كتاب الجزية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
[نفصّل]، 1 فلا نردّ النسوة المسلمات، ونغرم للأزواج ما سنفصله إن شاء الله تعالى.
وإن عقدنا المهادنة، ولم نتعرض لمن يأتينا منهم مسلماً بالنفي والإثبات، فهذا موضع اختلاف الطرق: فمن أئمتنا من أوجب الغرم، وهم الجماهير؛ أخذاً من مخالفتنا موجب الأمان، ومنهم من قال: لا نغرم المهور؛ لأنا، لم نلتزم ردّ من يأتينا.
11511 - وهذا الفصل [يصفو عن الكدر بما نصفه] 2، فنقول: إذا شرطنا ردّ من يأتينا منهم مسلماً، فيجب الوفاء بذلك، فمن يأتينا من الرجال الأحرار أصحاب العشائر نردّه، كما سيأتي، إن شاء الله، وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل على أبيه، وردّ أبا بصير على طالبيه؛ وفاءً بالشرط، هذا إذا شرطنا أن نرد من يأتينا منهم.
فإن لم نشترط ذلك، فالذي أراه أن من أتانا من رجالهم مسلماً لا نردهم بحكم المهادنة، فإنا شرطنا ألا نتعرض لهم في دمائهم وأموالهم، فمن أتانا منهم مسلماً، فقد صار منا، وانسلّ عن مقتضى المهادنة، ونحن أثبتنا المهادنة على الكفار، ويجيء 3 على هذا ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردّ للوفاء بالشرط، لا لاقتضاء المهادنة ذلك، وإذا جاءتنا امرأة مسلمة، فلا شك أنا لا نردها، لما ذكرناه، ولمزيد أمرٍ فيها، وهي أنها محرمة على الكفار متحرمة بحرمة الإسلام، وفي ردّها السعي في إثبات الفواحش، وهي أيضاً لضعفها عرضة لأن تفتن عن دينها، وسبب الغرم فيها عند الأكثرين حق الزوج فيها، وليس كالرجل يسلم، ويتعلق بنا؛ فإنه لا حق لهم فيه، فلا نكون بمنعه [معتدين] 4 على حقوقهم، بخلاف الزوج 5.
ثم ثار الخلاف في هذا المنشأ، فاكتفى طائفة بالمهادنة في إثبات الغرم لحق الزوج
في الزوجة، ولم يكتف آخرون؛ لأن حق الزوج ينقطع بإسلامها، فيجب أن يكون مستند الغرم الإبهام الذي يشعر به مطلق شرط الرد، فإن قيل: لم يجوز رد الرجل المسلم إلى الكفار؟ قلنا: الخبر فيه كافٍ، وسنذكر مأخذه من المعاني من بعدُ إن شاء الله.
وكل هذا تفريع على أنا نغرم المهور فإن قلنا: لا نغرم، فلا تفريع، وقد ذكرنا ذلك مرةً ونبهنا عليه ثانياً، ولا عود إلى ذلك.
فليعلم الناظر أن تفريعاتنا واقعة على أحد القولين.
11512 - ولو شرط الإمام في المهادنة أن نرد عليهم الرجال والنساء، فالشرط فاسد في النساء، ولا سبيل إلى ردّهن إذا جئن مسلمات، ولكن هل تفسد المهادنة بالشرط؟ فيه تردد بين الأصحاب ممثّلٌ بنظائر كالشرائط الفاسدة في الوقف؛ فإن في إفسادها الوقفَ تردداً، والأصل في ذلك أن عقود المعاوضة تفسد بالشرائط الفاسدة؛ لأنها تجرّ إلى عوض العقد جهالةً، فكأن البائع إذا شرط شرطاً فاسداً قد باع عبده بألف وتحكّم بأمرٍ لا يُستحق.
فأمّا ما مبناه 1 على اللزوم والنفوذ، ولا عوض فيه، فإذا جرى فيه شرط فاسد، فقد يتجه فيه خلاف: فمن أصحابنا من يفسد العقد بالشرط، ومنهم من يفسد الشرط ويصحح العقد دونه، وما نحن فيه من ذلك.
ثم إذا أمسكنا المرأة وقد شرطنا أن نردها، فنغرم؛ فإنا إذا كنا نغرم بذكر لفظٍ مطلق، أو بمهادنة مطلقة، فلأن نغرم إذا صرّحنا أولى.
وقد انتجز هذا الفن.
11513 - نوع آخر في تفصيل القول في المرأة التي نغرم المهر بسببها، فنقول: إذا دخلت دارنا وهي مسلمة، وجاء الزوج مطالباً، فلا نردها، ونغرم، ولو جاءت إلينا كافرة؛ فإنا نردها؛ لأنها لم تتحرم بالإسلام، وليس في ردّها تسليط كافر على غشيان مسلمة.
ولو دخلت إلينا كافرة، ثم أسلمت بين أظهرنا، فلا نردها إذا طُلبت؟ وهل نغرم؟
فيه اختلاف، والأوضح أنا نغرم؛ لأنا نمنعها بسبب الإسلام، فلا فرق أن يوجد المانع فينا، وبين أن تأتينا معه متصفةً به، فإن عماد الغرم المنع.
ولو جاءت وكانت أسلمت وارتدت والتحقت بنا مرتدة، فإذا جاء الزوج مطالباً، فهل نغرم له؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نغرم لمنعنا إياها، والتعويل عليه، لا على صورة الإسلام.
والوجه الثاني - أنا لا نغرم، لأنها كافرة، وإنما يجب الغرم إذا منعناها بسبب الإسلام.
ويمكن أن يقال: سبب منعنا إياها أن نقتلها إن أصرّت، وهذا وجه ضعيف.
والصحيح وجوب الغرم.
ولو جاءتنا مجنونة، فإنا لا نردها؛ لجواز أن تكون مسلمة وكانت أسلمت، ثم جنّت، وإذا جاء الزوج مطالباً، فهل نغرم له شيئاً لجواز أن تكون كافرة؛ فيبنى أمرها في المنع والغرم على مقتضى الاستيقان، فما لم نعلم كفرها، فلا نردها تغليباً لحرمة الإسلام، والأصل براءة الذمة، فلا نغرم من غير ثبت.
ولو جاءتنا صبيّة تصف الإسلام، وكانت مميّزة، فإذا أظهرت الإسلام، انبنى هذا على الخلاف في صحة إسلام الطفل، فإن حكمنا بصحته، فهي كالبالغ؛ فنمنعها، ونغرم مهرها، قياساً على البالغة.
وإن قلنا: لا يصح إسلامها، فلا نردها لحرمة الكلمة، وهل نغرم؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نغرم كما لو كانت مجنونة.
والثاني - نغرم، لأن ظاهر حالها أن تستمرّ على الإسلام إذا أصدرت قولها عن تمييز.
هذا هو الترتيب.
وأبعد بعض أصحابنا وقال: إنها ترد؛ فإن ما جاءت به ليس بإسلام، وليست كالمجنونة البالغة التي نظن أنها أسلمت ثم جُنت، وهذا له اتجاه في القياس، ولكنه مطّرح غير معتدٍّ به، وقد أجمع أصحابُنا على أن الصبي إذا كان يصف الإسلام يحال بينه وبين أبويه الكافرين؛ فإنّ صَدَر 1 ذلك عن مميز يُغلّب على الظن تعلق قلبه بالهدى؛ وظنُّ توقّع الإيمان إذا غلب، لم يعطل.
11514 - نوع آخر في بيان من نغرم له، فإذا جاءتنا امرأة وأسلمت، فجاء أبوها،
وأقرباؤها يستردّونها، فلا نردها، ولا نغرم لهم شيئاً؟ فإنهم لا يستحقون منها أمراً، حتى نكون 1 منتسبين إلى منعهم من حقوقهم؛ فلا غرم إلاّ للزوج.
نعم، لو جاءتنا أمةٌ مسلمة، فإنا نمنعها عن سيدها، ونغرم للسيد قيمتها؛ لإيقاع الحيلولة بينها وبين من كان مالكاً لها، فنقول: إنها تَعتِق بالمراغمة، والاتصال بدار الإسلام.
فإن قيل: لم تغرمون قيمتها وقد عَتَقَت؟ قلنا: كما نغرم مهر المسلمة وقد بانت، والسبب فيهما أن الحكم بالعتق والبينونة من مقتضى الإسلام، ومن ظنّ من الفقهاء أن غرم المهر [يستدّ] 2 على قواعد الأقيسة في المغارم، فليس على بصيرة، ومعتمد الغرم نصُّ القرآن، ثم استعملنا طرفاً من المعنى ليكون رابطة للمسائل، ولم نبُعد أن يكون هو المعنى الكلي في ذلك.
11515 - نوع آخر فيما يتعلق به الغُرم: ذكرنا من نغرم لأجله، ومن نغرم له، ونحن الآن نذكر السبب الخاص الذي يتعلق الغرمُ به، فنقول: إذا أتتنا مسلمة ذاتُ زوج، ولم يأتنا زوجها، ولا أحد من جهته، فلا غرم، وإن أتانا، ولم يطلب ردّها، فلا غرم، وإن طلب ردها، فامتنعنا للإسلام، تعلق الغرم بذلك؛ حتى قال الأصحاب لو أتتنا مسلمة، وماتت، ثم لحقها الزوج بعد الموت، فلا نغرم له شيئاً، فإنا لم ننتسب إلى المنع بعد الطلب.
وقد وضح أن السبب الأخص في الغرم الطلبُ والمنعُ.
ولو طلبها الزوج، فقتلها قاتلٌ من المسلمين، فقد قال الأصحاب على القاتل ما يتعلق بالقتل من القصاص والدّية، ولا حق للزوج في ذلك؛ فإنه لا يرث الكافرُ المسلمةَ، ويجب الغرم؛ فإن القتل جرى بعد الطلب، واستقرار الحق به.
ثم قال الأصحاب: غرم المهر على القاتل؛ فإنه المانع بالقتل.
وهذا عندي مفصل، فأقول: إن طلبها، فقتلها المسلم على الاتصال، فغُرم المهر على القاتل، لما ذكره الأصحاب، وإن طلب الزوج، فمنعناها، فقد استقر
الغرم علينا، فإذا وجد القتل بعد ذلك، لم يتعلق غرم المهر بالقاتل بعد استقراره بالطلب وظهور المنع، فالغرم لا يسقط بموتها، فكذلك لا يتحول الغرم إلى القاتل.
ولو جرحها مسلم قبل الطلب، فبلغت حركة المذبوحين، [وجاء الزوج طالباً، فهذا طلبٌ بعد الموت، فلا يتعلق به استحقاق الغرم، ولو جاء الزوج] 1 وبها حياة مستقرة وطلبها، استحق الغرم.
واختلف أصحابنا فيمن عليه الغرم: فمنهم من قال: الغرم على الجارح؛ فإن فواتها مستند إلى الجرح.
والثاني - أن الغرم على بيت المال؛ فإن الإمام منعها، وبها حياة مستقرة، وهذا هو الصحيح، ولا حاصل للوجه الأول.
11516 - نوع آخر في بيان المغروم، فنقول: إذا جاءنا الزوج مطالباً، وما كان ساق إليها صداقها، فلا نغرم له شيئاً؛ فإن المعتمد في أصل الغرم وتفصيله نص القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10]، معناه: اغرموا لهم ما بذلوا في مهور الزوجات، فالتعويل على ذلك، فلو أصدقها خمراً، وساقها، فلا نغرم شيئاً وفاقاً، ولو ساق بعض صداقها، فلا نغرم إلا المقدار الذي ساقه.
ولو كان ساق الصداق إليها، ثم إنها وهبت منه ما قبضته، ففي المسألة قولان كالقولين المذكورين فيه إذا وهبت المرأة ما قبضت من الصداق لزوجها وسلمته إليه، ثم طلقها قبل المسيس، ففي رجوعه إليها بنصف الصداق قولان، كذلك القول فيما نحن فيه.
فإن قيل هلاّ غرمتم للزوج مهر المثل كما تغرم المرضعة 2 مهر المثل، وكذلك الشهود على الطلاق إذا رجعوا عن شهادتهم؟ قلنا: هذا الذي نحن فيه لا يلائم [تلك] 3 الأصول؛ فإنها مجراة على إفساد النكاح، وتفويته على الزوج، أو على إيقاع الحيلولة بشهادة الزور، والنكاحُ يرتفع في الأصل الذي نحن فيه باختلاف
الدين، فليس قطع النكاح مضافاً إلينا، ولكنا ضمنا للزوج بإطلاق المهادنة، أو شرط رَدّ من جاءنا إليهم، ثم لم ينتظم الوفاء على موجب الشرط 1، فغرمنا للزوج ما بذله لها من المهر على مقابلة تعذّر الوفاء [لا] 2 على مقابلة إفساد النكاح، وهذا واضح.
والأصل في ذلك أن مقتضى القياس ألا نغرم شيئاً، وحقُّ الفرق [أن] 3 يُوضّح في النفي والإثبات، فرجع أصل الغرم إلى الكتاب ونص القرآن لا غير.
ولو جاءنا الزوج مطالباً والزوجة بعدُ في العدة، وكانت مدخولاً بها، فإنا نغرم للزوج المهر الذي ساقه، فلو وفّيناه المهر، فأسلم في العدة، واقتضى ذلك ردّ الزوجة إليه، فما غرمناه له مسترد منه، فإن الزوجة سَلِمتْ له، وإنما نغرم له ما نغرم إذا فاتت الزوجة.
ولو لم يسق الصداقَ إليها، وهي ممسوسة، وتخلف الزوج حتى انقضت العدة، أو أصر على كفره، ولكن التزم الذمةَ، أو أسلم بعد العدة، فهو مطالب بمهر النكاح، فلو كان طلب ردّ الزوجة عليه في زمان العدة، وهو كافر، فمنعناه إياها [لم نغرم] 4 له شيئاً؛ لأنه لم يسُق الصداق، [فإذا غرم الصداق] 5 لما أسلم أو التزم الذمة، فهذه الغرامة مستندة إلى التزام المهر بالنكاح.
ولقد كان ملتزماً عند المطالبة، وهذا الغرم مستند إلى التزامه في تلك الحالة.
فيتجه أن نقول: نغرم له ما غرمه؛ نظراً إلى ما ذكرناه من الاستناد 6 ومصيراً إلى أن هذا الغرم مقدم على حالة الطلب، ويجوز أن يقال: لا نغرم له شيئاً؛ لأنه لما طلب الطلب المعتبر، لم يستحق شيئاً ساعتئذٍ، والآن قد أسلم أو التزم الذمة، وخرج
عن المهادنة التي كان الغرم من حكمها، وهذا يقوَى بضعف طريق القياس في هذا الغرم، ونص الكتاب ليس متناولاً لهذه الصورة.
هذا قولنا في المغروم.
11517 - نوع آخر: إذا قال الزوج قد سقتُ مهرها، وذكر قدر ما ساق، فلا نغرم له بمجرد قوله شيئاً؛ فإن المسلم العدلَ الرضا إذا ادّعى، لم يثبت له بمجرد الدعوى ما ادعاه، وإن شهد للكافر عدلان مسلمان على أنه ساق ما ادعاه إليها، غرمنا له، وإن أقرت المرأة المهاجرة فقد قال العراقيون: إقرارها بمثابة البينة واعتلّوا بأنا لو طالبناه بالبينة، والذي جرى من السَّوق بزعمه كان بين أظهر الكفار، ويعسر تقدير تحمل مسلمَيْن الشهادة على ذلك، فيُفضي ردُّ إقرار المرأة ومطالبة الزوج بالبينة إلى التعطيل.
وهذا الذي ذكروه في الإقرار لست أراه كذلك؛ فإن قولها ليس حجةً علينا، وليس من الأقارير التي تُقبل لانتفاء التهمة عنها كإقرار العبد بالسرقة ونحوها مما يوجب عليه عقوبة، وإذا كان كذلك، فلا وجه لقبول قولها.
والعلم عند الله تعالى.
هذا نجاز الأصول التي تجب رعايتها في هذا الفصل، ونحن نلحق بما ذكرناه فروعاً تأتي على الأطراف التي شذت في ضبط الأصول، ثم نستفتح أصلاً آخر متصلاً بهذه القاعدة.
فرع:
11518 - إذا جاءتنا مسلمة وكان طلقها زوجها طلاقاً رجعياً، فجاءت إلينا في عدة الرجعة، وتبعها الزوج، فقد نقل الرواة عن الشافعي أنه قال: " إذا جاء الزوج مطالباً، فلا نغرم له شيئاً ما لم يراجعها، وإذا راجع، لم نغرم له بمجرد الرجعة [ما لم يطلبها] 1، ولا بُد من اجتماع الأمرين الرجعة والطلب، وخرّج المحققون قولاً آخر، ورأوه القياس، فقالوا: يستحق المهرَ بمجرد الطلب من غير رجعة؛ لأن رجعة الكافر للمسلمة فاسد، كما أن نكاح الكافر للمسلمة فاسد، فلا معنى لاشتراط فاسد.
وعندي لا يتوجه النص إلا بأن نقول: لا يتحقق من الزوج توجيه الطلب، ما لم يراجعها؛ فإنه إذا طلب وتركها، فهو في حكم المعرض عنها، فإنها إلى البينونة
مصيرها، وإذا راجع، فقد حقق الطلب، وهذا تكلّف، ووجه القياس ما ذكرناه، فإن الرجعية زوجة.
ولو جاءتنا مسلمة قبل المسيس، فهي بائنة، ونحن نغرم للزوج، فلا تعويل على ما وجهنا النص به.
فرع:
11519 - [إذا جاءتنا أمة مسلمة] 1، فقد ذكرنا أنا نغرم لسيدها قيمتها إذا جاء مطالباً، ولا نعتبر ما وزنه 2 السيد في ثمنها، وإنما نعتبر القيمة لا غير، والفرق قد يعسر؛ فإن الأمة عتقت [بالمراغمة] 3، كما بانت المرأة بالإسلام، ولا وجه إلا إجراء قيمة الجارية على القياس، وربط غرم المهر بنص القرآن، فلينتبه الناظر لما يُنبّه له.
ولو جاءتنا أمةٌ مسلمة مزوّجة، فقد قال الأصحاب: نغرم قيمتَها لمولاها ومهرَها لزوجها، لو جاءا، وطلبا معاً.
ولو جاء أحدهما مطالباً، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها - أنا نغرم لكل من أتانا منهما حقه، ولا نقف إلى أن يأتي الثاني؛ لأنه لا تعلق لأحدهما بالثاني، وحق كل واحد منهما متميز عن حق الثاني.
والوجه الثاني - أنا لا نغرم لأحدهما ما يطلب حتى يحصل طلبهما؛ فإن الحق مشترك بينهما، يعني حق الرد بحكم الشرط، أو بحكم المهادنة، والأقيس الوجه الأول.
ومن 4 أصحابنا من قال: نغرم للسيد القيمة إذا انفرد بالطلب، ولا نغرم للزوج إذا انفرد.
والفرق أن حق اليد للسيد ولهذا يسافر سيد الأمة بها وإن كانت مزوجة، فيتأكد من هذا الوجه حقه، والزوج إذا انفرد بالطلب؛ فإنما يبغي رد الزوجة عليه، وليس لزوج الأمة حق الانفراد
باليد على الزوجة المملوكة، وهذا الوجه اختاره صاحب التقريب، وفيه على كل حال فقه 1.
فرع:
11520 - إذا جاءنا عبد مسلم هل نرده عليهم؟ هذا مما يجب الاهتمام به، فمن جاءنا منهم وكان حراً مسلماً، فكيف يتجه رده، وهو يقول: أنا رجل مسلم لا أحب مخامرة الكفار قلنا: جوابه إنك أسلمت، والتزمت حكم الإسلام، وحكمُ الإسلام أن تُرد؛ فإن هذا الملتزمَ مما يجب الوفاء به، وإن زاد في مرادَّته، أحلْناه على رَدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل وأبا بصير.
ثم قال الأئمة: إنما يردّ إذا كان له عشيرة يضنّون به، ولا يهينونه، وإن كانوا يؤذونه بالتقييد وغيره، فلا تعويل عليه، ولا يختلف الحكم به، فإن أبا جندل ردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر سلاسله ويرسف في قيده، ثم إن كان المطالب به مستقلاً برده، فلا كلام، وإن لم يكن، فلا نلتزم أن نرده بأنفسنا.
وقصة أبي بصير شاهدة في ذلك؛ فإنه لما ردّه على رجلين جاءا في طلبه، قال كالمعرّض: " مِسْعرُ حرب لو وجد أعواناً "، فلما كان ببعض الطريق واستأنسا به، تحدّثوا في سيوفهم، فقال أحد الرجلين: إني جربت سيفي فوجدته ماضياً، فقال أبو بصير: أرنيه أنظر إليه، فلما سلّه من يده، فعل هكذا فرمى برأسه ناحيةً، فإذا هو كالأمس الذاهب، وهرب الآخر راجعاً إلى المدينة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: أما هذا فقد جاء به أمر، فلما دنا أََخْبر بالحادثة، فلم يُحر رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً، وامتنع أبو بصير فيما بين مكة والمدينة، وانضمّ إليه جماعة من المسلمين من مكةَ وغيرِها، فجعل يقطع الطريق على أهل مكة، حتى بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضمه معه إلى نفسه، فاستُدْعي فأتاه في سبعين شاكين في السلاح 2.
وهذه القصة مما يجب [التشبّث بها] 1؛ فإن الرد لو كان واجباً ديناً، لما جاز لأبي بصير أن يمتنع، ولأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى مكة حرسها الله تعالى من غير تعرّض لهم، وقد تبيّن أنه لم يُوبخ أبا بصير، بل سرّه ما فعل، وعرّض في أول الأمر؛ إذ قال: مِسْعَر حرب لو وجد أعواناً.
ويخرج من هذا أن الرجوع ليس حتماً ديناً، وكيف يتحتم هذا في وضع الشرع، ولا حق للكفار على هذا الذي أسلم، وإنما يجب الردّ للوفاء بما قلنا؛ حتى تقع الثقة بما يجري العهد عليه؛ والمردود في نفسه ليس معاهداً، فعلينا الوفاء، وذلك المسلم المردود يفعل ما بدا له.
11521 - والذي يتم البيان به أنه لو وضع الشرط على أن نرد عليهم من جاءنا، فليس في موجب هذا الشرط التوقف في الرد إلى أن يطلبوه، وليس هذا مقام غُرم حتى يُرعَى فيه طلبٌ ومنعٌ، فكيف الوجه؟ أيجب رده من غير أن يطلبوه؟ قلنا: الذي يقتضيه الرأي أنه لا يُرد من غير طلب؛ فإن الغرم إذا وقف على طلب الزوج، فنفس =ولكن سياق الإمام للقصة جعل قول الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن أبي بصير: " مِسْعَرَ حربٍ لو وجد أعواناً .. " عندما ردَّه مع الرجلين وقبل أن يقع منه ما وقع، والصحيح المروي هو أنَه قال هذا القول بعد ما قتل أبو بصير أحدَ الرجلين وكرَّ راجعاً إلى المدينة.
وقد نبّه ابن الصلاح على هذا قائلاً: هذا غلط؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك عند ردِّه عليهما، والذي رواه البخاري في صحيحه -وغير البخاري- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فقتل أحدَ الرجلين وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: " لقد رأى هذا ذعراً "، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتل -والله- صاحبي، وإني ْلمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهما ثم أنجاني الله منهم فقال النبي: ويل أمِّه، مسعر حرب ... إلخ القصة.
(مشكل الوسيط 7/ 93 بهامش الوسيط).
هذا ولم يعلِّق الحافظ في التلخيص على ما وقع في سياق الإمام للقصة.
الرد يقف على الطلب، كما أن غرم المهر يقف على الطلب، هذا هو الظاهر المفهوم من القصة التي جرت في المهادنة.
ولو صرح مهادن بأن يردَّ من جاء إلى بلاد الكفر بأعوانه، فلا يمتنع لزوم الوفاء بهذا، وإنما حَمَلْنا ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الطلب؛ لأن من جاء فهو مردود عليكم معناه: إذا جئتم، فهو ردٌّ عليكم، ولا تعويل عليه، فالمتبع قصة المهادنة.
11522 - عاد بنا الكلام إلى العبد وفي ردّه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يرد؛ لأنه مسلم، والظاهر أنه يُستذلّ ويُهان، ويسترقّ بعد ما عَتَقَ بالمراغمة، فصار ردّه كردّ المرأة.
ومن أصحابنا من قال: هو مردود، بخلاف المرأة، فإن المحذور منها فاحشة الزنا، وإتيان كافر مسلمة، وهذا معدوم في العبد.
ولو جاءنا حُرّ لا عشيرة له، وغلب على الظن أنه يهان لو رُدَّ، فلأصحابنا طريقان في ردّه: منهم من ألحقه بالعبد، ومنهم من قطع بأنه يرد؛ نظراً إلى جنس الأحرار، وليس يبعد عندي أن يقال: على الإمام أن يشترط عليهم ألا يهينوا المسلم المردود عليهم، حتى إن أهانوه، كان ذلك نقضاً للعهد، وهذا متجهٌ؛ فإن الردّ إن كان ملتزَماً بالعهد، فيجب استفراغ الوسع في نفي الإهانة عن المسلم.
11523 - ومما نذكره متصلاً بهذا أن عمر عَرَّض لأبي جندل بقتل أبيه تعريضاً يقرب من التصريح، فلا بد من التصرف في هذا؛ فإن دماء من هادناهم مصونةٌ محقونة، وفي هذا تردُّدٌ لا بُد من إنعام النظر فيه، والمقصود منه يبين بما نصفه، فنقول: إذا هادن الإمام جماعة، ووادعهم، وذكر أنهم في أمنٍ من المسلمين، فلو أسلم من المعاهدين أقوامٌ وثاروا من بين أظهرهم، فهل لهم أن يقتلوهم؟ هذا عندنا فيه احتمال ظاهر؟
يجوز أن يقال: لهم أن يقتلوهم ويغتالوهم؛ فإن الإمام لم يلتزم إلا أن ينكف ويكف جنود الإسلام والمسلمين عنهم، فأما الذين يُسلمون من بعدُ [وينبِّتون] 1
منهم، فلا يبعد ألا يكونوا ملتزمين للعهد وبموجبه، ويشهد لذلك ما كان يفعله أبو بصير من قَطْع الطريق على أهل مكة، ولو نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتهى، ويشهد لذلك تعريض عمر.
ويجوز أن يقال: من أسلم منهم لم يكن له أن يتعرض لمن عصم الإمام دمَه ومالَه.
ومن جاءنا منهم، ولم يُطلب، ولم نردّه، فلا خلاف أنا نُلزمه من الحكم ما يلزمنا؟ فإنه صار من جملتنا.
وأما تعريض عمرَ، فلا يبعد أن يحمل على حِدّته وتصلّبه في الدين، وقد جرى له من هذا الجنس عام الحديبية أمور مشهورة، لا حاجة بنا إلى ذكرها.
وقد نجز المراد تصريحاً، وتنبيهاً.
فرع:
11524 - إذا قال الإمام: من جاءنا فهو ردّ عليكم، ثم اتصلت امرأة بطرف من أطراف بلاد الإسلام، فهل للإمام أن يغرم للزوج؟ أم كيف السبيل؟ قال العلماء: إن قال: من جاءنا وأراد من جاء 1 المسلمين، فيلزمه أن يغرم؛ فإن المرأة قد جاءت المسلمين.
وإن قال: من جاءني، فإذا تعلقت بطرفٍ من أطراف بلاد الإسلام، فهل يغرم الإمام؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يغرم؛ فإنها ما جاءته.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يغرم؛ فإن من جاء المسلمين، فقد جاءه؛ فإنهم رعيّته، وتحت حكمه.
ولو تعلّقت بديار البغاة حيث لا ينفذ أمر الإمام، وقد كان قال: من جاءني، فلا يغرم للزوج المطالِب شيئاً؛ فإن الفئة الباغية ليسوا تحت حكم الإمام، ولو قال: من جاءنا، ثم جاءت إلى البغاة، لم يضمن الإمام أيضاً، فإنه غير متمكِّن من ردها، والغرم يتبع طلباً مع إمكان الردّ صورةً.
وقد انتجز ما أردنا تمهيداً وتفريعاً.
11525 - ونحن نعقد فصلاً متصلاً بهذا.
فنقول: من جاء الكفارَ منا مُرتداً عن
دينه وصفةُ المهادنة ما قدمناه، فسُحْقاً سُحْقاً، وإذا التحقت بهم مرتدة، فعليهم أن يردوها، وإن قلنا: من جاءكم، فلا تردوه؛ فإن النسوة مستثنيات من هذه الإطلاقات، وكما لا ترد المسلمة المهاجرة- وإن قلنا: من جاءنا، فهو ردٌّ - فكذلك نسترد المرتدة وإن قلنا: من جاءكم، فلا تردوه.
ثم لو جاءتنا مهاجرة مسلمة، وجاءتهم مرتدة، فالإمام يغرم لزوج المرتدة ما ساقه من صداقها، والأصل فيه قوله تعالى في آية المهاجرات: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 11] والسبب فيه أن المهادنة هي التي جرّت هذا الأمر، وهذا مشكل مع ما ذكرناه من أن المرتدة مستردة منهم، ويلزمهم ردّها، فمصيرها إليهم كمصيرها إلى أهل الحرب، ولكن أهل الإسلام منحجزون منه بسبب المهادنة على الجملة إلى أن يتفق نبذها، وما ذكرناه تكلّفٌ مع نص القرآن.
" وليس وراء الله [للمرء] 1 مذهب ".
ثم أجمع أصحابنا على أنها إذا جاءتنا مسلمة، وجاء الزوج مطالباً، وجاءتهم مرتدة، فالذي كنا نغرمه لزوج المسلمة نسلمه إلى زوج المرتدة إن تساوى المهران في المقدار، وإن كان مهر المسلمة أقل، صرفناه إلى زوج المرتدة، وأكملنا له ما كان ساق إلى زوجته.
وإن كان مهر المسلمة أكثر، صرفنا مقدار مهر المرتدة إلى زوجها، وصرفنا الفاضل إلى زوج المسلمة، [ولا يتهدّى المعنى إلى هذا] 2؛ فإن زوج المسلمة يقول: لا ذنب لي في التحاق تلك المرتدة بدار المهادنين، فلم منعتموني حقي، والممكن أن يقال: ليس لك حق متأكد على قياس أعواض المتلفات، وإنما نغرم [لك] 3 بحكم المهادنة، وأهلُ المهادنة في موجب المهادنة كالشخص الواحد، وقد انتهى الغرض.
فصل
11526 - لا ينبغي للإمام أن يبذل للكفار مالاً، فإن ذلك ذلٌّ، لا سبيل إلى التزامه، والأصل في ذلك ما روي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خبر تألّب العرب، واجتماع الأحزاب، جمع السعودَ: سعدَ بنَ عبادة، وسعدَ بن معاذ، وأسعد بن زرارة، وقال لهم: إن العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة، فهل ترون أن ندفع إليهم شيئاً من ثمار المدينة؟ وروي هل ترون أن ندفع شيئاً من ثمار المدينة إلى غطفان.
فقالوا: إن قلت عن وحي، فسمعاً وطاعة، وإن قلت عن رأي، فرأيك متبع، وإن كان مكيدة من مكائد الحرب، فحتى ننظر، فقال صلى الله عليه وسلم: بل مكيدة، فقالوا: كنا لا ندفع إليهم ثمرة إلا شراءً أو قِرِّى ونحن كفار، وقد أعزنا الله تعالى بالأسلام؛ فلا نقبل الدنيّة، فَسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم " 1 وهذا إذا لم يَخَفْ الإمامُ اصطلاماً، واستئصالاً؛ فإن خاف ذلك، فلا خلاف أن البذل سائغ، ذكره الصيدلاني وغيره، وهو مقطوع به.
ثم ذكر الأئمة مسائلَ في أثناء الكلام لو اطلعنا عليها لذكرناها في مواضعها فنثبتها الآن.
فرع:
11527 - قال صاحب التقريب إذا أسلم عبد في يد كافر، فنكلفه بيعَه، فإن أبى ودبّره، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نبيعه عليه، فإن بيع المدبّر جائز.
والثاني - أنا لا نبيعه، ونحول بينه وبين مولاه، كما نفعله في المستولدة؛ فإن عقد التدبير عقد عتاقة؛ فلا ينبغي أن نهجم على نقضه؛ فإن نَقَض التدبيرَ مِنْ دُبر، فلا معترض عليه.
ولو علّق الكافر عتقَ ذلك العبد بصفةٍ، فللأصحاب طريقان: منهم من قال: يباع وجهاً واحداً، ومنهم من جعله كالتدبير، وما ذكرناه في هذا من كلام صاحب التقريب.
وما ذكره الأصحاب متصلاً بهذا أنا إذا منعنا بيع المصحف من الكافر، فنطرد هذا في كتب الأحاديث، قال العراقيون: وكذلك القول في حكايات الصالحين، وطردوا في صحة البيع قولين في الجميع، ولست أرى لردّ البيع في حكايات الصالحين وجهاً.
فرع:
11528 - إذا قارض المسلم ذمياً واشترط عليه ألا يشتري محرماً، فلو اشتراه بمال القراض، وأدّى الثمن، ضمن الثمن الذي بذله، لأنه خالف الشرطَ.
ولو قارض المسلم ذمياً مطلقاً، ولم يتعرض لنهيه عن شراء المحرمات، فلو اشترى خمراً وما في معناها بمال القراض وأدى الثمن، فهل يضمن الثمن للمقارِض المسلم؟ ذكر العراقيون وجهين: أصحهما - أنه يضمن الثمن الذي بذله.
والثاني - لا يضمن؛ فإن المسلم قَصَّر لما لم يشترط عليه الانكفافَ وأطلق القراض مع علمه بأن الذمي يتموّل الخمرَ، ويبيعُها ويشتريها.
ثم عقد الشافعي باباً في تبديل أهل الذمة دينهم وقد مضى هذا مستقصىً في النكاح.
ثم عقد باباً في الحكم بين المعاهدين إذا رضوا بأحكامنا، وقد مضى ذلك في مواضع، وبيّنا ما قيل في وجوب الحكم من الخلاف؛ فلست أرى لإعادة ذلك وجهاً.
فصل 1
11528/م- إذا هادن الإمام على الترتيب الذي ذكرناه على مدةٍ لضعفٍ بالمسلمين، فيجب الوفاء وإن تقوّى المسلمون.
فإن خانوا، وأتَوْا بما يخالف العهد، وعلموا ذلك 2، فقد انقضت المهادنة، فنسير إليهم، ولا نُعلمهم.
وإن فعلوا ما تُنتقض المهادنة به، ولم يعلموا أن العهد ينتقض به، فلا حاجة إلى علمهم، ولكن هل يجوز المسير إليهم من غير إعلامٍ؟ فعلى وجهين.
ولو استشعر الإمام منهم تهمة الخيانة، ولم يتحقَّقها، فله أن ينبذ إليهم عهدَهم، بخلاف ما إذا بدت تهمة من أهل الذمة؛ فإن الأصح أنه لا يجوز نبذُ العهد إليهم.
ولو بدت خيانة من بعضهم، وسكت آخرون، ولم ينكروا، فللإمام أن ينبذ إليهم العهد؛ هكذا كانت قصة أهل مكة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هادنهم، وكان بنو خزاعة مستجيرين برسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوثبت عليهم طائفة من أهل مكة وقتلوهم، والباقون سكوت، فسار النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ... (القصة).
وسكوت الساكتين مع التمكن من الرد على الخائنين ينزل منزلة التهمة، أو هو أظهر منها.
وفي هذا الآن مزيد نظر؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم، ولم يُعلمهم ودعا الله أن يطمس أخباره عليهم، فانحسمت الأخبار عنهم وصارت مكة على أهلها كالوطيس 3 حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرّ ظهرانَ، وظاهر هذه الحالة أنه أراد أن يتغفلهم، ثم جرت قصة لأبي سفيان وحكيمِ بنِ حزام، فظاهِرُ سير الرسول صلى الله عليه وسلم دالٌّ على أنه أراد أن يفاجئهم، وهذا فيه إشكال من جهة
أنه لم يوجد من أهل مكة إلا السكوت عن وقوع بني نُفاثة ببني خزاعة.
وإذا ألحقنا السكوت بالتهمة، وذكرنا أن أصحاب التهمة لا يُبدؤون بالقتال من غير نبذ العهد إليهم، ففي هذا تردد.
ويجوز أن يقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقدم النذير من المنزل الأخير، ويجوز أن يقال: اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريشهم على قتل بني خزاعة، فلم يكن ذلك تهمة في حقه، والعلم عند الله تعالى.
ومما تجب الإحاطة به أن المَضَرّات في حق أهل الذمة يختلف المذهب فيها، في أنها هل تكون نقضاً للعهد، ولا خلاف أنها من أهل الهدنة ناقضةٌ للعهد؛ فإن الهدنة ضعيفة ليست متأكدة ببذل الجزية.
فرع:
11529 - إذا أظهر أهلُ الذمة خمورهم، أرقناها عليهم، وإن لم يظهروها، فأرقناها لهم، لم نضمنها لهم، ولكن لا يجوز ذلك.
ولو غصب غاصب خمراً لهم من بيوتهم، فقد كان شيخي يقطع بأنه يجب ردّها، ويجب التزامُ مؤنة الرّد، وقال غيره من المحققين: لا يجب ذلك، ولكن لا يراق، ولا يحال بينها وبين الذمي إذا أراد استردادها.
ولو غصب مسلم خمراً محترمة لمسلم، فالوجه عندنا وجوب ردّها عليه، وفيها احتمال على حال.
ولو باع ذمي خمراً من مسلم، فسلمها إليه، فالخمر مراقة؛ لأن الذمي تعدّى بإظهارها، ولا شيء له في مقابلة إراقتها.