كِتَابُ الحَجِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب بيان فرض الحج
قال الشافعي: "فرض الله تعالى الحجَّ على كل حرٍّ بالغٍ، استطاع إليه سبيلاً ... إلى آخره" 1. 2419 - قيل: " أول من حج البيت آدم عليه السلام ". وقيل: " ما من نبي إلا وقد حج هذا البيت ". وعن محمدِ بنِ إسحاق، أنه قال: " ما من نبي هلك قومُه، إلا انتقل بعدهم إلى مكة، يعبد الله سبحانه وتعالى، عند البيت، إلى أن أتاه أجله " 2. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مرّ موسى بالروحاء في سبعين نبياً، عليهم العباء، يؤمُّون البيت العتيق، يلبون، وصفائح الروحاء تجاوبهم " 3.
2420 - ثم الحج لا يجب في الشرع إلاّ مرة واحدة؛ لحديث الأقرع بن حابس، قال: " يا رسول الله أحجتنا لعامنا أم للأبد "؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " للأبد، ولو قلتُ لعامنا هذا، لوجب، ولو وجب، لم تطيقوا " 1.
2421 - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحج قبل الهجرة [كل سنة، واختلف أصحابنا هل كان الحج واجباً قبل الهجرة؟ منهم من قال: كان نزل وجوبه قبل الهجرة] 2.
ومنهم من قال: بل بعد الهجرة، ويتصل بذلك حديث ضِمام 3 بن ثعلبة، وكان ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافداً لقومه، فلما دخل المسجد قال: أيكم ابن عبد المطلب، فقالوا ذلك الأبيض المترفّق -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على مرفقيه- فأتاه حتى وقف عليه، وقال: أنت ابن عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجدتَه.
فقال: إني سائلك، ومغلظٌ عليك، فلا تَجِدْ عليّ، ثم قال: أنشدك الله: آلله أرسلك رسولاً؟ قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك الله آلله أمرك أن تأمرنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم.
قال أنشدك الله: آلله أمرك أن تأمرنا أن نؤدي الزكاة، من أموالنا؟ قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك الله: آلله أمرك أن تأمرنا أن نحج البيت إن استطعنا إليه سبيلاً؟ =دخول الحرم، ح 2939، الضعفاء الكبير للعقيلي: 1/ 36، التلخيص: 2/ 463 ح 1009). هذا، والروحاء (بفتح الأول، وبالحاء المهملة ممدودة) قرية على بُعد ليلتين من المدينة المنوّرة، قاله البكري (ر.
معجم ما استعجم: 2/ 681).
قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك الله: آلله أمرك أن تأمرنا أن نصوم شهر رمضان؟ قال: اللهم نعم " 1. ثم أسلم، وحسن إسلامه، وروي أن هذا كان سنة خمسٍ من الهجرة 2.
فصل
2422 - الصفات المرعية في صحة الحج، ووقوعه عن فرض الإسلام، واستقرار فرضيته في الذمة: الإسلامُ، والعقل، والحرية، والبلوغ، والاستطاعة.
فأما شرط تصوّر الحج، فالإسلام المحض؛ فإن الصبي غيرَ المميز، يحج عنه وليه، كما سيأتي.
وإن أردنا تصوير الحج من الشخص بأن يتعاطى الإحرامَ، فنضمُّ إلى الإسلام العقلَ، وهو الذي يسميه الفقهاء التمييزَ، في حق الصبي، ثم في استبداده 3، واشتراط صَدَر 4 إحرامه عن إذن وليّه كلام سيأتي، إن شاء الله، عز وجل.
وأما الحرية والبلوغ، فمضمومان إلى ما قدمناه، في وقوع الحج، عن فرض الإسلام؛ فإن حج الصبي، والعبد، وإن صح، فلا يقع عن حجة الإسلام.
وأما الاستطاعة، فهي مضمومةٌ إلى الشرائط المتقدمة، في الحكم باستقرار فرائض 1 الإسلام في الذمة.
2423 - ومقصود الفصل تفصيل القول في الاستطاعة، وهي تنقسم إلى الاستطاعة في تولّي الحج، وتعاطيه بالنفس، وإلى الاستنابة.
فأما الاستطاعة 2 في تعاطي الحج، فهي معتبرةٌ أولاً، بدليل الكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الاستطاعة: " زادٌ وراحلة " 3. ولا خلاف في اشتراط الاستطاعة.
ثم المتبع عندنا تفسيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس على الأيّد 4، القادرِ على المشي أن يحج ماشياً، إذا بعدت المسافة، ولا نعتمد في ذلك مسلكاً معنوياً؛ فإن الضرر الذي يلحق القويَّ في المشي من خمسين فرسخاً، قد يقلّ، ويقصر عن الضرر الذي ينال الراكب الضعيف، بسبب الركوب، في المسافة الطويلة؛ فلْيقع 5 التعويل على تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعةَ بالزاد والراحلة، في محاولة الرد على مالك في قوله: يجب المشيُ على القادر عليه 6.
وهذا مقامٌ لابد من التنبه له، في وضع 7 الشرع؛ فإنا لا نستريب في
[أن] 1 رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما ذكر الزاد والراحلة، أراد بما ذكره ألا يُجَشّم الناسَ المشيَ، لما فيه من المشقة.
وهذا لا سبيل إلى إنكاره، ولكن لا استقلال 2 بتقريره في [مسالك] 3 الأقيسة، وإن تخيلناه على الجملة.
ونظائر ذلك كثيرة.
ولسنا لها الآن.
ويغلب في هذا الفن البناءُ على قاعدة الحسم 4؛ فإن المشي على الجملة ظاهرُ الضرار، ولا التفات إلى ما يندر ويشذ، بخلاف ضرر الركوب.
قال الأئمة: الزاد نفقةُ السفر في الذهاب، والإياب، فأهبة الذاهب، وأهبة المنقلِب زادُه، ولفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلق في ذكر الزاد، فإن كان للرجل أهل، شرطنا في الاستطاعة نفقةَ الذهاب، والإياب.
وأهلُ الرجل: زوجةُ الرجل وأولادُه.
قال الصيدلاني: الأقارب من الأهل، المحارمُ منهم وغيرُ المحارم.
وليس في الطرق ما يخالف قولَه والمرعي فيه، أنه يعظُم على الإنسان [مفارقة ذويه وقراباته، كما يعظم عليه] 5 مفارقةُ زوجته، فاشتراط نفقة الإياب لذلك.
وإن لم يكن له أهل، على ما فسرناه، ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان: أحدهما - أنها لا تشترط؛ فإن البلاد متساويةٌ، في حق من لا أهل له.
والثاني - أنّا نشترط نفقة الإياب؛ لما في النفوس من الحنين إلى الأوطان.
ولم يتعرض أحدٌ من الأصحاب، للمعارف والأصدقاء، كانوا، أو لم يكونوا؛ فإن الاستبدال عن الصديق ممكن، بخلاف الأهل؛ فإن الاستبدال فيه قد يعسر، ولا يفرض في القرابات إلاّ على بُعد.
2424 - ثم لم يختلف الأئمة في أن قضاء الديون مقدَّمٌ على ما ذكرناه، من النفقة.
والقول [في الفصل] 1 بين المؤجل والمعجل، سيأتي إن شاء الله تعالى.
وحسن الترتيب يقتضي استقصاء كل ما يتعلق بالفصل، ولكنَّا ملتزمون الجريَ على ترتيب السواد 2، فنكتفي بعقد التراجم، في بعض الأشياء [المؤخرة] 3، ونستقصي ما يتعلق بالترتيب استقصاؤه.
2425 - ومما يتعلق بالمقصود، وهو [مؤخر] 4 القول في صفة الطرق، في الأمن والخوف، والرخص والغلاء، والبر والبحر وكل ذلك يأتي مفصلاً في باب بعد ذلك.
2426 - ولو كان لا يستمسك على الراحلة، ويستمسك في المحمل، فيشترط أن يجد مؤنة المحمل، ولو لم يجد شِقَّ مَحمِلٍ 5، بأن عَدِم من يشاركه، فلا استطاعة، وإن وجد مشاركاً، ثبتت الاستطاعة، ولو اتسعت ذاتُ يده لمحملٍ تام، ولكن يكتفى بشق محمل، فالزيادة من باب المؤنة المجحفة.
وسنذكر شرح القول فيها، في الرخص والغلاء.
ولو كان استمساكه على الراحلة ممكناً، ولكنه كان يلقى ضرراً بيّناً، فإذا كان لا يجد إلا مؤنة راحلة، فكيف الوجه، فيما صورناه؟ كان شيخي يقول: إن كان بين تقدير ركوب الراحلة والمحمل من الضرر، ما بين أصل الركوب والمشي، فلا نجعله مستطيعاً، ما لم يجد مؤنةَ محمل.
وذكر غيرُه -فيما بلغنا- ظهورَ خوف المرض، من تقدير ركوب الراحلة، والأمران قريبان، لا يؤديان إلى خلافٍ، فيما أظن.
2427 - ثم ذكر العراقيون: أن مسكن الرجل غيرُ محسوب عليه، في استطاعته، والزاد مقدر بعد المسكن، وكذلك القول في العبد، يملكه الرجل، وهو محتاج إلى خدمته، كما سنذكره في الكفارات، ونزّلوا المسكنَ، والمملوكَ، الذي تمس الحاجةُ إلى خدمته، في الباب، منزلتهما في الكفارات المرتّبة، وسنذكر [فيها] 1 إن شاء الله تعالى أن الخادمَ والمسكنَ غيرُ محسوبين، ولا ذكر لهذا في طرق المراوزة، ولكنه قياسهم.
ثم إذا فرض للرجل مسكنٌ، وقد تركناه عليه، فالوجه القطعُ في هذه الصورة، باشتراط نفقةِ الإياب، وتخصيص الوجهين بما إذا لم يكن له مسكنٌ مملوك.
وإنما يجوز 2 تقدير الحنين إلى البلد الذي هو وطنه، وفيما ذكرناه احتمال على بعد؛ فإن بيع الدار، وتقدير ابتياع مثلها، في بلدة أخرى ممكنٌ، والقول في ذلك يتعلق بالحنين إلى الوطن، هذا محتمل.
والأظهر ما قدمناه.
2428 - ومما ذكره العراقيون في هذا الفن أن الرجل إذا كان يتصرف في رأس المال، وكان جهةُ اكتسابه التجارةَ، فقد قالوا: نكلفه صرفَ رأس المال، إلى ديونه المحيطة به، ولا نخلّفه عليه، وحكَوْا عن ابن سُريج أنه قال: يُخَلّف عليه رأس ماله، الذي بالتجارة فيه يَتَبلّغ، ويَتَوصل إلى تحصيل قوته، في مستقبل الزمان، إذا كان لا يُحسن الاكتسابَ، إلاّ من هذه الجهة، كما نخلّف له دَسْت ثوبٍ يليق بمنصبه.
ثم غلطوه وزيفوا مذهبَه، والأمر على ما ذكروه 3.
وبَنَوْا عليه أن رأس المال مصروفٌ في أهبة الحج، على المذهب [الظاهر، وليس كالمسكن، والخادم، وحكَوْا فيه خلافَ ابن سريج.
ولا شك، أن من يُخلِّف رأسَ المال عن ديون الآدميين، يخلِّفه عن أهبة الحج] 4، ولا خلاف أن المسكنَ والعبدَ مصروفان إلى الديون، وإن لم يصرفا إلى أهبة الحج.
وفيما حكَوْه عن ابن سريج في الحج، من تخليف رأس المال احتمالٌ ظاهر؛ فإن تكليف الرجل الانسلاخَ، عن ذات يده، والألتحاقَ بالمساكين، فيه عُسر.
على أن الظاهر أنه مصروف إلى الحج.
ثم القول في اعتبار رأس المال في الكفارات المرتبة، كالقول في الحج، بل الأمر في الكفارات أظهر؛ من جهة أن المبدل فيها إذا لم يتفق، فالبدل القائم مقامه لا يعطل الكفارة.
2429 - وقال العراقيون: إن فضل شيء، ولكن كان الرجل يخاف العنت [لو] 1 لم يتزوج، وكان على حالةٍ قد نبيح فيها للحر التزوج بالأمة، عند فقد طَوْل 2 الحرة، فلا يلزمه أن يحج، بل نُسوِّغ له صرفَ ما يملكه إلى مؤونة التزويج؛ وذلك، لأنا إذا سوَّغنا إيثار تزوج الأمة، مع ما فيه من التسبب إلى إرقاق الولد، أشعر ذلك بأن محاذرة العنت 3 مهم، والكاشف له أنه في حكم ضرورة ناجزةٍ، والحج وإن تحقق وجوبه، فهو على التراخي، وحكم ما يتنجز التقديمُ على ما يتراخى، فإذاً لا استطاعةَ، ولا وجوب.
وهذا الذي ذكروه قاطعين به قياسُ طرقنا، وإن لم نجده منصوصاً فيها.
2430 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا لم نوجب المشيَ في المسافة الطويلة، وقد اعتبر الأئمة في الطُّول مسافة القصر، وقَضَوْا بأن ما ينحط عنها من المسافة يجب المشي فيها على القادر القوي، وإن كان على الماشي في المسافة القصيرة ضررٌ
ظاهر، فالقول فيه كالقول في الراحلة والمَحْمِل، على ما تفصل.
ولو كان لا يتأتى المشي، ولكن قد نفرض الزحف في زمانٍ ممتد، فلا نوجب الزحفَ أصلاً.
وهذا خارج على تحقق الضرر.
فهذا منتهى مقصودنا في أحد قسمي الاستطاعة، وهو استطاعة تعاطي الحج، وتولّيه.
2431 - وأما القسم الثاني من الاستطاعة، فهو تحصيل الحج بطريق الاستنابة، فنقول- على الجملة: أولاً- العاجز عن التعاطي -كما سنصف العجز- إذا قدر على الاستنابة، لزمه تحصيل الحج بها، كما يلزم القادرَ على التعاطي تولِّي الحج، خلافاً لأبي حنيفة 1.
ثم شرطُ الاستنابة: صحةً 2، ثم وجوباً - أن يعجِز الرجل بزمانته 3، وعضَبه 4، عن تعاطي الحج بنفسه.
فلو استناب قادرٌ على التعاطي، لم تصح الاستنابة، ولتكن الزمانة بحيث لا يرجى بظاهر الظن زوالُها.
ولم يجوّز مالكٌ 5 الاستنابةَ في حالة الحياة؛ فإن أخبار الاستنابة، صادفها بعد الموت، [واعتبر] 6 الشافعيُّ تحقُّقَ العجز في الحياة، بالعجز المترتب 7 على
الموت، وهذا إلى فقهٍ 1؛ فإن الحيّ هو المخاطب، والنيابة بعد موته في العبادة أبعدُ من النيابة في حياته، والخطابُ مستمر عليه.
ثم المعتبر في الاستنابةِ أحدُ شيئين: إما المالُ يبذله لمن يستأجره، وإما فرضُ بذل الطاعة من الغير، من غير مالٍ.
ونحن نذكر في كل قسمٍ ما يليق به:
2432 - فأما الاستئجار، فإذا ملك أجرةَ أجيرٍ يحج عنه، وفضل ذلك عن ديونه، وعما نخلّفه له، لزم بذلُه، ولا نظر إلى إياب الأجير، وإنما المعتمد أجرتُه.
وهذا لا خفاء به.
ولو وجد أجرة أجيرٍ ماشٍ، ولم يجد أجرة أجيرٍ راكب، ففي وجوب استئجار الماشي وجهان: أحدهما - أنه يجب؛ فإن الفرق بين المشي والركوب إنما يتجه في حق الرجل نفسه؛ من جهة أنه لا يكلّف المشي، فأما الأجير إذا تَكَلَّفَه، والتزم تحصيلَ الحج، فاعتبار ضراره في حق مستأجِره بعيد.
وهذا ظاهر المذهب.
والوجه الثاني - أنه لا يجب استئجاره، من جهة أن الماشي على غررٍ ظاهرٍ، وبذل المال في أجرته تغريرٌ بالمال، من غير ثقةٍ ظاهرة بتحصيل المقصود.
2433 - ويتصل بهذا الموضوع سرٌّ في المذهب، يتضح به حقيقةُ الفصل، فإن قيل: لو كانت الأجرة مملوكةً، ولكن لو بذلها، كان فقيراً بعد بذلها، لا يجد ما ينفقه، فكيف الوجه في ذلك؟ قلنا: إن جرينا على ما حكاه العراقيون عن ابن سُريج، في تخليف رأس 2 المال في قسم استطاعة مباشرة الحج، فلا شك أنا نرعى أن تكون الأجرةُ المبذولة زائدةً على ما يخلِّفه من بلاغ.
وإن قلنا: لا يُشترط ذلك في حق المباشرة، فلا شك أن نفقة المباشرة ذاهباً وآيباً، وما يتركه على أهله بلاغٌ له في الحال، فإن فرض انقطاعٌ، فهو بعد حصول الحج، فكأنا نقول: لا مبالاة بمسكنته بعد حصول الحج، وهذا الذي نقدره من المسكنة
لا تحقيق له، فإن أبواب الرزق ليست منحسمة، والأموال تغدو وتروح، [وقد] 1 تحقق في قسم المباشرة أن 2 البلاع ناجزٌ، والمسكنةُ بعد حصول الحج ليست واقعةً لا محالة.
وإذا فرضنا القولَ في بذل الأجرة، فيتنجز ببذلها الفقرُ الناجز، وحصولُ الحج مرقوبٌ، فالحاجة متنجزةٌ، وحصول الحج غيبٌ، فكيف الوجه فيه، والحال كذلك؟
أما نفقة اليوم لابد 3 منها، له ولأهله، فإنا نقدم هذا على ديون الغرماء، يوم صرف المال إليهم، وأما الزائد على نفقة اليوم، فظاهر الاحتمال.
وفيما نقله الصيدلاني، ما يدل على أنا لا نشترط أن يبقى له بلاغٌ، بعد بذل الأجرة.
وفي لفظه تردُّدٌ؛ فإنه قال: إنه 4 لا يشترط أن يكون له نفقته، ونفقةُ أهله إلى إياب الأجير، فيحتمل أنه يريد التعرض للنفقة في زمان تقدير انقلاب الأجير، ويحتمل أنه ليس يرعى النفقة أصلاً ما عدا نفقةَ اليوم، [و] 5 المعتبر في الفطرة ما يفضل عن نفقة اليوم، [و] 6 هذا هو المرعي في الكفارات المرتّبة، إن لم يشترط فيها تخليف رأس المال، كما قدمناه، وليست الفطرة والكفارة مشابهةً لما نحن فيه؛ فإن الفطرة تتأدى [و] 7 الكفارة كذلك، والمالُ فيما انتهينا إليه مبذولٌ، والحج مرتقب 8، ولكن وجوب البذل على الجملة، هو الذي يجر الإشكال [و] 9 هو كوجوب إخراج الفطرة.
فانتظم من مجموع ما ذكرناه -بعد النزول عن [رأي] 1 ابن سريج- أنّ ما يحصِّل الغرضَ لا يعتبر فيه إلا نفقةُ اليوم، وما [لا] 2 يحصل الغرض ناجزاً، ولكنه في أصل الشرع واجبٌ، فهو على التردد الظاهر 3.
ثم إن ملنا إلى تخليف نفقةٍ، فهي إلى حصول الحج، ولا شك أنا لا نزيد على هذا المنتهى.
وهذا في إحدى جهتي الاستنابة.
2434 - فأما بذل الطاعة، فالولدُ إذا بذل الطاعةَ لأبيه المعضوب، لزمه استنابته؛ إذا كان ذا زادٍ وراحلة.
وإن بذل الطاعة لأبيه على أن يمشي حاجاً عنه، ولم يملك الراحلة، ففي وجوب الاستنابة، والحالة هذه- وجهان: قدمنا نظيره في الأجير الماشي.
وكان شيخي يرتب الخلاف في الابن على ما تقدم في الأجير، ويجعل هذه الصورةَ أولى بأن لا تجب الاستنابةُ فيها؛ فإنه قد يعظم على الأب مشيُ ولدِه، ولا يعز عليه مشيُ الأجير.
ولو 4 أوجبنا الاستنابة، والابن ماشٍ، فهو فيه إذا كان يملك الزاد 5، فإن عوّل على كسبٍ في الطريق متيسر، فالخلاف قائم، مع ترتب، فإن المكاسب قد تنحسم في الأسفار.
وإن لم يكن ذا مالٍ ولا كسوباً، وعوّل على السؤال، فالخلاف قائم، مع الترتب.
وإن كان يحتاج إلى أن يركب مفازةً، لا ينفع في مثلها السؤال، ولا الكسب، فلا
خلاف أنه لا يجب عليه الاستنابة، والحالة هذه؛ فإنه يحرم التغرير بالنفس على الابن، وإذا حرم عليه هذا، استحال وجوب استنابته، والحالة هذه.
2435 - ولو بذل الابن للأب [المعضوب] 1 مالاً يستأجر به، ففي وجوب قبول المال، وصرفه إلى تحصيل الحج وجهان مشهوران: أحدهما - يجب القبول، كما يجب قبول الطاعة من الابن نفسه، إذا كان يباشر الحجَّ عن أبيه.
والثاني - لا يجب؛ فإن المنَة تثقل وتتجنب 2، في الأموال، وطاعة [البدن] 3 في حكم الخدمة، ولا يثقل على الأب استخدام الابن.
وكان شيخي يتردد في بذل الابن [ثمن الماء] 4 لأبيه، ويذكر من الخلاف في وجوب القبول، ما قدمناه، ولا فرق كما قال بينهما.
ولو بذل الأجنبي للمعضوب مالاً يستأجر به، فلا خلاف أنه لا يلزمه قبولُه، ولو بذل له الطاعةَ في الحج عنه بنفسه، ففي وجوب استنابته وجهان مشهوران، لا يخفى توجيههما، كما لا يخفى الفصل في الترتيب بين الأجنبي والولد.
وكان شيخي يقول: الأب إذا بذل الطاعة لولده، فهو كالأجنبي يبذل الطاعة للمعضوب؛ فإن خدمة الأب تثقل على الابن، فأما إذا بذل [المالَ] 5 لولده، ففيه ترددٌ.
يجوز أن يكون (6 كبذل الأجنبي المال، ويجوز أن يكون كبذل 6) الابن المالَ لأبيه، ولعل الأظهر هذا.
فهذا معاقد المذهب في الاستطاعة بالنفس، والاستنابة.
وقد شذ عنها نوعان: أحدهما أخرناه لترتيب المختصر 7، والثاني نضبطه برسم فروع.6
فرع:
2436 - قد ذكرنا أن الاستنابة لا تصح إلاّ من معضوبٍ موصوف بزمانة، لا يُرجى زوالُها، في غالب الظن، فلو استأجر والحالة هذه، ثم استمر العضبُ حتى مات، وقع الحج موقعه.
ولو حج الأجير في قيامِ العضب، ثم اتفق زوالُ العضب -على ندورٍ-[و] 1 الاستمكانُ من المباشرة، ففي المسألة قولان: أصحهما - أنا نتبين أن الحج غيرُ منصرفٍ إلى المستأجر.
والثاني - أن الحج منصرفٌ إليه، على 2 غالب الظن، في لزوم العَضْب.
وشبه الأئمةُ القولين فيما ذكرناه، بالقولين فيما لو رأى الرجل سواداً مقبلاً، حسبه عدواً، لا طاقة له به؛ فصلى صلاة الخوف، ثم تبين أن الذي حسبه، لم يكن، ففي صحة الصلاة قولان.
فإن قيل: كيف وجهُ التشبيه، والعضب هاهنا متحَقَّقٌ، غيرُ مظنون؟ قلنا: العضب المعتبر، هو الدائم إلى الموت، وصحةُ الحج بطريق الاستنابة، لا تعتمد تنجّز العضب في الحال، وإنما يعتمد جواز الاستنابة غلبةَ الظن، بدوام العضب.
فلو لم تكن الزمانة بحيث لا يُرجى زوالها، فقد ذكرنا أن جواز الاستنابة لا يعتمد، [مثل] 3 هذه الزمانة.
فلو استأجر أجيراً، وهو على رجاءٍ ظاهرٍ من زوال الزمانة، فاستمرت الزمانةُ إلى الموت، فقد ذكر الأئمة في ذلك قولين أيضاًً، وخرجوا الاختلاف في الصورتين على أنا نعتبر الحال [أو] 4 نعتبر ما يُفضي إليه الأمر في المآل.
2437 - وتمام الكلام في الفرع: أنا إذا حكمنا بأن الحج ينصرف إلى المستأجِر، فلا شك أن الأجرة مستحَقّةٌ للأجير، وإن حكمنا بأن الحجة غيرَ منصرفةٍ إلى المستأجِر، فقد ذكر شيخي عن شيخه القفال، أن من أئمتنا من يقول: لا يقع الحج
عن فرض المستأجِر، ولكنها تقع عنه تطوعاً.
وهذا بعيدٌ؛ فإن تطوع الحج لا يسبق فرضَه، غيرَ أن هذا القائل يجعل العَضْب الناجزَ، بمثابة الرق، والعبدُ إذا حجَّ، ئم عَتَق، فما سبق من الحج -في الرق- تطوّعٌ، [متقدمٌ] 1 على فرض الإسلام.
وهذا بعيدٌ، لا أصل له، فإن حكمنا بأن الحج يقع عن المستأجر تطوعاً، فالأجير يستحق الأجرةَ، وإن قلنا: لا ينصرف الحج إلى المستأجر أصلاً، فهل يستحق الأجير الأجرة، فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه لا يستحقها؛ فإنه كان مستأجَراً على تحصيل الحج لمستأجِره، ثم تبين أنه لم يحصل له.
والوجه الثاني - أنه يستحق الأجرةَ، لأنه عمل في الظاهر ما التمس منه، ولم يقصر فيه.
والأصح استرداد الأجرة؛ من جهة أن الحجَّ وقع عن الأجير، ويبعد أن يقع الحج له، ويستحق الأجرة على غيره، على مقابلة الحج الواقع عنه، وهو في التقدير بمثابة ما لو قال: استأجرتك للحج عن نفسك، ولا فصل إلا العلم والجهل، وجهاتُ الاستحقاق لا تختلف بالجهل، والعلم.
فإن قلنا: لا يستحق الأجرة، فلا كلام.
وإن قلنا: إنه يستحقها، فقد اختلف أصحابنا على ذلك، فقال بعضهنم: يستحق الأجرة المسماة.
وقال آخرون: يستحق أجرة المثل.
وينبني، على هذين الوجهين القولُ في أنا هل نتبين فساد الإجارة؟ فإن أثبتنا المسمّى، فالاستئجار صحيح، وإن أثبتنا أجرةَ المثل، فقد قضينا بتبيّنِ فساد الاستئجار.
وقال شيخي: إذا حكمنا بأن الحَجةَ تقع تطوعاً عن المستأجر، فلا يمتنع 2 تخريج الخلاف في أجرة المثل، والمسمى؛ فإن الواقع ليس هو الذي وقع الاستئجار عليه،
غيرَ أن ثبوت المسمَّى في التفريع على هذا الوجه أولى.
2438 - وألحق الأئمة بما نحن فيه صورةً من صور الإجارة، فقالوا: إذا صح الاستئجار، وانعقد الحج عن المستأجر، ثم إن الأجير، كما 1 أحرم، بدا له أن يصرفَ الحجَّ إلى نفسه، فظن أن ذلك ممكن، فإذا أنهى الحجَّ، فهل يستحق الأجرة؛ فيه اختلاف مشهورٌ: من أصحابنا من قال: إنه لا 2 يستحق الأجرة؛ نظراً إلى قصده في صرف الحج إلى نفسه.
وإذا ضممنا هذا إلى ما قدمناه، انتظم من المجموع أن من أئمتنا من اعتبر في استحقاق الأجرة حصولَ الحج للمستأجر، وهؤلاء يقولون: إذا [تبينا] 3 أن الحج غيرُ منصرف إليه، في صورة زوال العَضْب، فلا أجرة، وإذا صرف الأجير الحج إلى نفسه بعد الإحرام، استحق الأجرة 4.
ومنهم من اعتبر قصد الأجير، وإقدامه على صورةِ ما التُمس منه، وهؤلاء يقولون: إذا صرف الأجير الحج إلى نفسه، لم يستحق الأجرةَ، وإن لم ينصرف إليه.
وإذا زال العَضْب، وقلنا: لا ينصرف الحجُّ إلى المستأجر، فللأجير أجرتُه؛ اعتباراً بقصده.
ومسائل، الإجارة وغوامضُها كثيرة.
وإنما نذكر الآن ما يليق بغرضنا؛ فإن باب الإجارة بمسائله بين أيدينا.
فرع:
2439 - الابن إذا بذل الطاعةَ لوالده، فقد ذكرنا أنه يجب عليه استنابته، ولا استئجار؛ إذ لا أجرةَ، فلو رجع الابن عن طاعته، فهل له ذلك؟ أم يلزمه الوفاء بما بذل من الطاعة، [وإتمام ما وعده] 5 ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أنه لا يلزمه الوفاء، وهو الأصح؛ إذ لا عَقْد، ولا استئجار.
والثاني - يلزم الوفاءُ،
وبذل الطاعة فيه بمثابة الضمان، والضمان يُلزم الضامنَ الوفاء بقوله.
والأصح الأولُ.
فرع:
2440 - المباشر للحج إذا لم يجد مالاً عتيداً يتخذه زاداً، ولكنه كان كسوباً، وقد ادّخر لأهله ما يكفيهم، فهل يلزمه أن يخرج حاجّاً، معوِّلاً على كسبه؟ قال العراقيون: إن كان السفر طويلاً، لم يلزم التعويلُ على الكسب، وشرطُ وجوب الحج اعتبارُ الزاد؛ فإن الكسب قد يتخلف.
وينضم إليه أن مقاساةَ أحوال السفر، إذا انضمت إلى تعب الكسب، عظمت المشقة.
وإن قصرت المسافة، فقد ذكرنا أن الواجب المشيُ على المقتدر عليه، على التفصيل المقدّم.
وهل نوجب الخروج، مع قصر المسافة، تعويلاً على الكسب؟ قالوا: إن كان كسبه في يومٍ يكفيه لأيامٍ، فعليه الخروج، وإن كان كسبه في يومٍ لا يفضُل عن اليوم، فلا يلزمه الحج؛ فإنه في أيام الحج ينقطع عن كسبه، فيتضرر به.
هذا ما ذكروه.
ولا ذكر له في طريقتنا.
وفيه احتمال على حالٍ؛ فإن القدرة على الكسب في يوم الفطرة، لم تُجعل كحصول الصاع في الملك، ولا يبعد أن يقال: الكسب وإن أمكن، فهو كالمشي، وقد ألزمناه في السفر القصير، وإن كنا لا نلزمه في السفر الطويل.
فصل
2441 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيّما صبيّ حج، ولو عشرَ حِجَج، فإذا بلغ، فعليه حَجة الإسلام، وأيما عبد حج، ولو عشر حجج، فإذا عَتَق، فعليه حَجة الأسلام، وأيما أعرابي حج، ولو عشر حجج، فإذا هاجر فعليه حَجَّة الإسلام " 1، 2. قيل: هذا حين كانت الولايةُ منقطعةً، بين المهاجر وغير
المهاجر، بالتوارث وغيره من الأحكام، فكانت حَجة الأعرابي، الذي لم يهاجر، إذ ذاك نَفْلاً.
وقيل: أراد بالأعرابي الكافر، فأبان أن من وجد منه الحج، على صورته في الكفر، فلا اعتداد به، وعبر عن الكافر بالأعرابي الذي لم يهاجر، لأنهم إذ ذاك، كانوا إذا أسلموا، هاجروا.
ومقصود الفصل: أن الصبا، والرّقَّ [لا] 1 ينافيان صحةَ الحج، ولكنهما ينافيان وجوبَه، وإجزاءه عن الواجب، لو وقع.
والفقير الذي لم نُثبته مستطيعاً، لو تكلف المشقة، وحج، وقع حجه عن فرض 2 الإسلام.
فالفقر كالصبا والرق في منافاة وجوب الحج، وليس بمثابتهما في منافاة إجزاء الحج.
وليس الحج فيما وصفناه كالجمعة؛ فالعبد والمريض المعذور مستويان، في أنه لا يجب على واحدٍ منهما حضور الجامع، وإذا حضراه، وصلَّيَا أجزأت الصلاةُ عنهما، عن فرض الوقت، ويفترقان في أن المريضَ إذا حضر تَقَيَّد، ولزمه إقامة الجمعة؛ فإنّ عذره كان يَحُط عنه تكلّفَ الحضور، وقد حضر، فكأنه ليس معذوراً الآن.
وللعبد أن ينصرف بعد الحضور؛ فإن رقه قائم.
وهذا ظاهر.
=يعتق، فقد قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت، فليحج، وأيما غلام حج به أهله، فمات قبل أن يدرك، فقد قضت عنه حجته، وإن بلغ، فليحج "، لكن قد رواه محمد بن المنهال الضرير عن يزيد بن زُرَيْع عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباسٍ مرفوعاً وزاد فيه، وأيما أعرابي حج، فمات قبل أن يهاجر، أجزأت عنه، فإن هاجر، فعليه الحج.
قلت: وهذه الرواية غريبة جداً.
وقد رواه بعدها أيضاً (كلمة غير مقروءة) من حديث محمد بن كعب القُرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
والله أعلم ا. هـ بنصه إلا كلمة أو كلمتان.
وهذا الذي ذكره في الهامش انظره في الأم: 2/ 95، والسنن الكبرى: 5/ 179.
2442 - ثم ذكر الشافعي أن حَجة الإسلام إذا وقعت على شرطها، فهي للعمر، وقد تقدم هذا.
وغرضه بالإعادة الردُّ على أبي حنيفةَ في مسألةٍ، فمذهبنا أن من حج، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لم يلزمه إعادةُ الحج.
وقال أبو حنيفة 1 يلزمه إعادته، مصيراً إلى أن الردة تُحبط ما سبق، والمسألة مشهورة.
فصل
قال الشافعي: " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: لبيك عن فلانٍ ... إلى آخره " 2.
2443 - مذهبنا أن حَجةَ الإسلام في حق من يُتصور منه وقوعُها، مقدمةٌ على سائر أنواع الحَج.
والحج يقع ركناً، وقضاء واجباً، عن حج لم يكن ركناً لو تم، ومنذوراً، وتطوعاً، والحجة الأولى مصروفةٌ إلى جهة الركن، وفرضِ الإسلام، [و] 3 لا يجب تعيينُ النيةِ في ذلك، فلو تلبس بالحج مطلقاً، من يصح منه حجةُ الإسلام، فمُطلَقُ حجه مصروفٌ 4 إلى ما عليه من فرض الإسلام.
وكذلك لو نوى الحجة المنذورةَ، أو حج القضاء، انصرف ما جاء به إلى حجةِ فرض الإسلام.
والقضاء إنما يفرض في حق من كان عبداً، وشرع في الحج، وأفسده، ثم عَتَق، فعليه حجةُ قضاءٍ، لما أفسده، وهذا القضاء لا يكون حجةَ الإسلام؛ فإن القضاء يحكي الأداءَ، فكل أداءٍ لو تم، لم يتأدّ به فرضُ الإسلام، فقضاؤه بمثابته.
ولو فرغ عن حجة الإسلام وعليه حجةٌ منذورة، فلتقع البداية بها، فلو نوى التطوع، [لغا قصدُ التطوع و] 5 انصرف الحج إلى جهة النذر.
ولو كان عليه قضاءٌ، كما صورناه وحجةٌ منذورة، فقد كان شيخي يقول: يجب تقديمُ القضاء؛ فإنه واجب شرعاً على المنذور، واستمر على هذا في دروسه، ولم يتعرض لهذا الترتيب غيرُه.
وفي المسألة احتمالٌ ظاهر؛ فإن هذا القضاءَ فرعُ حجٍّ، لم يكن واجباً، كما أن الإقدام 1 على النذر، لم يكن واجباً.
وبالجملة تعليلُ سقوط أثر التعيين في النية، عسرٌ 2 مشكلٌ في قاعدة المذهب، ولكن الممكن فيه أن قصد التطوع لا يُفسد العقد، ووجوب تقديم حج الإسلام ثابت.
2444 - فينتظم من ذلك صحةُ الحج، على الترتيب المستحق.
وكان يمكن أن نقضي بفساد النية، وإنما عِظم وقع الإشكال، لانضمام مشكلٍ إلى مشكلٍ: أحدهما - ما ذكرناه من التعيين.
والثاني - استحقاقُ الترتيب، وهذا عوض من الأول 3، سيما على أصلنا، في أن الحج على التراخي.
ثم في 4 مذهبنا أن المستأجَر على الحج، ينبغي أن يكون بريء الذمة، من حجة الإسلام، فلو كان عليه فرضُ الإسلام، ينصرف حجُّه إلى فرض إسلامه، وإن قصد مستأجِرَه، خلافاً لأبي حنيفة 5.
ومعتمد المذهب في ذلك الحديث الذي رواه الشافعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سمع رجلاً يقول: " لبيك عن شُبرمة فقال له: أحججت عن نفسك، فقال: لا.
فقال: هذه عنك، ثم حُج عن شبرمة " 6 وهذا متعلَّق بالغٌ في
المسألة، وإذا ثبت مضمون الحديث، في الأجير الصرورة 1، أمكن بناءُ استحقاق الترتيب في حق الشخص على ذلك.
فنقول: كما يتعين على [الأجير] 2 تقديمُ فرض نفسه على ما استؤجر له، فكذلك يتعين عليه في نفسه، أن يقدّم فرض إسلامه، على ما يتطوّع به؛ فيتسق [على] 3 ذلك استحقاقُ الترتيب، بناء على مسألة الأجير.
2445 - والأجير إذا صح استئجاره، وعيّن له المستأجر سنةً، فإذا انتهى إلى الميقات، ونوى التطوعَ عن نفسه، فقد قال شيخي: ينصرف ما جاء به إلى جهة الإجارة، فإن الحجةَ في هذه السنة مستحقةٌ عليه، والمستحق مقدمٌ في وضع الحج، على المتطوّع به.
وأجمع أصحابنا على خلافه في هذا، فإن استحقاق الحج عليه ليس من حكم وجوبٍ يؤول إلى الحج، وإنما يتقدم واجبُ الحج على تطوّعه إذا رجع الوجوب إلى الحج، فإذا تطوّع الأجيرُ، فقد أساء، والوجه الحكمُ بوقوعِ الحج تطوعاً عنه، ثم الأجرةُ مردودةٌ، والإجارة منفسخة، كما سيأتي شرح أحكام الإجارة.
ولو استأجر الرجل صرورةً، لم يحج عن نفسه، وعين له السنة القابلة، فالإجارةُ فاسدةٌ، لما ذكرناه.
وإن ألزم الحجَّ ذمّتَه، ولم يعين الإتيان به سنةً، فالإجارة صحيحةٌ، ثم وجه الوفاء بها أن يحج عن نفسه أولاً، في سنته، ثم يحج عن مستأجِره.
... =يحج عن غيره، ح 1811، ابن ماجه: المناسك، باب الحج عن الميت، ح 2903، الدارقطني: 2/ 267، البيهقي: 4/ 336، مشكل الوسيط لابن الصلاح، بهامش الوسيط: 2/ 589).
باب إمكان الحج وأنه من رأس المال
قال الشافعي: " وإن استطاع الرجل، فأمكنه مسيرَ الناس ... إلى آخره " 1.
2446 - إذا ثبتت الاستطاعة على الشرائط المقدمة، ودامت حتى انقضت سنة، والمعنيّ بها انقضاءُ وقتٍ يسع المسير إلى الحرم، وإقامة الحج، فإذا دامت الاستطاعة 2 في المدة التي وصفناها، استقر الحج في الذمة، ومعنى استقراره أنه إذا مات، لزم الإحجاجُ عنه من رأس المال، كما سنذكره.
ولو ثبتت الاستطاعة في جهة المباشرة، أو جهة الاستنابة، ثم زالت قبل مضي الزمن الذي يسع الحجَّ، فلا أثر لما كان، ولا يستقر الحج في الذمة، وإذا مات، لم يكن الإحجاج عنه دَيْناً.
ولو تمكن من مباشرة الحج خُروجَ 3 الناس، فلم يخرج، فلما حجوا، مات ذلك المتخلِّف، قبل انقضاء زمان الرجوع، فالحج مستقر في الذمة؛ فإنه لو خرج، وحج، لكان يموت على هذا التقدير، ويغنيه موتُه عن تكلّف الرجوع؛ فقد جرى إذاً في عمره زمان إمكان الحج، على التصوير والتقدير 4 الذي ذكرناه.
ولو بقي حياً في هذه الصورة، ولكن تلف ماله قبل زمان رجوعهم، حيث يشترط في الاستطاعة نفقةُ الذهاب والإياب، فإذا مات على فقره هذا، فلا يكون الحج مستقراً، مخرَجاً إخراجَ الديون؛ والسبب فيه أنا تبينا 5 عجزَه
[بالأَخَرة] 1 عن أهبة الإياب، حيث نشترط نفقة الإياب، كما نشترط نفقةَ الذهاب، ذكره الصيدلاني وهو حسن.
وفيه أدنى احتمال، من جهة أنه كان مالكاً في ابتداء السنة، لنفقة الذهاب والإياب، ولو خرج، لأدَّى الحجَّ، فطريان جائحةٍ على نفقة إيابه -والصورة هذه- ليست بمثابة ما لو لم يملك في الابتداء نفقةَ [الإياب] 2. والظاهر ما ذكره الشيخ أبو بكر 3.
2447 - ومما نُلحقه بهذا الفصل أن قول الشافعي اختلَف في جواز الاستئجار، على [حج] 4 التطوع.
وسيأتي ذكر القولين، وتفريعهما، في باب الاستئجار.
فلو مات -ولكن كان حج حجة الإسلام- فأراد وارثه أن يستأجر عنه من يحج عنه تطوعاً، ففيه القولان.
ولو استمر عمرَه على انتفاء الاستطاعة، ولم يستقر الحجُّ في ذمته، فأراد الوارث أن يُحِج أجيراً عنه، ففي جواز ذلك طريقان: أحدهما - القطع بالجواز؛ فإنه لو قُدّر صحتُه، لكان حجةَ الإسلام.
والثاني - يخرج جواز الإحجاج عنه على القولين المذكورين في حج التطوع.
ولا فرق 5 بين حج التطوع والحج [الذي] 6 يفرض 7 غير مستقر في الذمة، فإن كلَّ واحد منهما لو قدرت الوصية به، فهو من الثلث؛ فإنهما مستويان في [انتفاء] 8 الدَّيْنية 9 عنهما.
ولو شرع الرجل في حج التطوع، وأفسده، ثم قضاه، فلقضائه من الحكم ما لأدائه.
ولو تكلف غيرُ المستطيع وحضر المشاهدَ، وشرع في الحج، فأفسده، فقضاؤه يقع عن فرض الإسلام؛ فإن الأداء لو تم، لكان فرضَ الإسلام.
فليتأمل الناظرُ المنازلَ، في التطوع، وما لم يستقر في الذمة، مما لو وقع، لكان فرضاً.
فصل
قال: "ولو كان يُجَن ويُفيق ... إلى آخره" 1.
2448 - الجنون ينافي توجّه الخطاب بالحج، فإن الاستنابةَ وإن كانت ممكنةً في الحج، فهو عبَادةٌ بدنية، والغرض منه التعبد بأدائه، أو توجيه الخطاب عنه 2 بالاستنابة فيه، فإذا لم يكن المجنون ممن يؤدي بنفسه، ولم يتأت توجّه الخطاب عنه بالاستنابة، فيسقط فرض الحج عنه- بخلاف الزكاة؛ فإن الغرض الأظهر منها الإرفاق.
فلو كان الرجل يجن ويُفيق، فأفاق وامتدت إفاقته مدةً تسعُ الحجَّ، فقد استقر الحج في ذمته، وقد مضى استقرار الحج.
ولو لم تبلغ مدةُ إفاقته مدةً تسع الحجَّ، فليس لوليه أن يحج به من ماله، فلو فعل، فالنفقة الزائدة لأجل السفر مضمونةٌ على الوليّ، ولو خرج الوليّ به، وكان يُجن أياماً، ويُفيق أياماًً، فاتفق أنه أفاق في أيام الحج، وتم منه الحج على الصحة، فما بذله الوليّ من ماله محسوبٌ، غيرُ مضمون؛ فإنه تأدى بسبب بذله فرضُ الإسلام.
وإنما يجب الضمان، إذا لم يكن الحج الحاصلُ واقعاً عن فرض الإسلام.
2449 - ومما يتعلق بما نحن فيه، أن المبذر محجورٌ عليه، في ماله، كالمجنون، والصبي، ولكن ليس لولي الصبي والمجنون بذلُ مالهما، في تحصيل الحج لهما، ووليّ المبذّر يبذل مالَه ليحج، ويخرج معه بنفسه، ويُنفق عليه
بالمعروف، والاقتصاد، أو يُخرج معه من يراقبه وينفق عليه، فإن [نفس] 1 التبذير لا ينافي وجوبَ الحج، ووقوعَه موقع الاعتداد إذا صح.
فصل
قال: " فإن كان عامَ جدب، أو عطش ... إلى آخره " 2.
2450 - إذا كان الطعام، والعلف، والماء، موجوداً، في الطريق، وكانت البُلْغةُ 3 وافيةً، فالاستطاعة حاصلةٌ، ولا فرق بين أن تكون الأسعار راخيةً، أو غاليةً، إذا كان في المال وفاءٌ.
وقد ذكرنا أن الماء إذا كان يعرض على البيع بثمن غالٍ بالإضافة إلى القُرى ومحال الريف، ولكن كان الثمن في ذلك المكان والزمان، لائقاً بالماء، فيجب ابتياعه للطهارة، وإنما يسقط وجوبُ [ابتياعه] 4، إذا كان لا يُباع إلا بغبن، [بأن كان] 5 الماء في ذلك المكان يساوي مقداراً، وكان صاحبه يطلب في ثمنه أكثر منه، فلا يجب ابتياعه.
ونظير هذا من الحج ما يُستأدى من الحجيج في المراصد 6 [بباطل] 7، فإذا كان لا يتأتى دفعُه، ولا يَجد المرءُ مسلكاً، لا راصد عليه، فلا يجب عليه الحج، وإن قلّ قدرُ ذلك المطلوب، كما ذكرناه في الغبن، في ثمن الماء.
وحاصل المقصود أن المؤن، وإن ثقلت بغلاء الكراء، والأسعار، لم يسقط
وجوب الحج، إذا كان في المال وفاء بها.
وإذا كان يُطلب مالٌ بغير حق، فيسقط وجوب الحج.
2451 - ولو كان يحتاج المسافر إلى من يُبَذْرِقُه 1، وإذا استأجره، أمن الغوائل، في غالب الظن، فهل يجب الحج، والحالة هذه؟ اختلف أئمتنا في المسألة، فقال قائلون: يجب، وهو المختار، فإن بذل الأجرة بذلُ مالٍ بحق والمبذرِقُ أهبةٌ، من الأهب، كالدابة، وغيرها.
وقال قائلون: لا يجب ذلك، فإن الاحتياج إليه سببُه خوفُ الطرق، وخروجها عن الاعتدال.
وقد ثبت في وضع الشرع، سقوط الحج عند خوف الطارقين، في غالب الأمر، ولو أوجبنا استئجار مبذرِق، لزم أن نوجب استئجار عسكرٍ، عند وفاء المال، وعِظَم الغائلة.
وهذا بعيدٌ عما فهمه الأولون، من اشتراط أمن الطريق.
ثم ليس الأمن الذي نذكره قطعاً 2، " فالمسافر ومتاعه على قَلَت 3 إلا ما وقى الله "، وإنما الحكم على غالب الظن، والنفس لا تثق بالخلاص عن الحوادث.
فالذي يجب التفطن له، أنا لا نشترط في السفر [الأمن] 4 الذي يغلب في الحضر، فإن ذلك إنما يحصل لو صار السفر في حكم الحضر، بأن تصير الطرق آهلة، [و] 5 لا سبيل إلى شرط ذلك، فالأمن في كل مكانٍ، على حسب ما يليق به.
فصل
قال: " ولا يبين لي أن أوجب عليه ركوبَ البحر ... إلى آخره " 1.
2452 - اختلف نص الشافعي في وجوب ركوب البحر لأجل الحج، فقال هاهنا: ولا يبين لي أن أوجبه، وقال في موضع آخر: لا أوجبه إلا أن يكون أكثر عيشِه في البحر، [و] 2 عندي أنه نصَّ في بعض المواضع على وجوب ركوب البحر، إذا كان يعتاد ركوبَه.
فقال بعض أصحابنا: في المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يجب ركوبه؛ فإنه مهلكة والخارج منه يُعدّ ناجياً، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
والقول الثاني: إنه يجب؛ فإنه مطروق العقلاء، ويُبعدُ الآفةَ عن سفينة صحيحة شِحْنتُها 3 على قَدْر 4، وإجراؤها في وقت متَخيَّر، فلا يبقى إلا مهَابةُ النفوس، فلا تعويل عليها.
ثم القولان فيما يعتاد ركوبه، ولا يُنسب صاحبُه إلى اقتحام العَطَب.
فإن كان البحر بحيث لا يركبه إلا هجّام، مغرِّر بنفسه، فلا يجب ركوبُه، بل قد نقول: لا يحل ركوبُه.
وكذلك إن اغتلم 5 بحرٌ، يُعتاد ركوبه في بعض الأوقات، فالكلام في ذلك الوقت، كالكلام في البحر المغرِق.
ومن أصحابنا من [نزل] 6 المسألةَ على جرأة الراكب، واستشعاره.
وفي نص
الشافعي إشعارٌ به، وسبب التنزيل على [هذا] 1 أن الاستشعار إذا عظم، ظهر أثره، وعظم ضرره، وقد يخلع قلب المستشعر.
وإذا وقع التنزيل على ذلك، فمنهم من قال: [المستشعر لا يلزمه الركوب، وفي غير المستشعر قولان، ومنهم من قال:] 2 غير المستشعر يركب، وفي المستشعر قولان.
ومنهم من نزل النصين على الحالين، على قطعٍ، من غير ترديد قول، وقال: المستشعر لا يلزمه الركوب، وغيره يركب.
وكل ذلك والبحر مركوب لا يعد مُغْرِقاً 3.
وقال بعض أصحابنا: لا يجب ركوبُ البحر قط، وما ذكره الشافعي غيرُ مصرح به، ولا يمتنع حمله على ما إذا [ركب] 4 البحر وفاقاً، وقرب من الشط الذي يتاخم 5 مكة، فيجب عليه التمادي، ولا محيص، وإلى المقصود أقرب.
2453 - وإذا لم نوجب ركوبَ [البحر] 6 وقد توسطه المرء، واستوى في ظنه ما بين يديه، وما خلفه، فهل يجب التمادي في صوب مكة؟ فعلى وجهين، كالوجهين في المحصر إذا أحاط به العدوّ من الجوانب.
وإن قلّ ما في صوب مكة، وكثر البحر في غيره من الجوانب، وجب التمادي.
وإن كثر ما في صوب مكة، جاز الرجوع، وإنما الوجهان [في] 7 ظن الاستواء، وهو كالوجهين في المحصر يحيط به العدوّ من جوانبه.
على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وكل ما ذكرناه تفريعٌ على أنه لا يجب ركوبُ البحر، وصورة الوجهين في الاستواء مخصوصةٌ بما إذا كان يجد في المنصَرَف طريقاً غير البحر، أما إذا كان يضطر في الانصراف إلى ركوب البحر، فالانصراف من شط 8 البحر أقربُ من قطع البحر إلى
مكة، مع الاضطرار إلى قطع كله في الانصراف.
ثم قال الأئمة: النسوة أولى بأن لا يجب عليهن ركوبُ البحر، لأنهن عوراتٌ، والبحر هتّاك للأستار؛ فإن جعلنا المسألة على قولين في الرجال، ففي النسوة قولان مرتبان، والفرق ما ذكرناه.
وإن لم نوجب ركوبَ البحر، ولم يكن البحر معروفاً بالإهلاك، فلا يُنكر الأمر بركوبه استحباباً، ولا نرى الأمر ينتهي إلى دفع ذلك.
ولو كان مُخْطِراً 1، فإن غلب [على] 2 الظن الهلاكُ، حرم الركوب، وفاقاً، وتأسياً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
وإن استوى الأمران، ولم يقض العقل بتغليب الهلاك، أو السلامة، فقد كان شيخي يقطع بتحريم الركوب أيضاًً.
وفيه نظر.
وللأصحاب مرامز إلى نفي التحريم في مثل ذلك.
أما الكراهيةُ فكائنةٌ، لا شك فيها.
واضطرب الأئمة في ركوب البحر المُخطِر، والمقصودُ الجهاد، فمنهم من استمر على التحريم؛ فإن الخطر المحتمل في الجهاد ما يَلقى الغزاة من جهة القتال.
وقال قائلون: لا يحرم الركوب في جهة الغزو؛ فإن التواصل 3 إلى المقصود يناسبه، فإذا كان المقصود على الغرر، لم يبعد احتماله في التسبب.
فصل
2454 - والمرأة كالرجل في التزام الحج عند ثبوت الاستطاعة، وما ذكرناه في الرجل من الزاد، والراحلة، وغيرهما، فجملته معتبرةٌ في المرأة، وفيها مزيدٌ؛ فإنها عورةٌ.
فإن ساعدها زوج [أو ذو رحم، فذاك، وكذلك المحرم، وإن لم يكن ذا رحم، كالأخ من الرضاع.
وإن لم تجد محرماً، ولم يساعدها زوج] 1، واتفق جمعٌ من النسوة الثقات، يصطحبن، فذلك يبعدهن من تقدير الطمع فيهن، فمن أصحابنا من أوجب عليهن الخروجَ في رفقةٍ مأمونة.
ومنهم من لم يوجب ذلك، حتى يكون مع واحدةٍ فيهن محرم.
وهذا اختيار القفال، فإنهن قد ينوبهن أمرٌ، فيستعنّ بالتي لها محرم، ويستظهرن به.
ولم يشترط أحد من أصحابنا أن يكون مع كل واحدة منهن محرم.
وما اختاره القفال حسن بالغ، يعضده حكم الخلوة؛ فإنه كما يحرم على الرجل أن يخلو بامرأة واحدةٍ، فكذلك يحرم عليه أن يخلو بنسوة، ولو خلا رجل بنسوة، كان محرمَ واحدةٍ منهن، فلا بأس.
وكذلك إذا خلت امرأة برجالٍ، واحدهم محرمٌ لها، جاز.
ولو خلا عشرون رجلاً
بعشرين امرأةٍ، وإحداهن محرم لأحدهم، أو زوجةٌ، كفى ذلك.
وقد نص الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنساء منفردات، فيصلي بهن، إلا أن تكون إحداهن محرماً له.
2455 - ثم من لطيف القول في هذا الفصل: أنها إذا عدِمت محرماً، أو زوجاً، وباقي الصفات في الاستطاعة ثابتةٌ، فالقول في المنع من الخروج ما ذكرناه، ويبتني عليه أَنْ لا استطاعةَ قطعاً، ولو تمادى الأمر كذلك إلى الموت، فلا نقضي باستقرار الحج في ذمتها.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة 2: يستقر الحج، وإن كان يمتنع الخروجُ.
وهذا متناقضٌ لا أصل له.
وإذا تمكنت من استئجار محرم، فالقول في هذا، كالقول في استئجار المُبَذْرِق، والأظهر هاهنا وجوبُ الاستئجار؛ فإن زيادة المؤنة في حقها بمثابة زيادة المؤنة، في حق من يحتاج إلى المحمل، ولا يكتفي بالراحلة.
ومن لم يوجب، قال: استئجارُ المحرم ليس من المؤن الغالبة، التي تقع، والنادر لا يلتزَم.
والأصح الإلتزام.
فصل
قال الشافعي: " فإن مات قضي عنه ... إلى آخره " 1.
2456 - من استطاع في حياته، واستقر الحج في ذمته ومات، كان الحج ديناً مأخوذاً من رأس التركة مقدماً، على الوصايا، وحقوق الورثة.
هذا هو المنصوص عليه، في معظم الكتب، وهو ظاهرُ المذهب، وذكر هذا القولَ في الحج الكبير 2، ثم قال 3: قد قيل ذلك، وقيل: إن لم يوصِ به، فلا يُحَج عنه، وإن أوصى به، حُجّ من الثلث من ميقاته.
فحصل قولان: أصحهما - الأول، والثاني مذهب أبي حنيفة 4، وهو جارٍ في جملة الحقوق التي تثبت لله تعالى.
وفي القول الموافق لمذهب أبي حنيفةَ إشكالُ ظاهر، وهو أن معتمد ذلك القول أن العباداتِ مفتقرةٌ إلى النية، ولا يتطرق إليها استقلالُ الغير بالأداء، من غير توكيلٍ ممن عليه؛ [فإن] 5 من أدى عن غيره مقدار زكاته من غير إذنه، لم يعتد بما أخرجه،
وليس كما لو أدى عنه دَيْنَه، وإذا مات، ولم يوصِ بما وجب لله تعالى قُربةً، فلا يقع المخرَج متعلَّقاً بإذنه، وتختل النيةُ بذلك، وهذا على بعده كلامٌ على [حال] 1.
ولكن القياس يقتضي أن يقال: إذا مات، ولم يوصِ، فهو مرتهَنٌ بما وجب عليه، ولكن تعذّر طريقُ التأدية، فبقي الوبال على المتوفَّى، والله حسيبه، فإذا أوصى، فقد زال هذا المعنى، واقتضى القياسُ إذا تيسر طريقُ الأداء أن يكون دَيْناً من رأس المال.
هذا هو القياس، ولكن لم يذكره أحد من الأَصحاب، تصريحاً، ولا رمزاً، وإنما نقلوا ذلك القول على وفق مذهب أبي حنيفة، في الحَسْب من الثلث عند الوصية.
ولا عود الآن إلى هذا القول.
والتفريع على الأصح الأظهر.
2457 - فإذا مات، واستقر الحج عليه، فالقدر المستحق، المحكوم بكونه دَيْناً حَجَّةٌ من الميقات، المنسوب إلى صوب جهته، وذلك يمكن تحصيله بمبلغٍ قريب، ولا يجب إحجاج أجير قاصدٍ عنه من بلده 2، وذلك لو طُلِب قام بمالٍ له قدرٌ، وعلةُ المذهب أن الغرض تحصيلُ الحج، ومبتدأ الحج من الإهلال، وهو من الميقات، والرجل لو حج بنفسه في حياته، لاحتاج إلى [مؤنةٍ] 3 لسفره من بلده، ولكن لا تتأتى المباشرةُ إلا كذلك، والمقصود ما ينشئه من ميقاته، ويتأتى تحصيل الحج بطريق الاستئجار من الميقات، ثم اعتبر ميقاتُ صوبه، والغرضُ يختلف بذلك، فإن المواقيت متباينةٌ، كما سيأتي وصفها في بابٍ.
[ولا خلاف] 4 أنا لا نعتبر الميقات بعينه، وإنما نعتبر مسافةَ ميقات صوبه، وهذا من باب المواقيت.
ثم سبيلُ تحصيل حجة ميقاتية 1 أن يلتمس من المارّين إلى مكة، أن يستأجروا ثَمَّ أجيراً من الميقات، فإن لم يجد من يتطوّع بذلك، فاستئجار بعض الواصلين على الاستئجار تَقرُب أجرتُه 2.
2458 - ولو أوصى بأن يستأجر عنه من الميقات أجيراً من ثلثه، والتفريع على الأصح، ففائدة إضافة الحجة التي هي دينٌ إلى الثلث مزاحمةُ الوصايا بها، فإن كانت تحصل مع 3 المضاربة، فذاك وإلا فرضنا المضاربةَ، ونظرنا إلى حصة الحج، ثم أكملنا الحَجة الميقاتية من رأس المال، [ونُحْوَج] 4 في مثل ذلك إلى الحساب الدوري 5، وكل صوره يشترك فيها حسابُ رأس المال والثلث، ومن ضرورة الأخذ من رأس المال تقليلُ الثلث بعده، فالغرض الحسابي يصفو بالدور، ولعلنا نوفَّق [لجمع] 6 ضوابط حسابية [سيّالة] 7، وجيزة القدر -إن شاء الله تعالى- في كتاب الوصايا 8.
ولو أوصى بأن يُحج عنه من ميقاته، حجةُ الإسلام، ولم يتعرض للثلث، والتفريع على القول الأظهر، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه لا معنى لذكره الأمر بالإحجاج عنه إلا التذكيرُ والاستحثاث على إبراء ذمته.
والثاني - أن ذلك يحمل
على مزاحمة الوصايا، ليُفيد لفظُه وذكره 1، وهذا بعيد.
والوجهان يجريان في الأمر بقضاء ديون الآدميين، وكل ما [يخرج] 2 من رأس التركة من غير ذكر 3.
ولست أدري أيخصون هذا الخلافَ بذكر الوصية في لفظها، أم يطردونه في الأمر المطلق؟ ولو خصصوه بذكر الوصية، لكان أقرب، مع اشتهار لفظ الوصية بالتبرعات المنحصرة في الثلث.
وإن قال: يحج عنّي من بلدي، ولم يقل من الثلث، والتفريع على أن مجرد الوصية من غير إضافةٍ إلى الثلث في الحجة الميقاتية لا يتضمن مزاحمةَ الوصايا، فإذا قال: أحجوا عني من 4 بلدي، فقدرُ الحج من الميقات مأخوذٌ من رأس المال، كما لو لم تكن وصية، ثم تقعُ 5 المزاحمة بما بين البلد والميقات للوصايا، فإن وفت الحصةُ، فذاك، وإن لم تف، فما يحصل يضم إلى ما أخذناه من رأس المال، ويُحج عنه، من حيث بلغ.
وقد ذكرنا قولين في الوصية بحَجّة التطوع، ونحن نفرّع على تصحيحها.
فلا شك أنها محسوبةٌ من الثلث.
2459 - ولو نذر حجةً في مرض موته، أو نذر صدقة، أو أقدم على ما يوجب كفارة، فهذه الحقوق محسوبةٌ من الثلث [وفاقاً] 6؛ فإن أسبابها جرت في المرض، ولو جرى النذرُ في الصحة، أو جرت أسبابُ الكفارات في الصحة 7، ففي محل هذه الحقوق وجهان: أحدهما - أنها من الثلث.
والثاني - أنها من رأس المال.
[فمن قال، إنها من رأس المال] 1، فوجه ذلك أنها استقرت حقوقاً في حال كمال التصرف، ومن قال: إنها من الثلث، فوجه قوله أنها لو احتسبت من رأس المال، لاتخذ الناس ذلك ذريعةً في إسقاط حقوق الورثة (2 بأن يأتوا بأسباب الكفارات في صحتهم، ولا يطالبون بها ما بقوا، فإذا ماتوا، سقطت حقوق الورثة 2) وليست كتبرعات البتات في الصحة؛ فإنه لا تهمةَ فيها، مع امتداد الحياة والصحة، وإذا بُتَّت 3 في مرضه، أو صحته، وقلنا بالاحتساب من الثلث، فلا حاجة إلى الوصية بها، تفريعاً على القول الأظهر، في أن الوصيةَ لا حاجة إليها، في أمثال هذه الحقوق؛ فإن جريان النذور بمثابةِ الوصية، وهذا لائحٌ.
2460 - ومما ذكره الأئمة في آخر هذا [الباب] 4 أن الأصحاب اختلفوا في أن الوصية بحج التطوع، والوصيةَ بالعتق هل يقدمان على ما سواهما من الوصايا؟ فيهما قولان مشهوران.
ثم قال صاحب التقريب: إذا قدمنا الحجَّ والعتق على سائر الوصايا، ففي الوصية بالحج، مع العتق المحسوب من الثلث قولان: أحدهما - (5 العتق مقدم على الحج، والثاني 5) الحج مقدّم على العتق.
هكذا حكاه.
ويتجه الحكم بأستوائهما، لتقابلهما باختصاص كل واحد منهما بمزية في الفقه.
والأصح أنا لا نقدم الوصيةَ بالعتق، والحج، على سائر الوصايا، ولا حاصل للتقديم، مع الانحصار في الثلث، إلا أن يوصى بتقديم (6 بعضها على بعض 6).
فعلى هذا إذا أوصى بحجة التطوع، وحكمنا بمزاحمتها الوصايا، فإن كانت حصة256
حجة التطوع وافيةً بحجةٍ من الميقات، فذاك وإن لم 1 يصب الحج ما يكفي لحجٍّ من الميقات، فتبطل وصية الحج؛ فإنه لا يتبعض، بخلاف الوصية بالعتق، فإن تحصيل بعضه ممكن، على ما سنذكره في الوصايا والعتق.
إن شاء الله تعالى.
...
باب تأخير الحج
قال الشافعي: " أنزلت فريضةُ الحج بعد الهجرة ... إلى آخره " 1.
2461 - مذهب الشافعي أن وجوب الحج ليس على الفور، وليس على المستطيع البدارُ إليه وعمره فسحته، ومدته؛ فإن الحج عبادةُ العمر، فكان موقعه من العمر، كموقع صلاة الظهر، من زوال الشمس إلى مصير كل شيء مثله.
ولو استشعر من نفسه العَضْب، فمن أصحابنا من أوجب عليه البدارَ لهذا الاستشعار، ومنهم من لم يوجبه.
2462 - ثم إذا استطاع، فأخر، فمات، فالمذهب أنه يموت عاصياً؛ فإنا لو لم نعصِّه، لأخرجنا الحجَّ عن حقيقة الوجوب.
وأبعد بعض الفقهاء فقال: لا يموت عاصياً، لأنه أخر، والتأخير مسوَّغ له، وإنما يعصي، من فعل ما ليس له فعله.
وهذا قولٌ عريٌّ عن الإحاطة بأصول الشريعة؛ فإن التأخير إنما يسوغ على خطرٍ 2 يلابسه، في عاقبة أمره، وقد ذكرتُ في فن الأصول 3 في ذلك سرّاً، فقلت: وجه وجوب الحج أن مؤخره متعرض للغرر، وهو مما يؤلم القلب، ولولا هذا، لما تحقق الوجوب.
وظهر اختلاف أئمتنا في أن من أخر الصلاة [المؤقتة] 4 إلى وسط الوقت، فاخترمته المنية، فهل نقضي بأنه يلقى الله عاصياً؟ فقال قائلون: إنه يعصي كما يعصي المستطيع إذا مات، ولم يحج، وقال آخرون: لا يعصي؛ فإن التأخير،
كان مربوطاً بوقتٍ مضبوطٍ، ومنتهى العمر لا ضبط له.
وهذا وإن ارتضاه طوائفُ من أئمة الفقه، فهو غيرُ صحيحٍ على قاعدة الأصول، ويلزم القائلَ به أن يُخرج الصلاةَ عن حقيقةِ الوجوب في أول الوقت، فالوقت للصلاة، كالعمر للحج، فإذاً ثبت أن من أخر الحج حتى مات، يلقى الله عاصياً.
وما حكيناه من نفي التعصية غلطٌ غير معتد به، وقد ذكره شيخي، وبعضُ المصنفين.
[وقد] 1 قال قائلون: إنه يعصي معصيةً منسوبة إلى آخر سنةٍ من سني الإمكان.
وقال قائلون: يعصي معصيةً منبسطةً على جميع وقت الإمكان، والوجهان عندنا [لا حاصل] 2 لهما، فلا تقبض 3 المعصية، ولا تنبسط، والوجه القطع بأنه مات عاصياً، ولقي الله تعالى، على صفة العصيان.
ولا معنى لأضافة العصيان إلى زمانٍ، وهذا هو الذي اختاره الصيدلاني في كتابه.
2463 - ومما يجب التنبيه له أن التأخير إلى زمان العَضْب يحقق المعصيةَ في الحياة، وإن كان تحصيل الحج بطريق الاستنابة ممكناً؛ إذ لو قلنا: لا يعصي بالتأخير إلى العَضْب، لوجب أن نقول: لا يعصي بالتأخير إلى الموت، لإمكان تحصيل الحج بعده.
ومن أراد أن يتكلف توجيهاً 4 لنفي المعصية، فليكن صغوُه إلى ما نبهنا عليه (6 من إمكان تحصيل الحج بالموت 5، ولا ينبغي أن يغتر الفقيه بهذا؛ فإن الاستنابة في حكم بدلٍ والمباشرة 6) في حكم الأصل، ولا يجوز ترك الأصل مع القدرة عليه.
2464 - ومما يتعلق بذلك، أن من أخر الحجَّ إلى العَضْب، وعصَّيناه، فعليه وقد باء بالمعصية، أن يبادر إلى الاستنابة، ولا يؤخرها، وإن كان لا يخرج عما باء به من المعصية.6
وفي بعض التصانيف ما يدل على أنه لا يتضيق وقت الاستنابة، حتى يقال: إذا أخرها، انضمت معصيته إلى المعصية التي باء بها بتأخير المباشرة إلى العضب، [فقد] 1 حصلنا إذاً في ذلك على وجهين.
ولا ينبغي أن يقدرَ خلافٌ فيه، إذا لم تجر قدرةٌ على المباشرة، وكان المرء في وقت استجماعه شرائط التكليف معضوباً.
والوجه في حق من هذا وصفه أن يقال: الاستنابة في حقه كالمباشرة في حق القادر عليها.
وفي بعض التصانيف أن من طرأت عليه الزمانة، وأخّر الاستنابة، فهل للقاضي أن يجبره عليها، فعلى وجهين.
ثم قال صاحب التقريب 2: الأصح أن يجبره.
وهذا خُرق 3؛ فإنا وإن حكمنا بتضييق وقت الاستنابة، فليس هذا مما يتعلق بتصرّف 4 الولاة، ويجوز أن يقال: الامتناع عما يتضيق في ذلك، بمثابة الامتناع عن أداء الصلاة، من غير عذر، ثم عن قضائها.
وإذا جرى ذلك، فالسلطان يجبر على القضاء، فإن امتنع ضرب رقبتَه، ويجوز أن يفصل بين الصلاة والحج، فيقال: يتعلق بترك الصلاة حدٌّ، والحدود إلى الأئمة، بخلاف الحج.
والله أعلم.
...
باب وقت الحج والعمرة
قال الشافعي: " قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] ... إلى آخره " 1.
2465 - الإحرام بالحج يتأقت عندنا بشهرين: شوال، وذي القعدة، وتسعٍ من ذي الحجة.
واختلف الأئمة في أن من أنشأ الإحرام بالحج ليلةَ العيد، فهل يصح ذلك؟ فمنهم من قال: يصح؛ فإنه وقت الوقوف، وهذا هو الأصح؛ فوقت الإحرام إذاً: شهران، وتسعة أيام [وليلة] 2.
[ومن أصحابنا] 3 من لم يصحح الإحرام ليلةَ [العيد] 4 ابتداء، وإن جعل المحرمَ قبل غروب الشمس مدركاً للحج، إذا أدرك الوقوف ليلاً، فعلى هذا: الوقتُ شهران، وتسعةُ أيامٍ، بلياليها، من ذي الحجة.
2466 - ولو أحرم بالحج قبل أشهر الحج، لم ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يصير محرماً، واختلف النص، فيما هو فيه: فقال الشافعي في موضعٍ: " انعقد إحرامه عمرةً "، وبه أجاب هاهنا.
وقال في موضعٍ: " يتحلل بعمل عمرة ".
فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أن إحرامه يقع عمرة صحيحة، حتى لو كانت عليه عمرةُ الإسلام، سقطت عنه، إذا طاف وسعى.
والثاني