لا خفاء به.
ولكن قد ينتفع بذكره المبتدىء 3. 606 - وأنا أقول: أقرب مسلكٍ في التقريب الفاصل بين الفترة وبين 4 النقاء الذي يلفّق على أحد القولين أن يقال: الحيض يجتمع في الرحم، ثم الرحم يقطّره شيئاً شيئاًً؛ فإنه ليس الرحم منتكساً في الخلقة، حتى يسيل ما فيه دُفعة واحدة، فالفترةُ ما بين ظهور دُفعة إلى أن تنتهي أخرى من الرحم إلى المنفذ، والنقاء الذي في القولين يزيد على ما ذكرناه، حتى كان الطبيعة في مدة النقاء تجمع دماًً آخر في الرحم، ثم يزجيه الرحم على سجية التقطير والدُّفع.
فهذا أقصى الإمكان في ذلك، وقد تم تمهيد المذهب في تقطع الدم من غير استحاضة، ومجاوزة الخمسةَ عشرَ.
ونحن الآن نبتدىء تفصيل القول في التقطع مع مجاوزة الأكثر وثبوت حكم الاستحاضة.
ونرى أن نبتدىء بالمعتادة.
...

باب المعتادة في التلفيق

607 - إذا كانت المرأة تحيض خمسة أيام وِلاءً، وتطهر خمسةً وعشرين يوماً، فجاءها شهر، فرأت يوماًً وليلةً دماًً، ومثلَه نقاءً، ثم استمر ذلك في جميع الدَّور، فهي مستحاضة وفاقاًً.
ولم يصر أحدٌ من أئمتنا 1 إلى تحييضها في جميع أيّام الدم على قول التلفيق لقطاً من جميع الدور، وإن لم تزد الدماء على الأكثر، فمن يلفّق لا يرى الالتقاط إلا من الخمسةَ عشرَ.
وهذا يقوي تركَ التلفيق، والمصيرَ إلى أنّ حكم النقاء حكم الحيض.
فإذا وضح هذا متفقاً عليه، فنقول: إذا تقطّع الدم على ما وصفناه، فإن قلنا بترْك التلفيق، فنحيّضها في الخمسة 2 من أوّل الدّور وِلاءً 3؛ فإن اليوم الأوّل دمٌ، والثالث والخامس دمْ، والنقاء المتخلل حكمه حكم الحيض.
وإن فرّعنا على قول التلفيق، فقد كانت حيضتُها قديماًً منحصرة في الخمسة الأولى [وهي لا ترى في الخمسة الأولى] 4 الدمَ إلا في ثلاثة أيام، ففي المذهب على قول التلفيق وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا تتجاوز أيام عادتها، وتلقط ما ترى فيها، وما يزيد على أيام العادة 5 استحاضة.
والوجه الثاني -وهو الصحيح- أنا نعتبر عددَ أيام حيضتها قديماً، ولا نبالي أن

نجاوز أيام العادة، فنلقط من الخمسة عشر إلى استيفاء أيامها إن أمكن، ولا نجاوز الخمسةَ عشرَ قط.
كما تقدم؛ فإن رعايةَ مقدار الحيض أولى من ملازمة زمانٍ.
ومَن حصرَ اللقط في الخمسة، فإنما يحمله على ذلك ملازمةُ الزمان.
وهذا يضاهي مذهبَ أبي إسحاق المروزي في [ملازمة] 1 أوائل الأدوار، كما سبق بيانُه، والردُّ على من يصير إليه فيما تقدم.
فإن قلنا: لا تجاوز في التلفيق أيامَ العادة، فقد نقص حيضُها، وعاد إلى ثلاثةِ أيام: الأوّل، والثالث، والخامس.
وإن جاوزنا أيام العادة، فنقول: لم ينقص مقدارُ حيضها [ولكن] 2 تفرق، وكان وِلاءً، فتُحيّضُ المرأة في اليوم الأول، والثالث، والخامس، والسابع، والتاسع، وقد تمّ المقدار.
ومما ينبغي أن ننُبه له -وإن مضى مقرراً في مواضع- أن من لا يرى مجاوزةَ أيام العادة، فإنه يقتصر على اللَّقْط من الخمسة، كما سبق إذا تحققت الاستحاضة في الدور الثاني، فأما في الدور الأول، فإنه يأمرها بالتحيّض في جملة أيام الدم الواقعة في الخمسةَ عشرَ؛ فإنه لو انقطع الدم، ولم يزد على الخمسةَ عشرَ، فجميع أيام الدم حيضٌ، وإن زاد على خمستها القديمة.
وهذا بيّن.
ثم إذا زاد على زمان الأكثر، فتستدرك على القاعدة المقدمة.
608 - ولو كانت تحيض خمسةً، كما فرضنا، فتقطّع الدمُ، فرأت يومين دماًً ويومين 3 نقاءً، واستمر الأمر على هذه الجملة.
فإن قلنا بترك التلفيق، فإنا نحيّضُها خمسةَ أيام وِلاءً كما تقدم، وإن قلتا بالتلفيق، ولم 4 نجاوز أيام عادتها، فنحيّضُها اليومين الأوّلين، ونحيّضها في اليوم الخامس.
وهذا منتهى حيضها.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ضعيفاً: أنَّا لا نحيّضُها اليومَ الخامس أيضاًً؛ فإنها في

السادس مستحاضة، فقد اتصل الخامس بدم ضعيف، (1 فضعف واكتسب حكمه.
وهذا قد ردّدَه الأصحاب في التفريعات 1).
وهذا غلط عندي مطَّرح غيرُ معتدّ به، ولكنا نذكره لنقل ما قيل.
وإن رأينا مجاوزة أيام العادة، فنحيّضها في الأول والثاني والخامس والسادس، ونحيّضها في اليوم التاسع على المذهب.
ومن الأصحاب من لا يحيّض في التاسع لاتصاله بالعاشر، وهو استحاضة، وهذا ليس بشيء؛ فيعود حيضُها إلى أربعة على وجه المجاوزة، وإلى اثنين على الانحصار في أيام العادة.
609 - ولو كانت تحيض خمسةً وتطهر خمسة وعشرين يوماًً، فتقطع الدم، وكانت ترى يومين دماًً وأربعة نقاءً، ويومين دماً، ثم استمر على هذا الترتيب.
فإن قلنا بترك التلفيق، فنحيّضها اليومين من أول الدور فحسب، فإن النقاء بعدهما غيرُ محتوش بحيضين، وهذا ظاهر.
وإن فرّعنا على التلفيق، فنخرّجه على ما تقدم من ظاهر المذهب، والوجه البعيد، فإن لم نجاوز أيامَ العادة.
حيَّضناها في اليومين الأولين، واستوى التفريع على ترك التلفيق.
وعلى القول بالتلفيق، وإن رأينا على المذهب مجاوزةَ أيام العادة، فنحيّضها في اليوم الأول، والثاني، والسابع، والثامن، وفي الثالث عشر على 2 المذهب، دون الوجه البعيد.
فالمذهب أنّا نُحيّضها فيه على وجه مجاوزة العادة.
وقيل: لا نحيّضها؛ لاتصال الثالث عشر بالرابع عشر، وهو استحاضة.
610 - ولو كانت تحيض يوماًً وليلة، وتطهر تسعة وعشرين يوماً، ثم تقطع دمُها، فرأت يوماًً دماً، وليلة نقاءً، وهكذا، ثم استمرّ ذلك، فقد نقص مقدار الدم عن أقل الحيض.
فإن فرعنا على ترك التلفيق، ففي هذه الصورة إشكال؛ فإنّ مجاوزة وقت العادة على ترك التلفيق محال، وما رأته من الدم ناقصٌ عن الأقل، وقد اضطرب الأئمة في1

هذه الصورة إذا فرعنا على ترك التلفيق، فقال أبو إسحاق: لا حيض لها على قول ترك التلفيق في هذه الصورة، فإنّ تحييضَها يوماًً محال، وتحييضُها الليلة مع اليوم وليست محفوفة بحيْضَيْن محال، ومجاوزة أيام العادة على القول بترك التلفيق لا سبيل إليه.
وقال أبو بكر المحمودي: هذه الصورة يلزم القول فيها بالتلفيق، وإن فرعنا على ترك التلفيق في الجملة؛ فإنه يبعد أن يقال: لا حيض لها، وهي ترى الدمَ في سنّ الحيض، على صفة دم الحيض شطر عمرها؛ فإذاً لا نقول بالتلفيق إلا في أمثال الصور التي ذكرناها.
وقد يقع التفريع من قولٍ في قولٍ لضرورة داعيةٍ، [ولمثل] 1 ذلك يسلم صاحبُ مذهبٍ إثباتاً، وإن كان أصله النفي لصاحب مذهب الإثبات، ويسلم صاحب الإثبات النفيَ في بعض الصور لصاحب النفي.
وقال الإمام 2: والذي ينقدح وجه آخر عندي سوى ما ذكرناه، وهو أن نحيّضها في اليوم وفي ليلة النقاء، وفي يوم الدم الذي [بعدها] 3، وفي ذلك ازدياد 4 حيضها.
ويقع النقاء بين حيضين، [وهو أمثل من العود إلى التلفيق] 5، ومِنْ رفع الحيض بالكلية، وليست زيادة الحيض مستنكرة في تغاير الأدوار، فهذا إذا فرّعنا على ترك التلفيق.

فأما إذا قلنا بالتلفيق، وصرنا إلى مجاوزة أوقات العادة في اللقط، فلا إشكال، وتستوفي أقلَّ الحيض لقطاً.
وإن قلنا: تنحصر في أيام العادة، فيأتي مذهب أبي إسحق في أنه لا حيض لها، كما تقدم، ويأتي حُسنُ 1 مذهب المحمودي حُسْناً بالغاً، فنجاوز في هذه الصورة، وإن كنا لا نرى المجاوزة في غيرها؛ فإنّ المجاوزة للحاجة الماسة أهون من رفع الحيض.
وهذا أمثل في التفريع على هذا القول من المصير إلى التلفيق على قول ترك التلفيق، كما سبق في مذهب المحمودي، فهذا منتهى التفريع في ذلك.
611 - ثم قد يطرأ في الشهر الثاني في بعض صور التقطع خلوّ أول الدَّوْر عن الدَّم؛ فيتغيّر التفريع على ما سنذكره.
وهذا من طريق الحساب يقع في بعض الصور ونحن نوضّح وقوع ذلك تصوّراً، ثم نبني عليه غرضَنا من الحكم إن شاء الله.
فإذا كانت تحيض يوماًً وتطهر يوماً، وكان الأمر كذلك في أول دَوْرِ التقطع، فلو أردنا أن نعرف أنَّ الدم هل ينطبق على أوّل الدور الثاني، وكان دورها ثلاثين يوماً قبل التقطع، فنأخذ مُدةَ الدّم ومدّة النقاء، فإن وجدنا عدداً لو ضربنا المدّتين فيه، لردّ الدور من غير زيادة ولا نقصان، فآخِر الدّور نقاء، وأول الدّور الثاني دمٌ.
وبيانه أنها إذا كانت ترى يوماًً دماً، ويوماً نقاء، فنأخذ يومين، فنضربهما في خمسة عشر، فيردّ [علينا] 2 ثلاثين، فنعلم أن الدم يعود في أول الدور الثاني على سجيته في الدور الأول.
وإن كانت ترى يومين دماًً ويومين نقاء، ولا نجد عدداً صحيحاً لو ضربنا فيه الأربعة، لرد ثلاثين -ولا يستقيم الضرب في كسرٍ فيما نحاوله- فنضرب الأربعة في عدد يقرب مردوده من الدور، وقد يزيد وقد ينقص، فالوجه اعتبار الأقرب فالأقرب، فالأربعة لو ضربناها في سبعة، لرد الضرب ثمانية وعشرين، فآخر هذا المردّ طهر، وقد بقي إلى تمام الدور يومان فيقع فيهما الدم، ويقع في أول الدور الثاني نقاء لا محالة.
وإن ضربنا الأربعة في ثمانية، ردّ علينا اثنين وثلاثين يوماً، فنعلم أن آخره نقاءٌ،

وآخره يقع في أول الدور الثاني.
وهذا أقرب إلى حصول العلم.
ولو كانت ترى ثلاثة دماًً وثلاثة نقاءً، فنأخذ ستّة ونضربها في خمسة، فتردّ ثلاثين، فالآخر نقاء، و [أول] 1 الدور الثاني دمٌ.
ولو كانت ترى أربعة وأربعة، فنأخذ ثمانية، [ونقرّب] 2، فنضرب في أربعة [فتردّ] 3 اثنين وثلاثين، فالأربعة من آخر هذا المبلغ نقاء، فنعلم أن النقاء ينقسم على آخر 4 الدور الأول، وأول الدور الثاني، فتكون نقية في يومين من أول الدور الثاني، ثم تعود نوبة الدم.
[ولو كانت تحيض خمسة، وترى نقاء خمسة، فنضرب عشرة في ثلاثة، ونقول: الآخر نوبة نقاء، والدم يعاود أول الدور الثاني] 5. ولو كانت ترى الدّم ستة، والنقاء ستة، فلو ضربنا اثنا عشر في ثلاثة، لردّ ستة وثلاثين، فآخر المدّة نقاء، وهو الذي ينطبق على أول الدور الثاني.
وإذا عرفنا أن [نوب] 6 التقطّع تقتضي الدمَ في أول الدور الأول، والنقاءَ في أول الدور الثاني، فلو أردنا أن نعرف ما يكون في أول الدور الثالث، فنأخذ نوبتين ونضرب كما فعلنا أولاً، فيكون آخر المدة الآن دماًً.
والضابط فيه أن النوبة الأولى إن كانت دماًً، فآخِر المردود نقاءٌ، وإن كانت نقاءً، فآخر المردود دمٌ.
فهذا وجه التقريب الحسابي في ذلك.
612 - ونحن الآن نفض 7 المذاهب والأحكام على الصور، فلو كانت تحيض

عشرة أيام وتطهر عشرين يوماً، فتقطّع الدم والنقاء، فصارت ترى الدم يوماًً وليلة، والنقاءَ كذلك، فآخر العشرة نقاء، فإن قلنا بترك التلفيق، فنحيّضها تسعة أيام من أول الدور الأول 1 وِلاءً، ولا نحيّضها اليومَ العاشر؛ فإنه نقاء ليس بعده حيض.
وإن قلنا بالتلفيق، نفرّع ذلك على الخلاف المتقدم في أن اللقط من أيام العادة، أو من الخمسةَ عشرَ، فإن لقطنا من العشرة، فنحيّضها خمسة، وإن لقطنا من الخمسةَ عشرَ، فنحيّضها ثمانية.
وإن كانت عادتها قديماً كما ذكرناه، فتقطّع الدمُ والنقاء ستاً ستاً، فنقول في الدور الأول: على ترك التلفيق حيضها الستة في أول الدور فحسب.
وإن لفّقْنا ولم نجاوز أيام العادة، فكذلك الجواب.
فإن لقطنا من الخمسةَ عشرَ، فالستة الأولى حيض، وهل يضم إليها الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؟ فيه خلاف، وقد ذكرنا نظير ذلك في تمهيد التفريع على التلفيق.
ولكن من قال من أئمتنا بتحييضها في هذه الأيام [ضمّاً إلى الستة الأولى، فهو جارٍ على ظاهر قياسه في لقط ما وجد من الخمسةَ عشرَ، ومن لم ير أن يحيّضها في هذه الثلاثة] 2، فليس مذهبه ببعيدٍ في هذه الصورة؛ فإن هذه الثلاثة متصلة بثلاثة واقعةٍ وراء زمان الإمكان، فاقتضى هذا الاتصالُ ضعفاً في الواقع في الخمسةَ عشرَ، وإنما يضعف هذا الوجه جدّاً إذا فرّعنا على ملازمة أيام العادة في التلفيق واللّقط، ثم اتفقت نوبةٌ من الدم، يقع بعضها في آخر أيام العادة، وبعضها وراءها، فمن يقول: لا نحيضها فيما وقع [في آخر أيام العادة، لاتصاله بما وقع] 3 وراءها، وإن كان في الخمسة عشر، فهذا في نهاية البعد.
فهذا تفريع المذاهب في الدور الأول.

613 - فأما بيانها في الدور الثاني، وقد مضى في هذا النوع من التقطع أن النقاء ينطبق على أول الدور الثاني، وكانت عادتها قبل التقطع والاستحاضة عشرة.
أما أبو إسحاق، فإنه يقول: قد [خلا من] 1 أول الدور ستة، فنحيّضها على ترك التلفيق في الأربعة الباقية من العشرة.
وغيره من الأئمة يقولون: نجعل ابتداء دورها من اليوم السابع، ونُلحق النقاء في الستة الأولى بالدور الأول، ونقول: صار ذلك الدور ستة وثلاثين يوماً، ثم إن فرعنا على ترك التلفيق، فنحيّضها ستة وِلاءً، أولها السابع من هذا الثلاثين.
وإن قلنا بالتلفيق من العشرة، أو من الخمسة عشر، فنحسب ابتداء العشرة وابتداء الخمسةَ عشرَ، من اليوم السابع، والتفريع كما تقدم.
فلو كانت تحيض ستة وتطهر أربعة وعشرين، فتقطّع دمها ستة ستة، كما ذكرنا، أمَّا في الدور الأول من التقطع، فنحيّضها الستة الأولى على ترك التلفيق، وهذا مقدار دمها القديم.
وإن قلنا بالتلفيق، فلا مزيد على الستة الأولى؛ فإنها استوعبت مقدار الحيض، ولا حاجة إلى اللقط والتلفيق.
فتستوي المذاهب في الدور الأول.
فأما الدور الثاني، فإنها ترى في أوله ستة نقاءً، فأما أبو إسحاق، فإنه يقول: لا حيضَ لها في هذا الدور؛ فإنه خلا جميعُ أيام العادة عن الدم، وقد سبق تفريع مذهبه في خلو أول الدَّوْر فيما سبق.
فأمّا من سواه، فإنهم لا يُخلونَ الدور عن الحيض.
ثم اختلف الأئمة، فقال الأكثرون: نحيّضها في الستة الثانية من الدور، على التلفيق وترك التلفيق.
وقال آخرون: إذا خلا أول الدور، نحيّضها في الستة المتقدمة الواقعة في آخر الدور الأول؛ فإنّ أوّل الدور الثاني قد خلا، فلا اعتبار به، والحيضةُ إذا فارقت محلَّها، فقد تتأخر وقد تتقدم، وبين الستة الأخيرة في الدور الأول وبين الستة من أول

الدور الأول ثمانية عشر يوماً، فإذا أمكن أن نجعلها حيضاً، جعلناها كذلك.
614 - ولو كانت تحيض سبعة وتطهر ثلاثة وعشرين، فتقطّع دمُها ونقاؤها سبعة سبعة على الاستمرار، فنقول أولاً: في هذه الصورة نضرب نوبتين، وهما أربعة عشر يوماً في اثنتين فتردّ علينا ثمانية وعشرين، فآخر ذلك نوبة من النقاء، فيبتدىء 1 الدم في التاسع والعشرين، فيقع يومان من الدم في آخر الدور الأول، وخمسة في أوّل الدور الثاني.
فأما أبو إسحاق، فالمحكي عنه أنه يُحيّضها في الخمسة التي وقعت في أوّل الدور الثاني، ويحكم بأن حيضها نقص في هذا الدور.
والذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أنّا نُحيّضها في السبعة كلِّها، ولا يضرّ تقدّم يومين منها على أول الدور الثاني على ما سبق.
هذا في المعتادة المستحاضة، إذا تقطع الدم والنقاء عليها.
615 - فأما المبتدأة، فإذا حاضت المرأة، وكما 2 رأت الدم في أول نوبة، تقطع واستمرّ، ووضح أنها مستحاضة.
أما الشهر الأول، فنأمرها فيه بالتربّص إلى الخمسةَ عشرَ -كما سبق تمهيد ذلك- فإذا جاوزت الدماء الخمسةَ عشرَ، فإذ ذاك يُعلم أنها مستحاضة.
وقد تقدم القولان في أن المبتدأة تُردّ إلى يومٍ وليلة، أو إلى أغلب الحيض، وهو ستة أو سبعة.
فإذا قرّرنا في المعتادة التفصيلَ، استغنينا عن التطويل في المبتدأة، فإن رددناها إلى يومٍ وليلةٍ، فحكمها حكم معتادةٍ، كانت تحيض 3 يوماًً وليلة، وإن رددناها إلى ستة أو سبعة، فهي كامرأة كانت عادتها ستة أو سبعة.
وقد مضى ذلك على أكمل وجه مفصلاً.

616 - ثم نقل الأئمة عن الشافعي نصاً في المبتدأة إذا تقطع الدم عليها، فننقله على وجهه، ثم نذكر تصرّف الأصحاب فيه، قال 1 رضي الله عنه: " إذا تقطّع الدم على المبتدأة في الدور الأول، فكانت ترى الدمَ يوماًً وليلة، ونقاءً مثله، فإنها لا تصوم ولا تصلي في أيام الدم في الخمسةَ عشرَ في الشهر الأول.
وتصلي في أيام النقاء وتصوم ". فإذا تبين أنها مستحاضة، ورددناها إلى ما ترد المبتدأة إليه، وهو يوم وليلة، وفرّعنا على ذلك، ورأينا تركَ التلفيق، والحكمَ بأنّ النقاء بين الحيضتين حيض، فالصلوات التي تركتها في أيام الدم وراء اليوم الأول تقضيها؛ فإنا قد تبينا بالأَخَرة 2 أن الحيضَ هو اليوم الأول، وما عداه استحاضة.
وأمَّا الصلوات التي أقامتها في أيام النقاء، فلا تُعيدُها؛ فإنّها أقامتها في النقاء والطهر.
ولقد كانت الصلوات في أيام التربّص بين ألاّ تجب لو انقطع على الخمسةَ عشرَ، وبين أن تجب، والنقاء طهرٌ، فعلى أي حالٍ قُدّر، فلا قضاء.
وأما الصوم، فإنّ ذلك إن وقع في شهر رمضان، فلا شك أنها تقضي، ما لم تصمه في أيام الدم، فأما الأيام التي صامتها في النقاء، فقد ردّدَ الشافعي قولَه في أنها هل تقضيها أم لا؟.
أحدهما -[أنها] 3 لا تقضيها؛ لأنا قد علمنا آخراً أنها كانت أيام النقاء، فليقع الحكم بما علمناه، وأيضاًً؛ فإن الصلاة لا يجب قضاؤها -وإن أقامتها على التردّد- فليكن الصوم بمثابة الصلاة.
والقول الثاني - أنه يلزمها قضاء الصَّوْم الواقع في أيام النقاء؛ فإن الصومَ يجب على الحائض، بمعنى أنها تقضيه بخلاف الصلاة، فالصلاة كانت بين أن تصحَّ، وبين ألا تجب أصلاًً، والصوم واجبٌ كيف فرض الأمر.
وكان المُوقع متردّداً بين أن يصح وبين ألا يصحَّ، فَوجبت إعادته.
ثم قال أبو زيد: القولان في الصوم مبنيان على قولين في أصلٍ، وهو أن الرجل إذا

اقتدى في صلاته بخنثى، فهو مأمورٌ بقضاء الصلاة، لجواز أن يكون الخنثى امرأة، فلو لم يقضها حتى تبيَّن أن الخنثى رجل، ففي وجوب القضاء والحالة هذه قولان؛ فإن الصلاة التي أقامها كانت واجبةً قطعاًً، وقد أقامها مردّدة بين الصحة والفساد، كذلك الصوم في أيام النقاء، والتفريع على ترك التلفيق، ولو انقطع ما تراه على الخمسةَ عشرَ، لكان النقاء حيضاً.
قال القفال: ما ذكره أبو زيد إنما يستقيم في الشهر الأول؛ فإنه شهر التربص والتَّوقف، فأمّا إذا بأن أنها مستحاضة في الشهر الثاني، فلا تردّد.
وقد طردَ الشافعي القولين [في الصوم في الشهور كلها، فالوجه بناء القولين على القولين] 1 المقدّمين في أن المبتدأة وراء المردّ هل تؤمر بالاحتياط إلى خمسةَ عشرَ يوماً؟ وفيه قولان سبق ذكرهما.
وإن أمرناها بالاحتياط، فإنها تصوم، ثم تقضي أخذاً بالأحوط في الأداء والقضاء، وإن لم نأمرها بالاحتياط، فلا نوجب قضاء ما أدّته من الصيام.
قلت: [كأن الشيخ أبا زيد] 2 يطرد القولين في الشهر الأول.
وإن فرعنا على أنها غير مأمورة بالاحتياط، لمكان التردّد الذي ذكرناه؛ اعتباراً بالاقتداء بالخنثى.
617 - ومما يتفرع على هذا الذي انتهى الكلام إليه أن المبتدأة لو طبَّق الدم عليها ولم ينقطع، فالذي يقتضيه نصُّ الشافعي في الفصل بين الصوم والصلاة أنها إذا كانت تصلّي وتصوم وراء المردّ في الشهر الثاني فصاعداً، ففي وجوب قضاء الصوم قولان، مأخوذان من الاحتياط، ولا يجب قضاء الصلاة؛ فإنها بين أن تصح، وبين ألا تجب أصلاًً، والصوم واجب على كل حال.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل