نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الجراح

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 قال الشافعي رضي الله عنه: "قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] ... إلى آخره" 2. 10257 - صدر الشافعي رضي الله عنه الكتاب بآياتٍ متضمنها تعظيم الوعيد على من يقتل نفساً عمداً بغير حق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الإسراء: 33].
وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93].
والكلام على هذه الآية نقلاً وتأويلاً يطول، وليس هو من غرضنا وقد قيل: "إنها نزلت في مِقْيَس بن صُبابة 3، وكان أسلم، ثم ارتد واستاق إبلاً، ووثب على الراعي، والتحق بدار الحرب، وقال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "اقتلوا مِقْيَس بنَ صُبابة، وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة، فصودف كذلك، فقتل" 4. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا إحدى ثلاث: كُفْر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس" 5، فاحتج عثمان بهذا الحديث يوم الدار.

وقال صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من سفك دم امرىء مسلم" 1. وقال عليه السلام: "من سعى في دم مسلم ولو بشَطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه الآيس من رحمة الله" 2. ذكر الشافعي الأصلَ في القصاص من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْل﴾ [الإسراء: 33] فقيل: معناه لا يقتل غير القاتل، وقيل معناه النهي عن المثلة، وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب﴾ [البقرة: 179] وهذا من إيجازات القرآن، وهو المعنِيُّ [بقول العرب] 3: "القتل أنفى = وحديث عائشة رواه مسلم وأبو داود، وحديث عثمان رواه الشافعي وأحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أبي أمامة بن سهل عنه (البخاري: الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس﴾ [المائدة: 45]، ح 6878. مسلم: القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، ح 1676، أبو داود: الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، ح 4352، الترمذي: الديات: باب ما جاء لايحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث، ح 01402 النسائي: المحاربة، باب ذكر ما يحل به دم المسلم، ح 04021 ابن ماجه: الحدود، باب لا يحل دم امرىء مسلم إلا في ثلاث، ح 2533، 2534 0 الأم للشافعي: 6/ 3، أحمد: 1/ 61، 63 وصححه الشيخ شاكر (ح 437، 438) 0 الحاكم: 4/ 350 0 التلخيص: 4/ 27 ح 1868).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ثم الأصل في عمل المحقق أن يُبقي النص على ما هو عليه، وإن كان فيه من خلل، أو خطأ، فليس له إلا أن يعلق عليه في الهامش، ليبقى النصُّ كما أراده مؤلفه، وليخلص عمل المؤلف له، فليس التحقيق تحسيناً ولا تصويباً، واستُثني من ذلك القرآن الكريم فقط، فلحرمة النص القرآني وقداسته يجب أن يصوّب في المتن، إن أخطأ في إيراده المؤلف، أو الناسخ.
ولكن سوّغ لنا هنا تغيير العبارة في الصلب إيمانُنا الجازم بأن هذا سبقُ قلم، غير معمودٍ ولا مقصود، وباستحالة أن يريد المؤلف نسبة ذلك القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليلنا على هذا الجزم والقطع عدة أمور نوجزها فيما يأتي: أولاً - إن إمام الحرمين من الذين يُحيطون بالأدب العربي شعره، ونثره، وأمثاله، وحِكمه، يظهر هذا في أسلوبه، وتضمين كلامه جملاً مأثورة، وأمثالاً مشهورة، وحكماً شائعة، وأشطاراً -من الشعر- ذائعة، فكيف يقع في هذا الخلط الخطير، والوهم الغليظ، فينسب هذه الحكمة المشهورة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.!!! ثانياً - إن الذين كتبوا عن إمام الحرمين ومعرفته بالحديث أخذوا عليه مواضع كثيرة من كتابه هذا، واشتد نكيرهم عليه في أشياء دون هذا بكثير: من مثل قوله عن حديث معاذ في الاجتهاد - "إنه مدون في الصحاح"، والذي يقرأ البدر المنير لابن الملقن وهو من هو منزلة في المذهب وإحاطة به يشر بأنه قرأ النهاية كلمة كلمة ويتتبعه في الأوهام الحديثية، ويسجل عليه دقها وجليلها، فكيف يفوته هذا الوهم الغليظ؟ وكذلك نجد الحافظ في تلخيص الحبير يتتبع إمام الحرمين، ويعنف به، ويُغلظ له كلما رأى وهماً أو تساهلاً في مجال الحديث، فكيف لم يعقب على هذا؟ ولايظنن ظان أن الحافظ ربما لم يقع على هذا الموضع في النهاية، لا يقولن أحد ذلك؛ فالذي يقرأ الحافظ في التلخيص، وفي الفتح يتأكد لديه أنه قرأ النهاية، فالحافظ هو أيضاً من هو منزلةً في المذهب، وإحاطةً بكتبه.
وكذلك ابن الصلاح والنووي، وغيرهما من الذين سجلوا مآخذ وأوهاماً حديثية على إمام الحرمين لم يذكر أحد منهم هذا، ولا يستطيع أحد -له إلفٌ بكتب النووي، ومعرفةٌ بالمذهب - أن يزعم أن النووي لم يقرأ النهاية كلمة كلمة، إن لم نقل: إنه كان يحفظها عن ظهر قلب.
ثالثاً -قد اختصر النهاية-فيمن اختصرها- العز بن عبد السلام، وبالقطع قرأها كلمة كلمة، ولم نجده أشار إلى هذه الطامة، ولم يتعقب الإمامَ فيها، مع أنه تعقبه فيما دون ذلك بكثير.
رابعاً - قد تعقب إمامَ الحرمين كثير من خصومه وشانئيه من رجال المذهب، وغير المذهب ولم يشر أحد إلى هذه الطامّة، ولا يحتمل ذلك إلا أمرين - لا ثالث لهما: الأول - أن نسخ النهاية التي وقعت لهم لم يكن فيها هذا الخلل.
الثاني- أنهم رأوه، وحملوه على أنه سبق قلم -مما قد يقع فيه كل أحد- فلا يؤاخذ به من وقع فيه، فلم يحملوه على الإمام، ولم يؤاخذوه به، ولم يشيروا إليه.
=

للقتل" 1 والمعنَى أنّ قتلَ القاتل وإن كان [إزهاقَ] 2 روح، ففيه إفادةُ [انزجار] 3 = وبين يديّ الآن واقعةٌ قائمة تشهد بصحة ما أقول، حيث تحقق فيها الاحتمالان معاً، فقد وجدنا الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، يقع على وهم غليظ للرافعي في (الشرح الكبير)، فيحسن الظن به، ولا يؤاخذه بمقتضاه.
وتفصيل ذلك: أن ابن حجر نقل عن الإمام الرافعي في كتاب الأطعمة من (الشرح الكبير) قوله "وفي النهي عن قتل الوزغ دليل على تحريم أنواع الحشرات" ثم عقب الحافظ قائلاً: "هذا من أعجب المواضع التي وقعت لهذا المصنف مع جلالته؛ فإنه خلاف المنقول، ففي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وسماه فويسقاً" وللبخاري ومسلم عن أم شريك: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ" ... ثم عقب قائلاً: "ولعله رحمه الله أراد أن يكتب وفي الأمر بقتله، فكتب وفي النهي عن قتله" (ر.
تلخيص الحبير: 4/ 285، 286). فالحافظ يحمل الأمر على سبق قلمٍ غير مرادٍ.
خامساً - لقد علّمنا إمام الحرمين أن نتوقف في مثل هذا، ولا نؤاخذ به قائله، فقد رأيناه في كتابنا هذا كلّما نقل كلاماً ظاهرَ الخطأ عن أحد الأئمة، يقول: "وهذا زلل في النقل، فقدرُ الرجل عندي أجلُّ من أن يُنْسَب إليه هذا" وأحياناً يجعلها قاعدة عامة وقانوناً متبعاً، فيقول: "وليس يليق نسبة أحد من المرموقين إلى نحو هذا، بل يجب الحمل على الخلل في النقل" تكرر هذا منه عشرات المرات، وآخر ما رأيته من ذلك ما بين يدي اليوم قوله: "ورأيت في نسخة من نسخ الصيدلاني إلحاقَه المبعَّضَ بالمدبّر وأم الولد، وهذا خطأ صريح، وأحسَبه من خلل النسخة، وسأراجع نسخة أخرى إن شاء الله تعالى" ا. هـ. بنصه من كتاب الحدود في مسألة إقامة السيد الحد على مملوكه.
فهو - يعلّمنا أن مثلَ هذه الأخطأء الصريحة لا يصح أن تحمل على الأئمة.

المعتدين، وهي سبب استمرار الحياة.
وقال صلى الله عليه وسلم: "العمد قَودٌ" 1 وقال عليه السلام: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيلَ من هُذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل منكم قتيلاً بعد هذا، فأهله بين خِيرتين إن أحبوا قَتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقلَ" 2. ثم لما ذكر رضي الله عنه التحريمَ والأصلَ في القصاص، استفتح بعدُ القولَ في اشتراط الكفارة وفي وجوب القصاص).
ونحن نقول: أصلُ استيجاب القصاص يستدعي البلوغَ، فلا قصاص على صبي، والعقلَ، فلا قصاص على المجنون؛ فهذا ما ذكره الأصحاب [في التزام] 3 أصل القصاص، ولو ضُم إلى هذا [التزام] 4 الأحكام، لاتجه؛ فإن الحربي [أصلاً لا] 5 يلتزم القصاص، حتى لو عقدت له ذمة وأسلم فلا نقتله بالقتل الذي سبق منه في حالة كونه حربياً.
10258 - ثم قال الشافعي: "وإذا نكافأت الدماء من الأحرار المسلمين ... إلى آخره" 6. فنقول: لا يقتل الإنسان بكل أحد، والتفاوت في الصفات على الجملة مؤثر في

[دفع] 1 القصاص عن القاتل يقتُل المفضولَ، ثم لا يعتبر في المكافأة جملة الصفات، وإنما يعتبر بعضُها، فالمؤثر فيها: الاختلافُ في الدين إسلاماً وكفراً، والحريةُ والرق، وألحق الأئمة بهذا ما بين الوالد والولد من التفاضل، وعدّوا امتناع وجوب القصاص عن الوالد من باب اختصاصه بفضل الأبوّة، وقال قائلون: الولد والوالد متكافئان، وإنما اندفاع القصاص عن الوالد بتوقيفٍ، أو طرفٍ من المعنى سوى المكافأة، كما سيأتي شرح ذلك، إن شاء الله، وهذا الخلاف قليل الجدوى والفائدة.
10259 - ونحن الآن نذكر التفصيل في اختلاف الدين، ثم نذكر بعده اختلاف القاتل والمقتول بالرق والحرية، ثم نذكر انتفاء القصاص عن الأب إذا قتل ولده، ونذكر في كل أصل ما يليق به.
ونُقدِّم على الخوض في التفاصيل طرقَ الأصحاب في الضبط: قال قائلون: المؤثر في كفاءة الدم الشبهات 2، فالمسلم إذا قتل ذمياً، والكفر في الذمي شبهة؛ فإنه كان مبيحاً لدمه قَبْل الذمة، وهو قائم مع الرق والذمة، والرقُّ من آثار الكفر، والوالد شبهة في ولده؛ فإنه [بعضه] 3، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك".
وهذا المسلك لا يستقيم على السبر ولا يصبر على المباحثة.
أما ما ذكر في الكافر فينقضه [أن الذميّ يقتل بالذمي] 4 ولا ينفع الاحتيال في دفعه، وينقضه أن المسلم يقطع بسبب مال الذمي، والشبهةُ في المال تدرأ القطعَ، ولا مبالاة بما ذكره الأصحاب في دفع ذلك.

وأما المصير إلى كون الرق من آثار الكفر، فكلامٌ عريٌّ عن التحصيل، ومن اعتقد أن الأب شُبْهة [بالابن] 1، فليس من [أحزاب] 2 الفقهاء، وإن كان الرسول يقول عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك" فهذا كلام أجراه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً 3، ولو شاع اعتقاد ظاهره والتعويل عليه، للزم أن يقال: إذا فجر الرجل [بامرأة ابنه] 4 لا يلزم الحد، فهذه طريقة مزيّفة.
وقال آخرون: قياس الباب أن تعتبر العصمة والتساوي فيها، [وقال: إن] 5 القصاص أثبت تحقيقاً للعصمة فيما نبهنا عليه.
والمسلم والكافر متفاوتان في سبب العصمة، فاعتصام المسلم بالإسلام،

واعتصام الذمي بذمةٍ عوضها في السنة دينار، وهو متوعد في استدامتها [وترك] 1 الإسلام بوعد الأبد، ولو خالف موجَبَ الذمة، انتقضت، والمسلم إذا خالف شرائعَ الإسلام لم ينتقض عصامه، ولم يزايله إسلامه، فهما متفاوتان في سبب العصمة تفاوتاً يزيد على تفاوت الحنطة الجيدة والرقبة 2، والماليةُ في الأموال كالعصمة في الدماء.
وعصمة الرقيق أضعف من عصمة الحر؛ من جهة أن الحر يتوصل إلى إقامة كل عبد مقامَ الإهدار بتملكه، فيصير مهدر الدم في حقه، والذكورة والأنوثة، وما عداهما من المناقب ونقائضهما، لا تؤثر في التفاوت في العصمة، وهذا القائل لا يعد الأبوة والبنوة من أركان الكفاءة.
وهذه الطريقة، وإن كانت أحرى من الأولى، فالوفاء بتقريرها عسر، ولا يليق الخوض فيه، بهذا المجموع.
والذي نعتمده ونعتقده، أن الصفاتِ المرعيةَ في كفاءة الدم لا تندرج تحت معنى ضابط [يجري وينعكس] 3، ولكن معتمد اندفاع القصاص عن المسلم إذا قتل الذميَّ الحر [الخبرُ] 4 [بحسب ما قررناه] 5 في مجموعات الخلاف 6، ومعتمد اندفاع القصاص عن الحر بقتل العبد تشبيه النفس بالطرف، ولا مزيد على صاحب المذهب، وهو رضي الله عنه، لم يتعرض لمعنىً جامع، ولم يعتمد في مسألة قتل المسلم بالذمي

إلا الخبرَ، كما لم يعتمد في مسألة قتل الحر بالعبد إلا الشبه بالطرف، فهذه هي الطريقة المرضية.
10260 - وقد حان أن نخوض في التفاصيل فنقول: إذا قتل مسلم ذمياًً، لم يستوجب القصاص بقتله، ولو قتل ذميٌّ ذمياًَ، ثم أسلم القاتل، لم يسقط القصاص عنه بطريان الإسلام، باتفاق الأصحاب، فإن العقوبات إذا وجبت، لم تغيّرها الصفات الطارئة على مستوجبها.
ولو جرح ذمي ذمياً، ثم أسلم الجارح، ومات المجروح، بعد إسلام الجارح، ففي وجوب القتل قصاصاً على الجارح وجهان معروفان: أحدهما - أن القصاص لا يجب؛ فإنه لو وجب، لوجب بزهوق روح المجروح، والمجروح مات كافراً، والجارح إذا أسلم، فلو أوجبنا القصاص في النفس، لتضمن ذلك إيجابَ القصاص ابتداءً على مسلم بسبب زهوق روح كافر.
والوجه الثاني - أن القصاص يجب اعتباراً بحالة الجرح؛ فإنه الفعل الداخل تحت الإيثار، والسريان وما يفرض من زهوق الروح ليس من أفعال الجارح، ولكنه يعد جزءاً من فعله؛ لأنه ترتب عليه.
والأصح الوجه الأول، فإنا في أحكامٍ نعتبر المآل، والقصاص أولى الأحكام باعتبار المآل، فيه.
10261 - ولو قتل عبد مسلم عبداً مسلماً لكافر، ففي وجوب القصاص على العبد القاتل وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يجب؛ لأن القاتل والمقتول متكافئان، ومالُ السيد لا يُعصم بالقصاص، وإنما العصمة لحرمة الدّمّية، والتساوي بين [الدّمين] 1 قائم.
والوجه الثاني - أن القصاص لا يجب؛ لأنه لو وجب، لوجب لكافر على مسلم؛ فإن مستحق القصاص سيد العبد، ولا يثبت للعبد قصاص تقديراً ولا تحقيقاً، والدليل

عليه أن عبداً لو قطع يدَ عبد، فالاقتصاص لمولاه، فلو عفا العبد، لم يسقط القصاص، بل إلى السيد الاستيفاءُ، والإسقاطُ، [ثم هذا القائل فرّق بين أن يكون العبد القاتل لمسلم] 1 أو لكافر؛ فإن القصاص على العبد لا على مولاه، وهو لسيد العبد المقتول لا للعبد.
10262 - والذمي مقتول بالذمي وإن اختلفت الملّتان، والنصراني مقتول بالمجوسي.
وأطلق الأئمة أقوالهم بأن الذمي مقتول بالمعاهد، وفي النفس من هذا ترددٌ؛ فإني رأيت للأصحاب في كتاب السرقة نَقْلَ نصوصٍ في أن المعاهَد لو سَرَقَ هل يُقطع؟ [ويترتب عليه تردّدٌ في أنه لو سُرق مالُه هل يُقطع السارق؟] 2؛ إذ من المستحيل ألا يُقطع إذا سرق من مال مسلم، ويقطع المسلم إذا سرق من ماله، وينشأ من هذا [تردُّدٌ في] 3 أنه إذا قَتل لا يقتل قصاصاً.
نعم، يجوز أن ينتقض عهده ويقتل؛ لأنه حربي، لا عهد له.
وإن فصل فاصل بين حد السرقة من حيث إنه حق [الله] 4 وبين القصاص لأنه حق الآدمي، [فهو -للعفو عن الدم- من حقوق الآدميين] 5، لم يتجه هذا؛ فإن عصمة المال [بالحدّ] 6 تتعلق بطرف من حقوق الآميين.

وهذا الذي ذكرناه [إبداء] 1 احتمال، والذي رأيناه للأصحاب القطعُ بوجوب القصاص على الذمي بقتل المعاهَد.
ولم يختلف أئمتنا في أن دية المعاهَد النصراني كدية الذمي النصراني، وهذا شاهد صدق في التسوية بين الذمي والمعاهد النصراني.
وإن كنا لا نتعلق بالدية في القصاص، ويجري القصاص مع التفاوت [في قيمة] 2 الدية.
10263 - وإذا قتل ذمي مرتداً، فقد ذكر العراقيون ثلاثة أقوال: أحدها - أن القصاص لا يجب بقتل المرتد؛ فإن المرتد مهدر الدم، وإيجاب القصاص على القاتل المعصوم بقتل المهدر بعيد.
والقول الثاني - أنه يجب القصاص [للاستواء، في الكفر، وفي المرتد مزية] 3، وهو عُلقة الإسلام، ولأجلها يُدعى إلى الإسلام قطعاً [ألردّته] 4، ويخاطَب بتفاصيل أحكام الإسلام.
والقول الثالث - حكاه العراقيون عن تخريج الإصطخري [أن الذمي] 5 يستوجب القصاص [بقتل المرتد] 6 إذا قتله عمداً.
وإن قتله خطأ، لم يلزم المال، فأقام إهدار العوض فيه 7، وأوجب القصاص

على الذمي؛ [لأن قتل المرتد] 1 عقوبةُ حدّ، والكافر ليس من [أهل] 2 استيفاء الحد 3، ونحن قد نوجب القصاص في النفس حيث لا نُثبت مالاً، والدليل عليه أن من قطع يدي رجل، ثم قتله، فقصاص الطرف لا يندرج تحت النفس، ولو [اقتص] 4 الولي من الجاني في يديه، فإن له القصاص في النفس، ولا مال له، على ما سيأتي، إن شاء الله عز وجل، ثم يقول الإصطخري: لو قتل الذمي المرتدَّ عمداً، ثم آل الأمر إلى المال، فلا مال.
ولو قتل المرتد الذميَّ، فهذا يبتني على قتل الذمي المرتدَّ على العكس، فإن قلنا: الذمي لا يقتل بالمرتد؛ لأن المرتد مهدر، فالمرتد مقتول بالذمي.
وإن قلنا الذمي مقتول بالمرتد، فهل يقتل المرتد بالذمي؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يقتل به للاستواء في الكفر.
والثاني- لا يقتل به، لما [تميّز] 5 به من عُلقة الإسلام.
ومما [يدار] 6 في أثناء ذلك أن قتل المرتد ليس يُقطع القول بأنه حد، بل [هو] 7 إرهاقٌ، وحملٌ على الإسلام، وسيأتي أثر هذا في كتاب الحدود، إن شاء الله.
ومما يتعلق بهذا أن الذمي إذا قتل ذمياً، قُتل به لاستوائهما.
ولو قتل مرتد مرتداً، فظاهر 8 المذهب أنه مقتول به؛ لاستوائهما في كل معنى.
وأبعد بعض أصحابنا، فقال: لا قصاص عليه؛ لأن المقتول [هدرٌ] 9، وهذا

له اتجاه وإن كان بعيداً، وقد يقرّب موت المقتول -لو لم يُقتل- مرتداً، ويفرض عَوْد هذا إلى الإسلام.
ولو قتل ذمي مرتداً وأوجبنا القصاص فمن يستوفيه؟ قال الشيخ أبو علي: يستوفيه الإمام أو من ينوب عنه، وحَكَى قولاً بعيداً أن حق الاستيفاء يثبت لقريبه المسلم الذي كان يرثه لو كان مسلماً، وهذا قد يمكن تخريجه من مسألة ستأتي، وهو أن المسلم لو قطع يدَ مسلم، ثم ارتد المجروح ومات مرتداً، فقال الشافعي: "لوليه القصاص في الطرف" وسنذكر غائلة هذا الفصل ثَمَّ، إن شاء الله عز وجل.
10264 - وقال أئمة العراق: الذمي إذا قتل مسلماً محصناً [قد] 1 زنا واستوجب الرجم، وجب القصاص عليه، بلا خلاف، فإن الواجب على المسلم حدٌّ، وهو حق الله تعالى يستوفيه المسلمون، ولكن عَسُر [قيامهم] 2 باستيفائه [فيستوفيه] 3 النائب عن المسلمين 4. وقالوا: لو [قتل] 5) مسلم مسلماً زنا وهو محصن، هل يجب القصاص عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب، وهو القياس، وبه قطع المراوزة؛ فإن القاتل من المسلمين، والرجم ثابت لله تعالى.
والثاني- يجب القصاص؛ فإن استيفاء الحد مفوّضٌ إلى الإمام، وأيدي الكافة مصروفة مكفوفة عنه، كما أن استيفاء القصاص مفوض إلى مستحقه، فلو قتل ملتزمَ القصاص من لا يستحق القصاص، التزم القصاص.
هذا قولنا في اختلاف الدين.5

10265 - ورأيت لأئمة المذهب تردداً في مسألة أَصِفُها، وهي أن الذمي لو قتل ذمياً، ثم أسلم القاتل، فالقصاص لا يسقط، كما قدمناه، ويتولى استيفاءَ القصاص [بعد الرفع] 1 إلى السلطان أولياءُ القتيل، وإن كانوا كفاراً 2، فلو مات ولي الدم، وخلفه كافر، فهل يرث القصاص الذي وجب له على مسلم في صورة الدوام؟ ذكروا في ذلك وجهين: أقيسهما - أنه يرث ويحل محل الموروث، وقد كان كافراً.
والثاني - لا يرث القصاص؛ فإن هذا استحقاق قصاص على الابتداء على مسلم، ويستحيل أن نثبت لكافر على مسلم قصاصاً ابتداء.
وهذا بعيد، والأصح الأول، وسنعيد هذا عند كلامنا في قتل الوالد ولده.
وقد انتجز القول في اختلاف الدين إسلاماً وكفراً.
10266 - فأما الرق والحرية، فإذا قتل الحر رقيقاً: مكاتباً أو مستولدةً أو من بعضه رقيق، لم يستوجب القصاص بقتله ابتداء.
ولو قتل عبد عبداً، ثم عَتَق القاتلُ، لم يسقط القصاص عنه بالعتق الطارىء، قياساً على الإسلام الطارىء بعد القتل.
ولو جرح عبد عبداً، ثم عَتَق الجارح بعد موت المجروح [وجب القصاص، ولو جرح عبد عبداً، ثم عتق الجارح] 3، ثم مات المجروح على الرق، فيجري الوجهان في هذه الصورة.
ولو قتل من نصفه حر ونصفه عبد شخصاً على مثل حاله في الرق والحرية، فالذي ذكر العراقيون أن القصاص يجب لمساواة القاتل والمقتول في الصفة.

وقطع الققال والأئمة [المراوزة] 1، بأن القصاص لا يجب 2، [واعتلّوا] 3 بأنا لو قتلنا هذا الشخص بذلك، لقابلنا حريةً برق؛ فإن الاستيفاء يقع على الإشاعة لا على التقطيع، فهذا إن قيل، [فكل جزء منه مستوفىً في مقابلة الرق والحرية، ومقابلة حرّ بحر ورقيق، بمثابة مقابلة حر برقيق،] 4 والدليل على الشيوع في المقابلة أن من نصفه حر ونصفه رقيق إذا قتل شخصاً مثله، وآل الأمر إلى المال، فلا نقول: مقدار القيمة من الجزء الرقيق يتعلق بالمقدار الرقيق من الجاني 5، ومقدار الدية يتعلق بالذمة 6 في مقابلة الحرية، بل يتعلق قسط من القيمة وقسط من الدية، [بالرقيق على ما تقتضيه نسبة الحرية] 7 في القسمة، فنتبين أن التقابل على هذا الوجه يقع، فلو اقتصصنا، لأدى إلى مقابلة الحرية بالرق لا محالة.
ثم يتفرع على هذين الوجهين أن القاتل لو كان عشرة أجزاء 8، فلا قصاص على طريقة المراوزة؛ لأن من ضرورة المقابلة ما ذكرناه.

والعراقيون يشترطون في إجراء القصاص أن يكون الجزء من القاتل مثل الجزء من المقتول.
وإن كان المقدار الحر من المقتول أقل، والمقدار الحر من القاتل أكثر، فلا يَجْر القصاص للتفاوت الظاهر في الحرية، والفضيلةُ الزائدة المعتبرة في القاتل تمنع وجوب القصاص لا محالة.
والمستولدة مقتولة بالرقيقة القنة، والمكاتب مقتول بالعبد القن، ولا نظر إلى ما كان يتوقع فيهما من حرية.
ولو قتلت مستولدةٌ رقيقاً، ثم لم يتفق الاقتصاص حتى عَتَقت، فلقد كانت مستحقة العتاقة لما قتلت، وقد تحقق الآن ذلك العتق، [فالقصاص] 1) لا يسقط بالعتق الطارىء، ولا نظر إلى كون العتق مستحقاً؛ فإن هذا لو كان معتبراً، لمنع استيفاء القصاص، وإن لم يتحقق العتق.
ولو قتل حر ذميٌّ عبداً، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، ووقع في الأسر، وأُرق، فلا قصاص عليه؛ نظراً إلى حريته حالة القتل.
10267 - ومما نختم به هذا الفصل أن الفاضل من الصفات المرعية لا يقتل بالمفضول، والمفضول يقتل بالفاضل.
والكافر يقتل بالمسلم، والعبد يقتل بالحر.
ولا يتطرق الجبر إلى الصفات المعتبرة، فلو قتل حرٌّ كافر عبداً مسلماً، لم يقتل به، ولو قتل عبد مسلم حراً كافراً لم يقتل به، وهذا وإن كان من الجليات، فهو غريب في المسائل: شخصان يتفاضلان لا يجري القصاص بينهما في الطرفين 2 جميعاً، وسبب ذلك أنا لم نجبر نقيصةً بفضيلة فيما نحن فيه، وقد ذكرنا في كفاءة النكاح في بعض الصفات أن الجبر قد يتطرق إليه.
وهذا لا يجري في هذا الفصل.1

فصل قال: "ولا يقتل والد بولد ... إلى آخره" 1. 10268 - الوالد لا يقتل بولده.
وقال مالك 2: إن حذفه بالسيف، لم يلزمه القصاص وإن أضجعه وذبحه، التزم القتل حدّاً، ثم معتمد الشافعي الخبرُ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل والد بولده" 3 ثم لا خلاف أن الأم بمثابة الأب في أنها لا تستوجب القصاص بقتل ولدها، واتفق الأصحاب في طرقهم على أن الأجداد وإن علَوْا، والجدات وإن علَوْن بمثابة الأب والأم، فمن قتل ولده أو حافده، لم يستوجب القصاص.
وقد ذكر صاحب التلخيص قولاً أن اندفاع القصاص يختص بالأبوين: [الوالد] 4 والوالدة، ويجب القصاص على الأجداد والجدات إذا قتلوا أحفادهم، وهذا قولٌ غريب ردّه الأصحاب، ولم يقبلوه منصوصاً ولا مخرّجاً، ولعله استنبط هذا من قول الشافعي رضي الله عنه في الرجوع في الهبة: "يختص به الأبوان ولا يثبت لغيرهما" وهذا ليس على وجهه؛ فإن الذي يليق بالهبة منع الرجوع، والاقتصارُ على مورد الخبر، والذي يليق بالقصاص إذا تمهد فيه دافعٌ يدرأ العقوبة ألا يخصص 5.

واعتمد الشافعي في هذا الأصل ما روي "أن رجلاً من بني مُدْلِج حذف ساقَ ابنٍ له بالسيف، [فأَطَنَّه] 1، فنزف الدم ومات، فجاء سراقةُ بنُ مالك بن [جُعشم] 2 سيد بني مدلج إلى عمرَ رضي الله عنه وأخبره، فقال عمر: اعدُدْ لي على [ماء قُديد] 3 مائة وعشرين من الإبل، لأَعْدُوَ، فعدا عليهم وأفرد منها مائةً، ثم قال: أين أخ المقتول؟ فقال: ها أنا يا أمير المؤمنين، فقال: خذها إليك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقاد والدٌ بولد، وليس للقاتل من الميراث شيء" 4 وقوله: لا يقاد والد بولد يعمّ كلَّ قتلٍ [من غير فصلٍ وفرقٍ] 5. 10269 - والابن مقتول بأبيه وفاقاً، ولا يُقطع واحد منهما بسرقة مال صاحبه، والابن محدود بالزنا بجارية أبيه، والأب مخصوص باندفاع الحد عنه إذا وطىء جارية ابنه، وسبب اندفاع القطع من الجانبين ثبوت حق النفقة لكل واحد منهما إذا أعسر وصاحبه موسر، وسبب اختصاص الأب بانتفاء الحد عنه، إذا وطىء جارية ابنه [أن له] 6 في مال ابنه حقَّ الإعفاف.
وأما القصاص، [فلا يستدّ] 7 فيه معنى معتبرٌ، والمعوّلُ فيه الخبر.
ثم المذهب الذي عليه التعويل: أن القصاص لا يجب على الأب.
وذكر بعض أئمة المذهب أن القصاص يجب عليه ويسقط، وزعموا أن سبب

الوجوب التساوي مع كَوْن القتل موجباً للقصاص؛ [ولذلك] 1 يجب القصاص على شريك الأب دون شريك الخاطىء 2 - ولكن يتعذر استيفاؤه؛ فإن الإقدام على قتل الأب بسبب الابن نهايةُ الإهانة، فسقط القصاص بتعذر الاستيفاء.
وهذا حشوُ الكلام، ولست أحكي مثله إلا مع المبالغة في التنبيه على سقوطه، حتى لا يجري كل منقول على نسقٍ واحد، فإذا كان الاستيفاء متعذراً، وهذا مقترن بالقتل، فاقتران المُسْقط يمنع الوجوبَ، ثم ما ذكره هذا القائل تحكُّم، ولو وجب القتل لاستُوفي.
10270 - ثم كما لا يجب على الأب القصاصُ بقتل ابنه، وإدن كان مستحقُّ القصاص غيرَ الابن، [فكذلك لو قتل مَنْ وارثه ابنُه،] 3 لم يجب القصاص عليه، فكما يمتنع وجوب القصاص بقتل الابن يمتنع وجوب القصاص بقتل مَنْ وارثه الابن، ولو كان للمقتول ورثةٌ أحدُهم الابنُ، لم يجب القصاص أيضاً، فإن وراثته من المسقطات، فإذا اجتمع المسقط والموجِب، [مع اتحاد القصاص غُلّب المسقط] 4 وينزل هذا منزلة ما لو ثبت القصاص لجمعٍ، فعفا واحد منهم، وأصرّ الباقون على طلب القصاص، سقط القصاص بعفو من عفا، وآل الأمر إلى المال.
ومما يليق بذلك أن القصاص لو وجب، ثم طرأت وراثة الابن فيه، سقط

القصاص بطريان وراثة الابن فيه، مثل إن قتل 1 ابنَ معتَقِ ابنهِ، ووجب القصاص [لعتيق] 2 الابن، فلو مات معتَقُ الابن [وورثه الابن] 3، فيسقط القصاص.
وهاهنا لطيفة في المذهب، وهو أن الوجه أن [نقول] 4: ورث القصاصَ وسقط؛ فإنه لو لم يرث، لما سقط القصاص، فإن الابن يخرج عن كونه وارثاً على هذا التقدير، وإذا لم يرث ورث غيره، ثم كان يستوفي القصاص.
فمن قال: يجب القصاص على الأب بقتل الابن ويسقط، قد يتعلق بهذا؛ فإن الابن يستحق القصاص، ولكن يقال له: سبب سقوط القصاص استحقاقُه، وهو بمثابة جريان ملك الرجل على قريبه الذي يَعتِق عليه، لمّا لم يتصور العتق إلا في الملك، ثبت الملك، ليترتب عليه العتق، وهذا لا يتحقق في قتل الوالد ولده، فإنا لو أوجبنا القصاص ومستحقُّه ليس ابناً [لاسْتقر] 5 الوجوب.
نعم، إذا قتل من وارثه الابن، فالوجه هاهنا أن يقال: يجب ويسقط، فإن السقوط يستدعي الثبوت، ولو لم يثبت أصلاً، لخرج الابن عن كونه وارثاً.
ولو قال قائل: يمتنع ثبوت القصاص [لانسداد] 6 طريق الإرث فيه مع أن الابن من أهل الإرث، لما انتظم الكلام، ولوجب إقامةُ غيرِ الابن [في الوراثة] 7 مقامه، وكان شيخي يميل إلى أن من قتل مَنْ وارثه الابن، لم يجب القصاص، لامتناع الوراثة، مع استجماع الابن شرائطَ الوراثة.
10271 - ومما نذكره [متصلاً] 8 بهذا أن من وجب عليه القصاص، ثم مات مستحق القصاص، وكان هذا القاتل وارثَ ولي المقتول، فيسقط القصاص؛ فإنه

يصير مستحقَّ دمَ نفسه، وإذا كان طريان إرث الابن يُسقط، فطريان إرث من عليه القصاص أولى بإسقاط القصاص.
ثم ليت شعري ماذا نقول في هذا الطريان؟ أيصير مستحقاً لقتل نفسه ثم يسقط؟ أم يسقط القصاص بامتناع الوراثة؟ الوجه أن نقول: يستحق ويسقط، وهذا كما لو اشترى العبد نفسَه من مولاه، فقد قيل: يملك نفسه، ويترتب العتق عليه، ثم اضطرب الرأي في الولاء، فذهب الأكثرون إلى أن الولاء للسيد البائع؛ [إذ] 1 يستحيل أن يثبت لإنسانٍ الولاء على نفسه، ومن شأن الولاء أن لا ينقطع، بخلاف الملك، ولا بد من إثبات الولاء.
وذهب ذاهبون إلى أن الولاء لا يثبت أصلاً؛ فإنه يثبت لمن حصل العتق في ملكه، والعبد عَتَقَ من حيث ملك نفسه، ولو ثبت الولاء، لثبت له الولاء على نفسه، في تصرفٍ سيأتي في موضعه، إن شاء الله.
10272 - فإذا تمهدت هذه الأصول، فإنا نفرع عليها فرعاً يهذبها، فنقول: أخوان لأب وأم، قتل أحدهما أباهما، والثاني أمهما، فالمسألة تتصوّر على وجهين: أحدهما - أن تكون الأم زوجة الأب، والأخرى ألا تكون زوجته.
فإن كانت زوجته، فالفتوى أن القصاص يسقط عن قاتل الأب، ويجب له على قاتل الأم القصاص بقتل الأم، وليقع الفرض فيه إذا تقدم قاتل الأب بالقتل، والتعليل أن القصاص وجب على قاتل الأب ووَارِثُه الأمُّ والأخُ، وهو لا يملك [من دم أبيه] 2 شيئاً؛ فإنه قاتل، والقاتل لا يرث، فلما قتل الثاني الأمَّ، فقاتل الأم لا يرث من القصاص شيئاً، ويستوجب القصاص، وقاتل الأب يرث الأم لا محالة، ومن جملة حقوقها القصاص الذي وجب على قاتل الأب، فيصير وارثاً لبعض دم نفسه، وقد تمهد أن من ورث دم نفسه أو بعض دم نفسه، فيسقط القصاص عنه.
ولو سبق قاتل الأم، ثم صدر القتل من قاتل الأب والزوجيةُ قائمة، انعكس

الترتيب، وطريق الجواب إسقاط القصاص عن السابق، ثم يجب للأول على القاتل الثاني القصاص؛ لأنه يرث المقتول الثاني وقاتله لا يرثه.
هذا إذا كانت الزوجية قائمة أما إذا لم يكن بينهما زوجية، وترتب القتل على ما ذكرناه، فيجب لكل واحد من الأخوين القصاص على صاحبه.
ثم قال الأصحاب: إذا سبق أحدهما بقتل الأب، فنبدأ في استيفاء القصاص به لأنه بدأ بالقتل، وسبق إلى التزام القصاص، ثم إذا استوفى قاتل الأم القصاص من قاتل الأب، فهل يرث هو منه أم لا؟ فعلى وجهين؛ فإنه مقتصٌّ وإن كان قاتلاً 1، وقد نقل الأصحاب قولين في المسألة: [فأنبه عليهما وأعبر عن مرادي بما يناسب] 2، فإن قلنا: إنه يرثه، فمن حقوقه دم هذا المقتص، فيرث بعضَ دم نفسه أو تمامَه، فيسقط عنه القصاص.
[وإن قلنا: لا يرث] 3، فلا يسقط عنه القصاص، فيستوفي وارثُ قاتلِ الأب القصاصَ من قاتل الأم.
هذا ما ذكره الأصحاب.
10273 - وفيما ذكرناه تأمل على الناظر، وذلك أنا إذا قلنا: إذا سبق أحدهما بالقتل، فالبداية في استيفاء القصاص به، ويعترض على هذا أنه [لو قَتَلا الأبوين كذلك] 4، فقد تحقق القصاص عليهما جميعاً، وتقدُّم أحد الحقين بالوجوب لا يوجب التقديمَ؛ فإن من أتلف مال رجل، ثم أتلف مال آخر، وضاق ماله عن الغُرمين، لم يقدم أولهما.
نعم، إذا قتل رجل جماعة ترتيباً، فحق طلب القصاص لأولياء القتيل الأول، [وهو أحق في التقدم، والسببُ فيه] 5 أن دمه صار في حكم

المرتهَن بقصاص القتيل الأول، وفي مسألتنا وجب قصاصان على شخصين، وهذا محل التأمل.
فالذي ذكره بعض المصنفين: "أن حق الطلب لمن سبق استحقاقه، فالمطلوب من سبق منه القتل".
ولهذا وجهٌ على حال؛ فإنا لو لم نقل بهذا، لثبت الطلب لكل واحد منهما على صاحبه، ويستحيل أن نقف [في موقف القائلين بالوقف في القتل] 1، وإذا عَسُر هذا ولا وجه لإسقاط القصاص، فلا ينقدح فيه إلا القرعة، وللقرعة جريانٌ في التقديم والتأخير، وهي في هذا المقام من الأصول التي تطّرد.
ولو قتل رجل جمعاً دفعة واحدة، فلا نسلمه إليهم، بل نَقْنع بالقرعة [بين] 2 الأولياء.
وإذا تمهد هذا، ترتب عليه أن ما نقدم القرعة فيه عند الاجتماع، يجوز أن نقدم فيه السبق، [كالازدحام] 3 على مجالس القضاة؛ فإن السبق لمن سبق، وإن فرض ازدحام، فالتقدم لمن تخرج القرعة له.
هذا وجه.
وإن استعظم الفقيه هذا لما فيه من الخطر العظيم؛ فإن السابق يُقتل، ثم يسقط القصاص عن اللاحق.
قلنا: نعم هو كذلك، وليس يلتزم مثله في القرعة، فإذا كانت القرعة تؤدي إلى ما استنكره هذا القائل، فليُحْتَمل مثلُه فيما ذكرناه.
وذهب ذاهبون إلى أن السبق لا أثر له في الباب، وإليه إشارة القاضي، ونفْيُ أثر السبق بيّنٌ في القياس، وإذا قوبل هذا القائل بالقرعة، كان من جوابه عنها: إن القرعة تُبطل الاختيار في التقديم والتأخير، فنتبعها في الضرورة.
وحيث أقمنا للسبق أثراً، أو رُددنا إلى القرعة، ثم أقرعنا، [وتبين] 4 المطلوب، وتعين الطالب بأحد المسلكين، [فابتدر] 5 المطلوبُ وقتل الطالبَ، وقع

[قتله إياه] 1 قصاصاًً، فانعكس الأمر، وثبت لهذا القاتل ما كان يثبت له لو كان هو الطالب؛ فإن القرعة لا تقلب الاستحقاق، ومن قتل جماعة على الترتيب، وصرنا إلى أنه مسلّم إلى أولياء الأول، فلو ابتدر أولياء القتيل [الأخير] 2 وقتلوه، [كان] 3 قتلهم إياه قصاصاً مستحقاً، ويتعرضون للتأديب [إذا] 4 فارقوا ما رُسم لهم.
10274 - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن الأخوين إذا ابتدرا قتل الوالدين معاً، فسواء كانت الأم تحت الأب، أم لم تكن، فيجب القصاص لكل واحد منهما على صاحبه، وذلك أن المقتولَيْن -وإن كانا على الزوجية- فإذا وقع موتهما معاً لم يتوارثا، فلا فرق بين أن ينقطع الميراث بينهما بهذا السبب وبين أن ينقطع بعدم الزوجية، ثم القول في وجوب القصاص عليهما على ما رتبناه، ثم الكلام فيمن به البداية على ما سبق.
ورأيت في مرامز كلام الأصحاب ما يدل على الإضراب عن القرعة، والقاضي 5 لم يذكرها، واقتصر على أن قال: لو ابتدر أحدهما وقتل صاحبه، كان كذا وكذا،

وهذا فرار من الزحف، فإذا جاءا وكُلٌّ بطلب صاحبه، فما الجواب؟ ولا سبيل إلى تسليطهما على أن يتناجزا بالسيف، ولا سبيل إلى إسقاط القصاص، وإذا قلنا: من ابتدر منكما وقتل، فحكمه كذا، فيبتدر كل واحد منهما إذا علم المبتدر أنه الفائز، فلا وجه عندنا إلا القرعة.
والعلم عند الله.
فصل 10275 - مولودٌ مشكلُ النسب ادعاه رجلان، واحتمل أن يكون من كل واحد منهما، فإذا لم نجد [القائف] 1، وانحسم مسلك البيان، فلو قتله أحدهما في حال قيام الإشكال، فلا قصاص، لاحتمال أن يكون أباه، وقد صدر من كل واحد منهما [ما يثبت الأبوة لو انفرد] 2 وهو الدِّعوة 3، وقد ثبتت أبوّة مبهمة وأشكل الأمر.
ولو جرى القتل من أحدهما، ثم تبين بقول القائف، أن الأب هو الثاني، نوجب القصاص على القاتل؛ لأن الأبوة إذا ثبتت في حق أحدهما، انتفت في حق الثاني.
وقد تتفرع صور ناشئة من لحوق النسب، في التناكر والتداعي وإقرار أحدهما مع إنكار الثاني، وهي بجملتها مضمونُ باب الدِّعوة، وحظ هذا الفصل منها أن من ثبت نسبه، انتفى القصاص عنه، إذا كان قاتلاً، وإن استبهم الأمر، انتفى القصاص أيضاً عند ثبوت سبب النسب، وقد يكون دِعوة وقد يكون فراشاً.
ولو اجتمعا عليه فقتلاه، فلا قصاص على واحد منهما، ولو بان أن الأب أحدُهما بعد القتل، فلا قصاص على الأب منهما، وعلى الثاني القصاص؛ فإن شريك الأب يلزمه القصاص، كما سيأتي شرح أحكام الشركاء.

فصل 10276 - الرجل مقتول بالمرأة والمرأة مقتولة بالرجل، ولا أثر للذكورة والأنوثة في القصاص، وإن كانا يؤثران في تفاوت البدل، ولو كان للقياس مضطرب في الباب، لكانت الأنوثة والذكورة مؤثرتين في القصاص [كأئرهما] 1 في البدل، سيّما على مذهب من يرعى الكفاءة بين القاتل والمقتول، ولا يرى قتل الفاضل بالمفضول، ولمّا قابل الله تعالى الحرّ بالحر والعبد بالعبد، قابل الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا قتل الرجل المرأة تخير أولياؤها بين أخذ ديتها، وبين أن يُعطُوا نصف دية القاتل [ويقتلوه بها، وإن قتلت المرأة الرجل، تخير أولياؤه بين أن يأخذوا جميع ديته] 2 وأن يأخذوا نصف دية الرجل مع القصاص، وجعل التفاوت في البدل في هذا [أقيس] 3 كالتفاوت في أصابع اليد، ونحن قد نجمع بين استيفاء القصاص وبين الدية فيما لا نجده من يد الجاني المقتص منه، على ما سيأتي ذلك، إن شاء الله عز وجل.
والممكن في الباب أن القصاص وإن كان حقا ثابتاً للآدمي، فليس هو [على] 4 قياس الحقوق؛ فإن من أتلف على إنسان مالاً يغرَم له ما يجبر الفائت، فإذا قتل القاتلَ، فلا جبران فيه، وهو على التحقيق يناظر حقاً للآدمي تعلّقُه بطلبه، وسقوطه بإسقاطه، وحظُّه الخاص منه شفاء الغليل، والغرض الأظهر منه الزجر وإقامة العصمة وتحقيقها، والذكورة والأنوثة لا يوجبان تفاوتاً في العصمة بخلاف الكفر والإسلام والرق والحرية.

فصل قال: "وفي العبد قيمته، فإن تلفت ومات ... إلى آخره" 1. 10277 - من قتل عبداً خطأ، أو قتله عمداً، وآل الأمر إلى المال، فالواجب قيمة العبد بالغةً ما بلغت، وإن بلغت دياتٍ، خلافاً لأبي حنيفة 2، ومعتمد المذهب أن من يُتلف الماليةَ ملتزمٌ جبرانها، وسبيل الجُبران التزامُ ترك ما فات بكماله.
ثم قد قال بعض أصحابنا: إن قُتل العبدُ [قَتْل] 3 القصاص واستُوفي القصاص من القاتل، فالعبد مضمون بالدّمية، فإن آل الأمر إلى المال، انقلب الضمان إلى المالية وكان المضمون منه وهو مملوكٌ ماليةً، كما لو [تلف] 4 تحت يد غاصب، وهؤلاء يزعمون أن العبد فيه الدّم والمال، فإذا أفضى الأمر في ضمانه إلى المال، زال معنى [الدّمّية] 5 وتمحض معنى المال.
وذهب المحققون من الأئمة إلى أن العبد المقتول مضمون ضمان [الدّمية] 6 بدليل وجوب الكفارة ووجوب القصاص، وإذا كان مضموناً بالقصاص لو قتل عمداً، فالخطأ دمية أيضاًً اعتباراً بالحر يقتلُ عمداً وخطأ، ثم هذا القائل يقول: دمه مملوك، فيضمن لمالكه بقيمته بالغة ما بلغت، وتقرير ذلك في (الأساليب) وغيرها من مصنفاتنا.

فصل قال: "ومن جرى عليه القصاص في النفس ... إلى آخره" 1. 10278 - كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى بينهما القصاص في الطَّرَف، مع التساوي في الخِلقة والسلامة، وغرض الفصل أن تفاوت الشخصين في الدية إذا كان لا يمنع جريانَ القصاص بين النفسين لا يمتنع به جريان القصاص بين الطرفين، فيد الرجل مقطوعةٌ بيد المرأة، ويد المرأة مقطوعة بيد الرجل، كما أن كل واحد منهما مقتول بالثاني.
وعمدة المذهب أن الأطراف في توقيف الشرع وتقديره منزّلة على [نِسب] 2 جزئية، فاليدُ محلُّ نصف الجملة واليدان في مقابلة تمام الجملة، فإذا ثبت ذلك توقيفاً، والجملة مقابلة بالجملة، فالأجزاء ينبغي أن تكون مقابلةً بالأجزاء؛ فإن من المقاييس الظاهرة [في النِّسب أن] 3 الجملة إذا قابلت الجملة، فالنصف يقابل النصف، واليد السليمة من المرأة لا تقطع باليد الشلاّء من الرجل، وإن كان حكومة الشلاّء مثل دية اليد السليمة من الرجل؛ فإن النسبة متفاوتة، فإن اليد السليمة من المرأة نصفُها، واليد الشلاء من الرجل ليست نصفه.
فهذا غرض الفصل.
ومذهب أبي حنيفة مضطرب في الأطراف، وليس يليق بذكره غرضٌ في مذهبنا، والقول في سلامة الأطراف وشللها وتفاوت خَلْقها بين أيدينا، وهي عمدة الكتاب وستأتي على أحسن وجه في البيان، إن شاء الله عز وجل.

فصل قال: "ويقتل العدد بالواحد ... إلى آخره" 1 10279 - إذا تمالأ طائفة على شخص، وقتلوه، وكل واحد من الجناة بحيث لو انفرد بالقتل استوجب القصاص، فيقتلون قصاصاًً على مذاهب جمهور العلماء، وروي أن سبعةً، أو خمسة اشتركوا في قتل رجل فقتلوه غيلة، فقتلهم عمر رضي الله عنه، وقال: "لو تمالأ على قتله أهل صنعاء، لقتلتهم به" 2. ثم الذي ذهب إليه طوائف من أصحابنا أن قتلهم بالمقتول خارجٌ عن القياس، وقال محمدُ بنُ الحسن: "لو رُددنا إلى القياس، لما قتلنا جمعاً بواحد، ولكنا اعتمدنا فيه مذهب عمرَ رضي الله عنه" وتحقيق ذلك: أنا نعتبر الكفاءة في الصفات مع الاستواء في العصمة، فإنه لا نقتل إلا قاتلاً، وكل واحد من الشركاء ليس قاتلاً؛ فإن القتل [لا يتعدّد] 3 هذا وجه خروجه عن القياس.
وقال بعض أصحابنا: قتل الجماعة بالواحد خارج عن القاعدة الكلية المرعيّة في أصل القصاص؛ فإن القصاص لم يثبت على قياس الأعواض والضمانات [الجابرة] 4، وإنما الغرض الأظهر من القصاص الزجرُ ومنع الهرْج، ولو لم نقتل الجماعة بالواحد، لم نمنع الجناةَ التعاونَ على الجناية، ويصير ذلك ذريعةً عامة ممكنةً مُفضيةً إلى الهرْج، وتقدير هذا ودفع الأسئلة مذكور في (المسائل) 5.

والذي يحقق الغرض في ذلك أن القواعد الكلية لا تزحمها الأقيسة الجزئية، وإن كانت جلية.
وقال مالك 1: إذا قتل جماعةٌ [واحداً] 2 لم يقتلوا به، ولكن لأولياء القتيل أن يختاروا واحداً من الشركاء ويقتلوه، ولا مزيد على ذلك، وأُضيفَ هذا المذهبُ إلى الشافعي قولاً في القديم، وليس يليق بقاعدة مالك مذهبُه في هذه المسألة؛ فإنه مائل إلى السياسات، وقد يرى القتل تعزيراً، ومتعلّقه في هذا الفن أقضية عمر وسياساته، وقد روينا عن عمر قتلَ الجماعة بالواحد، فالتخيّر أقصى وأبعد في القتل من ذلك، ثم من يُقْتَل لم يصدر منه القتل بكماله، [ثم قَتْلُ هذا في التحقيق مقابلة قتلٍ حاصل بجزءٍ من القتل] 3. ثم ذهب الأصحاب قاطبةً أن الجماعة إذا قُتلوا بالواحد، فكل واحد منهم مقتول قصاصاًً، وقال الحليمي: إذا قتل عشرةٌ رجلاً، فالقصاص مفضوضٌ عليهم، والمستحق قصاصاًً من كل واحد منهم عُشر دمه، [وتسعةُ] 4 أعشار دم كل واحد [مُهدرٌ] 5 في استيفاء المقدار المستحق.
قال: ولا يمنع أن تُتلف على المتعدي ما لا يستحق عليه توصّلاً إلى استيفاء المستحَق؛ فإن من غصب شيئاً وأدخله داره وأغلق = القضايا الخلافية داخل الباب تحت عنوان (مسألة) وكلما انتهى من قضية قال: (مسألة)؛ من أجل هذا يسميه (المسائل).
والمسألة مبسوطة في (الدرّة المضية) في القسم الذي مازال قيد الطباعة.

الأبواب وامتنع المصيرُ إلى المستحَق إلا بقلع الأبواب، فإنها تقلع للتوصل إلى استرداد المغصوب.
وهذا المذهب ساقط غير معتد به، فإن إراقة تسعة أعشار الدم من غير استحقاق من القصاص [محال] 1، ولو قطع رجل يدَ رجل من نصف ساعده، فلا يجري القصاص فيه مخافة أن يزيد الاقتصاص على الجناية بجزء -وإن اعتدى الجاني- فكيف يجوز إراقة الدم من غير استحقاق القصاص، وإن تمسك الحليمي بالدية، فإنّ الأمر لو آل إليها، فعلى كل واحد من العشرة عُشر الدية، وهذا لا تعويل عليه، فإن كل واحد من الجناة وإن كان يغرَم عُشرَ بدل المقتول، فكل واحد من الجناة يقابِل كلُّ دمه عُشرَ دم القتيل، كما يقابل الرجلُ في القصاص المرأة، وإن كان يغرَم ديةً ناقصة إذا آل الأمر إلى المال.
10280 - وممّا يتعلق في الفصل بيان الاشتراك وما يُرعى ضرورةً من كل واحد، فإذا جَرَحَ واحدٌ منهم جراحاتٍ، وجَرَح واحدٌ جراحةً، فهم مشتركون، ولا أثر لعدد الجراحات، ولو فرض من بعضهم [ضربةٌ] 2 بسوط، ومن الآخرين ضربات بسياط، فهذا الفن يأتي -إن شاء الله عز وجل- مشروحاً في بيان الشركة وانقسامهم إلى العامدين والمخطئين، وعند ذلك نوضح أفعال الشركاء، إن شاء الله عز وجل.
وما ذكرناه في قتل جماعةٍ واحداً، فأما قتل واحد جمعاً، فسيأتي بعد ذلك.
فصل قال: "ويُجْرحون بالجرح الواحد ... إلى آخره" 3. 10281 - إذا قطع جماعة على الاشتراك طرفَ إنسان، قُطعت أطرافهم اعتباراً للطرف بالنفس، فكما يُقتل أشخاصٌ بشخص تُقطع أطرافهم بطرفه، ولكن إذا تحقق

الاشتراك، وهو بأن يضعوا حديدة على يده ويتمالؤوا فيتحاملوا على الحديدة، والمعتبر في ذلك ألا يكون في الطرف جزء ينفرد بالجناية عليه بعض الجناة، فلو قطع جانٍ [بعضَ] 1 يد المجني عليه، وقطع آخر التمامَ 2، فلا يستوجب واحدٌ قطعَ يده كاملأ؛ فإنَّ فِعْل كلِّ واحد منهما متميز عن فعل شريكه، وليس كما لو جرح بعضُهم جراحة، ثم جرح آخر؛ فإن زهوق الروح يحصل بالسرايات، وهي مختلطة لا تميز فيها، [وإبانة] 3 اليد تحصل بالقطع المحسوس، والقطع متميز عن القطع.
وهذا يكاد يخرم تحقيق تشبيه الطرف بالنفس؛ فإن سبيل التشبيه أن النفس [صِينت] 4 بالقصاص في الاشتراك والانفراد، فليكن الطرف كذلك، وسر الفصل ينتهي إلى [حسم] 5 الذريعة المفضية إلى الهَرْج، فيلزمه على [خوف] 6 الهرج [اعتبار] 7 الاشتراكِ مع انفصال القطع عن القطع 8. وقد قال صاحب التقريب: يقطع من يد كل جان مقدار ما قطع [مع] 9 الاقتصار على القدر المستيقن، وهذا أخذه من قول الشافعي: في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة من شجاج الرأس.
ووجه التشبيه أن القصاص يجري في الموضحة، والمتلاحمةُ بعضُها، [فالإبانة] 10 كالإيضاح، وقطع بعض اليد بمثابة المتلاحمة، وهذا الذي ذكره ظاهر

في التقريب والبناء، لمن لا يتفطن [الأسرار في الأعواض] 1؛ وذلك أن جلدة الرأس وما عليها من لحمٍ، أجزاؤها متساوية؛ فإنها جلدٌ ولحم، فليس فيها أعصاب وعروق، وهي جداول الدم، والعروقُ الرقاق لا معتبر بها أصلاً، فيتأتى رعاية القصاص فيها، ومعصم اليد مشتمل على أعصاب ملتفّةٍ وعروقٍ ساكنة وضاربة، ويختلف وضعها في الأيدي، فلا يتأتى إجراء [التماثل] 2 فيها.
وسأعيد ذكر هذا في الأطراف وقصاصها -إن شاء الله عز وجل- وما ذكرناه يوضح قدر الحاجة الآن، ويُبطل مسلك صاحب التقريب.
ولو وضع أحد الجانيين الحديدةَ من أحد جانبي اليد، ووضع آخرُ [حديدةً] 3 من الجانب الثاني، فالقطع منفصل عن القطع.
ولو كانا يُمرّان حديدةً واحدة إمرار المنشار، فهذا يصور على وجهين: أحدهما - أن يتحامل الشريكان في كل مرة، والآخر أن [يفتر] 4 أحدهما في الجذب في جهة صاحبه، ثم يجذب في جهة نفسه، كما يفعله المتعاونان في المنشار، فإن كان كذلك، فلا يجب القصاص على واحد منهما، ولا تعويل على ما ذكره صاحب التقريب، [فإنه غير ممكن أيضاً وما ذكرناه] 5 كلامٌ في قطع أطراف من [مشترِكين] 6 في الجناية بطرف.
فأما إذا قطع رجل أطرافاً، فسيأتي مشروحاً، إن شاء الله عز وجل.
10282 - ثم قال الشافعي: ولا يقتص إلا من بالغ عاقل، وهذا قد قدمنا ذكره في

صدر الكتاب، وأوضحنا أن سقوط التكليف بالصبا والجنون ينافي وجوبَ القصاص، وهو متفق عليه.
أما المجنون، فلا [يتأتى] 1 زجره، وتقديرُ القصاص عليه كتقديره على البهائم.
فأمّا المراهقون، فإنهم ملتحقون بالمجانين في العقوبات.
فصل قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا عمد رجل رجلاً بسيف أو خنجر ... الفصل" 2. 10283 - الجنايات في القتل والجرح ثلاثة أقسام: أحدها - ما يتمحض عمداً، وهو الموجب للقصاص.
والثاني - الخطأ المحض، وموجبُه الديةُ المحققةُ المضروبةُ على العاقلة.
والقسم الثالث - شبهُ العمد، وموجبه الدية المغلظة على العاقلة، والذي يتعلق بغرضنا في الباب بيان العمد المحض، وقد يتعلق بأطراف الكلام شبهُ العمد، فأما الخطأ المحض، فليس من مقصودنا، وسنصفه بما يضبطه ويميزه من القسمين: العمد وشبه العمد، في كتاب الديات، إن شاء الله عز وجل.
والكلام في العمد أطلقه الأصحاب وتخطَّوْه، ولم يَشْفوا الغليل فيه، وليس الكلام فيه بالهيِّن، ونحن بعون الله وحسن توفيقه لا نألو جهداً في بيانه وكشفه.
والتقسيم الأوّلي فيه أنه ينقسم إلى قتلٍ [مذفِّفٍ] 3، وإلى سبب سارٍ، فأما القتل [المذفِّف]، فلا يُحوج إلى الإمعان في الوصف، وهو كضرب الرقبة والتوسيط 4،

وإبانة الحشوة 1، ومِنْ حاله أن يُنهي المجني عليه إلى الانطفاء وقبض النفس، وقد يجمد، وقد يبقى فيه ارتعاصُ 2 مذبوح، ويلتحق به أن يكب الجاني على المجني بآلةٍ جارحة أو غيرها، متوالياً عليه بها إلى [الحزّ] 3. 10284 - فأما الأسباب السارية، ففيها الكلام، ولأجلها عُقد الفصل، والتوصية بصدق الاهتمام.
فنقول أولاً: ما يقع عمداً محضاً منها لا يختص بما يجرح ويشُقُّ، بل المثقَّلات، والتخنيق، والتغريق، كلُّها داخلةٌ في أجناسها تحت العمد، خلافاً لأبي حنيفة 4؛ فإنه قال: لا عمد إلا فيما يجرح، ولا يجب القصاصُ بغير الجرح، ثم لم يخصص وجوبَ القصاص بالجَرْح [على] 5 من يُوجب اعتقادَ تعمد، بل زعم أن التعمد لا يتحقق إلا بالجَرْح، وزعم أن القتل بالخنق شبه عمد، وضَرَب الدية على العاقلة، وأوجب [الكفارة] 6، ولا تجب عنده في العمد المحض، وهذا خروج عظيم عن المعقول وانتهاء إلى مسالك السفسطة.
ومن أنكر التذفيف في الخنق، والموالاة بالمثقلات، فقد عاند بديهة العقل، وإذا ثبت التذفيف، فكيف يعقل الإقدام على التذفيف والتجهيز 7 مع الحكم بأن هذا ليس

بعمد؟ ثم تولّع بالجَرْح والجرحُ تقطيع، ولو والى بالمثقلات على إنسان حتى ترضضت عظامه وراء الجلد، فقد حصل التقطّع، وبالجملة مذهبه خارج عن مسالك العقول.
10285 - فأما ضبط مذهبنا، فالكلام ينقسم في [الأسباب] 1 غير [المذفِّفة] 2: إلى ما يتعلق بالظواهر ولا يجرح، وإلى الجراحات.
فأما ما يتعلق بالظواهر، فالذي أطلقه الأصحاب فيه أن كلَّ ما يُقصد به القتلُ غالباً، فهو العمد إذا تجرد القصد إليه، ثم سنوضح أن هذا يختلف باختلاف الحال والأشخاص والأوقات.
وما لا يقصد به القتل غالباً، فليس بعمد، وإنما هو شبه عمد، وكان شيخي يقول: العمد المحض في هذه الأسباب يتحقق فيما يكون القتل مقصوداً به، وشبه العمد [ما لا يكون القتل مقصوداً به] 3، ثم قد يفضي إلى القتل، وهذا كلام منتظم في هذا القسم، ولم نذكره لنعوّل عليه، وبيان الفصل موقوف على نجازه.
فأما الجراحات، وفيها معظم المقصود، فقد أطلق الأصحاب أن من قطع إصبعاً أو أنملةً، وسرت الجراحةُ، وترامت السراية إلى الزهوق، فالقصاص واجب في النفس، ونحن نعلم أن إفضاء قطع أنملة إلى الروح لا يعد [مما] 4 يغلب، بل هو [نادرٌ] 5، فلا يطَّرد إذاً في الجراحات ما ذكرناه من الأسباب المتعلقة بالظواهر من قصد القتل غالباًً، وهذا مما يتمسك به أصحاب أبي حنيفة في مسألة القتل بالمثقل، [ولا شك] 6 أن أمثال ما ذكرناه في الجراحات ليس مما يقصد به القتل، وتعلّقَ القصاصُ به، فتبين أن القصاص نيط بالجرح بعينه، وأنه سبب القصاص لا غير،

وهذا مما استقصينا الكلامَ عليه في (المسائل) 1. وكان شيخي يقول فيه: خص الشرع الجرح بمزيد احتياط لما فيه من الإفضاء إلى السرايات الباطنة التي لا يدرك منتهاها، وأوجب القصاص في قتيل الجرح الذي يسري؛ ردعاً للجناة وتغليظاً عليهم، وكأن الجرح الساري لم يُرع فيه قصدُ القتل [لاختصاصه] 2 بمزيد الغرر والخطر، [وفيما] 3 يتعلق بالظاهر يُرعى فيه قصد القتل بما يقتل غالباً.
هذا ما كان يذكره.
وفيه فضل نظر؛ من جهة أن القصاص يتعلق بالعمد بالإجماع، والعمد بالفعل المحض غيرُ كافٍ، ولا بد من العمد في القتل، ويستحيل أن يختلف هذا بالأسباب؛ فإنه أمر متعلق بالحسّ والأحكام [منوطةٌ] 4 بالمحسوسات، وإيجاب القصاص [بقطع] 5 أنملة لا توقيف فيه من الشارع، وإنما تلقاه العلماء من تصرفهم، في العمد، فلا بد من ضبطٍ آخر سوى هذا.
والذي تحققناه من نص الشافعي في (السواد) 6، ومن تصرف المحققين ما نصفه في الجراحات أولاً، ثم ننعطف على الجنايات المتعلقة بالظواهر، ونبين اندراج جميع الأسباب تحت ضبطٍ واحد.
10286 - أما الجرح، فكل ما أفضى إلى القتل، [وبانت] 7 سرايته، وظهر تقاذف أثره، وتراقي سرايته إلى الهلاك، فهذا جرح نعلم أن القتل حصل به، وقد وقع عمداً، وصار قتلاً، والسراية تكسب معه الجناية [إذا تحققنا] 8 أنه القاتل، وقد

انتظم أن يقال: قَتَل [، وأوقع] 1 الفعلَ عمداً.
وهذا يناقض ما مهدناه من قبل من كون الشيء مفضٍ إلى القتل غالباًً، ونحن ننقل لفظ الشافعي رضي الله عنه في ذلك، قال الشافعي: "فجرحه جرحاً كبيراً أو صغيراً، فمات منه، فعليه القود" 2 وقوله: "فمات منه" ظاهرٌ في أن المطلوب أن يُعْلَم أنه مات منه.
فإذا بان هذا في الجرح، انقلبنا إلى الأسباب المتعلقة بالظاهر، كالضرب بالسياط، فنقول: إذا ضرب الرجلُ الرجلَ ضربات، واتفق الموت، لم يظهر الحكم بوقوع الموت، من تلك الضربات، وإذا كثرت الضربات، وورّمت المواضع أو [قيَّحتها] 3 وترامت الآثار، كما وصفناه في الجرح؛ فإذ ذاك نعلم أن الموت بها.
ومن العبارات الرشيقة في ذلك: "أن سرايات الجروح باطنة والجرح في نفسه ينتهي إلى الباطن، وأثره ظاهر، ووقوع القتل به [بيّن] 4، والأسباب على الظواهر ظاهرة، وغَررُها باطن" على معنى أنا لا نقطع على وقوع الموت بها إلا إذا تفاحشت.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أن المرعي في الجَرْح، والسبب المتعلق بالظاهر أن نعلم بوقوع الموت به.
10287 - وهذا لا يصفو عن الكدر إلا بشيئين: أحدهما - أنْ نصف شبهَ العمد؛ حتى يتضح في نفسه مقصوداً، [ونَعْبُر إلى العلم بالعمد] 5. فإذا جرى سببٌ على عمد، ولا يمتنع وقوع الموت به مترتِّباً عليه، ولكنا لم نعلم ذلك، ولم نُبعده، ولم يحدث سببٌ غيرُ الجناية نحيل الموتَ عليه، فهذا أمر

مشتبه، والضمان في الجنايات يجب مع الشبهة، [ويحال] 1 على الجناية، ومن جنى على امرأة فأَجْهَضَت جنينها، فلسنا نعلم أن الإجهاض بالجناية، ونوجب الغُرّةَ إحالةً على الجناية إذا لم يظهر سببٌ غيرُها.
هذا أحد الأمرين.
والثاني - ذكر مسائل توضح ما مهدناه، منها: أن من غرز إبرة في إنسان، قال الأصحاب: إنْ غرزها في مقتل كثُغرة النحر، والأَخْدَعَين، والمثانةِ، والعِجَان 2، وما في معانيها، فهذا مما يوجب القصاص.
وأما غرز الإبرة في غير مقتل [كأن] 3 كان في جلدة غليظة، فلا أثر لها.
ومما يتعين ذكره لتمام البيان أن ما يعلم قطعاً أن الموت لا يترتب عليه في مستقر العادة، فإذا قارنه الموت لم يُحَلْ الموتُ عليه، وإنما هو قضاء تداركه وفاقاً، ولا يتعلق بهذا القسم قودٌ، ولا ضمان.
10288 - فالأفعال المعهودة ثلاثة أقسام: منها ما يعلم أن الموت حصل به، وهو القتل الموجب للقصاص.
ومنها ما هو معهود، والموت به ممكن، ولكنا لم نعلمه، ولم يظهر سببٌ سوى الجناية، [فالضمان] 4 واجب، وحكم الشرع إحالةُ الموت على الجناية.
ومنه ما يعلم أنه لا يقع الموت به، فهو مهدر: لا يتعلق به قودٌ، ولا ضمان.
وإن اتفق اتصال الهلاك به، عُدّ ذاك من موافقة القدر، ولم يُنَط به حكم.
وغرز الإبرة في الجلدة بهذه [المثابة] 5. وإن غُرزت في لحمٍ، فقد قال الأصحاب: إن تورّم موضع الغرز، واتصل الموت به، وجب القصاص، وإن لم يتورّم موضع الغرز، واتصل الموت، وكان يجد

المغروز فيه ألماً شديداً، ففي وجوب القصاص وجهان.
وقال بعض الأصحاب: الغرز في غير المقتل [يعني غرزَ] 1 الإبرة إذا اتصل الموت [به] 2، [وكان] 3 قد جاوزت الإبرةُ الجلدةَ، وتوغلت في اللحم، هل يوجب القصاص؟ فعلى وجهين من غير فصلٍ بين أن يتورم وبين ألا يتورم.
ونحن نقول: سبب اضطراب الأصول وتشوشها على الآخذين إرسالُ المسائل في الوفاق والخلاف من غير تعرضٍ لبيان مَنْشَئها من القواعد، وذكرُها دون ما ذكرناه يحسم بابَ النظر في الأصول، وما ذكرناه أصدق شاهد فيما أشرنا إليه.
والوجه أن نقول: ذكر الأولون التورّمَ، وعنَوْا به تقاذفَ السراية، وظهورَ ذلك للناظر، وهذا الذي قلنا فيه: إنه يُعْلَم حصولُ القتل به، فإن [كان] 4 كذلك، تعلّق القصاص [به] 5، ومحل التردد أن الإبرة قد تصل إلى عصبة، فتؤلم، ولا يتسع الجرح حتى يظهر التورم، فهل يكون [الألم الشديد] 6 من غير ظهور التورم -إذا لم يظهر سوى الغرز- بمثابة السراية في الحس، مع العلم بأن الآلام الشديدة قد يُقتل بها ويموت من تُعصر خصيته.
هذا محل التردد.
وإن لم يظهر تورّمٌ ولا ألم شديد، فليس إلا القطع بانتفاء القصاص.
وهذا تحقيق محل الوفاق والخلاف.
ولو أُبينت جِلْفةٌ 7 من اللحم خفيفة، فهي كغرز الإبرة.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل