نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 313-352
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحيض

صفحات 313-352
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 2 434 - الأصل في الحيض الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب، فقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، [البقرة: 222] وسبب نزول الآية مشهور 3، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: "افعلوا كل شيء إلا الجماع " 4. والإجماع منعقدٌ على أصل الكتاب، وإن وقع خلاف في التفاصيل.
ونحن نصدّر الكلام بفصول: أحدها - في سنّ الحيض.
والثاني - في أحكامه.
والثالث - في أقله وأكثره وبيان الأدوار.

والرابع - في أحكام المستحاضة.
فأمَّا الفصل الأول [ففي سن الحيض] 1 435 - القول في سن الحيض مأخوذ من سن البلوغ، فنشير إلى سن [بلوغ الغلام] 2: ظاهرُ نص الشافعي في كتاب اللعان يدل على أن بلوغ الغلام ممكن بعد مضي ستة أشهر من السنة العاشرة؛ فإنه قال: إذا جاءت المرأة بولد وزوجها ابن عشر، فالولد يلحقه، ومن ضرورة ذلك تقدير إمكان العلوق في أثناء السنة، وأقل مدة الحمل ستة أشهر.
ومن أصحابنا من يقول: يدخل إمكان بلوغ الغلام بنفس الطعن في السنة العاشرة.
فأما الجارية، فقد قال بعض أصحابنا: يحتمل أن يدخل وقت إمكان حيضها، باستكمال السنة التاسعة.
فعلى هذا، إذا فرعنا على أن الغلام يحتمل أن يبلغ بالطعن في السنة العاشرة، فيتفق وقت الإمكان فيهما، [ومن أصحابنا من قال: قد تحيض الجارية إذا مضت ستة أشهر من السنة التاسعة] 3 ومنهم من قال: قد تبلغ بنفس الطعن في التاسعة، وهي على الجملة أسرع بلوغاً، وإنما يتفق ما ذكرناه في البلاد الحارة.
قال الشافعي: رأيت جدة باليمن بنت عشرين سنة.
ثم المنقول في ظاهر المذهب أن الصغيرة إذا رأت دماً في السنة الثامنة، فهو دم فسادٍ، فليحفظ هذا المذهب.
وسنبيّن في فصل الأدوار، حقيقتَها على أقصى الإمكان في البيان إن شاء الله عز وجل.
فهذا بيان نقل المذهب في سن الحيض.

436 - ثم كان شيخي يقول: إذا اتفق ما ذكرناه في البلاد الحارة، فهو على السن المذكور حيض، وإن اتفق في البلاد الباردة التي لا يعهد فيها أمثال ذلك، ففي المسألة وجهان، وهذا الذي حكاه له التفاتٌ على أن سن اليأس في الحيض يعتبر فيه أقصى نساء العالم، أو نساء القطر والناحية، أو نساء العشيرة، وفيه كلام يستقصى في العدّة، إن شاء الله.
فأمَّا الفصل الثاني ففي أحكام الحيض 437 - فنبدأ بالطهارة، ونقول: لا يصح منها غسلٌ إلا على قولٍ بعيد، إذا قلنا: تقرأ الحائضُ القرآن، ولا تقرأ الجنب.
فلو أجنبت المرأة، ثم حاضت، فلا تقرأ، فلو اغتسلت، قرأت 1. قال شيخي: في المناسك أغسالٌ مسنونة في أمورٍ لا تفتقر إلى الطهارة، منها غسل الإحرام، وغسل الوقوف بعرفة؛ فيستحب للحائض هذه الأغسال؛ فإن حقيقة الطهارة ليست مشروطة في شيء من هذه المناسك.
ثم نربط بالطهارة جملاً من أحكامها.
438 - فنقول: لا يصح منها شيء مما يشترط فيه الطهارة، كالصلاة، وسجود الشكر، والتلاوة، والطواف.
ولا يصح منها ما يتعلق بالمسجد، كالاعتكاف.
وأما دخول المسجد، فسنذكر في الصلاة أن الجنب يدخل المسجد عابراً، وأما الحائض، فإن كان يُخشى منها تلويث المسجد، فيحرم عليها دخول المسجد، وإن كانت أحكمت شدادها، وصارت بحيث لا يخشى ذلك منها، فالأصح أنه يحرم عليها دخول المسجد عابرةً بخلاف الجنب؛ لغلظ الأمر في حدثها، وأبعد بعضُ أصحابنا، فألحقها بالجنب، ولا أصل لهذا.
وكذلك ذكروا هذين الوجهين في التي طهرت، ولم تتطهر بعد.

439 - ومن أحكامها أنه لا يصح منها الصوم؛ [وهذا] 1 لا يُدرَك معناه؛ فإن الطهارة ليست مشروطة في الصوم.
ثم لا تقضي الصلاة التي تمرّ عليها مواقيتُها في الحيض، وتقضي ما يفوتها من صيام رمضان.
والمتبع في الفرق الشرعُ، وقد سئلت عائشة في الفرق بين الصلاة والصوم، فقالت: " كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة " 2 فأبانت أن الاتباع هو الفارق بين البابين، ثم الحيض ينافي صحة الصلاة ووجوبها، وهو ينافي صحة الصوم، وهل يقال: إنه يجب في وقت الحيض، بدليل وجوب قضائه؟ قال قائلون: يجب، والمحققون يأبَوْن ذلك؛ فإن الوجوب شرطُه اقتران الإمكان به، ومن يبغي حقيقة الفقه لا يقيم لمثل هذا الخلاف وزناً.
440 - ومن أحكام الحيض الاستمتاع، فإن الوقاع محرّم، والاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة وتحت الركبة جائز، وفي جواز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة مع اجتناب الجماع وجهان.
وفي النصوص إشارات إليهما.
وتوجيههما: من لم يحرِّم احتج بما رَوَيناه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " افعلوا كل شيء إلا الجماع ". ومن حرّم استدل بما روي عن عائشة أنها قالت: " كنت مع رسول الله في الخميلة 3، فحضت، فانسللت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ أنَفِسْتِ؟ فقلت: نعم، فقال: خذي ثياب حيضتك وعودي إلى مضجعك.
فنال مني ما ينال الرجل من امرأته، إلا ما تحت الإزار " 4.

ثم إذا طهرت المرأة ولم تغتسل، فأمر تحريم الوقاع، وتفصيل الاستمتاع على ما ذكرناه في حالة الحيض.
وقد روى مقسِم 1 عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أتى امرأته والدم عبيط، تصدق بدينارٍ، وإن كانت في أواخر الدم، تصدق بنصف دينار " وفي الحديث ضعفٌ، والأصح أن الصدقة لا تجب، بل هي محبوبة.
ومن أصحابنا من أوجبها، وهو بعيد، غير معدود من المذهب، ثم المعني بأواخر الدم في تفصيل الصدقة مستحبَّةً أو مستحقَّةً أن يقرُب من الانقطاع.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: المراد أن تطهر، ولم تغتسل بعدُ، فهذا أوان التصدق = أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأتزر بإِزارها، ثم يباشرها، وأما حديث الخميلة، فهو متفق عليه من حديث أم سلمة، دون الزيادة " فنال مني ... " (اللؤلؤ والمرجان: 1/ 66 ح 168، 170، الموطأ: 1/ 58، البيهقي: 1/ 311، والتلخيص: 1/ 167 ح 230).

بنصف دينار، فأما مادام الدم موجوداً، فدينار.
وهذا وإن كان قريباً من المعنى، فظاهر الخبر يخالفه.
ويتعلق بالحيض أحكام تستقصى في مواضعها، كالاستبراء وغيره.
فأمَّا الفصل الثالث فمضمونه بيان أقل الحيض وأغلبه، وأكثره، وذكر الدور 441 - فأما الأقل، فظاهر النص أن أقل الحيض مقدار يوم وليلة، وهي أربع وعشرون ساعة.
وقال [في] 1 مواضع: أقله يوم، فاختلف الأئمة على طرق: فمنهم [من قال]: 2 قولان، ومنهم من قطع باليوم والليلة، وحمل قوله يوم على يوم بليلته.
وأبعد بعض أصحابنا، فقطع بأن الأقلَّ يوم، وقد كان الشافعي ذكر يوماً وليلة تعويلاً على الوجود، ثم وجد أقل من ذلك وهو يوم، فرجع إليه واستقر عليه.
وأما الأغلب، فست أو سبع؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمستحاضة أراد ردَّها إلى غالب الحيض: " تحيَّضي في علم الله ستاً أو سبعاً " 3. وأما أكثر الحيض، فخمسة عشر يوماً عند الشافعي.
وأما الطهر، فأقله خمسة عشر.
ولا حدَّ لأكثره، وأغلبه مع أغلب الحيض ثلاثة

وعشرون إن كان الحيض سبعاً، وأربعة وعشرون إن كان الحيض ستاً.
والدور عبارة عن حيض وطهر، والذي ذكرناه في ظاهر [هـ] 1 تقديرات، والتقدير لا يثبت إلا بتوقف، وليس يصح عند الشافعي خبرٌ في تقدير أقل الحيض وأكثره.
442 - وقد روى أصحاب أبي حنيفة أخباراً توافق مذهبهم في الأقل والأكثر 2، والأقل عندهم ثلاثة أيام، والأكثر عشرة، وجملة تلك الأخبار مردودة عند أئمة الحديث.
فليت شعري إلى ماذا الرجوع ولا مجال للقياس، ولم يرد توقيفٌ موثوق به! 443 - فنذكر أمراً راجعاً إلى الفطرة، ثم نذكر معتبر الشافعي، فالحيض دمٌ مجتمع في الرحم، ويزجيه الرحم، وقد ينقطع في الباطن عرق، فيسيل منه دم دائم، وهو الاستحاضة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمستحاضة سألته: " توضئي وصلي؛ فإنه دم عرق " 3. ثم ليس في الخِلَق والجبلاّت حدٌّ لأقل الحيض وأكثره، ولكنا نعلم قطعاًً أنه لا يدوم؛ فإنه في حكم فضلة تنفضه الطبيعة في نوبة مخصوصة، كسائر الفضلات الطبيعية في اعتدال الحال.
ثم [قد] 4 يختلط الحيض بالاستحاضة، وأحكامها مختلفة، فيضطر الفقيه إلى درك أقدار الحيض، في طرفي الأقل والأكثر.
فهُدي إمام المسلمين الشافعي لأرشد المدارك وأقصدها، فقال: يتعين في ضبط ما نحاول الرجوع إلى الوجود، في اعتدال الأحوال، فما وجد في أقل أدوار الحيض

حكم به، وما وجد أكثر من غير دوام الدم واستمراره حكم به.
قال عطاء: رأيت مَنْ تحيض يوماً، ورأيت من تحيض خمسة عشر يوماً، وعندنا امرأة تحيض يومين يومين.
وقال الشافعي: رأيت امرأة لم تزل تحيض يوماً.
وقال أبو عبد الله الزبيري: في نسائنا من تحيض يوماً وليلة، وفيهن من تحيض خمسة عشر يوماً.
ولا يتصوّر في ذلك مسلك -إذا لم يصح توقيفٌ- إلا الوجود.
444 - فإن قيل: لو وجدنا امرأة تحيض أقل مما ذكره الشافعي، أو أكثر من خمسة عشر، قلنا: أرسل أئمتنا في هذا أوجهاً مختلفة، ومعظم النقلة يتداولونها من غير بصيرة.
ونحن نذكرها، ونذكر في معرض التوجيه حقائقها.
445 - فقال قائلون: لا نقصان من الأقل الذي ذكرناه، ولا زيادة على الأكثر؛ فإنّا لو تعديناهما، لم نقف عند ضبط.
وهذا ليس بتوجيه 1، مع ما تمهد من وجوب المصير إلى الوجود، ولكن هذا الوجه يُوجّه بأن الحيضَ ومقدارَه ليس من الأمراض، والأعراض التي تُميل [البنية] 2 عن الاعتدال.
والأمورُ [الصحية] 3 إذا استمر عليها عصور، ثم بحث الباحثون عن الوجود فيها، فإن فرض نقصان أو زيادة، فهو ميل عن الاعتدال، فيحمل على الإعلال، لا على الحيض.
446 - ومن أصحابنا من قال: نحن نتبع الوجود كيف فرض، وهذا مذهب

طوائف من المحققين، منهم الأستاذ أبو إسحاق في جواب له، والقاضي حسين 1. ووجه هذا بيّن؛ فإن ما حُكِّم الوجود فيه، فالوجه اتباعُه كيف فرض، وقد يستمر شيء في خلق، ثم تختلف الأَهوية والقُطُر 2 فيه في عصور أخرى.
447 - ومن أصحابنا من قال: إن وجدنا شيئاًً يخالف ما ذكره الشافعي، ووجدنا مذهباً من مذاهب أئمة السلف الذين يعتمدون الوجود موافقاً له، اعتمدناه وعملنا به، وإن لم نجده موافقاً لمذهبه، لم نعتمده.
وهذا فيه إلباسٌ؛ فإنا إذا وجدنا مذهباً ممن يعتمد الوجود؛ فقد ظهر لنا أن هذا الذي قد وجدناه الآن قد وجد قبل هذا، ولكن لم يبلغ الشافعي، ولو بلَّغه موثوق به، لاعتمده لا محالة، وصار إليه.
فهذا بيان ما قيل.
448 - فإن قيل: لو رأينا امرأة ترى الدم دائماً؟ قلنا: نقطع بأن الجميع ليس بحيض؛ فإن الجبلّة لا تحتمل ذلك، وإنما يعتمد الوجود إذا كانت ترى طهراً مع الدم.
فلو فرض فارضٌ الدم لحظة واحدة، فهذا لا يكون قط حيضاً.
فإن قيل: أليس أقل النفاس لحظة واحدة عند الشافعي؟ قلنا: قد تلد المرأة ولا تَنْفَس أصلاً، وهى التي تسمى ذات الجفاف، فيتصوّر ألا ترى إلا دفعة واحدة من

الدم، أما الحيض، فلم يُعهد لحظة واحدة، ولا ساعة.
449 - والذي أختاره، ولا أرى العدول عنه، الاكتفاء بما استقر عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر؛ فإنا لو فتحنا باب اتباع الوجود في كل ما يُحدَّث به، وأخذنا في تغيير ما تمهّد تقليلاً وتكثيراً، لاختلطت الأبواب، وظهر الخبط والاضطراب، ولزم ألا يمتنع بلوغ الحيض عشرين، ورجوع الطهر إلى عشرة، وانحطاط الأقل إلى ساعة، ثم يجب طرد هذا 1 المسلك في الأمور التي يُتبع الوجودُ فيها، حتى لا يمتنع نقصان أقل مدة الحمل عن ستة أشهر، وزيادة أكثره على أربع سنين.
فالوجه أن نتبع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا؛ فإن الغالب على الظن أن ما لم يصح في أعصارهم مع اختلاف خِلَق الخلائق، وتباين الطباع، يندر وقوعه في أعصارنا، وليس دم الفساد نادرَ الوقوع، فلسنا نبغي أمراً مقطوعاًً به، فإنه مُعوز فيما نحن فيه، فالوجه الانتهاء إلى أقل ما نقل، وإلى أما صح في طرفي الأقل والأكثر.
وقد أجمع الأئمة على أن المرأة إذا كانت تحيض يوماً وتطهر يوماً على الاستمرار، فلا تجعل كل نقاء طُهراً كاملاً، على ما سيأتي ذلك مشروحاً في بابه إن شاء الله تعالى.
450 - ومن الأصول التي يتعين الاسترواح إليه فيما دفعنا إليه، ما رُوي أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة النسوان " ناقصات عقل ودين، قيل له: ما نقصان دينهن؟ فقال: تجلس إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي " 2. فكان قولُ النبي عليه السلام مشيراً إلى ذكر أقصى زمان يُتصور منهن القعود عن وظائف العبادات فيه.
فليتخذ المرء ذلك مرجعه في هذا الطرف، وليردّ نظره إلى طرف الأقل، وفيما نبّه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان أقل الطهر أيضاً.
ثم يبعد عندي فرض طريان الحيض في رمضان ليلاً، مع انقطاعه قبل الفجر في

الليلة الطويلة، والمرأة تتمادى على الصوم، فتستتم صوم رمضان، وقد حاضت في الشهر مرة أو مرتين، فدلّت هذه الإشارات على الوقوف عند مواقف الأئمة في الأدوار.
وقد نجز منتهى غرضنا من هذا الفصل.
الفصل الرابع في أحكام الاستحاضة 451 - فنقول أولاً: دم الاستحاضة في وضع البنْية والجبلّة يسيل من عِرقٍ ينقطع، وليس الدم الذي يُزجيه الرحم من مغيضه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض المستحاضات: " إنه دم عرق ". ثم حكمه على الجملة، حكم حدث دائم من نواقض الوضوء، كسلس البول، واسترخاء [الأُسْر] 1. وإذا أطبق حدثٌ من هذه الأحداث، فصاحب البلوى مأمور بأن يتوضأ لكل فريضة، ولا يجمع بين مفروضتين بطهر واحد، على التفصيل المذكور في التيمم، بل هو أولى بذلك، فإن الأحداث تتجدد عليه، والمتيمم لم يتجدد عليه حدث، بل حكم الحدث الأول مستدام.
فإذاً المستحاضة ومن في معناها تتوضأ لكل فريضة، وتُقيم بوضوء واحد فريضةً واحدة وما شاءت من النوافل.
وقد سبق أن المتيمم لو تيمم لقضاء فائتة، ثم أخّر الفائتة أزماناً، فلا بأس عليه، ولو تيمم في وقت فريضةٍ لإقامتها، ثم لم يتفق حتى خرج الوقت، فأراد قضاءها بذلك التيمم، جاز.
452 - فأما المستحاضة والأحداث تطرأ عليها حالاً على حالٍ، فلو توضأت وابتدرت الصلاة، لكانت ساعية في تقليل الأحداث جهدها، ولو أخرت الصلاة، لكثُر تخلل الأحداث، فما حكم ذلك؟

اضطرب الأئمة، فذهب ذاهبون إلى أنها مأمورة بمبادرة الصلاة بعد الفراغ من الوضوء، لتقليل ما يطرأ، فلو أخرت، لم تصح فريضتُها.
وذهب الخِضْرِيُّ 1 من الأئمة إلى أن حكمها حكمُ المتيمم، فلو أفرطت في تأخير الفريضة عن الوضوء، جاز، ولو توضأت لصلاة الظهر بعد الزوال، ثم لم توفَّق لأدائها، حتى تصرّم الوقت، قضتها بذلك الوضوء، قياساً على المتيمم؛ فإن قليل الحدث ككثيره، وقال: الأحداث التي تطرأ فرب الحكم حدث واحد، في حق الفريضة الواحدة 2، قلّت أو كثرت، فهذان الوجهان هما الأصل.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاًً، وهو أنها لو توضأت للظهر، فالأمر موسّع عليها، مادام الوقت باقياً، فإن صلت في آخر الوقت، وكانت توضأت في أول الوقت، فلا بأس، وإن انقضى الوقت، لم تقض تلك الصلاة.
وهذا بعيد عن قياس الشافعي، مشابهٌ لمذهب أبي حنيفة 3. 453 - فإن نزّلنا وضوءَها منزلة التيمم في حق الفريضة الواحدة، فلا كلام.
وإن منعناها من تأخير الفريضة عند الفراغ من الوضوء، فقد تردد الأئمة على ذلك: فذهب ذاهبون إلى المبالغة في الأمر بالبدار.
وقال آخرون: لو تخلل زمن قصير، فلا بأس، وضبطُه على [التقريب] 4 عندي، أن يكون على قدر الزمان المتخلل بين صلاتي الجمع في السفر، على ما سيأتي مشروحاً إن شاء الله عز وجل.
ثم كان شيخي يحكي في التفريع على الأمر بالمبادرة عن بعض أصحابنا: أنها لو توضأت قبيل الزوال، ولما فرغت زالت الشمس، فإنها تصلي صلاة الظهر، نظراً إلى

الاتصال؛ فإنه المرعيُّ، ولا نظر إلى الوقت؛ فإنها لو توضأت على هذا الوجه بعد الزوال، وأخرت إقامة الصلاة قليلاً، لم يجز، فالاعتبار بالاتصال والانفصال.
وهذا بعيد جداًً، والأصح القطعُ بأنها لا تقدِّم الوضوءَ على وقت الفريضة قياساً على التيمم، ثم هي على وجهٍ مأمورة بمزيد احتياط في رعاية الاتصال، لا يؤاخذ به المتيمم، وطهارة التيمم وطَهارة المستحاضة طهارتا ضرورةٍ، فمقتضى المذهب اشتراط إيقاعهما بعد فرضئة الصلاة.
454 - وإذا انتهى الكلام إلى ذلك، نذكر خلافاً ذكره العراقيون في طهارة صاحب الرفاهية، وأنها متى تجب؟ قالوا: من أئمتنا من قال: لا تجب إلا عند وجوب الصلاة؛ فإنها تجب لأجل الصلاة، ولا تجب مقصودة في نفسها.
ومنهم من قال: إنها تجب عند الحدث وجوباً موسعاً، وصححوا ذلك 1، ووجهوه بأنها عبادة بدنية وقياس العبادات البدنية ألا يؤتى بها قبل وجوبها، وإنما تُقدم العبادات المالية قبل وقت الوجوب، كالزكاة والكفارة، على تفصيلِ مشهور.
وليست طهارة الحدث في هذا، كإزالة النجاسة، فإن الغرض منها ألا تكون النجاسة، وليست [الإزالة] 2 معنيةً بالأمر.
فرع: 455 - ذكرنا ما يتعلق بتجديد الوضوء، واعتبار وقته في حق من استمر حدثه ودام.
ونحن نذكر الآن ما يتعلّق بزالة النجاسة.
فالمستحاضة مأمورة بأن تغسل نفسها وتتلجم وتستثفر، وتُحكم الشِّداد جهدها،

وهذا محتوم.
وإن كانت تعلم أن النجاسة تبرز مع ذلك؛ فإنها مكلفة بالسعي في تقليلها، وهذا يؤكّد أمرَها بمبادرة الصلاة، لتكون مقللة للحدث.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تلجمي واستثفري 1، [وأنعت] 2 لك الكُرْسُُف " 3. ثم مهما تحركت العصابة وزايلت موضعها، والنجس دائم، أُمرت بإعادة الغَسل 4. وإن كانت قارّة، ولم يظهر نجس من جوانبها، فهل نأمرها بتجديد الغَسْل، ورفع الشِّداد وإعادته، مهما أمرناها بتجديد الوضوء؟ فعلى وجهين مشهوربن: أحدهما - وهو الظاهر: أنا نأمرها بذلك؛ اعتباراً لإحدى الطهارتين بالأخرى.
والثاني - أنا لا نأمرها بذلك؛ فإنه قد تمهد في الشرع الأمر بالطهر مع قيام الحدث أو تجدده، وهذا في معنى ما لا ينقاس من التعبدات، فأما الأمر بتجديد الإزالة مع استمرار النجس، فبعيد.
وهذا غير سديد؛ فإنه لا خلاف فى الأمر به إذا زالت العصابة، ولا أثر للزوال، إنما الأثر لتجدد النجاسة.
وقال الأئمة 5: لو لم تزل العصابة ولكن ظهر الدم عليها، أو من جوانبها وهي

قارّة، فيجب القطع بالأمر بالتجديد، كما لو زالت العصابة.
456 - ومما لا يكاد يخفى أن النجاسة لو ظهرت، فلا ينبغي أن تمنع من النافلة إذا لم تكن منتسبة إلى تقصير.
ولو زالت العصابة بنفسها، وكان ذلك بسبب ازدياد النجاسة، فالوجه منعها من النافلة؛ فإن هذا منسوب إليها، وإنما المعفوّ عنه في حق النوافل نجاسات الضرورة التي لا سبيل إلى دفعها.
457 - ومما يتعلق بتمام الفصل ذكرُ انقطاع دم الاستحاضة في الصلاة، وقبل الشروع فيها، والقول في ذلك يتعلق بحالتين: إحداهما - أن تنقطع الاستحاضة انقطاعاً كلياً وتشفى.
والثانية: أن تنقطع ثم تعود.
458 - فأما إذا شُفيت، فإن فرض ذلك قبل الشروع في الصلاة، وقد تجدد عليها أحداث مع الوضوء وبعده مثلاً، ثم شفيت، فعليها أن تتوضأ بعد الشفاء للصلاة؛ فإن الضرورة قد زالت، وإنما كان يعفى عما يتجدد لأجل الضرورة.
وهذا يتنزل منزلة ما لو تيمم المسافر، ثم تمكن من استعمال الماء قبل الشروع في الصلاة.
فإن قيل: أليس اختلف الأصحاب في أن طهارة المستحاضة، هل ترفع الحدث؟ فاذكروا ما قيل فيه، وأوضحوا منه ما يتعلق بالفصل، قلنا: اشتهر الخلاف فيه، فقال قائلون: لا ترفع طهارةُ المستحاضة الحدثَ، بل تُبيح الصلاة كالتيمم؛ فإن الحدث مقارن للطهارة جارٍ معها، وما لم تسلم الطهارة عن مقارنة ناقض لها، لا ترفع ما سبق من الحدث.
= يقول عقب إِيراد هذه المسألة، وهذا الحكم: "حكى الاتفاق عليه إِمام الحرمين، وغيره" فبان أنه قول الأئمة.
والله أعلم.
(ر.
المجموع: 2/ 534). وبعد هذا وجدنا عبارة (ل) هكذا: " قلت: لو لم تزل العصابة " أي أن القائل لهذا الرأي وصاحبه هو الإِمام، أي إِمام الحرمين.
فهل اطلع النووي على دليل آخر يشهد له بأن (الإِمام) قاله حاكياً له، وليس مبتدئاً إياه؟ أم وقعت له نسخة النهاية المحرّفة هذه؟ العلم عند الله!

وقال آخرون: إنها ترفع الأحداث السابقة، والدمُ المساوق لها لا يعتد به حدثاًً ناقضاً، كما لا يُرى ما يجري منه في الصلاة ناقضاً لها.
ثم الأصحاب خصصوا الخلاف بالأحداث السابقة على الطهارة، وما يجري مقارناً لها، فأما ما يقع بعدها، فالطهارة لا ترفعها، ولكن تؤثر في استباحة الصلاة معها، كما يُبيح التيمم الصلاة، مع استمرار الحدث.
459 - فإذا تبين ذلك بنينا عليه غرضنا، وقلنا: إذا توضأت المستحاضة [وجريان الدم مقارن لوضوئها] 1، وجرت أيضاًً الأحداث بحد الوضوء، ثم شفيت، وانقطعت الاستحاضة بالكلية قبل الشروع في الصلاة، فعليها تجديد الوضوء؛ فإنا إن حكمنا بأن وضوءها لا يؤثر في رفع الحدث أصلاًً، فإنما كنا نجوّز لها أن تصلي بذلك الوضوء للضرورة، وقد زالت الضرورة.
فأشبه ذلك ما لو رأى المتيمم الماءَ قبل الشروع في الصلاة، وتمكن من استعماله، فإن قلنا: يرفع وضوؤها ما سبق، ولم يُعتد بما يقارن أيضاً، فما جرى بعد الوضوء يستحيل أن يرفعه الوضوء.
فإذا شفيت، لزمتها الطهارة، حتى ترفع تلك الأحداث الجارية بعد الوضوء.
460 - ولو شُفيت عقيب الوضوء ولم يجر حدث بعده أصلاً، فالذي صار إليه أئمة المذهب، أنه يلزمها أن تتوضأ؛ فإنا وإن حكمنا بارتفاع الأحداث المتقدمة على الوضوء، فيستحيل أن نحكم بارتفاع ما قارن الوضوء منها؛ فإن الوضوء إنما يرفع حدثاًً متقدماً على أوله.
وقال بعض من لا مبالاة به: إذا حكمنا بأن الوضوء يرفع الحدث السابق، فيلزم على مساقه ألا نجعل ما يقارن الوضوء حدثاً، فعلى هذا إذا انقطع عقيب الوضوء، واتصل الشفاء، لم يلزمها الوضوء؛ فإنّ الأحداث السابقة قد ارتفعت، والمقارن لم يكن حدثاًً معتداً به، ولم يجر بعد الوضوء حدث، فلا يلزم تجديد الوضوء.
وهذا لا يعد من المذهب.

وبهذا التفريع [يهي جداًً] 1 مذهب من يصير إلى أن طهارة المستحاضة تؤثر في رفع الحدث.
وهذا فيه إذا شُفيت قبل الشروع في الصلاة.
461 - فأما إذا شفيت بعدما تحرقت بالصلاة، ففي المسألة جوابان مشهوران لابن سريج: أحدهما - أن الصلاة تبطل؛ فإن الضرورة قد زالت، وقد تجددت أحداث مع الوضوء وبعده، فلا بد من دفعها عند زوال الضرورة.
والوجه الثاني - أن الصلاة لا تبطل، كما لا تبطل صلاة المتيمم برؤية الماء في خلال الصلاة.
وقد ذكر بعض أصحابنا في صلاة المتيمم خلافاً إذا رأى الماء في خلالها، أخذاً من الخلاف في طريان شفاء المستحاضة، وهو بعيد.
والوجه تخصيص الخلاف بطريان الشفاء، والقطع بأن صلاة المتيمم لا تبطل برؤية الماء.
وما ذكرناه فيه، إذا انقطعت الاستحاضة أصلاًً، ولم تعد.
462 - فأما إذا انقطعت زمناً ثم عادت، فنقول: إذا توضأت، ثم انقطع الدم، ثم عاد على الفور، فلا حكم لذلك الانقطاع، وإذا تطاول الزمان ثم عاود، أثرّ ذلك الانقطاع.
ولنفرض فيه إذا دخل وقت الصلاة، فتوضأت، ثم انقطع الدم وعاود، فالذي ذكرناه من تطاول الزمان، أردنا به أن يمضي زمان يسع الوضوء والصلاة.
والزمانُ القريب ما يقصر عن هذا.
فنقول بعد ذلك: إذا انقطع الدم، فينبغي أن تبدُر 2 وتتوضأ وتصلي، فإذا فعلت ذلك، فقد صلّت غيرَ محدِثة صلاةً نقية عن الحدث.
فإن أخرت 3 حتى عاد الدم، [فقد قصرت؛ فيلزمها أن تتوضأ بعد عود الدم؛ لأنا

قد ألزمناها الوضوءَ لما انقطع الدم] 1. فإذا تحقق التقصير منها، [بقي] 2 وجوب الصلاة عليها، وإن 3 عاود الدم، هذا ما قطع به الأئمة.
وإن انقطع الدم، ثم عاد قبل زمان يسع الوضوءَ للصلاة والصلاةَ، فلا يلزمها وضوء آخر بعد عود الدم، ووجودُ ذلك الانقطاع وعدمه بمثابة واحدة.
463 - ولو انقطع الدم، فشرعت في الصلاة من غير تجديد وضوء، فلو تمادى الانقطاع حتى انتهى الزمان المعتبر الذي ذكرناه الآن، فنحكم بأن صلاتها باطلة؛ فإنها تحرمت والوضوء واجب عليها.
وإن عاد الدم في الصلاة قبل الزمان المتطاول، فقد بان أن الوضوء لا يجب، ولكنها شرعت في الصلاة على تردُّدٍ ظاهر، وكان ظاهر الحال يشعر بوجوب الوضوء، وإن بان خلاف ذلك آخراً، ففي صحة الصلاة وجهان، ذكرهما العراقيون: أصحهما - أنها لا تنعقد، لما قارن عقدَها من ظهور وجوب الوضوء على غالب الظن، وإن بان خلاف ذلك.
والثاني: أنها تنعقد نظراً إلى ما بان آخراً، وهي لم تكن على يقين من وجوب الوضوء عند عقد الصلاة، والأصل براءة الذمة عن كل ما لا يتحقق وجوبه بمسلك شرعي.
وقد نجز ما أردنا إيراده في أحكام الاستحاضة.
464 - ثم مقصود هذا الكتاب هو أن الحيض يتصل بالاستحاضة، فيُطبِق الدم، ويتعين تمييز الحيض عن الاستحاضة، لاختلاف حكمهما.
وها نحن نستفتح أحكام المستحاضات، ونحن نستعين بالله عزت قدرته.
...

باب المستحاضات

465 - القول في المستحاضات، يتعلق بنوعين: أحدهما - أن يُطبق الدم ولا ينقطع.
والثاني - أن ينقطع الدم، وهو التلفيق.
فأما النوع الأول: فالمستحاضات في التقسيم الأول: مبتدأة، ومعتادة.
فأما المبتدأة: فهي التي كما يبتديها الدم تُطبق الاستحاضة، وتتصل الدماء.
وهي تنقسم إلى مميزة، وغير مميزة.
والمعتادة: تنقسم إلى ذاكرة لعادتها قبل الابتداء بالاستحاضة، وإلى ناسية لعادتها، وهي التي تسمى المتحيرة.
والمعتادة الذاكرة: قد تنقسم إلى مميزة، وغير مميزة أيضاً.
فإذاً المستحاضاتُ أربع: مبتدأة مميزة.
ومبتدأة غير مميزة.
ومعتادة ذاكرة.
وناسية.
466 - وقد نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: أخبار في المستحاضات، فنصدر بها الباب.
فمما نقل عنه صلى الله عليه وسلم في المستحاضة المميزة، ما روي عن عائشة: أنها قالت: "سألت فاطمةُ بنت أي حُبَيْش رسول الله، وقالت: إني أُستحاض، فلا أطهر، فقال عليه السلام: إنما هو عرق انقطع، إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة،

وإذا أدبرت فاغتسلي، وصلي" وفي رواية: " دم الحيض أسود له رائحة تعرف " 1. والخبر الثاني: في المعتادة، وهو ما روي أن امرأة سألت أمُّ سلمة لها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مستحاضة، فقال عليه السلام: " مُريها فلتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتدع الصلاة، فإذا خلّفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلِّ " 2 والخبر الثالث: ما روي أن حمنة بنت جحش استحيضت سبع سنين، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: " تحيّضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن ". فالظاهر أنها كانت مبتدأة، وقوله عليه السلام: " في علم الله " معناه: فيما علّمك الله من عادات النساء.
[المستحاضة الأولى] 3 467 - فنبدأ بالمميزة المبتدأة، وهي التي طبق الدم عليها من أول الأمر، وكان يتميز لها دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفة، كما سنذكرها، ولا يمتنع عليها التمييز، بسبب من الأسباب.
468 - ونحن نذكر ما جاء في صفة دم الحيض: روي أنه صلى الله عليه وسلم

قال: " إنه أسود محتدم بحراني، ذو دفعات له رائحة تعرف " 1 فأما الأسود، فلم يعنِ به أسودَ حالك، وإنما أراد به تعلوه حمرة مجسّدة 2، كأنها سواد من تراكم الحمرة.
والمحتدم، أراد به اللذّاع؛ فإنه قد يلذع البشرة بحدّته، وهو يختص برائحةٍ كريهةٍ؛ ولذلك أُمرت إذا طهرت أن تتبع بفِرصةٍ من مسكٍ أثرَ الدم.
واختلفوا في البحراني، فمعناه الصحيح أنه ناصع اللون، يقال: دم بحراني وباحريّ، إذا كان لا يشوب لونَه لونٌ.
ودم الاستحاضة أحمر رقيق، ضارب إلى الشقرة في غالب الأمر.
فإذاً: دم الحيض أقوى لوناً ومتانةً من دم الاستحاضة.
469 - فإذا كان يتميز الدم القوي عن الضعيف -وهذه مبتدأة، لم تسبق لها عادةٌ، واستمرارُ أدوارٍ قبل الابتلاء بالاستحاضة- فهي مردودة إلى التمييز، بشرط أنه يجتمع ثلاثة أركان: أحدها - ألا ينقص الدم القوي عن أقل الحيض، وهو يوم وليلة، على ظاهر المذهب.
والركن الثاني - ألا يزيد الدمُ القوي على أكثر الحيض.
والثالث - ألا ينقص الدم المشرق الضعيف عن أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوماً.
فإن استجمعت هذه الأركان تحيضت في أيام الدم القوي.
وهي المعنية بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: " إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة " ثم إذا أدبر الدم القوي، فهي الاستحاضة، فتغتسل وتصلي، وحدثها دائم، كما مضى أمرها مفصلاً.
فإن عدمت ركناً من هذه الأركان، فقد عجزت عن التمييز، فهي مبتدأة غيرُ مميزة، وسيأتي حكمها إن شاء الله عز وجل، متصلاً بحكم القادرة على التمييز.
470 - ثم مما نمهده في أمرها قبل الخوض في التفريع، أنها في أول الأمر إذا رأت

دماً قوياً أياماً، ثم ضعف الدم وتغيّر، وكل ذلك دون الخمسةَ عشرَ من ابتداء الدم؛ فإنا نأمرها في الشهر الأول بأن تتربص وتتحيّض في ظاهر الأمر، وتنظر ما يكون، فإن انقطع نوع الدم على الأكثر، وامتد بعده النقاء خمسة عشر يوماً، فجميع ما رأته من الدم حيضٌ، وإن كان بعضه ضعيفاً مشرقاً؛ فإنّ المرأة إنما تردّ إلى التمييز عند ضرورة الاستحاضة، فإن تربصت منتظرة لا تصوم ولا تصلي، والزوج معتزل عنها، كما سبقت أحكام الحيض، فزاد الدم على الخمسةَ عشرَ، فقد تبينت الآن أنها مستحاضة.
فنقول: بان لنا أن حيضك الدمُ القويُّ الذي رأيتِهِ في أول الأمر، فحكمك فيه حكم الحيض، وقد تقلَّبَتْ 1 عن الحيض من وقت تغيّر الدم إلى الضعف والإشراق، فعليها أن تتدارك، وتقضي الصلوات التي تركتها في تلك الأيام.
471 - وإذا مضى الدم المشرق، وبلغ خمسة عشر يوماً فصاعداً، ثم عاود الدمُ القوي، فإنها تتحيّض [ثم] 2 إذا مضى في الدور الثاني أيامُ الدم القوي، واستحال ضعيفاً، فكما 3 استحال تغتسل وتصلي، ولا تتربص كما تربصت في الشهر الأول؛ فإنها في الشهر الأول لم تعلم كونها مستحاضة، حتى زاد الزمان القوي والضعيف على الأكثر.
وهي على بصيرة في الشهر الثاني بكونها مستحاضة.
فإن قيل: ستذكرون خلافاًً في أن العادة في المستحاضة المعتادة هل تثبت بمرّة واحدة، فهلاّ خرّجتم هذا الخلاف في تبيّن الاستحاضة، [حتى] 4 تنتظر الشهر الثاني على وجه انتظارها في الشهر الأول، ثم لا تنتظر في الشهر الثالث وجهاً واحداً.
قلنا: لما أطبق الدم عليها في الشهر الأول، فقد استيقنت أنها مستحاضة، ومما تحقق في الجبلة أن 5 الاستحاضة من العلل المزمنة التي تدوم مدة مديدة غالباً؛ فوقع الاكتفاء [لهذا بدور شهر] 6.

وأما مقدار الحيض في القلة والكثرة، فقد يختلف ولا يطرد، وليس استقراره مقدار مرةً واحدة أمراً ظاهراً موثوقاً به.
فقال قائلون: لا بدّ من التكرار، فقد لاح الفرق.
على أنا سنذكر أن الأصح أن العادة تثبت بمرة واحدة - إن شاء الله عز وجل.
472 - ثم إذا استمرت الاستحاضة، وتمكنت من التمييز، فإنها مردودة إلى اتباع الدم القوي والضعيف في أدوارها.
فلو جاءها دور ورأت في أوله خمسة أيام دماً قوياً، وتحيّضت فيها، وضعف الدم بعدها، فاغتسلت، ثم انقطع الدم على الخمسة عشر وشُفيت، فقال الأئمة: تحيُّضها في هذا الدور خمسة عشر يوماً؛ فإنا تبينا أنها ليست مستحاضة في هذا الدور، وإنما يردّ إلى صفة الدم المستحاضةُ.
فصل 473 - حقيقة التمييز في الاستحاضة اتباعُ قوة الدم، وضعفه، مع وجود الأركان التي ذكرناها للتمييز، فإن كانت ترى دماً أسودَ أياماً، ثم دماً أحمر منطبقاً إلى آخر الدور، فهي مستحاضة في زمان الحمرة؛ فإن الأحمر بالإضافة إلى الأسود ضعيف.
ولو كانت ترى أولاً دماً أحمر، ثم بعد ذلك دماً أشقر مشرقاً إلى الصفرة، فهي حائض في أيام الحمرة، مستحاضة في أيام الشقرة؛ فإن الأحمر قوي بالإضافة إلى ما بعده من الشقرة.
والأمر يختلف في القوة والضعف بالنسب والإضافات.
فلو رأت خمسةً سواداً وخمسةً حمرةً، ثم شقرةً إلى آخر الدور، فالدمان الأولان قوتان بالإضافة إلى الشقرة بعدهما والحمرة ضعيفة بالإضافة إلى السواد المتقدم عليها، قويةٌ بالإضافة إلى الشقرة بعدها، ففي المسألة طريقان: من أئمتنا من قطع بأن السواد والحمرة جميعاً حيض؛ لقوتهما، ولإمكان تقديرهما حيضاً.
ومن أصحابنا من ذكر وجهين في الحمرة: أحدهما - أنها حيض؛ لقوتها بالإضافة

إلى ما بعدها.
والثاني - أنها استحاضة؛ لضعفها بالإضافة إلى السواد المتقدم عليها.
474 - ولو رأت خمسة سواداً، وأحدَ عشر حُمرةً قانية، واصفرّ الدم بعد ذلك، وأشرق وتمادى خمسة عشر يوماً فصاعداً، فاختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: السواد والحمرة جميعاًً بمثابة سوادٍ مطبقٍ [بالغٍ] 1 ستة عشر يوماً، أو حمرةٍ مطبقة في هذه المدة، ولو فُرض كذلك، لكان الدم القوي زائداً على أكثر، فكانت هي فاقدة لما هو من أركان التمييز، مردودةً إلى ما ترد المبتدأة إليه إذا لم تكن مميزة.
ومن أصحابنا من قال: نحيّضُها في أيام السواد، ونُلحق الحمرة بدم الاستحاضة؛ لأنها اتصفت بنوعين من الضعف: أحدهما - أنها ضعيفةٌ بالإضافة إلى ما قبلها، والثاني - وقع طرفٌ منها وراء [الأمد الأكثر] 2، فصارت من هذين الوجهين كالشقرة.
وكان شيخي يذكر الصورة الأولى: إذا لم يزد الزمان على اكثر، ويذكر الصورة الثانية: وهي إذا كان مجموعهما يزيدان على الأكثر.
ثم كان يقول: اختلف أئمتنا في الصورتين.
فمنهم من حكم بأن الدمين حيض إذا أمكن الجمع بينهما، وإن لم يمكن الجمع بينهما فوجهان: أحدهما - أنها فاقدة لركن من التمييز.
والثاني - أنا نحيّضها في أيام السواد، ونحكم بأن الحمرة بعده استحاضة.
ومن أئمتنا من قال: إذا زاد الدّمان على الأكثر، فلتلتحق الحمرة بالشقرة وجهاً واحداً، وتحيُّضُها في أيام السواد، وإذا لم يزد الدّمان على الأكثر، فوجهان: أحدهما - أنهما حيض والاستحاضة بعدهما.
والثاني - أن الحيض منهما السواد الأول، والحمرة استحاضة.
فهذا منتهى الغرض في التنبيه على وجوه اختلاف الأصحاب في هذا.

475 - ومما نُلحقه بهذا: أن الاعتبار في القوة والضعف باللون المجرد في الدم، فليُفهم ذلك 1، وإن ورد في الخبر صفاتٌ أخرى سوى اللون، من أنه محتدم، ذو دفعات، له رائحة تعرف.
وقد قطع به الصيدلاني، وهو متفق علَيه في الطرق، حتى لو رأت خمسةً سواداً مع الرائحة المنعوتة، وخمسة سواداً بلا رائحة، فهما دم واحد وفاقاً، وكذلك لا نظر إلى المتانة والرقة والخثورة، وإنما المعتبر اللون فحسب، فليثق الناظر بذلك.
476 - ولو رأت أولاً خمسة شقرة، ثم خمسةً سواداً أو حمرةً قانية، ثم شقرةً إلى آخر الدور، فالدم في أول الدور ضعيف، ولكن موضعه وأوليته قد تقوِّيه في ظن الفقيه، والدم الثاني قوي في صفته، ولكنه متأخر عن وقته المعتاد غالباً، فاضطرب الأصحاب لذلك.
وأنا أرى أن أرسم صوراً، وأذكرَ مذاهب الأصحاب فيها، ثم أختمَها بما يضبط مأخذ الطرق.
477 - صورة: فإذا رأت أولاً خمسة شقرة، ثم خمسة سواداً، ثم استمرت الشقرة، ففي هذه الصورة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يتبع الدم القوي على ما يوجبه التمييز، فنحيّضُها في الخمسة الثانية، ونجعل الخمسة الأولى دم فساد سابق على أول الدور، وهذا قياس التمييز.
والوجه الثاني: نحيّضُها في الخمسة الأولى والثانية جميعاًً، أما الخمسة الثانية، فإنها على نعت الحيض وقوته، وأما الأولى فمتقوية بالأولية، والغرض اتباع القوة، والجمع بينهما جميعاًً ممكن.
وحكى المحاملي في (الوجهين والقولين) وجهاً ثالثاًً، من أجوبة ابن سُريج: وهو أنها فقدت 2 التمييز في الصورة التي ذكرناها؛ فإن النزول عن أول الدور بعيد،

فهذه مبتدأة لا تميز، فتردّ إلى أقل الحيض، أو غالبه، كما سيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله عز وجل.
478 - صورة أخرى تماثل التي سبقت: إذا رأت خمسة أولاً شقرة، وعشرةً سواداً، ثم استمرت الشقرة، ففي وجه: حيضُها السواد في العشرة.
وفي وجه: تحيّضُها خمسةَ عشرَ يوماً؛ فإن الجمع بين الأوّلية وقوة الدم ممكن.
وفي الوجه الثالث الذي حكاه المحاملي: هي فاقدةٌ للتمييز.
479 - صورة أخرى: إذا رأت خمسة شقرة، وأحد عشر سواداً، فقد تجدد في هذه الصورة أمرٌ آخر، وهو أن الجمع بين الأولية والسواد متعذر في هذه الصورة؛ فإنا لو فعلنا ذلك، لزادت الحيضة على الأكثر، فأما من يتبع السواد فيُحيّضها في الأحد عشر الذي فيه السواد، ومن يجعلها فاقدةً في الصورتين السابقتين، فهذا ظاهرٌ في هذه الصورة.
وأما من يحاول الجمع بين الأولية وقوة الدم -وقد تحقق تعذّر ذلك- فالمذهب الظاهر أنها فاقدةٌ للتمييز.
وذكر شيخي عند تعذر الجمع في كتاب الحيض من تصنيفه، الذي ترجمه بالمحيط 1 وجهاً غريباً، وهو أن من الأئمة من يحيِّضها في الخمسة الأولى، وإن كانت شقرة؛ نظراً إلى الأولية.
وتغيُّر الدم إلى السواد، في هذه الصورة عند هذا القائل، كتغير الدم القوي إلى الضعيف.
وهذا الوجه هفوة [لا] 2 أراه، ولا أعده من المذهب.
480 - صورة أخرى: إذا رأت خمسةً شقرة، وستة عشر يوماً سواداً، فمن اتبع الدم الأسود لا يمكنه أن يُحَيِّضَها في أيام السواد، وإذا تعذّر ذلك، فلا شك في تعذر

الجمع، فلا ينقدح في هذه الصورة إلا المصير إلى أنها غيرُ مميزة، ويأتي فيه الوجه الذي ذكره في المحيط، وهو أن نحيّضها في الخمسة الأولى.
وهذا غلط.
48 - [فآل] 1 محصول المذهب إلى أن من الأصحاب من يتبع الدم القوي متى فُرض.
ومنهم من يحاول الجمع بين الأولية والدم القوي إن أمكنه، وإن تعذّر الجمع، جعلها فاقدة للتمييز.
ومنهم من يُسقط التمييز، وإن أمكن تقدير الجمع من جهة الزمان.
فرع: 482 - ولو رأت المبتدأة في الشهر الأول خمسة عشر يوماً شقرة، وكنا نأمرها بالترّبص، فلما انتصف الشهر، ابتداً السواد، فرأت خمسة عشر سواداً، فلا يكاد يخفى تفريع هذه الصورة، ولكن من يتبع قوة الدم، يأمرها بترك الصلاة، [في النصف الثاني من الشهر.
فهذه امرأة على هذه الطريقة أُمرت بترك الصلاة] 2 شهراً، أمرت به في النصف الأول للانتظار، ثم إنها تستدركه، وأمرت بترك الصلاة في النصف الثاني لقوة الدم على المذهب الذي نفرع له، ثم إن زاد الدم القوي على الأكثر، فهي غير مميزة؛ فنردّها بعد انقضاء الشهر والزيادة إلى ما تردّ المبتدأة إليه.
فصل 483 - قد تستفيد المرأة عادة من التمييز، فترجع إليها عند [تعذر] 3 التمييز، وبيان ذلك أنها إذا كانت ترى خمسة سواداً، وباقي الشهر شقرةً، ثم أطبق السواد، وأطبقت الشقرة، وعسر التمييز، فهي مردودة إلى الخمسة التي كانت تتحيّض فيها.
بحكم التمييز.
وذلك واضح لا خفاء به.

فصل 484 - المردودة إلى التمييز إذا تغيّر دمها القوي إلى الضعيف على 1 وجدان أركان التمييز، فكما [يتغير] 2، تغتسل وتستفيد أحكام [الطاهرات] 3 من الحيض.
وقال مالك 4: تستظهر بعد التغيّر بثلاثة أيام.
ونحن لا نرى ذلك أصلاًً، ولكن أقول: إن انقلب الدم بدفعة من لون [قوي] 5 إلى لونٍ دونه، فالحكم ما ذكرناه في استقبال أحكام الاستحاضة.
وإن بدت خطوطٌ من الشقرة، وبقيت خطوط من السواد، فالذي أراه أن حكم الحيض قائم؛ فإن السواد باقٍ، واقتران دم ضعيف به لا يخرجه عن حكم قوته.
فهذا حكم المبتدأة المميّزة.
[المستحاضة الثانية] 6 485 - وأما المبتدأة التي لا تتمكن من التمييز، فكما حاضت أطبق عليها مثلاً لون واحد، فإلى ماذا تردّ؟ في المسألة قولان: أحدهما - أنها تُرد إلى أقل الحيض والثاني - إلى أغلب الحيض، وهو ست أو سبع.
وقد رُوِّينا خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره حكم المبتدأة؛ فإنه عليه السلام قال: " تحيّضي في علم الله ستاً أو سبعاً " الحديث.
ومن قال: إنها مردودة إلى أقل الحيض، راعى الاحتياط في إدامة وظائف الشريعة وإقامتها؛ إذ ليس معها متعلَّق من اجتهاد أو عادةٍ، والأصل اشتغال الذمة بفرائض الله تعالى.

التفريع على القولين: 486 - من قال: إنها مردودة إلى غالب الحيض لم يذكر الست والسبع تخييراً، وتخيُّل ذلك محال، ولكن ننظر إلى عادة النساء، فإن كنّ يحضن سبعاً، حيّضناها من أول الدور سبعاً، وإن كن يحضن ستاً، حيضناها ستاًً، وإن كن يحضن خمساً، حيضناها ستاً؛ فإنها أقرب إلى الخمس، وإن كن يحضن سبعاً أو ثمانياً، أو أكثر حيضناها سبعاً؛ فإن السبعَ أقرب إلى التسع والثمان من الست.
واختلف الأئمة في النسوة اللائي تُعتبر هذه 1 بهن، فالذي صار إليه الأكثرون اعتبارها بنساء قراباتها.
قال الصيدلاني: نحن نعتبر مهر مثل المرأة بنساء العصبات كما سيأتي، والنساء المعتبرات في هذا الباب جملة نساء القرابة، من طرفي نسبها.
ومن أئمتنا من قال: نعتبرها بنساء ناحيتها وبلدها، ولا تخصص بنساء العشيرة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تحيّضي ستاًً، أو سبعاً، كما تحيض النساء، وكما يطهرن ". ولم يخصص بنساء العشيرة.
ولو كان بعض النساء المعتبرات يحضن ستاًً، وبعضهن يحضن سبعاً، فنردها إلى الست؛ لأن الست متفق عليها؛ إذ في السبع ست.
ولو كان بعضهن يحضن خمساً، وبعضهن تسعاً، فهي مردودة إلى الست.
487 - قال شيخي: إذا اعتبرناها بنساء العشيرة وعادتهن تسعٌ مثلاً أو عشر، فيحتمل أن تثبت لها تلك العادة بعينها، ولا تخصص بالست والسبع.
وهذا الذي ذكره حسن، ولكني لم أره لغيره، وعندي أنه ما ذكره وجهاً مخرجاً، وإنما أبدى وجهاً من الاحتمال.
ثم إذا رددناها إلى الست، أو إلى السبع، فنردّها إلى أغلب الطهر، وتكمل مع زمان الحيض الدورَ بالطهر ثلاثين يوماً، فإن حيَّضناها ستاًً، حكمنا لها أربعة وعشرين يوماًً، وإن حيّضناها سبعاً، حكمنا لها بعد السبع بثلاث وعشرين طهراً.

فهذا بيان التفريع على الرد إلى غالب الحيض.
488 - فأما إذا قلنا: إنها ترد إلى أقل الحيض، فإلى كم ترد في الطهر؟ أبعد بعضُ أصحابنا، وذهب إلى أنها ترد إلى أقل الطهر أيضاًً؛ فيكون دورها ستة عشر يوماًً: يومٌ وليلة حيض، وخمسةَ عشرَ يوماًً طهر، ويُحكى هذا عن البويطي.
وهو اتّباع لفظٍ وإضرابٌ عن المعنى؛ فإنا إنما رددناها إلى الأقل، حتى تكثر صلواتُها.
فأما إذا رددناها إلى أقل الطهر، فالحيض يكُرُّ عليها على قرب، ففي تقليل أمد طهرها تكثير حيضها، وهذا يخالف وضعَ هذا القول.
فإذا ثبت أنها [لا] 1 ترد إلى أقل الطهر، فإلى ماذا تردّ في حساب الطهر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها تكمل بالطهر دورَها ثلاثين يوماًً، فحيضها يوم وليلة، وطهرها تسعةٌ وعشرون يوماً.
والثاني - أنا نردها إلى غالب الطهر.
ثم الطهر الغالب بين ثلاثة وعشرين، وأربعة وعشرين 2. وكان شيخي -على هذا الوجه الذي انتهى إليه التفريع- يرى أنها ترد إلى أربعة وعشرين احتياطاً للعبادة.
فهذا بيان ما ترد المرأة المبتدأة إليه من الحيض.
489 - ثم هي حائض في الزمان الذي رُدَّت إليه، وما حكمها وراء ذلك الزمان على اختلاف القولين إلى تمام خمسةَ عشرَ يوماًً من أول الدور؟ فعلى قولين: أصحهما - أن حكمها حكمُ الطاهرات؛ قياساً على المميزة المعتادة؛ فإن المميزة إذا فارقت الدمَ القوي، فهي طاهرة بها حدث دائم، وكذلك المعتادة إذا انقضت أيامُ عادتها، فهي طاهرة إلى عودة الحيض في مفتتح الدور الآخر، فلتكن المبتدأة كذلك وراء أيام الحيضة، ردت إلى الغالب، أو إلى الأقل.
والقول الثاني - إنها مأمورة بالاحتياط وراء الحيض إلى انقضاء خمسة عشر يوماًً من

أول الدور؛ فإنا لم نسند أمرها إلى أصلٍ من تمييز ناجزٍ أو عادةٍ سابقةٍ، ولم يُنقل فيها حديث يتحقق أنه في المبتدأة، فاقتضى ذلك احتياطاً.
ثم الاحتياط على هذا القول، كالاحتياط في حق الناسية المتميزة، وسيأتي تفسيره فيها، فهو عمدة الكتاب.
فصل 490 - ما ذكرناه من شهر التربص، وشهر الشفاء، وما بينهما من الشهور في المميزة يعود في المبتدأة، فإذا استمر الدم بالمبتدأة لمّا رأته، فإنها تتربص خمسةَ عشرَ يوماًً، وهي أوْلى المستحاضات بالتربص؛ فإنها لم يسبق منها في [نُوب] 1 الحيض شيء، وليست متمسكة بالتمييز في الحال، فإن انقطع الدم على الأكثر، فالكل حيضٌ، وإن جاوزه، ردت إلى الأقل من أول الدور، أو الغالب كما مضى، ثم لا تتربص في غير الشهر الأول كما تقدم، فإن انقطع الدم على خمسةَ عشرَ في شهر، وشفيت، فالدم بكماله في هذا الشهر حيض؛ فإن الاستحاضة إنما تتحقق إذا جاوز الدم الأكثر.
فصل 491 - حكى العلماء بأحكام الحيض، عن [أحمد] 2 بن بنت الشافعي مذهباً في المبتدأة، لم يساعده الأصحاب عليه، وذلك أنه قال: إذا انفصل الخامس عشر بالنقاء

عن السادس عشر، فما وقع في النصف الأول حيض؛ وما وقع في النصف الأخير من الدور استحاضة.
وبيان ذلك بالتصوير: إذا استمر الدم عليها، ثم طهرت في السادس عشر، وعاود الدم في السابع عشر واطّرد، فالنصف الأول حيض؛ فإنه لم يتصل آخره بدم في أول النصف الثاني من الدور، فكان ذلك انفصالاً لأحد النصفين عن الثاني.
وإن طهرت في الخامس عشر، ثم عاد الدم في أول السادس عشر، فما وقع في النصف الأول حيض أيضاً؛ لأن الدم لم يطرد على آخر النصف الأول مع أول النصف الثاني.
فأما إذا استمر الدم على آخر النصف الأول وأول النصف الثاني، فتردّ حينئذ إلى غالب الحيض من أول الدور.
وهذا الذي حُكي عنه مذهب يختص به، لا يعد من مذهب الشافعي.
وحقيقة المذهب في تقطع الدم بنقاء لا يبلغ أقل الطهر يأتي مستقصىً في باب التلفيق، إن شاء الله تعالى.
[المستحاضة الثالثة] 1 492 - المستحاضة الثالثة: هي المعتادة، وهي التي استمرت لها أدوارٌ مستقيمة، ثم استحيضت، وطبق الدم عليها، فهي مردودة إلى عادتها في مقدار الحيض والطهر، ورعاية ترتيب الدور إذا كانت لا تتمكن من التمييز، وإن كانت متمكنة من التمييز، فسنعقد فيه فصلاً في الآخر.
ولو كانت لها عادةٌ جارية مدةً، ثم تغيّرت قبل الاستحاضة، وزاد الحيض أو نقص، أو زاد الطهر أو نقص، وما استحيضت، فإن تكرر ذلك على [انتظام ثم] 2 استحيضت، فهي مردودة إلى حكم الدور الأخير، فإن جرى التغير مرةً واحدةً، ثم استحيضت، فظاهر المذهب أنها مردودة إلى الدور الأخير.

وفي المسألة وجه ثانٍ: أنها ترد إلى العادة [القديمة] 1، ولا اعتبار بما جرى مرةً واحدةً، وهذا مذهب أبي حنيفة 2. 493 - توجيه الوجهين: من قال لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، احتج بأن العادة من العود، وما لا يعود لا يؤثر فيما تكرر عوداً [على بدء] 3 قديماً.
ومن قال بالوجه الأظهر، احتج بأن المتأخر بالإضافة إلى ما تقدم كالناسخ والمنسوخ، ولا حقيقة [لقول منا] 4 يتمسك باشتقاق [لفظ] 5 العادة، فإن هذه اللفظة ليست من ألفاظ الشارع، فلا معنى للتعلق بمقتضاها.
ولئن كان يبعد ترك عادة قديمة بمرة، فتركها بمرتين لا يغير من الاستبعاد شيئاً.
وما ذكرناه متفقاً عليه، ومختلفاً فيه، يتهذب بصور نذكرها: فلو كانت تحيض خمسة أيام، وتطهر خمسةً وعشرين يوماًً، وكانت الأدوار تطّرد كذلك، فجاءها شهر، فرأت ستة دماًً، وأربعةً وعشرين طهراً، فقد زادت حيضتها، فلو زاد عليها دورٌ كذلك، فرأت ستة دماً، وأربعة وعشرين نقاءً، ثم فاتحها الدم وطبق، ولم ينقطع، فهي مردودة إلى حساب الدورين الأخيرين وفاقاً.
ولو رأت الستة والأربعة والعشرين مرةً واحدةً، وفاتحها الدم وأطبق، فإن قلنا: تتغير العادة بالمرة الواحدة، [وهو الأصح، فهي مردودة إلى الدور الأخير، فدورها ثلاثون يوماًً كان، لكن ستة من أول الدور حيض، وأربعة وعشرون استحاضة.
وإن قلنا: لا تتغير العادة بالمرة الواحدة] 6 فهي مردودة إلى عادتها القديمة، فنحيّضها خمسةً من أول الدور، ونحكم لها بالطهر خمسةً وعشرين يوماًً، وكذلك نُدير عليها أدوارها.
وكذلك لو فرض نقصان الحيض مع التكرر، ومن غير تكرر، ثم طريان الاستحاضة، فلا يخفى تفريع الخلاف والوفاق.

وكل ما نذكره فيه إذا لم يزايل أول الدم بالتقدم ولا بالتأخر.
494 - وتمام البيان في ذلك في ذكر قاعدة، وهي: أنها إذا كانت تحيض خمسة، وتطهر خمسة وعشرين، فجاءها شهر، ورأت ستة دماً، وأربعة وعشرين طهراً، ثم رأت الدور الثاني سبعة دماًً، وثلاثة وعشرين طهراً، ثم فاتح الدم وأطبق.
فإن قلنا: العادة تثبت بالمرة الواحدة، فالعادة القديمة نسختها الستة والأربعة والعشرون، ثم السبعة والثلاثة والعشرون نسخت الستة قبلها.
فالمستحاضة مردودة إلى حكم الدور الأخير حيضاً وطهراً.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، فالأصح أنه لا معتبر بالدورين الآخرين؛ فإنهما مختلفان، لم يتكرر واحد منهما، فالمستحاضة مردودة إلى حساب الأدوار القديمة، فنحيّضها من أول الدم خمسةَ أيام، ونحكم لها بالطهر خمسة وعشرين يوماًً.
ومن أصحابنا من قال: الستة متكررة؛ فإن في السبعة ستة، والسابع هو الذي لم يتكرر، فنحيّضها ستة أيام من أول الدور.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، فإن قيل: إذا ردّت إلى الستة في الحيض فإلى ماذا ترد في الطهر؟ قلنا: كان في الأدوار القديمة خمسة وعشرون، ثم رأت في الدورين الأخيرين النقصان في الطهر على وجهين، فرأت في الدور بالستة الطهرَ أربعة وعشرين، ورأت في الدور بالسبعة ثلاثة وعشرين، فنقص في الدور الأول يوم، ونقص في الثاني يومان، فقد تكرر في النقصان يوم واحد، واختُص الدور الأخير بنقصان يوم، فنحط من الخمسة والعشرين ما تكرر نقصانه، وهو يوم واحد، فنحيّضها ستة، ونحكم لها بالطهر أربعة وعشرين، والدور ثلاثون كما كان.
هذا تفريع هذا الوجه في الطهر والحيض.
495 - فأما إذا زايل الحيضُ أولَ الدور، فلا يخلو إما أن يزايله بالتأخر، وإما أن يزايله بالتقدم.
فإن زايل أولَ الدور بالتأخر، فلا يخلو إما أن يزايل بالتأخر من غير زيادةٍ،

ولا نقصانِ، أو يفرض مع التأخر زيادة أو نقصان.
فأما التأخر المحض فنصوّره ونقول: إذا كانت تحيض من أول الشهر خمسة أيام، وتطهر خمسة وعشرين يوماً، فجاءها شهر وحاضت من أوله خمسة، وطهرت خمسة وعشرين، وانتظرت معاودة الحيضة، فلم تعد حتى مضت خمسةُ أيام، ثم رأت الدم في الخمسة الثانية، فالدور الأخير خمسة وثلاثون يوماً، خمسة حيض، وثلاثون طهر.
فإن رأت الخمسة الثانية دماً، وطهرت ثلاثين يوماً، فعاودها الدم في الخمسة الثالثة من الشهر، فإذا عاودها الدم، وطبق في هذه الصورة، فهي مردودة إلى هذا الحساب الذي تكرر، فنحيّضها من أول الدم المطبق خمسة، ونحكم لها بالطهر ثلاثين يوماًً، وندير عليها أدوارها على هذا الحساب، ولا نذكر خلافاً.
وإن جرى ذلك مرةً واحدةً، وكما 1 رأت الدمَ في الخمسة الثانية استمر، فإن فرعنا على الأصح، وهو أن العادة تثبت بالمرة الواحدة، فدورها خمسة وثلاثون كما ذكرناه، ولا مبالاة بخلو أول الدور القديم.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، فالذي صار إليه الأئمة، أنا نحيّضها خمسة من أول الدور؛ فإنه دمٌ في زمن إمكان الحيض، وقد تخلل بينه وبين الدم المتقدم طهر تام، فلا بد من تحيّضها.
ثم اختلفوا وراء ذلك، فذهب المحققون إلى تحييضها في الخمسة الثانية، كما ذكرناه، وهو أول الدم المطبق، ثم تحسب بعده خمسة وعشرين طهراً، فإن الطهر ثلاثين لم 2 يتكرر، فيعاودها الحيض في الخمسة الثانية أبداً، فإن الفقه في رعاية العدد، لا في خلوّ أول الدور.
ومن أصحابنا من قال: نحيضها في الخمسة الثانية وهي أول الدم المطبق، ونحكم

لها بالنقاء بقية الشهر، وهو عشرون يوماً، ونحيّضها خمسة من أول الشهر الآتي، والدم مطبق، ثم نعود إلى الحساب القديم، فنحيّضها خمسة من أول الشهر الذي انتهى التفريع إليه، وطهرها خمسةٌ وعشرون، وقد جرى لها قبل الاستحاضة طهر وهو ثلاثون، فزادت خمسة، فنقصنا تلك الزيادة من أول دور الاستحاضة لنعود إلى الترتيب القديم مقداراً وأوّليةً وملازمةً لأوائل الأدوار.
496 - وحقيقة الخلاف آيلةٌ إلى أن من الأئمة من لم يُقم لأولية الدور وزناً، وإنما راعى العدد، وهو الصحيح.
ومنهم من راعى الأوّلية بعض المراعاة، فجرّه ذلك إلى التصرف الذي ذكرناه.
فهذا مذهب الأئمة في التفريع على الصحيح والضعيف.
497 - وأما أبو إسحاق المروزي، فقد صح عنه في هذه الصورة أنه قال: إذا تأخرت حيضتُها مرةً واحدةً إلى الخمسة الثانية، ثم استمر الدم، فجميعُ ما رأته في هذا الشهر استحاضة، ثم تحيض في أول الدور خمستها، وتعود إلى حسابها القديم.
وإنما قال ذلك لاعتقاده في لزوم أول الأدوار، ما أمكن ذلك.
وهذا المذهب وإن صح عنه، فهو متروك على أبي إسحاق معدودٌ من هفواته، وهو كثير الغلط في الحيض، ومعظم ما عثَر به إفراطُه في اعتبار أول الدور، ووجه غلطه: أنها إذا رأت الدمَ في الخمسة الثانية، ثم استمرّ، فأول دمها في زمان إمكان الحيض وقد تقدم عليه طهر كامل، فالمصير إلى تخلية هذا الشهر عن الحيض ساقط لا أصل له.
ثم نقل النقلة عنه غلطاً عظيماً، فقالوا: عنده أنها لو رأت في الخمسة الثانية دماً، واستمرّ إلى آخر الشهر، ثم رأت نقاءً في خمسة أيام من أول الشهر الثاني، وخمسة وعشرين دماًً، ثم تكرر عليها هذا الترتيب سنين كثيرة، فهذه امرأة لا حيض لها.
وهذا بالغٌ في السقوط والركاكة.
والذي حكيناه في الشهر الأول إن حمل على عثرة عالم، وقد صح أنه غلط،

فطردُ 1 ذلك في الشهور على التصوير الأخير لا يعزى إلى من يعد في [أحزاب] 2 الفقهاء.
هذا تفصيل القول فيه إذا تأخرت الحيضة من غير زيادة ولا نقصان.
498 - فأما إذا تأخرت الحيضة وزادت، فلا يتصور أن تتبين الزيادة إلا بتكرر الطهر؛ فإن الحيضة إذا تأخرت، ثم استمر الدم بها متصلاً بها، لم يَبن مقدارُها، فنصوّر الزيادةَ، وتكرُّرَها، ووقوعَها قبل الاستحاضة مرةً واحدةً، ونذكر في كل صورة ما يليق بها.
499 - فإذا كانت تحيض خمسةً، وتطهر خمسة وعشرين، فجاءها أول الدور، وكانت ترتقب الحيض فلم تر الدم حتى مضى من أول الدور خمسةُ أيام، ثم رأت الحيض ستة أيام، وطهرت بعد ذلك ثلاثين يوماًً، فقد تكرر الطهر ثلاثين يوماًً مرتين، ورأت الحيض ستة أيام مرة واحدة.
فإن رأت بعد الطهرين ستةَ أيام دماًً، وطهرت بعد ذلك ثلاثين، ثم استمر الدم، فقد رأت الستة مرتين، والطهر ثلاثين ثلاث مرات، فهي مردودة إلى ذلك.
ومن ضرورة تكرر الزيادة في الحيض قبل الاستحاضة أن يتكرر الطهر ثلاث مراتٍ، فإذا اتصلت الاستحاضة، فنحيّضها من أول الدم 3 ستةَ أيام، ونحكم بالطهر بعده ثلاثين، ثم يعود الحيض ستة، والطهر ثلاثين.
فإن قيل: هذا بيّن على قياس [مذهب] 4 الجمهور، فما الذي يقتضيه قياس أبي إسحاق المروزي مع غلوّه في الامتناع من تخلية أوائل الأدوار؟ قلنا: لا يجوز أن نقدر

منه مخالفة الأصحاب في ذلك، في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه لو تأخرت الحيضة [و] 1 استعقبت طهراً زائداً، ثم عادت الحيضة والطهر، واستمرت الأدوار على استئخار الحيض، فلا يصير مُسْلِمٌ إلى أن ما يراه ليس بحيض، ثم إذا [اطردت] 2 العادات كذلك، ثم استحيضت، يتعين الرد إلى حساب الأدوار الأخيرة، لا محالة.
والذي قدمناه من مذهبه فيه إذا تأخرت الحيضة، واتصل الدم، ولم ينقطع، ولو تأخر الدم، وزاد، ولم تتكرر الزيادة، فمن ضرورة تصور الزيادة تكرر الطهر؛ فإن الدم لو تأخر واستمر، لم تَبِن الزيادة.
ووجه التصوير أنها إذا كانت ترى الدم خمسة أيام في أول الدور، وتطهر خمسة وعشرين يوماً، فجاءها دور، فلم تر الدم في أوله حتى مضت خمسةُ أيام، ثم رأت الدمَ ستة أيام، ثم طهرت ثلاثين يوماً، ثم رأت الدم، واستمر واستحيضت، فقد كان طهرها خمسة وعشرين يوماًً، فجاءها دور، فلم تر الدم في أوله حتى مضت خمسة أيام، وتكرر عليها الطهر ثلاثين مرتين، وزادت الحيضة مرة واحدة.
فإن قلنا: العادة تثبت بالمرة الواحدة، فالتفريع على ما تقدم، وإن قلنا: لا تثبت، فيثبت طهرُها ثلاثين للتكرر.
ونردّها إلى الخمسة في الحيض أول الدم، فحيضُها خمسة وطهرها ثلاثون.
ولا معنى للتطويل بعد وضوح الغرض.
وما ذكرناه في تأخير الحيض مع الزيادة.
500 - ولا يكاد يخفى تأخرها مع فرض النقصان فيها متكرراً، أو غير متكرر.
501 - فإذا تقدّمت الحيضة، وتصوير التقدّم أنها إذا كانت تحيض خمسةً من أول الدور، [وتطهر خمسةَ وعشرين يوماً، فحاضت مرة خمسةً من أول الدور] 3 وطهرت عشرين يوماًً، وكانت تقدّر دوام النقاء خمسة أخرى على العادة، فرأت الدم في

الخمسة الأخيرة، فقد نقص من طهرها خمسة أيام، فإن تكرر ذلك، وتصوير تكرره أن ترى الخمسة الأخيرة دماًً كما صورنا، وتطهر عشرين يوماًً، ثم يعود الدم ويستمر، فقد تكرر دورها خمسةً وعشرين، إذا رأت الطهر عشرين مرتين، فترد إلى ذلك، وتحيّض من أول الدم المستمر خمسة، ونحكم لها بالطهر عشرين، وتدور أدوارها كذلك.
ولا مبالاة بمفارقة الدم أول الدور على مذهب الجمهور، ولا يتأتى إلا مفارقة أول الدور؛ فإنا إذا رددناها إلى عشرين في الطهر، فلا بُدّ وأن تفارق الدم الأول.
وأما أبو إسحاق، فقياس مذهبه الذي يقرب بعض القرب، أنها لما رأت الدم في آخر الدور أولاً، ثم طهرت بعد ذلك، فتلك الخمسة حيض؛ فإنه احتوشها طهران كاملان، فلما طهرت عشرين من أول الدور الثاني، وعاد الدم في الحادي والعشرين من الدور الثاني، ثم استمر، فالذي ينقدح من مذهبه أيضاًً ما ذكرناه لتكرر نقصان الطهر، وذلك يقتضي لا محالة مزايلةَ أول الدور.
وإن قيل: لما استمر الدم، فالعشرة في آخر الدور الثاني استحاضةٌ غيرُ معدودة في حساب، وحيضها الخمسة الأولى من أول الدور، ثم تردّ بعدها إلى خمسةٍ وعشرين طهراً، لتعود الحيضة إلى الدور.
وسبب ذلك أن خلو أول الدور لم يتكرر، ومن ضرورة ردّ الحيض إلى أول الدور ردّ الطهر إلى الخمسة والعشرين، فهذا بعيدٌ.
وإن كان يليق بعثراته في ملازمة أوائل الأدوار.
فالوجه: القطع بما قدمناه من مذاهب الأصحاب.
502 - ولو كانت تحيض خمسةً، وتطهر خمسة وعشرين، فحاضت خمستها من أول الدور، وطهرت عشرين، فعاجلها الدم، واستمر الدم، فقد نقص طهرها في هذا الدور، وعاد إلى عشرين.
فإن قلنا: تثبت العادة بمرة واحدة، فتُرد إلى ما جرى في الدور الأخير، فنحيّضها خمسة من أول الدم، ونحكم لها بالطهر عشرين يوماًً، ثم نحيّضها خمسة، ونحكم

بالطهر عشرين، وهكذا تدور أدوارها، ولا نبالي بمفارقة أول الدور القديم؛ فإنا إذا كنا نثُبت عددَ الطهر ونقصانَ الدور بالمرة الواحدة، فمزايلة أول الدور أيضاًً يثبت بالمرة الواحدة.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، فإذا استمر الدم كما سبق تصويره، فقد اختلف أصحابنا كما سبق، فمنهم من قال: نحيّضها من أول الدم خمسة، ثم نحكم لها بالطهر خمسةً وعشرين، ثم نحيّضها خمسة، فيكون دورها ثلاثين، كما كان قديماً، ولكن زايلت الحيضة أوّلَ الدور بما جرى واتفق.
ولكن حساب الدور باقٍ كما كان.
ومن أصحابنا من قال على هذا: نحيّضها الخمسة من أول الدم، ونحيّضها خمسة أخرى من أول الدور، فيكون حيضها في هذه الكَرَّةِ عشرةَ أيام، ثم نحكم لها بالنقاء خمسة وعشرين بقية الدور، ثم يعود الحيض خمسة في أول الدور، ويطَّرد الحيضُ خمسة، والطهر خمسة وعشرين، والحيضُ منطبق على أول الدور، كما كان قديماً.
وهذا القائل يلتزم من أول استمرار الدم زيادة الحيض، ليعود الحيض إلى الأول، ثم يستمر الحساب القديم، وهذا ساقط، لا أصل له؛ فإن الزيادة في الحيض من غير عادة سابقةٍ محالٌ.
والوجه اعتبار العدد، وترك المبالاة بأوّل الدور.
وأما أبو إسحاق، فقد اختلف الأصحاب في قياس مذهبه، والظاهر اللائق بمذهبه أنه يجعل الخمسةَ الواقعة في آخر الدور الأول استحاضة متقدمة، ويحيّضها في الخمسة الأولى من الدور، ويُدير أدوارها كذلك.
ومن أصحابنا من يقول: قياس مذهبه في هذه الصورة أن يحيّضها في هذه الكَرّة عشرةَ أيام، كما ذكرنا من مذهب بعض الأصحاب الآن، ثم يردّ الأمر إلى الحساب القديم.
503 - ولو كانت تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين، فجاءها شهر وحاضت خمستها، وطهرت خمسة عشر يوماً، وعاود الدمُ، واستمر.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل