كتاب الجمعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1423 - فهذا بيان أحكام طبقات الناس في أمر الجمعة (1 ثم جميعهم على درجاتهم، إذا حضروا وصلّوا الجمعة 1) وقد استجمعت شرائطها، فصلاتهم صحيحة، والسبب فيه أن الجمعة وإن كانت مقصورة في الصورة، فقد أُثبتت لأصحاب الكمال الذين لا عذر لهم، فلأن تصح من أصحاب المعاذير أولى، وهذا مجمع عليه.
فصل
1424 - قد ذكرنا فيما تقدم المعاذير التي تترك الجماعات بسببها، وقد قال الأئمة: كل عذرٍ يُرخَص في ترك الجماعات المسنونة يُرخص لأجله في ترك الجمعة أيضاً، وقد مضى تفصيلُها.
فمن جملة الأعذار المرض، ومنها تمريض مريضٍ والقيامُ عليه.
وقد فصّل الأئمة هذا، فقالوا: إن كان له قريبٌ محتضَرٌ منزول به، فيجوز له ترك الجمعة، والوقوف عنده حتى يقضي نحبه، وإن فاتته الجمعة بهذا السبب، عُذر، والأصل فيه: "ما روي أن ابن عمر كان يَطَّيب يوم الجمعة ليروح إلى الجامع، فأخبر أن فلاناًً البدريَّ منزول به، فحضره وترك الجمعة" 2 وكان هذا البدري سعيدَ بن زيد ابنَ عمر بن نفيل، وهو من العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكان قريباً لابن عمر.
وجواز ترك الجمعة في هذه الصورة إنما هو لاشتغال القلب، لا لضرر ينال المنزولَ به، ولكن لو قضى نحبه في غيبة من يحضر الجامع، فقد يعظم وقعُه على قلبه، فساغ التخلف بهذا السبب، فليفهم الفاهم هذا وليتخذه أصلاً في الفصل.1
وقد تقدم أن ترك الجمعة بعذر المطر جائز وفاقاً، وكذلك الوحل الشديد، على ظاهر المذهب.
1425 - والمرض الذي يجوز التخلف به لا يبلغ مبلغ الذي يجوز لأجله القُعود في الصلاة المفروضة، ولكنه مقيسٌ، معتبر بما يلقاه الماشي في الوحل والمطر، وبما ينال من يفوته موتُ قريبه من [المضض] 1، ولو كان له زوجة أو مملوك، فهو عندي على معنى القريب، ولا يبعد أن يكون المولى كذلك، فإن الأئمة لم يفصلوا في القريب بين من يقرب إدلاؤُه وبين من يبعد.
ولو كان ثمَّ مريض، فأراد أن يقوم بتمريضه، ويترك الجمعة، فإن لم يكن للمريض قريب 2، ولم يكن بينه وبينه سبب مما ذكرتُه، وكان لا ينال المريضَ ضررٌ بمفارقته، فيتعين حضور الجامع، وإن كان المريض قريبَه، وكذلك إن كان للمريض من يتفقده في غيبته.
1426 - فأما إذا لم يكن لذلك المريض من يمرّضه، وكان يناله ضررٌ بغيبته، فهذا أبهمه الفقهاء، ولم يفصلوه على ما ينبغي، وأنا أقول فيه: من أشرف على الهلاك من المسلمين وأمكن إنقاذه، فإنقاذه فرض على الكفاية، ولو تركه أهلُ القُطر حتى هلك حَرِجوا من عند آخرهم، وعليه يخرج إطعام المضطر.
وكان شيخي يذكر مجامع فرائض الكفايات في كتاب السير، وسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وقدرُ غرضنا منه أن الذي يتعلق بفرض الكفاية، في هذا الفن الذي نحن فيه، الإنقاذُ من الهلاك، فأما إذا فرض جائعٌ قد بلغ به الجوع مبلغاً مضراً، فلست أرى تدارك هذا من فروض الكفايات؛ فإن هذا لو قيل به، لأدى إلى تأثيم خلق الله على عموم الأحوال؛ فإن الحاجة عامة، والضرر غالب في الأصحاء والمرضى.
نعم يجب على الإمام تعهد هؤلاء وسد خلاّتهم من مال المصالح؛ فإن سبيل تعلّق استحقاق هؤلاء بمال بيت المال، كسبيل تعلق حق الولد الفقير بمال الأب الغني، فإذا كان في
بيت المال مال، فهؤلاء محالون عليه، والدليل عليه أن من اضطر وانتهى إلى خوف الهلاك، فله أن يأخذ مال غيره، ولو جاع، لم يكن له ذلك.
ولو خلا بيت المال عن المال، ففي هذا نظر كلي إيالي 1، استجمعت أطرافاً منه في (الغياثي).
وإنما نبهت على هذا المقدار لمسيس الحاجة إليه.
فنقول: إن كان غيبة المرء عن المريض تؤدي إلى هلاكه، فلا شك أنه يترك الجمعة، ويقوم عليه سواء كان أجنبياً، أو كان بينه وبينه قرابةٌ، أو سبب، مما سبق ذكره.
ولو قيل: ليس القائم عليه بأولى في كفاية ذلك من غيره، فليحضر الجامع، وليكل أمرَه إلى آخر.
قلنا: هذا يتوجه إذن في حق كل من يقوم عليه، وفيه ما يؤدي إلى ضياعه، فإذاً يجوز أن يبتدره من يوفَّق لذلك، ويترك الجمعة.
وإن لم يكن المريض بحيث يخاف عليه لو ترك، ولكن كان يناله ضرر ظاهر في ذلك، على حد الجوع المضرّ الذي [لا] 2 يبلغ مبلغ الضرورة كما تقدم وصفه، فهل يجوز لمن يريد القيام على المريض أن يترك الجمعة أوْ لا؟ نقول: إن كان يقوم على المريض من يكفيه، ممن لا يلزمه الجمعة مثلاً، فلا يجوز للكامل 3 أن يترك الجمعة بسبب القيام عليه؛ لمكان اشتغال قلبه بالغيبة عنه، بخلاف المنزول به القريب.
وإن لم يكن للمريض من يقوم عليه، وكان يناله ضرر لا يبلغ كفايتُه مبلغ فروض الكفايات، ففي جواز القيام عليه، وترك الجمعة بسبب دفع الضرر عنه أوجه، جمعتُها من شرح التلخيص وغيره، أحدها - وهو الأفقه أن يترك الجمعة؛ فإنا لا نشترط في العذر الذي تترك الجمعة لأجله الضرورةَ، وشدةَ الحاجة، ودرءُ ضرر ظاهر عن مسلم ليس بالهين، وإن لم يكن من فروض الكفايات.
وهذا القائل لا يفرق بين القريب والأجنبي، وهو اختيار الصيدلاني.
والوجه الثاني - أنه لا يجوز ترك الجمعة لهذا؛ فإن هذا كثير، ولو تركت الجمعة
لمثله، لأدى إلى تعطيلها، فأما الإقامةُ على قريبٍ منزول به، فهو مما يندُر، وما ينال القلبَ عنه من التأسف على فوته شديد.
والوجه الثالث - أنه يفرق بين أن يكون المريض قريباً، أو أجنبياً، والفرق في ذلك يعود إلى اشتغال القلب، وما يناله من مضض الرقة على القريب.
فهذا مجموع القول في ذلك.
1427 - وترجمة الفصل أن ترك الجمعة للقيام بفرض كفاية سائغ في القريب والأجنبي، وتركُها بسببِ منزولٍ به جائز في حق القريب، ومن هو على سبب خاصٍ، كما تقدم ذكره، فأما تركها بسبب منزولٍ به أجنبي لمكان صداقةٍ، فلا يجوز أصلاً، إذا لم يكن ثمَّ دفعُ ضرر، وإن كان سبب الإقامة دفعَ ضرر، ليس دفعه من فروض الكفايات، ففيه الأوجه التي ذكرناها.
فهذا تمام البيان في ذلك.
1428 - ثم نذكر بعد هذا تفصيلَ القول فيمن يُصلِّي الظهرَ قبل فوات الجمعة، فنقول: أصحاب المعاذير الذين لا تلزمهم الجمعة إذا أرادوا أن يقيموا صلاة الظهر، قبل فوات الجمعة، فيجوز ذلك لهم، ويُجزىء عنهم، ثم إذا كان ذلك العذر بحيث لا يرجى زواله، ولا يتأتى معه حضور الجامع، كالزمانة، فالأولى للموصوف بهذا العذر أن يصلي الظهر في أول الوقت رعاية لتعجيل الصلاة.
وكذلك المرأة، وإن كان يتصور منها الحضور، فالأولى أن تلزم بيتها، والأنوثة لازمة، فالأولى لها أن تعجل الصلاة.
فأما أصحاب المعاذير التي يتصوّر زوالُها، كالمريض مرضاً يتوقع أن يخف على الفور، وكالعبد يتوقع أن يعتق، والمسافر يتصور أن ينوي الإقامة، فالأولى لهؤلاء أن يؤخروا الظهر إلى فوات الجمعة.
وكان شيخي يحكي وجهين في معنى الفوات: أحدهما - أن يرفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية؛ فإنه إذا انتهى إلى ذلك، فقد فاتت الجمعة.
والثاني - أن المرعي في هذا تصوّر الإدراك في حق كل واحد، فإن كان منزل من
فيه الكلام بعيداً، بحيث يعلم أنه قد انتهى الوقتُ إلى منتهى لو أنشأ فيه الخروجَ إلى الجامع، لما أدرك الصلاة، فهذا رجل قد فاتته الجمعة، [وربما] 1 يكون تقديراً في هذا الوقت في ابتداء الصلاة، أو لا يكون بعدُ شارعاً، فالمعشر في حق كل شخص تصور إدراكه.
1429 - ثم المعذور إذا صلى الظهر في أول الوقت، ثم زال عذرُه والجمعة غيرُ فائتةٍ بعدُ، فلا يلزمه المصير إلى الجامع؛ فإنه قد أدى فرض وقته، فإذا صلى المريض، والعبد، والمسافر، ثم بَرأَ المريض، وعتق العبد، وأقام المسافر -وإدراك الجمعة ممكن- فلا يلزمهم الجمعة.
1430 - قال ابن الحداد: لو صلى الصبيّ الظهر، ثم بلغ، لزمته الجمعة في هذه الصورة، واعتلّ بأنه أقام الظهر، وهو غير مكلف، وليس كغيره من المعذورين الذين لا تنافي معاذيرُهم التكليف.
وقد ذكرنا في آخر باب المواقيت أن هذا مردود عليه؛ فإنه فرعه على قياس مذهب أبي حنيفة في أن الصبيَّ إذا صلى الظهر في غير الجمعة في أول وقته، ثم بلغ في أثناء الوقت، [فلا] 2 يلزمه إعادة الظهر، وإن لم يكن مكلفاً بما صلى.
هذا كله في أصحاب المعاذير.
1431 - فأما من لم يكن به عذر ينافي وجوبَ الجمعة، فحقٌ عليه أن يحضرها ويقيمَها، فلو صلى الظهرَ قبل فوات الجمعة، فهل يصح؟ فيه قولان مشهوران: أحدهما - لا يصح؛ فإن الظهر في حقه في حكم البدل عن الجمعة، وإقامة البدل مع
وجوب المبدل وتصوّر القيام به لا يجزىء.
والقول الثاني - يصح؛ فإن الظهر صلاة أُخرى، وهي أكمل في الركعات من الجمعة وأتم [فإن لم نصحح الظهرَ، فالأمرُ بحضور الجمعة قائم] 1.
وإذا فاتت، لزم بعد الفوات إقامة الظهر مرة أخرى، وفي رجوع ما جاء به قبلُ نفلاً والحكم ببطلانه القولان المشهوران.
وإن حكمنا بصحة الظهر، فيسقط عنه الأمر بحضور الجامع، إذا أقام الظهر؛ فإنه إذا صح الظهر، استحال بقاء الخطاب بغيره في وقته.
وهذا فيه أمر غريب؛ فإنه بالإقدام على الظهر في حكم الساعي في ترك الجمعة، وذلك معصية.
فكأن ما جاء به طاعة من وجه، معصية من وجه.
والاختلاف في صحته قريب من الخلاف في صحة الصلاة المقامة في الوقت المكروه، كما تقدم ذلك في بابه.
1432 - ثم لو صلى الرجل الظهرَ، وأجزأ عنه، وكان معذوراً أو غير معذور، فلو حضر مع ذلك الجامعَ، وصلّى الجمعة، فإن فُرض ذلك في معذورٍ، فهو آت بما هو محثوث عليه، نعني بذلك غيرَ المرأة، فالفرض من الظهر والجمعة أيّهما؟ فهذا ينزل منزلة ما لو صلى الرجل في غير هذا اليوم صلاةً منفرداً، ثم أدرك جماعةً، فأعادها، ففي ذلك اختلاف، قد تقدم ذكره، وإن أردنا تجديدَه فقولان: أحدهما - أن الفرض هو الأول.
والثاني - أن الفرض أحدهما لا بعينه، والله يحتسب بما شاء منهما.
وهذان القولان في حق المعذور.
فأما المصلي بلا عذر إذا صلى الظهر، ثم حضر الجمعة وأقامها، فلا شك أنه خرج عن المأثم الآن، ولكن المفروض من الصلاتين أيتهما، ذكر شيخي هاهنا أربعة أقوال: أحدها - أن المفروض هو الأول؛ فإنه لو اقتصر عليه برئت ذمته، والتفريع على أن الظهر مجزىء.
والثاني - أن الفرض الجمعة؛ فإنه بها خرج عن الحَرَج.
والثالث - أنهما جميعاًً فرضان.
والرابع- أن الفرض أحدُهما لا بعينه، وقد ذكرنا لهذا نظائر في كتاب الطهارة في باب التيمم عند جمعنا ما يُقضى من الصلوات وما لا يُقضى.
1433 - ويترتب على هذا غائلة: وهي أنا إذا قلنا: هما فرضان، فمن ضرورته أن نقول: خطاب الجمعة باقي إلى الفوات، وإن فرَّعنا على إجزاء الظهر، فهذا يضاهي من الصور المذكورة في التيمم، ما [إذا] 1 أوجبنا إقامة الصلاة في الوقت، ثم أوجبنا قضاءها.
وإن قلنا: الفرضُ الجمعة، فهذا يشابه ما إذا قلنا في تلك المسائل: لا يجب فرض الوقت مع الخلل الواقع لعدم الوضوء والتيمم، والواجب هو القضاء عند إمكان الطهارة.
وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن من صلى من غير وضوء ولا تيمم، وألزمناه القضاء، فلا يسقط عنه القضاء أصلاً، ما لم يأت به، ومن صلى الظهر، ثم تخلف حتى فاتته الجمعة، فقد سقط الفرض عنه، على قولنا الظهر مُجزىء، وعليه نفرع الآن.
نعم [لو] 2 ضممنا في ترتيب المذهب القولَ بأن ظهره لا يصح إلى ما يجزئه، فيخرج حينئذ قول يشبه قولنا بأن القضاء لا بد منه في مسألة التيمم.
1434 - ويخرج من هذه الأقوال مسألة: وهي أن غير المعذور إذا صلّى الظهر، وقلنا: إن ظهرَه يُجزىء، ولو فاتت الجمعة، لا يجب القضاء.
فإذا لم تفت، فهل يلزمه أن يحضر ويصلي الجمعة؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يلزمه الآن 3، وقد سقط الخطاب لما فرغ من الظهر، وقد 4 أساء، وهذا إذا قلنا فرضه الظهر، أو أحدهما، إذا صلى الجمعة أيضاً.
والثاني - يلزمه الحضور، وهذا إذا قلنا: هما فرضان، ثم لو فاتت الجمعة، كفى الظهر؛ فإنا لو لم نكتف به، لأوجبنا قضاء الظهر، وقد تقدم الظهر مجزئاً.
فليتأمل الناظر حقيقةَ ذلك، وليَحكُم [بخبط] 1 التفريع على أن الأصح أن الظهر غيرُ مجزىء من غير المعذور.
فصل
1435 - قد ذكرنا فيما تقدم أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين من أهل الكمال، وذكرنا اختلافَ الأصحاب في أن الإمام منهم، أو هو الحادي والأربعون، فإذا تجدد ذكر هذا، قلنا بعده:
اختلف قول الشافعي في أن إمام الجمعة لو كان صبياً، أو متنفلاً، فهل تصح جمعة القوم خلفه؟ فأحد القولين لا تصح؛ فإن هذه الصلاة مبناها على رعاية الكمال في أهل الجماعة، والإمام ركنُ الجماعة؛ فإنه لا تتصور الجماعة دونه، فإذا كان متنفلاً، فليس في صلاة الجمعة، والصبي وإن نوى الجمعةَ، فصلاته نفل.
والقول الثاني - أنه تصح جمعة القوم؛ فإن الغرض حصول الجماعة، واختلافُ نية الإمام والمأموم لا تمنع صحة الجماعة عندنا.
واختلاف القول مفرعّ على ما إذا تم الأربعون على الكمال دون الإمام، فأما إذا لم يزد القوم مع الإمام على الأربعين، فكان الإمام صبياً، فلا جمعة؛ فإن العدد قد نقص من أهل الكمال، وكذلك إذا كان الإمام متنفلاً في هذه الصورة.
فليفهم الناظرُ موضعَ التفصيل.
ولو اقتدى أربعون من أهل الكمال فصاعداً [بإمامٍ] 2، ثم بان أنه كان محدثاً، ففي صحة جمعتهم قولان أيضاً؛ فإن الاقتداء بالجنب مع الجهالة جائز عندنا في غير صلاة الجمعة.
1436 - ثم كان شيخي يرتب هذه المسائل، ويقول: في المتنفل، والصبي، قولان، [وفي المحدث قولان] 1، مرتبان، والجمعة معه أولى بالبطلان، والفرق ظاهر، وسيأتي تفريعات على صلاة الجنب توضح ما ذكرناه إن شاء الله.
ولو كان إمام القوم عبداً، أو مسافراً، فإن كان القوم مع الإمام أربعين، فلا جمعة؛ فإنه لم يحصل الكمال في العدد، وإن زادوا، فكمل عدد أهل الكمال دون الإمام، فقد قال شيخي: إن كنا لا نعد الإمامَ من الأربعين، فكأنا لا نعتبر العدد إلا في المقتدين، فنعتبر الكمال فيهم، ولا يضر أن يكون الإمام عبداً، أو مسافراً.
وإذا قلنا: الإمام معدود من الأربعين، فإذا تم القوم أربعين على الكمال، وكان الإمام عبداً أو مسافراً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الجمعة تصح، وهو ظاهر المذهب؛ فإن العدد قد تم في كاملين، وجمعة العبد صحيحة.
والثاني - أنه لا تصح؛ فإن الإمام إذا عُد في الأربعين، فهو ركن، فينبغي أن يشترط فيه الكمال، وإن كثر القوم وكملوا.
وهذا وإن أمكن توجيهه، فلا أعده من قاعدة المذهب.
1437 - وترجمة الفصل أن القوم إن كانوا مع الإمام أربعين، وكان الإمام ناقصاً، أو متنفلاً، فلا تصح الجمعة، وإن زادوا، وكان المقتدون الكاملون أربعين، والإمام متنفل أو صبي، فعلى قولين.
وإن [كنا] 2 نشترط أن يكون الإمام زائداً على الأربعين، فإن كان الإمام عبداً أو مسافراً، وقلنا: الإمام زائد، فتصح الجمعة.
وإن قلنا: يجوز أن يكون الإمام من الأربعين، فلو كمل الأربعون دونه، وكان الإمام الزائد عبداً أو مسافراً، فقد ذكر الأئمة وجهين، والأصح الصحة.
فرع:
1438 - المعذور إذا تخلف وافتتح الظهر، ثم زال العذر في أثناء الصلاة،
ونحن نفرع على أن غير المعذور لا يصح ظهره، قال رضي الله عنه 1: أجرى القفال هذا مجرى ما لو تحرم المتيمم بالصلاة على الصحة، ثم رأى الماء في خلال الصلاة، وهذا حسن بالغ، ثم لا يخفى تفريعه في الوجوه المذكورة في التيمم.
فصل
1439 - إذا زالت الشمس يومَ الجمعة، وكان الرجل من أهل استيجاب الجمعة، فلا يجوز له أن يسافر حتى يقيم الجمعة.
ولو لم تزل الشمسُ بعدُ، فهل يجوز له أن يسافر؟ في نص الشافعي تردُّدٌ.
وقد اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أنه يحرم السفر كما 2 طلع الفجر يوم الجمعة؛ فإن هذا الشعار وإن كان وقته بزوال الشمس، فهو مضاف إلى اليوم، ولهذا يعتد بغُسل الجمعة إذا وقع قبل الزوال.
والثاني - أنه يجوز أن يسافر؛ فإن وقت وجوب الجمعة يدخل بزوال الشمس، فلا معنى للحَجْر قبله.
ومن أئمتنا من قطع بجواز المسافرة قبل الزوال، وحمل نص الشافعي على التأكّد.
1440 - قال الشيخ أبو بكر: إنما تردد الأئمة فيه إذا لم يكن السفر واجباً، أو لم يكن سفر طاعة، فإذا كان واجباً، أو طاعة، لم يمتنع الخروج قبل الزوال بلا تردد، واستشهد عليه بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جهز جيش مؤتة، وأمّر عليه جعفر الطيار، وذكر ابنَ رواحة إن أصيب جعفر، فخرجوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُكرة يوم الجمعة، فلما تحلّل النبي عليه السلام رأى عبدَ الله بنَ رواحة، فقال: "ما الذي خلفك عنهم"؟ فقال: "أردت أن أصلي الجمعة ثم أروح".
فقال عليه السلام: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاًً ما أدركت غُدوتهم" 3.
والذي ذكره فيه بعض النظر: فأما إذا كان السفر واجباً، فلا شك، وهكذا كانت سفرتهم؛ فإن امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم متعيّن، وكان رأَى رأياً، واتبع وحياً، فأما القطعُ بذكره في سفر طاعة لا يجب، ففيه نظر، مع العلم بأن إقامة الجمعة مقدمة على الطاعات التي لا تجب، ولكن ما ذكره متجه؛ من جهة أن الجمعة قبل الزوال لا تجب، فانتظارها قبل الزوال في حكم الطاعة، غير أن مساق هذا يخير في السفر؛ فإن الطاعة إذا لم تجب، جاز تركها بالمباح.
فإن قيل: إذا زالت الشمس، لم يتعين إقامة الصلاة؛ فإن الصلاة إن وجبت، فإنما تجب وجوباً موسعاً، وظاهر المذهب أن من أَخَّر الصلاة لأول وقتها، ومات في أثناء الوقت، لم يمت عاصياً، فهلا خرج وجه في جواز السفر بعد الزوال؟ قلنا: الناس تبع للإمام في هذه الصلاة [فلو عجلها] 1، تعينت متابعته وسقطت خِيرةُ الناس، [في] 2 التأخير، وإذا كان كذلك، فلا يُدرى متى يقيم الإمام الصلاةَ، فتعين انتظارُ ما يكون منه، فهذا وجه التنبيه على أطراف الكلام 3.
... = عباس (ر.
الترمذي: 2/ 405، الجمعة، باب ما جاء في السفر يوم الجمعة، ح 527، وأحمد: 1/ 256، والبيهقي: 3/ 187، وذكره البغوي في شرح السنة: 4/ 227، وليس فيه تحديد أنه كان في غزوة مؤتة، والتلخيص: 2/ 70).
باب الغسل للجمعة والخطبة
غسل الجمعة فندوب إليه مؤكد، قال الشيخ أبو بكر: تركه مكروه.
وهذا عندي جار في كل مسنونٍ صح الأمر به مقصوداً، وقد ذكرت حقيقة المكروه في فن الأصول.
1441 - ثم لا يستحب غُسل الجمعة إلا لمن يحضر (1 الجامع، وغسل العيد مستحب لمن يحضر 1) المصلى، ولمن يلزم بيته؛ فإنه يومُ الزينة العامة، والأولى أن يقرب غُسل الجمعة من وقت الرواح؛ فإن الغرض التنزه، وقطعُ الروائح الكريهة، ولو اغتسل المرء بعد طلوع الفجر يوم الجمعة أجزأ، وإن كان متقدماً على الرواح بأزمان طويلة، ولو اغتسل قبل طلوع الفجر للجمعة، لم يعتد بغسله، ولو اغتسل للعيد قبل الفجر، ففيه وجهان، سنذكرهما في صلاة العيد.
وحكى الشيخ وجهاً عن محمد 2 أن غسل الجمعة قبل طلوع الفجر يجزىء، ثم غلّطه وزيّفه، وهو خطأ لا شك فيه.1
1442 - ومما ذكره الشيخ أبو بكر 1، وهو واضح، ولكني أحببت نقله منصوصاً، وفيه احتمال أيضاً: إذا قيل: لو سَلِم أعضاءُ الوضوء من إنسان، وتقرح سائر بدنه، وعسر عليه إقامةُ الغسل، فإنا نأمره بأن يتيمم بدلاً عن الغسل؛ فإن التيمم ثابت في الطهارات التي يعجز المريض عنها، وفيه احتمال [من جهة] 2 أن هذا الغُسلَ منوط [في] 3 الشرع بقطع الروائح والتنزه، والتيمم لا يقوم مقامه، والظاهر ما ذكره.
= الوجوه، وليس عن محمد بن الحسن.
وربما يرجح هذا أن عيسى بن أبان بن صدقة (من أعلام الحنفية)، حينما روى نقلاً عن الشافعي، ناقش أئمة المذهب قضية قبول نقل المخالف عن إمامهم، وعرض النووي نفسُه لهذه القضية، وعلل لقبول النقل بأن عيسى بن أبان ثقة.
(ر.
المجموع: 1/ 151، والدرة المضية: مسألة رقم 23).
وأعني بهذا أن تخريج الوجوه على نصوص الشافعي، وهو استنباطٌ بالرأي والاجتهاد، كان أحق بالتوقف والتردد في قبوله، أي أن سكوت النووي والرافعي ونَقْلَهما حكايةَ إمام الحرمين للوجه في (النهاية) عن (محمد) يدل على أنهما فهما أنه محكي عن أحد أصحاب الوجوه في المذهب، واسمه (محمد).
ولكن يبقى السؤال قائماً: من يعني الشيخُ في الشرح (بمحمد)؟ وهذا هو سؤال إمام الحرمين نفسه، حينما أشار إلى وجه له في صلاة المسافر.
ومما يؤيد ترجيحنا أن المعنيّ هنا غيرُ محمد بن الحسن، ما رأيناه في كتب الأحناف، حيث لم يذكر خلافٌ في وقت الغسل للجمعة، وإنما الخلاف عندهم في أن الغسل لليوم أو للصلاة، وحتى في هذه لم يشيروا إلى خلاف محمد بن الحسن، بل الخلاف فيهما بين الحسن بن زياد، وأبي يوسف.
فكيف يعقل أن يشتهر رأيٌ لمحمد بن الحسن، ويتناقله الشافعية في كتبهم، على حين لا يعرفه الأحناف، ولا يذكرونه في الكتب الأمهات لمذهبهم.
(ر.
بدائع الصنائع: 1/ 270، فتح القدير: 1/ 67، حاشية ابن عابدين: 1/ 113) والله أعلم.
1443 - [ثم] 1 عدّ صاحب التلخيص الأغسال، [فبدأ بما يجب منها، وهو الأربعة المذكورة في كتاب الطهارة، وزاد بعدها] 2 الأغسال المسنونة، فقال: منها غسل الجمعة، وغسل العيدين، والغسل من غسل الميت، والغسل للإحرام، والغسل للوقوف بعرفة، والغسل لمزدلفة، والغسل لدخول مكة، وثلاثة أغسال أيام التشريق، وهذه الأغسال منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وذكر الغسل لدخول الكعبة، وحكى قولاً في القديم أنه يغتسل لطواف الوداع خاصة.
1444 - وذكر الغسل إذا أسلم الكافر، وهو ثابت، ولكن إن كان الكافر جنباً فأسلم، لزمه الغسل، وإن كان اغتسل في الكفر، فالمذهب أنه لا يصح غسله، وإنما التفصيل والتردد في الكافرة تحت مسلم، تغتسل إذا طهرت عن الحيض، وأبعد بعض أصحابنا، فطرد صحةَ القَوْل في حق كل كافر، وهذا ذكره أبو بكر الفارسي، فغلّطه الأصحاب فيه، وحكاه الشيخ في الشرح.
وإن لم يكن الكافر جنباً، فنستحب غُسلاً بسبب الإسلام.
واختلف الأئمة في وقته، فمنهم من قال: يسلم ثم يغتسل؛ فإن حق القربات أن تقع بعد الإسلام، ومنهم من قال: يغتسل قبل إظهار الإسلام، وفي الأخبار إشارة إلى هذا، وهذا فيه نظر؛ فإن الأمر بتأخير الإسلام محال، والمعرفة إن ثبتت لا يمكن دفعُها، وإن كان المراد إظهار الشهادتين، فلا وجه لتأخيره؛ فإنه مما يجب على الفور.
نعم: لو قيل: لو بدأ تباشيرُ الهداية، فابتدر الكافرُ، واغتسل، ثم أقبل وهداه الله في الحال الذي وصفناه.
فهل يعتد به؟ فيه احتمال وتردد.
1445 - ومما ذكره: الغسل بعد الإفاقة من إغماءٍ، أو جنون، وهذا صحيح، وفي مرض وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يغشى عليه، فإذا أفاق قال:
"ضعوا لي ماء في المِخْضَب" 1، وكان يغتسل.
وقد أوجبه بعض السلف.
ومما عده غسل الحجامة، وقد أنكره معظم الأصحاب، وقالوا: لا نعرف له أصلاً.
وذكر الغسل على من يخرج من الحمام، وأنكره المعظم من غير سبب يقتضيه.
1446 - ثم قال: بعض هذه الأغسال اختيار، وأراد بذلك أنها لا تبلغ درجة الوَكادة، وعدَّ في ذلك غسل الكافر إذا أسلم، وغسل الحجامة، وغسل الحمام، وعدّ من هذا القسم الغسلَ من غسل الميت، وهذا غلط باتفاق الأصحاب؛ فإنه من الأغسال المؤكدة، وللشافعي قول: إنه آكد من غسل الجمعة، وذكر الساجي 2 وجهاً بعيداً أنه واجب، وكذلك الوضوء من مس الميت، وعندي أني ذكرته في كتاب الطهارة.
فصل
1447 - نقل المزني آداباً في الخطبة والأذان، ثم قطع الكلامَ وأتى بكلام آخر 3، ونحن نرى أن نذكر -بعد هذا- جميعَها وِلاء نَسَقاً 4. والذي ذكره بعد تلك المبادىء تفصيلُ القول في المسبوق إذا أدرك من الجمعة [شيئاًً] 5، ونحن نستقصي القول في ذلك إن شاء الله، فنفرض قولاً في غير الجمعة، ثم نعود إلى الجمعة.
1448 - فنقول: إذا قام الإمام في صلاة الصبح إلى الركعة الثالثة ساهياً، فدخل داخل، فاقتدى به على ظن أنها الركعة الثانية، فإن أدرك الركعة بتمامها: قراءتَها وقيامَها، فالمذهب أنه مدرك لهذه الركعة؛ فإنه صلى ركعةً تامة، وغاية ما في المسألة أن الركعة غير محسوبة للإمام، فجعل كان المقتدي اقتدى بإنسان، ثم بان أن إمامه كان محدثاً، فصلاة المقتدي صحيحة، وذكر الشيخ أبو علي وجهاً بعيداً أن المقتدي بالإمام في الركعة الثالثة لا يكون مدركاً للركعة؛ فإنها في حكم اللغو، والغالب أن يظهر مثله؛ فإنها زيادة محسوسة، وطهارة الإمام وحدثُه أمر باطن، فكانت الركعة [الثالثة] 1 في حكم الاقتداء بالكافر؛ فإن الكفر مما يظهر غالباً.
وهذا الذي ذكره بعيد جداً، ولو طرد قياسه، للزم أن يقال: لا تنعقد صلاة المقتدي، كما لا تنعقد صلاة من اقتدى بكافرٍ على الجهل بحاله؛ إذ لو علم أن الإمام قائم إلى الثالثة ساهياً، ثم إنه اقتدى به، لم تنعقد صلاته، وقد قطع رضي الله عنه بأن اقتداء المقتدي منعقد في الركعة الثالثة، وقد ينقدح فيه أن سبب انعقاد الصلاة أن الإمام ليس خارجاً عن الصلاة بملابسة السهو الذي صدر منه، والكافر ليس في صلاة أصلاً.
فليتأمل الناظر ذلك.
فهذا إذا أدرك المقتدي تمامَ الركعة على جهل.
1449 - فأما إذا دخل، فأدركه في ركوع الركعة الثالثة، فإن قلنا: لو أدرك جميعَ الركعة، لم يكن مدركاً، فإذا أدرك الركوعَ، فلأن لا يكون مدركاً أولى، وإن قلنا: إذا أدرك الركعة التامة يكون مدركاً وهو المذهب، فإذا أدرك الركوعَ، فالمذهب وما قطع به الأئمة أنه [لا] 2 يصير مدركاً لهذه الركعة؛ فإن الركوع ليس محسوباً للإمام، فكيف يصير متحملاً عمن أدركه فيه؟ وكذلك لو أدرك المسبوق الإمامَ المحدِث في ركوع ركعةٍ، فلا يصير مدركاً للركعة.
وذكر الشيخ أبو علي وجهاً بعيداً في شرح الفروع أنه يصير مدركاً للركعة؛ فإنه لو أدرك كلّ الركعة، لكان مدركاً، فكذلك إذا أدرك ركوعَها.
وهذا وإن كان بعيداً، فهو عندي يستند إلى أصل، وهو أن قول الشافعي اختلف في أن إمام الجمعة لو بان محدثاً، فهل تصح جمعة القوم أم لا؟ ففي قولٍ تصح، ولا خلاف أن الانفراد بصلاة الجمعة لا يجوز، فإنَّ شرطَ إجزائها والاعتداد بها القدوة، فإذا قضينا بصحة الجمعة، فقد قضينا بصحة القدوة عند الجهالة بحدث الإمام، فعلى هذا لا يمتنع أن نجعل مدرك الركوع من صلاته مدركاً للركعة على الجملة.
وهذا كله في غير صلاة الجمعة.
1450 - فأما إذا فرض قيام الإمام في الجمعة إلى الركعة الثالثة ساهياً، فلو دخل مسبوق واقتدى به في هذه الركعة من أولها، وأدرك قيامَها وقرأ ما يجب أن يقرأ، فهل يصير مدركاً لصلاة الجمعة؟ فيه وجهان مشهوران، مبنيان على القولين في أنه لو بان الإمام محدثاً، فهل تصح الجمعة؟ والفرق بين الجمعة وغيرِها من الصلوات أن الجماعة شرط في الجمعة، ومن ضرورة 1 الجماعة إمام يُقتدى به، فإذا تبين أخيراً أن الإمام [محدثٌ] 2، فقد تحقّقَ انعدام شرط معتبرٍ في صحة الصلاة، ولو اقتدى المسبوق به في الركعة الزائدة، وهو عالم بحاله، لم يصح اقتداؤه وفاقاً.
فهذا إذا أدركه في جميع الركعة.
فأما إذا أدركه في ركوع الركعة الزائدة، فإن قلنا: لو أدركه في جميعها، لم يكن مدركاً، فما الظن به إذا أدركه في الركوع؟ وإن قلنا: لو أدركه في تمامها، لكان مدركاً، فالمذهب أن الإدراك في الركوع لا يكون إدراكاً، وفيه وجه بعيد في النهاية 3 أنه يصير مدركاً.
وهذا ترتيب الشيخ أبي علي في شرح الفروع.
واختيارُ ابن الحداد في الجمعة أن المدرك لتمام الركعة لا يكون مدركاً للجمعة.
1451 - ومما يتصل بذلك أن الإمام لو كان نسي السجود من الركعة الأولى، وتداركه في الثانية، فيحصل له من الركعتين ركعة واحدة، على الترتيب الذي تقدم في باب سجود السهو، فإذا قام في الصلاة إلى الركعة الثالثة، فهذه ثالثة في الصورة ثانية في الحقيقة، ولا شك أن من أدركه في جميعها أو ركوعها، فهو مدرك للجمعة، وبمثله لو نسي السجود في الركعة الثانية، وقام إلى الثالثة ناسياً فقيامه وركوعه، ورفعه الرأس في هذه الركعة 1 غيرُ محسوب، بل عمله فيها كلا عمل، وإنما يعتد فيها بما يأتي به من السجود، فالمسبوق لو أدرك في هذه الركعة، فقد أدرك في زائدة، وقد ذكرنا التفصيل فيه على ما ينبغي.
1452 - وابن الحداد يرى أن الاقتداء بالإمام في الركعة الزائدة غيرُ محسوب، وهذا أصح الطرق.
1453 - ونحن نفرع عليه فرعاً هو تمام الكلام.
فنقول: إذا كان الإمام نسي السجود من الركعة الأولى، ثم أتى في الركعة الثانية بالسجود، وإنما تنبه لما جرى له عند انتهائه إلى السجود في الركعة الثانية، فقام إلى الركعة الثالثة -وهذا هو الواجب عليه- فهذه صورة المسألة التي [نطلبها] 2، فلو أدركه مسبوق [في أول] 3 الركعة الثانية، وأقامها بتمامها معه، وظن أنها الركعة الأولى، ثم قام مع الإمام إلى الركعة الثالثة، وأتمها، فلا شك أن المسبوق يصير مدركاً للصلاة؛ فإنه أدرك ركعة محسوبة للإمام.
1454 - ثم قال القفال: إذا سلم الإمام، يسلم معه؛ فإنه قد صلى ركعتين
تامتين، وأدرك حقيقة الجماعة في إحداهما، فإن [كان] 1 في حكم المنفرد في الركعة الأولى على ما يرتضيه ابن الحداد، فانفراد المسبوق في صلاة الجمعة بركعةٍ لا يضر، بعد أن يصح له إدراك الركعة 2.
ثم وجه على نفسه سؤالاً وانفصل عنه، فقال: لو صح ما ذكرتموه على هذا الوجه، للزم أن يقال: لو نوى الإنسان الانفراد بركعةٍ، ثم اقتدى بالإمام في الركعة الثانية، يصح ذلك منه؟ ثم قال مجيباً: هذا لا يصح في صلاة الجمعة؛ فإنه بنية الانفراد تاركٌ للقدوة في ابتداء الصلاة، والقدوة شرط الجمعة، ووقت نيتها التحرّم، وتكبيرة العقد، وفي المسألة التي نحن فيها نوى القدوةَ في وقتها، فحصلت، وتحقق الإدراك في ركعة.
هذا قول القفال، حكاه عنه كذلك الصيدلاني، وقطع به.
1455 - وحكاه الشيخ أبو علي، ثم لم يرضه، وقال: المقتدي على أصل ابن الحداد لم يدرك من صلاة الإمام إلا ركعة واحدة، هي المحسوبة 3، فإذا اطلع المقتدي أخيراً على حقيقة الحال، وسلَّم الإمامُ، فينبغي أن يقوم ويصلّي ركعةً أخرى، فهذا 4 يُتم صلاتَه، والسبب فيه أن القدوة لم تتحقق في الركعة التي هي صورة ثانية الإمام؛ فإنها لم تكن محسوبة، ولا يصح من المسبوق تقديم الانفراد على الجماعة في الجمعة، فالذي جاء به أولاً انفرادٌ، قبل حصول حقيقة الجماعة في الركعة الأخيرة، فلم يعتد به، فإذا أدرك الركعة المحسوبة، وهي الأخيرة، فليقم بعدها إلى الركعة التي ينفرد بها المسبوق بعد تحلل الإمام، والمسألة محتملة جداً، وما ذكره الشيخ أبو علي متوجه على ما اختاره ابن الحداد وصححه.
1456 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك: أن الإمام لو نسي السجود من إحدى الركعتين، وقام إلى الثالثة ليتدارك، وكان لا يدري أنه نسي السجود من الأولى أو
الثانية، فإذا أدركه المسبوق في هذه الثالثة، فلا شك أنا في التفريع على الصحيح نقول: إذا كان نسي السجود من الثانية، فثالثته غير محسوبة إلا السجود منها، ولو قدرنا ذلك، فلا يكون المسبوق مدركاً على الرأي الظاهر، وإن كان نسي الإمام السجود من الركعة الأولى، فالثالثة محسوبة من صلب الصلاة، والمسبوق مدرك، ولو أشكل الأمر، ولم يدر أنه ترك السجود من الأولى أم من الثانية، فنأخذ في حق المسبوق بالأسوأ، ويُقدر كأنه ترك من الثانية؛ حتى لا يكون مدركاً للجمعة.
على الأصح الذي اختاره ابن الحداد.
1457 - ثم حيث قلنا: لا يكون مدركاً للجمعة، فهل يكون مدركاً للظهر؟ فإن الجماعة ليست مشروطة فيها، فهذا ينبني على أن الظهر هل تصح بنية الجمعة؟ وقد مضى التفصيل في الركعة الزائدة إذا أدركها المقتدي في غير صلاة الجمعة.
وقد تقرر الغرض من الفصل، فلا حاجة إلى إعادته.
فصل
قال: "وإذا زالت الشمسُ، وجلس الإمام ... إلى آخره" 1
1458 - نذكر في هذا الفصل ما يشترط في الخطبتين، وما يستحب فيهما.
فنقول أولاً: الخطبتان لا بدّ منهما، ولا تكفي الواحدة، والشافعي اعتمد الاتِّباع، وهو الأصل فيما لا يعقل معناه، ويجلّ خطره، فما صادف الروايات لا يختلف فيها، بل تتفق، [أوجبه محتاطاً] 2، وعلى هذا بنى العددَ 3 الذي ذكرناه.
وأبو حنيفة لما لم يلزم الاتباع، فلم يزل يخلّ قليلاً قليلاً، حتى اكتفى بأن يقول الإمامُ قبل الصلاة: "سبحان الله" في نفسه 1، ولا شك أن هذا إسقاطٌ لشعار الخطبة، ومذهبه في هذا بمثابة أصله في أقل الصلاة.
ونحن نذكر أركان الخطبتين، ثم نذكر شرائطهما، ثم نعود فنذكر رعاية الآداب فيهما، من أول الافتتاح إلى الاختتام.
1459 - فأما الأركان، فقد قال أئمتنا: المرعيّ المتبع في الخطبتين خمسةُ أشياء: = للجمعة خطبتين يجلس بينهما".
(ر.
التلخيص: 2/ 58 ح 627، البخاري: الجمعة، باب الخطبة قائماً، ح 920، وباب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة، ح 928، مسلم: الجمعة، باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة، ح 861، 862، والنسائي: الجمعة، باب (32) ح 1416 - 1418، والكبير للطبراني: 6661).
الحمد لله، والصلاةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوصيةُ بتقوى الله، وقراءة القرآن، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات.
ثم اتفقوا أنه يجب في الأولى والثانية في كل واحدة منهما الحمد لله، والصلاة، والتوصية بالتقوى، فهذه الأركان الثلاثة لا بد منها في كل خطبة.
وفي بعض التصانيف 1 أن المقصود حث الناس على التقوى، والحمدُ والصلاة، وإن وجبا جميعاًً وفاقاً، فهما في حكم الذريعتين إلى الوصية بالتقوى، ولا أصل لهذا الكلام، ولا فائدة فيه مع إيجاب الجميع.
فأما قراءة القرآن، فقد حكى شيخي أبو محمد وجهين عن أبي إسحاق المروزي في أنها معدودة من الأركان متحتمة أم هي مستحبة؟ ثم قال: إذا أوجبناها، فقد اختلف أئمتنا في محلّها، فمنهم من قال: تختص بالأُولى، فلو أخلى الخاطب الأولى من القراءة، لم يجز، وهذا القائل يقول: تشترك الخطبتان في ثلاثة أركان: الحمد، والصلاة، والحث على التقوى، وتختص الأُولى باستحقاق القراءة فيها، وتختص الثانية بالدعاء.
ومنهم من قال: الدعاء يختص بالثانية، فأما قراءة القرآن، فلا يتعين لها واحدة، بل يجب الإتيان بها في إحداهما، وهذا هو الظاهر.
وقد حكى شيخنا أبو علي في شرح التلخيص عن نص الشافعي في الإملاء أنه قال: أركان الخطبتين: الحمد، والصلاة، والوعظ.
ولم يذكر قراءة القرآن، والدعاء، ولما عدّ صاحب التلخيص الأركان، لم يعدّ القراءة، ولا الدعاء أيضاً.
وأما الخلاف
في قراءة القرآن، فقد حكاه شيخي عن أبي إسحاق.
وأما التردد في الدعاء، فلا نراه إلا في التلخيص، ولا يحمل سكوت صاحب التلخيص عن ذكر الدعاء على غفلةٍ؛ فإن المقصود الأظهر من كتابه العدّ والحصر، والاستثناء، وقد ظهر وفق قوله من نص الشافعي، الذي نقله عن الإملاء.
1460 - ولو تأمل الناظرُ مقصود الخطبة، ألفاه راجعاً -بعد ذكر الله وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلى حمل الناس [على مراشدهم] 1 بالموعظة في كل جمعة، وأما القراءة والدعاء، فلا يبعد من طريق المعنى خروجهما عن الأركان، ولكن هذا غريب، ولم يحكِ خروجَ القراءة فيما أظن غيرُ 2 شيخِنا 3 والشيخ أبي علي، واختص أبو علي بما حكاه 4 نصّاً ونقلاً عن صاحب التلخيص في الدعاء.
وذكر العراقيون أنه يجب قراءة القرآن في كل خطبة، وهو مكرر تكرر الحمد والوصية.
فهذا مجامع القول في الأركان.
1461 - ونحن نعود إلى قول في التفصيل، [فنقول: أما] 5 الحمد، فقد وجدتُ الطرقَ متفقة في تعيينه، والمصير إلى أنه لا يقوم ذكر الله بسائر وجوه التحميد والثناء مقام الحمد نفسه، وهذا هو اللائق بقاعدة الشافعي في بناء الأمر على الاتّباع؛ فإنّ أحداً ما عدل عن الحمد إلى غيره من وجوه الثناء.
وفي بعض التصانيف في ذكر أركان الخطبة إطلاق القول باستحقاق الثناء على الله، وهو مشعر بأن الحمد لا يتعين، بل يقوم غيره مقامه، وهذا لا أعدّه من المذهب، ولا أعتدّ به.
1462 - واتفقت الطرق على أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالنبوة والرسالة، وسائر وجوه المناقب التي خصه الله تعالى بها، لا يقوم مقامَ الصلاة عليه، فلا بد منها، ويشهد [لتعينها] 1 وجوبها على التعيين في الصلاة بعد التشهد.
وذكر العراقيون ذكرَ الله وذكرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرضوا للحمد ولا للصلاة، وظنّي أنهم أرادوا الحمد والصلاة، ولكنَّ لفظَهم [ما] 2 نقلته.
1463 - فأما القول في الحث على التقوى، فلا شك أن لفظ الوصية ليس معيَّناً، وإنما الغرض الاستحثاث على التقوى بأية صيغة كانت، ثم التقوى تجمع كلَّ وعظ، وهي مشعرة بالإقدام على المأمورات، والإحجام عن المنهيات، وقد بحثت عن الطرق، فلم أرها متعينة، بل الغرض الوعظ، وقد نص عليه الشافعي في الإملاء فيما نقله الشيخ أبو علي، وأبواب المواعظ راجعة إلى الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، وفي أحدهما إشعار بالثاني، فيقع الاكتفاء به، وأما التحذير عن عقاب الله، والترغيب في ثواب الله، ففي ذكرهما، أو ذكر أحدهما كفاية عن التصريح بالأمر بطاعة الله، والنهي عن مخالفته، فيما أراه.
وهذا حقيقة التقوى.
فأما الاقتصار على ذكر التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، فلست أراه كافياً، من جهة أنها مما يتواصى به المعطّلة المنكرون للمعاد.
وينبغي أن يكون الوعظ في أول درجاته مشعراً بمواعيد الشرع والتزامها.
وكذلك الأمر بالإحسان المطلق، من غير تعرض لذكر الله تعالى، ما أراهُ مجزياً.
وأما ذكر الموت، فإن اشتملت الوصية على الأمر بالتأهب والاستعداد له، فهو كاف، وإن لم يَجْر إلا ذكره، فهو من الاقتصار على ذكر فناء أعراض الدنيا فيما أظن.
1464 - ومما يدور في الخلد أن الخاطب لو اقتصر على كلم معدود، ليس فيها هزٌّ، واستحثاث على الخير، أو زجر عن معصية، مثل أن يقول: أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه.
فهذا القدر لو فرض الاقتصار عليه، فالذي يؤخذ من قول الأئمة أنه كافي؛
فإنه ينطلق عليه اسم الوصية بالتقوى والخير، ولكني ما أرى هذا القدرَ من أبواب المواعظ التي تنبه الغافلين، وتستعطف [القلوب] 1 الأبيَّة العصيَّة، إلى مسالك البرّ والتقوى.
وإن كان المتبع مسالكَ الأولين في العُصُر الخالية، فالغرض فصلٌ مجموع يهزّ، ويقع من السامعين موقعاً.
وقد بالغ الشافعي في الاتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين، كما سأذكره.
وليس يليق بمذهبه أن يُعدَّ قولُ الخطيب: "الحمدُ لله، والصلاة على محمد، أطيعوا الله" خطبة تامةً، والعلم عند الله.
وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في الإملاء وفيه إشعار بما ذكرته.
أما الاقتصار على كلمة في الحمد والصلاة مع أداء معناهما، فلا شك في كفايته، فإنما قولي هذا في الوعظ، وهذا الآن يشير إلى ما ذكره بعض المصنفين من أن مقصود الخطبة الوعظُ 2، والحمد والصلاة ذريعتان.
1465 - فأما قراءة القرآن إذا أوجبناها على المشهور، فالذي ذكره الأئمة: لا بد من قراءة آية تامة.
وهذا فيه كلامٌ عندي، ولو قرأ شطراً من آيةٍ طويلة، فلست أُبعد كفايةَ ذلك، ولا أشك أنه لو قال: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] لم يكفِ ذلك، وإن عُدَّ آية، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكرٌ من الأذكار، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب، ولست أرى للآية الواحدة في هذا الباب ثَبَتاً في التوقيف.
ومما لا بد من إجزائه أنه لو قرأ الخطيب آيةً فيها وعدٌ أوْ وعيد، أو حكمٌ شرعيّ، أو معنى مستقل في وقعةٍ، فهذا كافٍ، ولو قرأ من أثناء قصّةٍ ما يحرم قراءتُه على الجنب، ولكن كان لا يستقل بإفادة معنى على حياله، فهذا مما أتردد فيه.
1466 - وبلائي كله من شيئين: أحدهما - أن بَني الزمان ليس يأخذهم في طلب الغايات، [لا.
بل] 3 في طلب حقيقة البدايات ما يأخذني، فلا يهتدون
[لما] 1 أبغيه من مداركها، بل أخاف أن يتبرّموا 2 بها.
ثم الأولون لم يعتنوا بالاحتواء على ضبط الأشياء، والتنبيه على طريق التقريب فيها، ويشتد ذلك جداً في الإحالة على الأمور المرسلة، التي لا يثبت توقيف خاص شرعي فيه، كما نحن الآن مدفعون إليه من لزوم الاتباع وتركِ الاقتصار على أدنى مراتب الأذكار، ثم لم تثبت ألفاظ مضبوطة حسب ثبوتها في التشهد والقنوت وغيرهما، فجرّ ذلك ما أنهيتُ الكلام إليه من التردّدات 3.
1467 - وأما الدعاء، فيكفي فيه الدعاء للمؤمنين كافةً، بجهةٍ من الجهات، وأرى ذلك متعلّقاً بأمور الآخرة، غيرَ مقتصر على أوطار الدنيا، والعلم عند الله.
فهذا بيان أركان الخطبة.
1468 - وكان شيخي يقول: لو قرأ الخطيب في كل ركن من الأركان آية مشتملةً على المعنى المطلوب، فأتى بآيٍ من القرآن على هذا الترتيب لا يُجزيه.
والأمر مقطوع به في المذهب.
كما قال؛ فإن الذي جاء به لا يسمى خطبة، وقد تقرر أن الخطبة أوجبت ذكراً، وإن لم يعيَّن، فهو من هذه الجهة كالتشهد والقنوت، غير أن الأذكار متعيّنة فيهما، وهو غير متعيّن في الخطبة، وإلا فالكل سواء في أنه شرع ذكراً، ولكنه عُيّن في التشهد، وأُبهم في الخطبة، وفيه فقهٌ حسن؛ فإن الخطباء لو لزموا شيئاًً واحداً، وأنس به الناس، وتكرر على مسامعهم، لأَوْشَك ألاّ تحصل فائدة الوعظ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات، فهذا كذلك، وإن كنت لا أشك في أن الخاطب لو لزم كلمات معهودة في ركن الوعظ، أو كان يُعيدُها، فيكفيه ذلك؛ فإنه قد يختلف السامعون، ويتبذلون في كل وقت.
فإذن قد تحقق أن قراءة القرآن لاتكفي، نعم.
لو أوقع التحميدَ آيةً، فليس يمتنع ذلك، ولو أوقع الوعظَ آية، أو آيات مشتملةً على مواعظ، وما جعلَ جميع الخطبة قراءةً، فلست أبعد إجازةَ ذلك، وقد نص عليه شيخي، ولكن ينبغي ألا تحتسبَ القراءة وعظاً، ويُعتدّ بها عن جهة القراءة أيضاً؛ فإن ذلك لا يليق بمذهبنا.
1469 - ثم سنَحَ في هذا إشكال في التفريع، وهو أنه لو أتى بدل الوعظ بالقراءة، ثم قرأ القرآن عن جهة استحقاق القراءة، ولم أُبعد أن يكفي في الحمد آيةٌ فيها حمدٌ أيضاً، فينعطف الأمر آخراً إلى تجويز ردّ الخطبة كلّها قراءة، وهذا ممتنع.
ويخرج منه نتيجةٌ، وهي اشتراط إيقاع الوعظ ذكراً؛ حتى [لا] 1 يؤدي إلى هذا آخراً؛ فإنه قد لاح أن الغرض الأظهر من الخطبة الوعظ.
فهذا منتهى القول في أركان الخطبة.
1470 - ثم القيامُ في الخطبتين حتم عند الشافعي في حق القادر على القيام، وكذلك القعود بين الخطبتين، ولا بد من رعاية الطمأنينة في القعدة بين الخطبتين، كما يشترط ذلك في القعود بين السجدتين.
فإن قيل [لِمَ] 2 لَمْ تعدّوا القيامَ والقعودَ من الأركان، وعددتموها في الصلاة؟
قلنا: لا حجر في ذلك، فمن [عدّ] 3 ذلك في الخطبة، فقد أصاب، ومن لم يعدهما في الصلاة، وزعم أن القيام والقعود محلاّن، والمقصودُ ما يقع فيهما، فلا بأس عليه.
ومن حاول فصلاً، لم يبعد؛ فإن الغرض من الخطبة الوعظ، وهذا أمرٌ معقول، ولا يصح في الصلاة أمرٌ معقول، والأمر في ذلك كله قريب [مع اعتقاد] 4 وجوب القيام والقعود في الموضعين.
فهذا أركان الخطبة.
1471 - فأما الشرائط، فلا يختلف العلماء في أن الوقت شرطٌ فيهما، فليقع أول ما يعتد به منها 1 [بعد] 2 الزوال.
ثم شرطُ الاعتداد بالصلاة تقدّم الخطبتين، ولما اختصتا بالوجوب من بين سائر الخطب، اشتُرط تقديمهما، حتى يحتبس الناس لانتظار الصلاة ويسمعوا.
ولما لم تجب الخطبة في العيد وغيره، لم يضر التأخير، وإن فرض انتشار الناس فيها.
1472 - وفي اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وجهان مشهوران: أحدهما - لا يشترط؛ فإن الغرض منهما الذكر والوعظ، ولا منافاة بين ذلك وبين الحدث.
والثاني - أن الطهارة مشروطة، وقد علل هذا الوجهَ بعضُ الأصحاب بأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين؛ فيشترط فيهما الطهارة، وهذا لا أرضاه توجيهاً، مع القطع بأن الاستقبال ليس مشروطاً فيهما.
والوجه أن نقول: هذا مبني على اشتراط الموالاة [كما] 3 تقدم؛ فإنه إذا لم يكن متطهراً، فقد يتفرق النظام إذا توضأ قبل الصلاة 4.
1473 - وأجرى الأصحابُ اشتراط الستر في الاعتداد بالخطبة على الخلاف المذكور في الطهر، وسبب اشتراطه بروز الخطيب، وما فيه من هُتكةٍ 5 من الانكشاف لو لم يتستر.
1474 - وأما الاستقبال، فلا أشك أنه ليس شرطاً، بل الأدب أن يستدبر كما سنذكره، ثم لم يشترط أحد الاستدبار أيضاً، فلو استقبل وأسمَعَ أجزأ، وإن خالف الأدب.
1475 - ومما يتعلق بما نحن فيه: أنا إذا شرطنا الطهارة في الاعتداد بالخطبة، فلو
كان الخطيب يخطب، فسبقه الحدث في أثناء الخطبة، فلو أتى بركنٍ في حالة الحدث، فلا أشك أنه لا يعتد بما جاء به في الحدث، ولكنه إذا جدد الوضوءَ، فيستأنف الخطبة، أو يبني عليها، ويأخذ من حيث جرى الحدث؟
وذكر شيخي في ذلك وجهين مبنيين على أن الموالاة هل تشترط في الخطبة؟ وهذا منه دليل على أنه ليس يتلقى اشتراطَ الطهارة من نفس الموالاة؛ فإنه كان يقول: إن شرطنا الموالاة، وقد اتفق الوضوء على قربٍ من الزمان لا تنقطع بتخلل مثله الموالاة، فهل يجب استئناف 1 الخطبة؟ فعلى وجهين، أحدهما - يجب كالصلاة يطرأ عليها الحدث.
والثاني - لا يجب؛ فإن الخطبة لا عقد فيها، وإنما المرعي فيها الموالاة، لغرض تواصل الكلام، وإفادة الوعظ، وإذا لم يتخلل زمان طويل، جاز البناء، وإن جرى الوضوء في زمان طويل، فلا شك أنا نأمره بالاستئناف على قول اشتراط الموالاة.
وحفزني على هذا شيء، وهو أن الموالاة إذا اختلت في الطهارة بعذر، فالطريقة المرضية أن ذلك لا يقدح في الطهارة، وإن شرطنا الموالاة فيها، ولكن الذي أراه أن الموالاة إذا انقطعت بعذرٍ في الخطبة، فلا أثر للعذر، وفي انقطاع الخطبة ووجوب الاستئناف الخلاف؛ والسبب في ذلك أن الطهارة غيرُ معقولة المعنى، ولا يختل بترك الموالاة فيها غرض، ولكن من حيث إن الطهارة عُهدت متوالية، كما عهدت مرتبة، اشترطنا في قولٍ الموالاة فيها، فإذا فرض عذرٌ، لم يمتنع أن يعذر صاحب الواقعة، على أنه قد ورد على حسب ذلك أثرٌ عن ابن عمر 2. وأما اشتراط الموالاة في الأذان والخطبة؛ فإنه متعلق بمعنى معقول، فإذا اختل ذلك المعنى المعتبر، لم يظهر فرق بين المعذور وغيره.
فهذا بيان شرائط الخطبة.
ومن أخص شرائطها رفعُ الصوت، وسنذكر تفصيلَ القول فيه في الفصل المشتمل على ذكر الإنصات والاستماع.
1476 - والآن بعد ما نجز القول في الأركان، والشرائط، نذكر قولاً في آداب الخطبة وسننها جامعاً، ونعود إلى افتتاح الخطبة، فنقول:
إذا رَقِيَ الإمام على المنبر، وانتهى إلى الدرجة التي عليها مجلسه، فيُقبل على الناس ويسلّم عليهم، فأما عندنا، فالأصل في ذلك ما روى ابنُ عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دنا من منبره، سلم على من عند المنبر، ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه، سلم، ثم جلس، ثم إذا جلس أذّن المؤذّنون بين يديه الأذان المشروع" 1 وما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر أذان يوم الجمعة قبل هذا، فلما كثر الناس في زمان عثمان، وعظمت البلدةُ، أمر المؤذّنين، حتى [أذنوا] 2 على أماكنهم، ثم كان يؤذّن المؤذّنون بين يديه إذا استوى على المنبر، ثم الخطيب يجلس والمؤذّن يؤذن، وإذا فرغ، قام وخطب.
وينبغي أن يشغل يديه حتى لا يعبث بهما، وقد روي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتمد على عَنَزَةٍ، وروي أنه اعتمد على قوس، وروي على سيفٍ، وقد قيل: إنه كان في الحضر يعتمد على عَنَزَة، وكان إذا خطب في السفر اعتمد على قوس أو سيف" 3 والأمر في ذلك قريب.
وإذا شغل إحدى يديه بما ذكرناه، شغل الأخرى بالتمسك بحرف المنبر، وإن لم يتفق ذلك، وضع إحدى يديه على الأخرى، كما يفعله في صلاته، أو أرسل يديه وأقرَّهما.
وليس في هذا ثَبَتٌ، والغرض ألا يعبثَ.
ثم سبب إقباله على الناس واستدباره القبلة أن يخاطبهم، فإن استدبرهم، وهو يخاطبهم، كان قبيحاً، خارجاً عن حكم عرف الخطاب، ولو وقف في [أخريات] 1 المسجد مستقبلاً للقبلة خاطباً، فإن استدبره الناس، كان قبيحاً، وإن استقبلوه، وأقبلوا عليه، كانوا مستدبرين للقبلة، واستدبار واحدٍ مع استقبال الجميع القبلةَ أحسنُ من نقيض ذلك.
1477 - ثم إذا فرغ من الخطبة الأولى، جلس جلسة خفيفة، وتلك الجلسة واجبة، والغرض يتأدّى بجلسة وطمأنينة، وقد قال الشافعي: يجلس جلسة تسع قراءة الإخلاص، وهي على الجملة في القدْر الواجب والمستحب قريب من الجلسة بين السجدتين.
ثم يقوم ويبتدىء الخطبة الثانية، وينبغي أن تكون الخطبة بليغةً قريبةً إلى الأفهام مترقية عن الركيك، خليةً عن الغريب، مائلة إلى القِصر، فقد قال النبي عليه السلام: "قصر الخطبة، وطول الصلاة مَئنة من فقه الرجل" 2.
وينبغي أن يأتي الخطيب بالخطبة على ترتيلِ وأناة من غير [تغن] 3 وتمطيط.
ثم إذا فرغ من الخطبة الثانية، ابتدأ المؤذّن الإقامةَ، وبنى الخاطب في تسرعه الأمر على أن يقرب وقوفه في المحراب من فراغ المقيم من الإقامة.
فهذا بيان أركان الخطبة وهيئاتها، وما يتعلق بآدابها وسننها.
= ح 1145، والشافعي في الأم: 1/ 200، والتلخيص: 2/ 64، 65 - ح 648، 649).
فصل
في الاستماع والإنصات وما يتعلق به
1478 - القول في ذلك ينقسم إلى ما يتعلق بالواجب، وإلى ما يتعلق بالآداب، فلتقع البداية بالأهم، وهو ما يجب، ويتحتم، فنقول:
نقل الأئمة قولين في أنه هل يجب على من حضر الصمتُ والإنصاتُ، وهل يحرم عليه الكلام؟ فالذي نص عليه الشافعي في القديم أنه يجب الإنصاتُ، وإدامةُ الصمت على من حضر، وتمكن من الإصغاء والاستماع، وهذا مذهب أبي حنيفة 1.
والمنصوص عليه في الجديد أنه لا 2 يحرم الكلام على من شهد، ولا يتعين الصمت.
1479 - فمن قال: يجب، استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] وقد قال المفسرون: المراد بالقرآن الخطبة، وإنما سميت قرآناً لاشتمالها على قراءة القرآن.
ومن قال: لا يجب الصمتُ، استدل بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في أثناء خطبته بما ليس من الخطبة، فإذا كان لا يحرم على الخطيب أن يتكلم بما ليس من الخطبة، لم يحرم على المستمع أن يتكلم أيضاً، وقد روي: "أنه دخل داخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال عليه السلام: "ماذا أعددت لها" فقال: حب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" 3 ولم يرد على من كلمه 4، ولو كان تكلُّمُ من حضر حراماً، لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحن نطرد عليه ما ذكره الأئمة في التفريع، ونسوقه أحسن سياق، ثم نذكر غوائلَ يقع التعرض لها، وليستوف الناظر تمام الفصل؛ فإنّ كشف مبادئه في استتمامه.
1480 - قال شيخي: إذا أوجبنا الإنصات والإكباب على الاستماع، فلو دخل داخلٌ وسلم، لم يجب على الحاضرين ردُّ سلامه، بل لا يجوز لهم ردُّ سلامه، فإنا نفرع على إيجاب الإنصات وقطع الكلام، فإن قيل: ردّ السلام من فروض الكفايات.
قلنا: ذاك في حق من لم يضيع السلام، فوضَعه 1 في غير موضعه، ومن سلم على رجل وهو في أثناء حاجة يقضيها، لم يستحق ردَّ السلام، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب السِّيَر، إن شاء الله عز وجل، ففيه تفصيلُ فرائض الكفايات، وما يتعلق بها، فليس إذن للداخل أن يسلّم، وإذا سلم، لم يستحق جواباً، ولا يجوز للحاضرين أن يردّوا عليه، على القول الذي عليه نفرعّ.
1481 - ولو عطس عاطس، فهل يجوز تشميته؟ فعلى وجهين، أحدهما - لا يجوز قياساً على رد السلام، والثاني - يجوز؛ فإنه لا اختيار للعاطس، فهو معذور، فحقه أن يُقضَى حقه، ومن أدب الدين أن يُشمَّت المسلمُ إذا عطس، فأما رد السلام، فلا؛ لأن المسلم ضيع سلام نفسه، وكان مختاراً فيه.
فإن جوزنا تشميتَ العاطس، فهل يُستحبُّ؟ فعلى وجهين: أحدهما - بلى 2، رعايةً لحقه.
= (ت 1) هكذا: "ولم يرُد عليّ من كلمةِ".
وفيه ما فيه.
والثاني - لا؛ فإن الإنصات أهم منه؛ إذ هو واجب، والتشميت لا يجب قط.
فهذا إذا فرعنا على وجوب الصمت، فأما إذا لم نحرمه 1 تفريعاً على الجديد، فيجب عليه تشميتُ العاطس.
1482 - وهل يستحب ردُّ السلام، فعلى وجهين، ولا يجب رد السلام، وإن لم نحرمه، لتقصير المسلم لما ذكرناه من وضعه السلام في غير موضعه، وقد ذكرنا أن من سلم على إنسان وهو في قضاء حاجة، لم يلزمه رد سلامه، [وإن] 2 كان لا يحرم عليه، وقد روي: "أن رجلاً سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقضي حاجته، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بعد الفراغ وتيمم، ثم ردّ جوابه" 3.
1483 - وقال شيخنا أبو بكر الصيدلاني: اختلاف القول في الإنصات يستند إلى ما تقدم من الاختلاف في أن حالة الخطبة كحالة الاشتغال بالصلاة أم لا؟ وعلى هذا يبتني الخلاف في أن الطهارة هل تشترط في الخطبة أم لا؟ هذا كلامه.
فإن شرطنا الطهارة، حرّمنا الكلام، وإن لم نشترطها، لم نحرم الكلام.
1484 - وكان شيخي يقول: إن أوجبنا الإنصات على من يبلغه صوتُ الخطيب، فهل يجب على من لا يبلغه صوته؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب، ووجهه ظاهر.
= وهو عند ابن ماجة باللفظ نفسه.
وفي مسلم أيضاً، في حديثٍ طويل: .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت الذي لقيتني بمكة" قال (المجيب): "فقلت: بلى" كتاب صلاة المسافرين وقصرها (6) باب إسلام عمرو بن عَبَسَة (52) ح 494 - 832 (ر.
صحيح البخاري: 7/ 220، صحيح مسلم: 1/ 569، 2/ 1244، سنن ابن ماجة: 2/ 795 ح 2375، وص 1432 ح 4283، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 154).
والثاني - يجب؛ فإنه لو تلكم من بُعد، لارتفع اللغط، بحيث يمنع الحاضرين من السماع.
1485 - وكان شيخي يقول: في تحريم الكلام في أثناء الخطبة على الخطيب قولان، كالقولين في كلام المستمع، والشافعي في الجديد لما أباح الكلام على الحاضر، احتج بتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته.
ولو لم يكن ذلك في محل النزاع، لما احتج به رضي الله عنه.
ثم كان يقول: لناصر القول القديم أن يجيب عنه، ويقول: تكلُّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو شرعٌ، وبيانُ حكم؛ فإنه قال لسُلَيك الغطفاني: "لا تجلس حتى تصلي ركعتين" 1، والخاطب يجوز له أن يضمّن خطبتَه بيانَ حكمٍ، وتعليمَ الناس أمراً شرعياً، سيما إذا كان متعلّقاً بما يليق بالحال، كقوله عليه السلام لسليك: "لا تجلس حتى تصلي ركعتين" ويجوز أن يكون كلامه مع [قتلة] 2 ابن أبي
الحُقيق 1 متعلِّقاً بأمرٍ مهم في الجهاد، وهو من أهم قواعد الشرع 2، وإنما القولان في تحريم كلامٍ لا يتعلق ببيان الشرع.
ثم كان شيخي يقول: لاخلاف أن كلام الخطيب في أثناء الخطبة لا يبطل الخطبة، ولا يقطعها إذا قلّ.
وإن طال وكثر، فهو 3 يتعلق بترك الموالاة في الخطبة، وفيه القولان المشهوران.
فهذا منتهى كلامه.
1486 - والآن قد حان أن ننبه على حقيقة المسألة، فنقول: كان شيخي وغيره من الخائضين في هذا الفصل يرددون القول في 4 أنه هل يجب الاستماع؟ ويزعمون أن في إباحة الكلام، أو في رفع الحرج فيه إسقاطُ إيجاب الاستماع والإصغاء.
وأنا أقول: من أنكر وجوب الاستماع إلى الخطبة، فليس معه من حقيقة هذه القاعدة شيء، فيجب القطع على مذهب الشافعي أنه يجب الاستماع إلى الخطبة، وكيف يستجاز خلاف ذلك على طريق الشافعي في مسلك الاتباع، وقد بنى إيجاب الخطبتين، والقعدةَ بينهما على ذلك، وفهم أن الغرض من الخطبة تجديدُ العهد في = وأين هذا من منهج إمام الحرمين في حمله الخطأ عند مخالفيه على الزلل في النقل عنهم وسوء الفهم لكلامهم؟؟ وإن شاء الله ونسأ في الأجل، وأعان ويسر، سنجمع كل تعقبات الحافظ للإمام، في نسقٍ واحد وننظر فيها، لنرى أسلوب الحافظ في تناولها وعلاجها، وهل تستحق كل هذا (ر.
التلخيص: 2/ 61، الوسيط للغزالي: 2/ 282. ولمعرفة منهج إمام الحرمين انظر: إمام الحرمين: حياته وعصره: 78 وما بعدها).
كل جمعة بوعظ الناس، وكيف يتحقق مع هذا تجويز ترك الإصغاء إلى الخطبة؟ ولو جاز ذلك، لما كان في إيجاب حضور أربعين من أهل الكمال معنىً وفائدة، ولوجب أن يسوغ أن يحضروا ويناموا، والإمام رافع عقيرته، ويجب على مساق هذا ألا يجب على الخاطب رفعُ صوته بالخطبة.
ولا يعتقد هذا ذو بصيرة في المذهب، وقد اشتد نكير أئمتنا على أصحاب أبي حنيفة 1 لما قالوا: ينعقد النكاح بحضور شاهدين لا يفهمان عقدَ النكاح، وقالوا: من لم يفهم من تخصيص النكاح بحضور الشهود أن الغرض أن يتحملوه ويفهموه، فقد بعدوا، وتناهَوْا في العناد والجحد، فيجب من ذلك القطعُ بأنه يجب حضورُ أربعين من أهل الكمال، ويجب أن يُصغوا، ويجب على الخاطب أن يُسمعهم أركان الخطبة، ولو حضر من حضر، وارتفع منهم اللغط على وجه لا يتأتى معه السماع، فهذا قطعاً بمثابة ما لو لم يحضروا، أو انفضُّوا وانصرفوا، وإذا كان كذلك، فيجب تنزيلُ القولين وتقدير تفريعهما على وجه، فنقول: إذا اجتمع في بلدة من أهل الكمال مائة ألفٍ مثلاً، فيجب عليهم إقامةُ الجمعة، ولكن لا يجب عليهم الاستماع؛ فإنَّ ذلك غيرُ ممكن، وإقامة الجمعة من جميعهم ممكن، فيجب الاستماع من أربعين منهم لا بأعيانهم، فنقول: لو شهد أربعون من أهل الكمال، وبعُدَ الآخرون، سقط [الفرض] 2 في الاستماع [عن] 3 الكافة، ولو حضر جمع زائدون على الأربعين، ففي وجوب الإنصات على آحاد من حضر، وأمكن الاستماع منه القولان.
ووجه خروجهما أنا لو جوّزنا لكل واحد أن يتكلم، تعويلاً على أنه يبقى أربعون غيرُه، لجرّ ذلك جواز التكلّم، من كل واحد، وهذا يُفضي إلى أن يتكلم جميعُهم، فَيُفْضِي ذلك إلى سقوط الاستماع رأساً، فهذا يضاهي ما لو تحمل جماعة شهادةً، وكان الحق يثبت بشاهدين، فإذا طالب ذو الحق واحداً منهم بإقامة الشهادة، ففي جواز امتناعه عن الإقامة، تعويلاً على أن الغرض يتحصل بغيره خلاف معروف في
الشهادات، ولكن الأظهر في الشهادة أن [المدعوّ] 1 من الشهود يتعين عليه الإقامة.
1487 - والمنصوص عليه في الجديد أن الإنصات لا يجب، وميل أئمة المذهب إلى الجديد في مجال الخلاف، ولعل الفارق فيه أن المدعوَّ من الشهود قد تعلّق به طلبُ ذي الحق على اليقين، وآحاد من يحضر المقصورة 2 لا يتخصص بمطالبة.
وعندي أن هذا يضاهي ما لو قال ذو الحق للشهود وهم مائة: لا تغيبوا، فحاجتي ماسةٌ إلى إقامة الشهادة.
فلو غاب جمعٌ منهم، وكان الحق يستقل بمن بقي، فيظهر أن الذين غابوا لا يَحْرَجون 3.
وليس تخلو المسألة عن احتمال في ذلك.
ثم إذا قيل: التكلم من واحد لا يمنعه من السماع؟ قيل: نعم، ولكن رفع الحرج فيه 4 تسلّط 5 غيره على مثل [ما جاء به] 6، وإذا فرض ذلك عن جميعهم، صار هينمة عظيمة حاجزة من السماع، فكان [تحريم] 7 ذلك في القديم في حكم سد بابٍ يُفضي -لو فتح- إلى رفع الاستماع رأساً.
ثم فيمن بعد، ولا يَسمعُ خلافٌ؛ من جهة أنه قد يجرّ لغطاً مانعاً للحاضرين من [السّماع] 8، فهذا منّا تنبيهٌ على سرّ المسألة في النفي والإثبات.
1488 - والآن نرتّب المذهبَ بعد هذا، فنقول: لو تكلم جميعُ الحاضرين على وجهٍ انقطعوا به عن السماع رأساً، حَرِجوا قطعاً، بل حَرج الكافة حَرَجَهم بترك فرض
الكفاية، وتتعطل الخطبة بسقوط فائدتها من السماع، وإذا تعطلت، فلا جمعة، وينزل هذا منزلة ما لو انفضوا من عند آخرهم.
وإن لم ينته الأمر إلى هذا، وسمع الخطبةَ أربعون، صحت الجمعةُ.
ثم في تحريم إقدام آحاد الحاضرين على الكلام القولان.
ووجه صحة الجديد أن ذلك في حكم العرف لا يؤدي إلى لغطٍ يُسقط سماعَ أربعين، وتصوير أداء ذلك إلى هذا بعيد، وكذلك انتهاء الهمس إلى هينمة حاجزة [بعيد] 1، فليفهم الفاهم ذلك.
وفي تحريم التكلم في تشميت العاطس خلافٌ؛ لأنه ليس مما يتعلق باختيار، فلا يؤدي تجويزُه إلى مانع من السماع؛ إذ هو يقع نادراً من غير اختيار، ثم في التعبد تردُّد بعيد كما رتبه الأئمة.
وأما الخاطب، فيجب عليه رفعُ الصوت قطعاً، وإن لم نوجب الإنصات، فإنا مع جواز التكلّم أوجبنا أن يحصل سماعُ أربعين.
1489 - وأما كلام الخطيب فقد حكى شيخي فيه قولين، وهذا غلط عظيم، مشعر بالذهول عن حقيقة المسألة؛ فإن الإمام إذا تكلم، فليس متمادياً في تلك اللحظة على الخطبة، فكان كما لو سكت لحظة، فأما إذا كان [مارّاً] 2 في خطبته، والحاضر يتكلم، فهو في وقت جريان الخطبة مشتغل بما قد يؤدي إلى قطع السماع، فكيف يتشابهان؟ أم كيف يتلقى الفطنُ كلامَ الخطيب من كلام المستمع؟ ثم صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسائل في أثناء الخطبة قتلةَ 3 ابنِ أبي الحُقيق عن كيفيةِ القتل.
وشرْحِ ما جرى لهم، وحَمْلُ هذا على شرح مسألةٍ في الشرع تكلف بعيد، لا سبيل إلى قبوله أصلاً.
ثم الصيدلاني خرج اشتراط السكوت على أن الخطبة هل تنزل منزلة الصلاة أم لا؟ وعليه خرج اشتراط الطهارة، وهذا في نهاية البعد؛ فإنّ أخْذ تحريم الكلام من غير الجهة التي ذكرناها، وهي توقع إفضاء ذلك إلى اللغط خروج عن المسألة ووضعها.
ثم من عجيب الأمر أن الصيدلاني وغيرَه من المحققين لم يمنعوا الخطيبَ من الكلام في الخطبة وإن أوردوا الخلافَ في أنه هل [تشترط] 1 طهارةُ الخطيب.
ثم القولان في تحريم الكلام على المستمع مشهوران، فيبعد عندي جداً أن نوجب على المستمع استصحابه الطهارة في استماعه، فإذاً لا تلتقى 2 الطهارةُ وأمرُ الكلام.
فهذا منتهى المرام في هذا الفصل.
وقد نجز به المقصود الأظهر من ذلك.
1490 - ثم نذكر بعد هذا أموراً تتعلق بالآداب في الباب، فنقول: أولاً - إذا أخذ المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب، لم يحرم الكلام، ولكن لا ينبغي أن يبتدىء أحد صلاةً نافلةً بعد افتتاح المؤذِّن أذانَ الخطبة؛ فإن الإمام سيخطب على قُرب وقد تتبتّر 3 عليه الصلاة، أو يقع ابتداء الخطبة في بقيةٍ منها.
ولو دخل داخل والإمام في أثناء الخطبة، فمذهب الشافعي أن الداخل يُصلِّي ركعتين خفيفتين، ثم يجلس.
وخالف أبو حنيفة 4 فيه، ومعتمد المذهب ما روى جابر: أن سُليكاً الغطفاني دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين وقال: "من دخل والإمام يخطب، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" 5.