كتاب التفليس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المكرَى، فنبيعه في ديونه، ولو كانت قيمته تنقص لمكان الإجارة، لم نبال بنقصانها.
فإذا اتفق بيعُ الدار المكراة، وصرْفُ ثمنها في حقوق غرماء المكري، وانفصل الأمر، وانطلق الحجر، والإجارة باقيةٌ، فلو انهدمت الدار في بقية المدة، وقضينا بأنفساخ الإجارة، وكان المكتري وفَّى الأجرة كاملة، فيثبت له حق الرجوع بقسط من الأجرة لانفساخ الإجارة في بقية المدة.
وهذا الحق يثبت جديداً مترتباً على الانفساخ الواقع بالانهدام.
فهل لهذا المكتري أن يزاحم الغرماء الأولين فيما اقتسموه بينهم، وتضاربوا به؟ فعلى وجهين: ذكرهما العراقيون أحدهما - أنه لا يزاحمهم؛ لأن دينه متجدد حادث بعد القسمة، وفضّ المال على الغرماء، فلا يثبت لأصحاب الديون الجديدة مزاحمةُ القدماء من الغرماء.
والوجه الثاني - أن المكتري يزاحمهم مزاحمةَ غريم يبدو [أخِراً] 1 ونتبين استحقاقَه لدَيْنه متأخراً بتاريخ سابق لاستحقاق الأولين ديونَهم حالة المزاحمة.
ووجه ذلك أن الرجوع وإن ثبت الآن، فهو مستند إلى موجَب عقد سابق، وهو الإجارة.
فإذا كان رجوع المكتري مستنداً إلى الإجارة السابقة، كان حقه بمثابة دين سابق يبدو.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الإجارة واردة على العين وقد أفلس المكري.
3958 - فأما إذا كانت الإجارة واردة على ذمة المكري، وما كانت ربطت بعين، وهذا كالتزام المكري نقلَ مقدار مبيّنٍ من طعامٍ أو غيره، من بقعة إلى بقعة، فهذا لازمٌ ذمةَ المكري، فإذا أفلس وفي ذمته ما وصفناه، لم يخلُ: إما إن كان سلّم دابةً إلى المكتري ليحمّلها الطعامَ المذكور.
وإما إن لم يكن سلم إلى المكتري شيئاًً.
فإن لم يكن سلم إليه شيئاًً، فالذي في ذمته دينٌ من الديون.
فإن كان عِوضُ الإجارة باقياً، وقد أفلس المكري، فللمكتري الرجوع إلى العوض الذي صادفه باقياً.
وإن كان العوض تالفاً، ضارب المكتري الغرماءَ بأجر مثل ما استحق من المنفعة، على القياس الذي ذكرناه في رجوع المسلِم، إذا أفلس المسلم إليه.
3959 - ثم يعرِض في منتهى الكلام أمرٌ يجب إنعام النظرِ فيه.
وهو أنا إذا أثبتنا للمكتري حقَّ المضاربة بأجرة المنفعة المستحقة، فإذا بأنت حصته في تقدير المضاربة، فصرْفُ ذلك المقدارِ إليه بمثابة صرفِ مقدارٍ من قيمة المسلم فيه إلى المسلِم.
وهذا اعتياضٌ عن المسلم فيه.
3960 - وقد اختلف أصحابنا في الإجارة الواردة على الذمة هل تنزل منزلة السلم حتى نرعى فيها ما يُرعى في السلم من وجوب تسليم الأجرة في مجلس العقد، أم كيف السبيل فيه؟ وسيأتي شرح ذلك في كتاب الإجارة، إن شاء الله تعالى.
فإن جعلنا الإجارةَ الواردة على الذمة بمثابة السَّلم، وهو الصحيح، فلا سبيل إلى ترك حصة المكتري -النازل منزلة المُسْلِم- عليه من القيمة 1؛ فإن ذلك اعتياضٌ عن المسلم فيه.
ثم إن كان المقصود أمراً لا يتبعض، مثل أن يقول: تحملني إلى بلدة عيّنها، فالحمل إلى بعض الطريق قد لا يفيد، أو، 2 ربما يكون الموضع المقدَّر مهلكة، فإذا تحقق التعذر، وامتنع الاعتياض، فلا وجه إلا تخيير المكتري في الفسخ، وإذا فسخ العقد، ضارب الغرماء بقيمة الأجرة التي كان بذلها، وقد يتجه عُسرٌ إذا كان المسلَم فيه ثوباًً؛ فإنه إذا خصّه عشرُ القيمة، فلا يجد به عشرَ ثوب، فإذا ظهر تعذرٌ يجر نقيصةً وخسراناً، ثبت الخيار، كما ذكرناه.
وإن كان ألزم ذمة المكري حملَ مائة منٍّ إلى بقعة، وكان حَمْلُ البعضِ مُفيداً على قدره، صرفنا القيمة التي 3 خصته إلى البعض.
والجملةُ أن التبعيض إن أمكن من غير تعذر، صرفنا حصة المضاربة إليه.
وإن عسر، أو تضمن التبعيض نقصاً، ثبت الخيار، لا طريقَ غيرُه.
ولا وجه لتمليك القيمة، والتفريع على أَنَّ الإجارة سلمٌ.
3961 - وإن حكمنا بأن الإجارة الواردة على الذمة لا تكون بمثابة السلم، فإذا ضارب المستحق الغرماء بأجرة المنفعة المستحقة، وبانت حصته منها، لم يمتنع أن يملك حصته من القيمة عوضاً؛ فإن الاعتياض عن الديون غيرُ ممتنع، إذا لم يكن مسلماً [فيها] 1. وللنّظر فيها مضطرب، والعلم عند الله.
3962 - [و] 2 كل ما ذكرناه في الإجارة الواردة على الذمة إذا لم يكن قد سلم المكري عيناً إلى المكتري.
فإن كان ألزم ذمته حمل مائة منٍّ، فسلم إليه دابة، حتى يحمّلها المائة.
ثم أفلس المكري، فظاهر المذهب أن تلك الدابة متعيّنة لاستحقاق المكتري، كما لو استأجرها في عينها وأورد الإجارة 3 عليها، فليستوف حقه من تلك الدابة وليحمّلها؛ فإنها سُلمت إليه قبل اطّراد الحجر، فتعينت كما تتعين الدراهم إذا سلمها من عليه الدراهم.
والحقوق المتعلقة بالذمم تتعين بالتعيين والتسليم.
ومن أصحابنا من قال: لا تتعين تلك الدابة؛ فإنها ليست مورد الإجارة، والمنافع ليست أعياناً.
ويشهد لهذا أن تلك الدابة لو عطبت لم تنفسخ الإجارة بعطبها، بخلاف ما لو وردت الإجارة على عينها.
فإذا كان لا يثبت لها حُكم التعيين في انفساخ الإجارة عند تقدير تلفها، لم يثبت لها حكم التعيين في اختصاص المكتري بها؛ فعلى هذا إذا أفلس المكري، فلا حكم لتسليم تلك الدابة.
والأصح الأول.
3963 - وهذا يخرّج على اختلافٍ للأصحاب، سيأتي مشروحاً في الإجارة.
وهو أَنَّ من التزم حمْلَ إنسان إلى موضع، وسلم إليه دابةً، فهل له أن يبدلها بأخرى، من غير سببٍ؟ فيه اختلاف سيأتي موضحاً، إن شاء الله تعالى.
هذا كله إذا أفلس المكري.
3964 - فأما إذا أفلس المكتري، فلا يخلو: إما أن تكون الإجارة على العين أو على الذمة.
فإن كانت الإجارة على العين، بأن كان اكترى داراً معينة أو دابةً معينة،
وما سلم الأجرة، فأفلس، والإجارة باقية، فالمذهب الصحيح أنه يثبت للمكري الرجوعُ إلى المنافع في بقية المدة.
فإن آثر ذلك، فلتفرع الإجارة في بقية المدة، ويضارب الغرماء بأجرة المنفعة الماضية.
وقد تقدم شرح هذا.
3965 - ثم قال العلماء: إن كان أجَّر أرضاً، فزرعها المستأجر، وأفلس، فللمكري الفسخ [و] 1 لا يقلع الزرع، بل يرجع بأجرة مثل بقية المدة، يقدم بها من غير مضاربة، كما تقدم.
ولو كان اكترى دابة وحمَّلها، وأفلس في خلال الطريق، فللمكري الفسخُ.
ولكن لا يضيّع متاع المفلس، بل يمكّنه من نقله إلى مأمن، وليس عليه أن يمكنه من نقله إلى مقصده؛ فإنّ المطلوب ألا يضيع حق المكتري، لا أن يحصِّل مقصودَه.
ولو لم يؤثر [المكري] 2 الفسخ 3 وأراد مضاربةَ الغرماء بالأجرة المسماة، فله ذلك، ولا تضيع المنفعة في بقية المدة على الغرماء؛ فإن كانت مشغولة بزراعة أو غيرها، فهو المراد.
وإن لم تكن مشغولة، أكريت تلك العين، وصرفت أجرتها إلى حقوق الغرماء.
هذا إذا كانت الإجارة واردة على العين.
3966 - فأمّا إذا كانت على الذمة، وأفلس المكتري، فإن كان المكري قد استوفى الأجرة قبل الحجر، فلا كلام، والمنفعة في ذمة المكري، حقٌّ من حقوق المكتري المفلس، تُصرف إلى ديونه كسائر أمواله.
وإن لم يكن المكري قبض الأجرة، وفرعنا على أن الإجارة الواردة على الذمة ليست سلماًً، ولا يجب تسليم الأجرة في المجلس، فإذا أفلس المكتري، فللمكري فسخُ الإجارة بسبب تعذر العوض؛ فإن آثر ذلك، برئت ذمته منه عما عليه من الحق، وانفسخت الإجارة.
فصل:
"ولو قسم الحاكلم ماله بين غرمائه، ثم قَدِم آخرون ... إلى آخره" 1.
3967 - إذا حجر القاضي على المفلس، وقسم ماله على غرمائه، ووزعها عليهم، فلا شك أن التوزيع يقع على أقدار الديون، لا على أعداد الرؤوس.
فإذا كان له غريمان لأحدهما عليه أربعة آلافٍ، وللثاني ألفان، وجملةُ ماله ثلاثة آلافٍ، فيصرف ألفان إلى من له الأربعة ألف، وألف إلى من له ألفان.
ووضوح ذلك مغنٍ عن بسطهِ.
فإذا قسمنا المال على مبالغِ الديون، فظهر للمفلس غرماء آخرون بعد القسمة وفَضِّ الأموال على الحصص، وتبين أن الذين ظهروا كانوا على استحقاقهم حالة الحجر، ولكن كانوا غُيَّباً، فهؤلاء يخاصمون الذين قسمنا المال عليهم، وينزلون معهم منزلة ما لو كانوا موجودين حالة القسمة، حتى إذا كان المال ثلاثةَ آلافٍ، والغريمان الأولان على أربعة آلافٍ وألفين، فظهر غريمٌ ثالث بأربعة آلافٍ؛ فإنه يسترد من الألفين الذين سلمناهما إلى صاحب الأربعة ثمانمائة، ويسترد من صاحب الألفين من الألف أربعمائة، فيخلص له ألف ومائتان، ويبقى لصاحب الأربعة آلاف ألفٌ ومائتانِ، ويبقى في يد صاحب الألفين ستمائةٍ، فتعتدل القسمة على [الاحتياط] 2 والحصص.
3968 - ولو كان عند القسمة غريمان لكل واحد منهما ألف، والمال ألف، فقسمناه بينهما نصفين، فأتلف أحد الغريمين حصته وأعسر، وظهر غريم ثالث بألف ولم يجد مرجعاً على الغريم الذي أتلف ما خصَّه وأعسر، فصادف الخمسمائة في يد الآخر، فبكم يحاصّه؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب الأكثرون إلى أنه يشاطره فيها، ويقول: تلك الحصة قد فاتت وأنا وأنت سيّان فيما بقي، وتقدُّمُ صورة القسمة لا يخلّفني عنك، وقدْرُ دَيْني كمقدار دينك، فيشترك في هذا الباقي على استواءٍ.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يأخذ من هذه الخمسمائة إلا ثلثها؛ فإن الحصة الأخرى لو كانت باقية، لكان يأخذ منها ثلثها أيضاً، فلئن فاتت تلك الحصة وأعسر صاحبها، فلا ينبغي أن يرجع بما فات من حقه بسبب تلك الحصة الفائتة على الحصة الباقية، وكان حقه في أيديهما، ففواته بسبب فوات ما في يد أحدهما لا يرد جميع حقه إلى ما في يد الثاني.
وهذا الخلاف قريبُ المأخذ من القولين في أن أحد الوارثَيْن لو أقر بدَيْنٍ وأنكر الثاني، فهل ينحصر جميعُ الدين في حصة المقر؟ أم لا يلزمه [منه] 1 إلا ما كان يطالَب به لو أقر صاحبه معه؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما في كتاب الأقارير، إن شاء الله تعالى.
3969 - ومما أطلقه الأصحاب 2 في قاعدة هذا الفصل أن قالوا: إذا اقتسم الغرماء مالَ المحجور، ثم ظهر غريم بدين قديم، فالقسمة السَّابقة لا تنقض، ولكن الغريم الظاهر يُحاصن كلَّ واحد بمقدار حقه، واعتلّوا بأن قالوا: الغريم لا حق له في أعيان الأموال، وإنما تعلقه بالمالية، وإذا 3 كان يرجع على كلٍّ بحصته، فلا معنى لنقض القسمة مع وصوله إلى ما هو حقه، من غير تقدير تعويض وإبدالٍ.
وهذا يظهر جداً إذا ردت الأمتعة إلى النقود وفُضّت على أقدار الديون، ولم يكن لواحد من الغرماء في محل الكلام عين مال، وإنما حقوقهم ديون مرسلة.
3970 - ولو اقتسم الورثة أعيان التركة، ثم بدا دينٌ، فالأصح المنصوص عليه أن القسمة لا تنقض ببَدْو 4 الدَّيْن، بل يرجع الغريم على كل وارث بحصته إلى استيعاب حقه؛ فإن حقه يتعلق بمالية التركة، لا بأعيانها.
وأثر القسمة في إفراز الأعيان.
وإلا فالتركة في أيدي الورثة.
ولو اقتسم الورثة أعيان التركة، ثم ظهر وارث آخر، فالقسمة منقوضة؛ فإن الوارث يتعلق استحقاقه بالأعيان، فتصحيح الإفراز مع شيوع شركته في التركة محال.
وللشافعي قول آخر: إنه إذا بدا دين، تبيّنا انتقاض القسمة من أصلها؛ لأن التركة مرتهنة بالدين، والتصرف في المرتهن مردود، وسنذكر هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
3971 - ولو أجرى مُجرٍ 1 هذا القول في بُدوّ غريم للمحجور عليه بعد اقتسام الغرماء الأوَّلين، لم يكن بعيداً؛ إذ لا فرق بين بُدوّ دَيْنٍ في التركة، وبين ظهور غريم للمحجور عليه.
3972 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المحجور عليه لو استفاد مالاً جديداً، والحجر مطّردٌ عليه، بأن قبل هبةً، أو وصية، أو احتش، أو احتطب، أو اشترى وصححنا شراءه على الأصح، فهذه الأملاك الحادثة في اطراد الحجر هل يتعدى إليها مقتضى الحجر، حتى لا ينفذ فيها تصرف المحجور عليه؟ أم هي خارجة عن موجَب الحجر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها خارجةٌ عن موجب الحجر؛ فإن الحجر تعلق بالأموال العتيدة الموجودة لدى الحجر، وكان المقصود منه قصر يد المفلس عن التصرّف فيها، فلا سبيل إلى تعدية الحجر عن تلك الأموال.
والحجر من القاضي في أموال المفلس، كحجر الراهن على نفسه في العين المرهونة، ثم الرهن لا يتعدى موردَه.
هذا وجه.
والوجه الثاني - أن الحجر يتعلق بالأموال المستجدة؛ فإن السلطان لم يقصد بحجره تخصيصَ مالٍ، وإنما قصد التسبب إلى إيصال الحقوق إلى مستحقها، وهذا القصدُ لا اختصاص له بالمال الموجود، فليكن المحجور عليه تحت الحجر فيما كان موجوداً، وفيما استجدّه واستحدثه.
3973 - ومن الأصول اللائقة بما نحن فيه أَنَّ الحجر إذا انطلق -كما سنوضح سبب انطلاقه في آخر الفصل- وكان الغرماء على بقايا من ديونه، فلو حدث للمديون مالٌ بعد
انطلاق الحجر، لم يعد محجوراً عليه بنفس حدوث المال، ولكن لو استدعى الغرماء إعادةَ الحجر بسبب المال الحادث، وكانت بقايا الديون زائدةً على المال الحادث، أو مساوية له - على التفصيل المقدم في أول الكتاب - فالقاضي يجيب إلى ذلك.
فلو تجددت له ديون مع تجدد الأموال، لم يختص الغرماء الذين حدثت حقوقهم [بالمال الحادث، بل اشترك فيه القدماء من الغرماء الذين حدثت حقوقهم] 1.
ولو بدا للمحجور عليه مال قديم، اختص بالتضارب فيه الغرماء القدماء، ولم يشاركهم فيه من حدث حقه.
3974 - والضَّابط فيه أن المال الحادث يشترك فيه الغريم القديم والحادث، والمال القديم الذي كان في الحجر الأوَّل يختص به الأولون، ولا يشارك فيه من حدث حقه بعد انطلاق الحجر الأوّل.
ولو انطلق الحجر الأول، (2 وحدث بعده مال، ولا حجر بعدُ 2)، وحدث بعد حدوث المال دين، ثم ضرب الحجر ثانياً، اشترك القدماء، ومن حدث دينه، وليس للقدماء أن يقولوا: لا يشركنا في المال الحادث من حدث دينه بعد حدوث المال؛ فإن ذلك الدين إذا حدث قبل عَوْد الحجر، فلا نظر إلى تقدم المال عليه إذا اجتمع حدوث المال والدين في انطلاق الحجر.
وهذا واضحٌ لا يخفى على الفقيه، ولا يضرّ التنصيص عليه.
3975 - ومما يليق بمضمون الفصل أَنَّ الديون التي تتجدد في زمان الحجر تنقسم: فمنها ما يتجدد في المصلحة المتعلقة بمال المفلس كالمؤن التي تلزم: [من] 3 أجرة الدلال أو الكيّال أو غيرهما، فما كان كذلك، فهو متقدّم على حقوق الغرماء، من غير مضاربة؛ فإنا لو لم نقدم هذه الديون، لامتنع التصرف في مال المفلس على مقتضى الصَّلاح، ولرغب العمَلة عن العمل الذي لا بد منه.
وأما ما يتجدد من دَيْن في ماله، ولا تعلق له بصلاح الأمر، وحاجة الوقت، فلا2
تعلق لمستحق هذا النوع من الدين بمال المحجور عليه، فإن ذلك المال في حق الغرماء الذين جرى الحجر باستدعائهم بمثابة المرهون في حق المرتهن، فلو أتلف المفلس مالاً، تعلق بدلُه بذمتهِ، ولم يزاحم مستحقُّ الدين الغرماء في الأموال.
وكذلك القول في جملة الديون التي لا يتعلق لزومها بالمصلحة والحاجة.
فهذا تمامُ القول في ذلك.
فصل
قال: "وإن أراد الحاكم بيع متاعه أو رهنه، أحضره ... إلى آخره" 1.
3976 - إذا استمر الحجر، اشتغل الحاكم على القُرب بتنجيز الأمر حتى لا يطول أمد الحجر من غير حاجة، وذلك بأن يبتدر بيعَ الأمتعة ويَنْصِب في ذلك كافياً أميناً إن كان لا يتعاطاه بنفسه، ولا ينبغي أن يُفْرِط في العجلة، فتُشتَرَى الأمتعة ببخس، ولا يتأنَّى بعد حصول الاحتياط اللائق بالحال.
ثم قال: ينبغي أن يحضر المحجورُ عليه مكانَ البيع؛ فإن ذلك أنفى للتهمة، وقد يعرف صاحب المتاع مما يُروِّج به متاعَه ما لا يعرفه غيره، وهذا استحباب، وذكرٌ للأَوْلى.
ثم قال: ينبغي أن يبدأ ببيع الحيوانات؛ فإنها عرضةٌ للتلف، وفي إبقائها تكثيرُ المؤن.
ثم يبيع ما يتسارع إليه الفساد، ويؤخر بيعَ العقار.
ويبيعُ كل شيء في سوقه، فإن ذلك أرْوج لها، وأحرى بأن يَنْفَد 2 العَرْض 3 فيها.
3977 - ثم إن رضي الغرماء، جَمْعَ أثمان السلع، حتى إذا انتجزت، فرقها حينئذ على أقدار الحقوق.
وإن أبَوْا أن يصبروا، ورأَوْا أن يفرّق عليهم كلَّ مقدار ينتجز ويَحصُل، أجيبوا إلى ذلك.
وإن رضوا بالجمع، جمع القاضي عند عدل.
ولا يبعدُ
في مسلك الرأي أن يُقرِضَ ما يتحصل مَليّاً وفيّاً؛ فإن أعيان الأموال قد تضيع، والدين في ذمة المليء الوفي أقربُ إلى الثبوت.
وقد ذكرنا في تصرف القُوَّام أنهم لو شاؤوا 1 أن يُقرضوا مالَ الطفل على موجَب المصلحة، فلا معترضَ عليه.
3978 - ثم قال صاحب التقريب: إذا أراد القاضي أن يبتدىء قسمةَ المال، لم يُحوج الغرماء أن يقيموا بيِّنةً على أنه لا غريمَ للمحجور غيرُنا.
وقد نقول: لا يقسم الحاكم التركة بين ورثة المتوفَّى، حتى تقوم بينة من أقوام ذوي خبرة بباطن أمر المتوفى أنهم لا يعرفون [له] 2 على طول المخالطة والخبرة وارثاً سوى الحاضرين.
وسيأتي ذلك في كتاب الدعاوى، إن شاء الله عز وجل.
قال صاحب التقريب: إذا حجر القاضي، وشَهَر حجرَه، وأشاعه في الناس، كفى ذلك في حصول الغلبة على الظن بأنه لا غريم له سوى هؤلاء؛ إذ لو كانوا لظهروا.
ولما حجر عمر رضي الله عنه على الجهني، اكتفى بأن شَهَر الحجرَ بذكره إياه في أثناء الخطبة.
وما ذكره صاحب التقريب حسن.
ولكن لا فرق عندنا بين القسمة على الغرماء، والقسمة على الورثة، فحيث نقول: لا بد من إقامة الشهادة على أن لا وارث، فلا بد من مثله في القسمة على الغرماء.
3979 - وممّا يتعلق بتمام الفصل أن القاضي إذا قسم ما وجد من ماله على غرمائه، واعترف الغرماء بأن لا مال له سوى المقسوم علينا، فهل يُحكَم بانطلاق الحجر عنه، أم لا بد أن يتولى القاضي إطلاقَه؟ فعلى وجهين في طريقة العراق: أحدهما - أنه لا حاجة إلى إطلاقه؛ فإن موجَب الحجر قد زال.
والثاني - أنه لا بد من الإطلاق؛ فإن ذلك مجتهَدٌ فيه، وقد تمس الحاجة إلى مزيد بحث، فليتوقف الأمر على إطلاق القاضي، حسماً للمادّة، وقطعاً للتهمة، وكما لا يثبت الحجر ابتداء من غير ضرب، ينبغي ألا ينحلّ انتهاءً من غير رفعٍ، وليس كحجر الجنون والصبا، على ما سيأتي ذكرهما في كتاب الحجر، إن شاء الله تعالى.
3980 - ثم المنصوبُ الذي يتولى بيع مال المفلس بإذن الحاكم ليس له أن يسلّم مبيعاً من ماله قبل توفير الثمن عليه.
وقد ذكرنا في أن البداية في التسليم بالبائع أو المشتري أقوالاً في كتابِ البيع، ولا يجري منها في الذي يبيع مال المفلس إلا قولان: أحدهما - أن المشتري منه هو المجبر على تسليم الثمن.
والقول الثاني - أنهما يجبران على تسليم المبيع والثمن [معاً] 1 ولا يخرج قولنا: إن البائع يجبر على البداية؛ من جهة أنه يجب على النائب رعاية حق من يتصرف له.
هذا هو اللائق بمنصب النائب الأمين.
ولا يخرج أيضاًً قولنا: لا يجبران؛ فإن الحاجة ماسة إلى تنجيز الأمر، حتى لا يطول أمد الحجر.
3981 - وقد يقع الفرض في صورة لا يخرج فيها إلا قولٌ واحد.
وهو أن يكون البائع نائباً كما ذكرناه، ويكون المشتري وكيلاً أيضاً، فلا يخرجُ في هذه الصورة [قولُ] 2 إجبار المشتري على البداية، وينحصر الجواب في أنهما يجبران معاً، حتى يتوفر الغرضان، ويعتدل الجانبان.
وما ذكرناه في [المتصرف] 3 في مال المحجور يجري في كُلّ وكيلٍ.
3982 - ولو باع الوكيل سلعةَ مُوكِّله، ونَهَيْنا عن البداية بالتسليم، كما تقرر، فلو ابتدر وسلم المبيع، فقد تعدّى وأساء، ولو وُفّر 4 الثمن عليه، خرج عن حكم العهدة، إذا كان مأذوناً له في قبض الثمن، ولا نقول: تعدّيه في البداية يُديم عليه حكمَ العدوان في الثمن الذي توفر عليه.
ولو سلم المبيع، وعسُر قبض الثمن، وفات الأمر، فيضمن الوكيل.
وفيما يضمنه وجهان ذكرهما صاحبُ التقريب: أحدهما - أنه يضمن الثمن؛ فإنه فوّت متعلّق الثمن، وكان كالشاهد الزور إذا أوقعت شهادته حيلولة، ثم رجع عن شهادته.
وهذا
القائل يعضد مذهبه بأن تغريم الوكيل قيمة المبيع للموكِّل بالبيع بعيد، والمبيع ليس ملكاَّ بَعدَ البيع للمُوكِّل بالبيع.
وليس كالمرهون الذي يضمن متلفه قيمتَه للمرتهن؛ فإن حق الوثيقة يتعدى إلى القيمة.
والوجه الثاني: أنه يضمن قيمة المبيع، من جهة أنه التزام بالخوض في البيع ألا يسلمه، ولا يثبت حق موكله فيه إلا بشرط، فإذا لم يف بالشرط، لزمته القيمة؛ نظراً إلى ما قبل البيع.
وإن كان المبيع عند التسليم خارجاً عن ملك الموكل.
3983 - وهذا الضمان على الجملة بدعٌ خارج عن قانون الضمان؛ فإنه لم يلتزم الثمنَ بجهةٍ، ولما سلم المبيع، لم يجر عدوانُه في ملك الموكِّل، وحق الحبس لا يُضمن بالقيمة، فالقياس الكلّي نفيُ الضمان، والاقتصار على تأثيم الوكيل إن عمد؛ فإن المشتري إذا قبض المبيع، وأتلفه، فقد وقع القبض مستحقاً.
ولكن اتفق الأصحاب على الضمان.
وهو من آثار عهدة العقد، فالأوجه إذاً ألا يلزم الوكيلَ إلا الأقلُّ؛ فإن كان الثمن أقلَّ من القيمة، لم 1 يلزمه إلا الثمن.
وإن كانت القيمة أقل، فقد يقول الوكيل: احسبوني غاصب عين ومتلفها.
وإلزامه الثمنَ، والقيمة أقل، له وجهٌ على بعد، وأما إلزامه القيمة والثمن أقلُّ، فلا وجه له.
فصل
قال: "وينبغي أن يُشهد أنه وقف مالَه ... إلى آخره" 2.
3984 - إذا حجر على المفلس الحاكمُ، فالأوْلى أن يُشهد على الحجر (3 وليس ذلك بواجب، ولكن الأولى ما ذكرناه.
والغرض منه شَهْرُ الحجر 3)، ونشر الأمر، والتأكيدُ بالإشهاد، حتى إذا ظهر ذلك، لم يعامَل المحجور اغتراراً بما عُهد له من مال.
3985 - ثم ذكر الشافعي تفصيلَ القول فيما يمتنع من تصرفات المحجور.3
والقول الجامع أن تصرفاته تنقسم إلى ما يتعلق بعين ماله، وإلى ما لا يتعلق (1 بها: فأما ما يتعلق 1) بعين ماله، فلا ينفذ في الحال انفرادُه بالتصرفات، وهذا أثر الحجر، ولو كان من ماله عبيدٌ، فأعتقهم، لم ينتجز نفوذُ العتق فيهم وفاقاً، وإذا مست الحاجةُ إلى بيعهم في الديون، بعناهم، وصرفنا أثمانهم إلى الغرماء.
وإن جزم المفلسُ إعتاقَهم.
3986 - ولو أعتق الراهن العبدَ المرهون، فقد اختلف القولُ في نفوذ عتقهِ، فقد نقول: في قولٍ: ينفذ عتقه، وإن كان معسراً.
وهذا مما يجب التنبيه له، والوقوفُ عنده؛ فإنَّ الفقيه قد يرى الحجر بالرّهن المنبرم بالإقباض آكد.
والتحقيق في هذا أن القاضي يحجر على تصرفه، وليس يرهن ماله، فأثر حجره منعه من التصرف.
والرهن متضمنه تعليق وثيقة بعين، فتخيل قائلون أن ملك الراهن أقوى من حق وثيقة المرتهن.
ولكن إذا أعتق المفلس عبداً، واتفق تأدية الديون، بأن وجدنا راغبين اشتَرَوْا الأمتعةَ بأكثرَ من قيمتها، وفضَلَ ذلك العبدُ، فهل نحكمُ بنفوذ العتق فيه، وقد برئت الذمة؟ فعلى قولين، وتوجيههما: أن العتق من المفلس مردود أم موقوف؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه مردود؛ فإن الحجر تضمن إبطالَ عباراته في التصرفات المتعلّقة بالمال، فلغا ما قال.
والقول الثاني - العتق موقوف؛ فإن القاضي لم يلحق المحجور عليه المفلسَ بالناقص بصباه أو سفهه، وإنما راعى حق الغرماء، فالمفلس تامٌّ بصفته، والعتق قابل [للوقف] 2، فانتظم منه انتظار العاقبة.
ثم إذا فضل ذلك العبدُ، تبيّنا نفوذَ العتق على هذا القول من وقت اللفظ.
هذا في إعتاقه.
3987 - ولو كاتب عبداً لم تنجّز الكتابة، حتى نقدرها مانعة من صرف هذا العبد إلى الدين.
ولكن لو فضل هذا العبدُ عن الديون، كما صورناه في العتق، ففي نفوذ الكتابة على مذهب التبيّن القولان.1
ولو باع شيئاً من أمواله، لم يكن بيعه مانعاً للقاضي من تصرفه 1 اللائق بالحال.
ولكن لو فضل ذلك المبيع، ففي نفوذ البيع على التبيّن قولان.
3988 - وكان شيخي يرتب هذه المسائل، ويجعل العتق أولى بالنفوذ، من قِبَل قبوله التعليق بالأغرار 2، والوقفُ دون التصريح بالتعليق.
والكتابة تلي العتقَ، وتستأخر عنه لما فيها من المعاوضة.
والبيع يترتب على الكتابة، وهو أولى بأن لا ينفذ؛ لأنه معاوضة محضة عرية عن قبول التعليق بالأغرار، والهبة في هذا الترتيب في درجة البيع، فإنها لا تُعلّق، كما أن البيع لا يعلّق.
فهذا بيان ترتيب هذه المسائل.
3989 - فإن رأينا إلغاء هذه التصرفات وإبطالَها في الحال والمآل، تصرفنا في المبيع، والمعتَق والمكاتَب تصرُّفَنَا في سائر الأموال.
وإن رأينا إجراءها على الوقف، وأمكننا تأدية الديون دون التصرف في محال تصرفات المفلس، أخرنا محالَّ تصرفه، وإن انتهت الحاجةُ إليها، ابتدرنا ما وهبه، وقدمنا التصرف فيه على التصرف في المبيع؛ فإن البيع ألزم من الهبة، وأبعد من النقض، ثم نتصرف بعد الموهوب في المبيع، ثم في المكاتَب، ويؤخر المعتق.
وهذا الذي نذكره على قول الوقف استحقاقٌ، وترتيبه واجب، وليس على مذهب الأوْلى والمستحب، وكل تصرف كان أقوى، فإنا نؤخر محلَّه جهدنا.
3990 - ولو لم نجد زبوناً يشتري من أمتعة المحجور إلا العبد الذي أعتقه، والتفريع على قول الوقف، فقال الغرماء: حاجتنا ماسة في الحال إلى شيء، فلا
تؤخروا حقّنا، ونَجِّزوا بيعَ هذا العبد، فهذا فيه احتمالٌ ظاهر؛ فإن تأخير حقهم بعيدٌ، وإبطالُ الإعتاق لتوقفٍ 1 -مع الاشتغال والتشمير- فيه 2 بعيدٌ 3 أيضاًً؛ فلينظر الناظر.
وغالب الظن أن الغرماء يجابون في الصورة التي ذكرناها.
فهذا بيان تصرفات المفلس في أعيان أمواله.
3991 - فأما تصرفه الذي لا يتعلق بعين ماله، فنذكر ما قد يخفى، ونترك ما لا خفاء به، كنفوذ طلاقه وخُلعه، وعفوه عن القصاص، واستلحاق النسب، ونفيه باللعان، فلا خفاء بنفوذ هذه الأشياء.
3992 - والذي يُعتنى به أنه لو نكح امرأةً، صح.
وإن كان النكاح يُلزمه النفقة، على ما سنعيد هذا في الفصل المشتمل على بيان النفقات، إن شاء الله تعالى.
3993 - ولا شكّ أنه لو اتّهب، أو قبل الوصيّة، صح ذلك منه؛ فإنّ ما يأتي به من هذه الأجناس اكتساب أموالٍ، وليس تصرفاً في المال الذي اشتمل الحجرُ عليه.
3994 - ولو اشترى المفلس، فالمذهب الأصح أن شراءه صحيحٌ، إذا كان الثمن وارداً على الذمة؛ فإنه ليس محجوراً عليه في لفظه وذمته.
وذكر بعض أصحابنا قولاً في إبطال شرائه، توجيهه يظهر بالتفريع.
فإن قلنا: لا يصح الشراء، فلا كلام.
وإن قلنا: يصح الشراء، فلا يؤدَّى الثمنُ
من المال الذي اشتمل الحجر عليه.
ولكن هذا يخرّج عندنا على الخلاف المقدّم في أن المال الذي يحدث للمحجور هل يشتمل عليه الحجر؟ فإن قلنا: يشتمل الحجر على ما يستحدثه، فهذا القياس يقتضي أن يصرف ما اشتراه إلى ديونه، ويقال لمعامله والبائع منه: أسأْتَ إذ عاملته 1، فاكتف بذمته، وارتقب يُسره في ثاني الحال.
هذا هو القياس، وفيه تحقيق 2.
3995 - وحاصل المذهب المأخوذ من مرامز كلام الأصحاب وجهان: أحدهما - ما ذكرناه، وهو أن الغرماء يتضاربون في المبيع، والبائع محالٌ على ذمة المفلس، يطالبه بالثمن إذا انطلق عنه الحجر.
وتعليله ما ذكرناه.
والوجه الثاني - أن البائع لا يضارب الغرماء في الأموال التي انعقد الحجر عليها؛ فإن دينه جديد، ولكنه يضارب الغرماء في ثمن المبيع المستفاد منه؛ فإن فى دينه يثبت مع ثبوت الملك في المبيع، وهو عوض المبيع.
فلا أقل من أن يشارك الغرماءَ في العين المبيعة.
3996 - وممَّا يتعلق بتمام البيان في هذا الفصل القولُ في أن البائع لو أراد الرجوعَ في العين [المبيعة] 3 على الأصل الممهد في إثبات ذلك للبائع، إذا وجد عين ما باعه في يد المشتري.
ونحن نقدم على ذلك مسألة، ذكرها الشيخ في شرح التلخيص: وهي أَنَّ العبد القِنَّ لو اشترى بغير إذن سيده شيئاًً، فالمذهب أن البيع فاسد، ومن أصحابنا من حكم بصحة البيع.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع.
فإن فرعنا على صحة البيع، فلا شكّ أنه يتعذر على البائع استيفاء الثمن؛ فإن متعلقه الذمة على الإطلاق، وكل دين تعلق بالذمة، فالعبد لا يطالَب به في رقِّه، ولكن إذا عَتَق اتُّبع به.
فإذا علم البائع ذلك، وكان الثمن حالاًّ، ولم يكن عالماً بكونه عبداً حالة العقد،
فله حق فسخ البيع، والرجوع إلى المبيع.
قطع به الشيخ، وحكى فيه وفاق الأصحاب.
ولو كان عالماً بحقيقة رقِّه عند البيع، ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما - أنه يثبت الخيار.
وهو الذي حكاه الشيخ في الشرح.
والثاني - أنه لا خيار له، حكاه غيره، ووجهه أنه أقدم على معاملته مع العلم بحقيقة صفته، فلا يثبت الخيار لمن يكون مطلعاً على سببه عند العقد.
فإذا ثبتت هذه المقدمة، عدنا إلى غرضنا، فنقول:
3997 - إذا باع شيئاًً من المفلس المحجور عليه، وكان عالماً بحاله عند العقد، فظاهرُ المذهب أنه لا خيار له، بخلاف العبد؛ فإن انطلاق الحجر عنه مأمولٌ قريب، غيرُ بعيد، بخلاف العتق؛ فإن توقعه 1 بعيد، وظاهرُ الرق الاستمرار، فإذا انضم ذلك إلى علمه بفلسه، امتنع ثبوت الخيار.
وفي المسألة وجه آخر بعيد: أن الخيار يثبت كما ذكرناه في العبد إذا اشترى بغير إذن مولاه، ووجه الجمع بيّنٌ واضح.
ولو باع من المفلس ظانّاً أنه مطلق في تصرفه، فإذا تبيّن له فلسه، واطرادُ الحجر عليه، فالظاهر أنه يثبت له حق الفسخ؛ لاطلاعه على السّبب الذي تعذر به استيفاء الثمن.
ومن أصحابنا من لم يُثبت الخيارَ في هذه الصورة؛ إذ لا خلاف أنه لو باع من معسرٍ غيرِ محجور عليه، لم يكن له أن يفسخ، إذا اطلع على إعساره، حتى يُحجر عليه.
والحجر الواقع في مسألتنا لم يضرب لأجل البائع، بل كان المحجور مطلقاً في حق البيع الذي جرى؛ فإنه استبد بنفسه فيه، فنفذناه دون مراجعة الوالي والغرماء، فكان بيعه مستثنى عن حكم الحجر، وهو بمثابة ما لو باع شيئاًً ممن ظنه موسراً، وسلمه إليه، ثم تبين أنه معسر؛ فإنه لا يفسخ البيع من غير حجر على المشتري.
3998 - ومما يتعلق بتصرفات المفلس، أنه لو أقر في حال قيام الحجر بدين في
ذمته، فالمقَر له لا يضارب الغرماء الذين ثبتت ديونهم إذا لم يصدقوا المفلسَ.
ولكن الدين يثبت في ذمة المفلس للمقر له، يطالبه به إذا انطلق الحجر عنه، واستفاد مالاً.
وهذا متفق عليه؛ فإن الإقرار ليس عقداً أنشأه.
وإذا كنا نقول: الظاهر صحة شرائه لوروده على الذمة، وإن كان الشراء عقْدَ عهدة على الجملة، فالإقرار الذي هو إجبار محض يُلزم ذمتَه المقَرَّ به لا محالة.
من غير تخيل خلاف، ولكن لا يضارب المقَرُّ له الغرماءَ في الأموال التي جرى الحجر فيها.
3999 - ولو أقر المفلس بأن عيناً من الأعيان - التي اطرد الحجر عليها ظاهراً وكانت في يده مغصوبةٌ 1، وهي لفلان، فقد نص الشافعي في كتبه القديمة على قولين في إقراره بالعين: أحدهما - أنه لا ينفذ في الحال، وإن مسّت الحاجة إلى صرفها إلى ديونه، صرفت إليها.
والثاني - أن إقراره ينفذ في العين، وهي مصروفة إلى المقر له بها؛ فإن عبارة المفلس صحيحة، ولا تهمة في قوله.
فقال الأئمة: يجب طرد القولين في الإقرار بالدَّين المرسل: أحدهما - أن المقر له لا يضارب الغرماء بالدين.
والثاني - أنه يضارب تخريجاً على قبول إقراره بالعين ناجزاً.
وهذا القول يتجه في القياس.
وفي الجملة لا فرق بين الدين والعين.
والمريض وإن كان محجوراً عليه في الزائد على الثلث، فقراره بالدين المستغرِق مقبول.
وكذلك لو أقر بعين مالٍ، قُبل إقراره.
4000 - فإن قيل: قطعتم القول برد عتقه وبيعه في الحال، وذكرتم القولين في نفوذهما لو سلم محالهما عن الصرف إلى الديون على مذهب الوقف، وذكرتم قولاً في تنفيذ الإقرار بالعين والدين المرسل ناجزاً، وإن أضر ذلك بالغرماء.
قلنا: هو كذلك؛ فإن الحجر مقصوده منع المحجور عليه من التصرف؛ فتنفيذ تصرفه فيما جرى الحجر عليه يناقض مقصود الحجر، والحجر لم يسلبه العبارة عن أمرٍ مضى، وليس هو إنشاء تصرف في الحال 2؛ فكان ذلك فرقاً واضحاً.
وإذا لم ينفذ إقراره بالعين في الحال، ولكن سَلِمت العين عن الصرف إلى الديون، وانطلق الحجر، فلا خلاف في مؤاخذة المحجور بإقراره في تلك العين بعد ارتفاع الحجر، ولا يخرّج على القولين المذكورين في البيع والعتق وغيرهما؛ فإنَّ مذهب الوقف في العقود على التردد مشهور، والإقرار يحتمل مثل ذلك، ولو قال إنسان: إن فلاناً أعتق، فرُدّ قولُه فيه، فلو اشتراه، كان مؤاخذاً بموجب قوله السابق.
فهذا منتهى المراد في تصرفات المفلس في غرض الفصل.
فصل
قال: " وذهب بعض المفتين إلى أن ديون المفلس تَحِلُّ بالحجر ... إلى آخره " 1.
4001 - لا خلاف أن من مات وعليه ديون مؤجلة، حلت الديونُ بموته، وهذا متفق عليه، وإن كان قد يظهر إضرار ذلك بالورثة؛ فإن الدين المؤجل إلى عشرين سنة لا يساوي شيئاًً به مبالاة؛ وإذا حل الدين، فقد تضاعفت المالية في حق مستحق الدين، ولكن الأمر على ما وصفناه.
4002 - ولو جن من عليه ديون مؤجلة، ففي حلول الدين وقد استمر الجنون قولان: أصحهما - أنها لا تَحِلُّ؛ فإن حلولها على الميت غير منقاس.
على أن الممكن أن الآجال مَهْلٌ وفَسْحٌ.
والغرض منها طلبٌ لمحل الدين في مدة الأجل؛ وذلك مأيوسٌ منه في حق المتوفَّى؛ فإن الموت حسم إمكان العمل، واستأصل أصلَ الأجل؛ فلا يبعد أن يقطع مدّة الأجل، وهذا لا يتحقق في طريان الجنون؛ فإن الآمال مبسوطة، ما بقيت الحياة.
4003 - وكان شيخي أبو محمد يذكر في طريان الجنون القولين، كما ذكرناهما.
ثم كان يذكر في طريان الحجر بسبب الفلس قولين مرتبين على القولين في الجنون، ويجعل الجنون أولى بمضاهاة [الموتِ] 1 في اقتضاء الحلول من الحجر؛ من قِبل أن المجنون لا استقلال له، ولكن يخلفه قيِّمه ووليّه، كما يخلف الوارثُ الموروثَ، والمفلس ليس خارجاً عن الاستقلال في التصرفات المختصة به.
وهذا فيه نظر عندي؛ من قبل أن قيّم المجنون لو أراد أن يتصرف له تصرفاً مشتملاً على ثمن مؤجل، لم يمتنع ذلك ابتداءً؛ وإذا كان لا يمتنع ما ذكرناه ابتداء، فاقتضاؤه قطعَ الأجل محالٌ لا اتّجاه له.
والوجه عندي تخصيص القولين بالمفلس المحجور، نظراً لمستحق الدين، والحجر مضروبٌ لمصلحة أصحاب الديون.
وبالجملة لا وجه للمصير إلى حلول الأجل في غير الموت.
والمعتمد في الموت الاتباع كما ذكرناه.
ولا يستدّ فيه معنى على السبر.
ونحن الآن نفرع على القولين في حلول الأجل وبقائه، فنقول:
4004 - إن حكمنا بأن الأجل لا ينقطع، والدين لا يحل، فنتكلم في أمرين: أحدهما - المضاربة بالدين المؤجل.
والثاني - فسخ البيع.
فأمَّا الكلام في فسخ البيع، فالمذهبُ الأصح أن من باع شيئاًً بثمن مؤجل، وفُلّس المشتري بسبب ديونٍ حالة، فليس للبائع، والثمن مؤجل أن يفسخ البيع، ويرجع إلى عين 2 المبيع؛ فإن الأجل يمنع حقَّ الطلب، والفسخُ مترتب على تعذر الثمن المطلوب.
وذكر العراقيون، وغيرُهم وجه آخر، وقالوا: نقرر المبيع، ولا نصرفه إلى الديون الحالّة، وننظر ما يكون، فإن حل الأجل والحجر قائم بعدُ، فللبائع حقُّ الفسخ، وإن كان الحجر قد انطلق، وأمكن استيفاء الثمن كاملاً، استوفاه البائع، وإن كان معسراً، فقد ثبت حقُّ الفسخ، كما سنصفه في التفريع.
وهذا القائل يحتج بأصل هذا الوجه بأن حق البائع متعلق بالمبيع، تعلقَ حق
المرتهن بالمرهون.
ثم لو فرض دَيْنٌ مؤجَّل موثَّق برهن، ثم جرى الحجر، فاختصاصُ المرتهن بالرهن قائم مع استمرارِ الأجل، فليكن الأمر كذلك في الثمن المؤجل.
وهذا مزيف عند المحققين؛ فإن اختصاص المرتهن كان ثابتاً مقدَّماً على جريان الحجر، فدام ذلك الحق.
ومن باع شيئاًً مؤجَّلاً، فمقتضى بيعِه تسليمُ المبيع، وتركُ التعلّق به، فإثبات الاختصاص بالمبيع مع دوام الأجل بعيد.
وهذا الوجه على بعده مشهور؛ فلا بد من تفصيله بالتفريع، فنقول:
إذا حل الأجل والحجر قائم، فحق الفسخ يثبت كما ذكرناه، وإن انطلق الحجر، وحل الأجل والمشتري معسر، فالظاهر على هذا الوجه أن يفسخ البيع من غير حاجةٍ إلى إعادة الحجر؛ فإنّ وَقْفَنا [المبيع] 1 وعزلَنا إياه على انتظار حلول الأجل من أحكام الحجر، فكأنّ حكمَ الحجر قائم باقٍ في حق المبيع.
ومن أئمتنا من قال: إذا حل الأجل والعسر دائم، أعدنا الحجرَ، ليفسخ البائع.
وهذا بعيد غيرُ سديد.
4005 - ومما يتصل ببيان هذه القاعدة أنا إذا كنّا لا نحكم بحلول الأجل؛ جرياً
على الصحيح، فلو لم يكن على المشتري إلا أثمانٌ مؤجلة، ولم يكن عليه دين حال،
فلا يثبت لأصحاب الأثمان المؤجلة طلب الحجر عليه، وإن فرعنا على الوجه البعيد
في عزل المبيع للبائع بالثمن المؤجل؛ فإنَّ من لا يملك طلب الثمن كيف يملك طلب
الحجر؟ والتفريع على بقاء الأجل.
وإن رأينا عزلَ المبيع [وانتظارَ] 2 حلول الأجل،
فسببه ألا يصرف المبيع إلى الديون الحالة، فيخيب البائع.
وهذا واضح لا إشكال
فيه.
وما ذكرناه تمام الغرض في حكم فسخ البيع على الوجه الذي فرعنا عليه.
4006 - فأما القول في المضاربة بالدين المؤجل، فقد قطع الأصحاب كافة بأن صاحب الدين المؤجل لا يعزل له مقدارُ دينه؛ فإن أصحاب الديون الحالة يختصون
بالتضارب في الأموال العتيدة التي جرى الحجر فيها، واطرد عليها، والوجه الذي حكيناه في عزل المبيع سببه على بعده تشبيه 1 المبيع بالمرهون.
وهذا المعنى لا ينقدح في مؤجل لا متعلق له بعين.
4007 - وكل ما ذكرناه تفريع على أن الأجل لا يَحِلّ، فأمّا إذا قلنا: بحلول الأجلِ، فأصحابُ الديون المؤجَّلة يضاربون أصحاب الديون الحالة.
وهذه فائدة الحلول.
ولا يشك فقيه في أن من مات، وكانت عليه ديون حالة، وأخرى مؤجلة، ووقع الحكم بالحلول بسبب الموت، استوى في التضارب من كان دينه مؤجلاً، ومن كان دينه حالاً.
ولو كان في يد المفلس مبيع، وقد وقع [الحكم] 2 بحلول الثمن، فالمذهب أن البائع يملك فسخ البيع بسبب حلول الثمن مع الحجر.
ومن أصحابنا من قال: وإن حكمنا بحلول الثمن، فلا يثبت حق الفسخ، والسَّبب فيه أن البيع مع الأجل مبناه على انقطاع حق البائع عن المبيع بالكلية، ولهذا لا يثبت للبائع حق حبس المبيع إذا كان الثمن مؤجلاً، فلا ينبغي أن يتغير البيع 3 عن وضعه، وينقلب البائع إلى التعلق بالمبيع، وهذا ضعيف لا أصل له؛ فإن الثمن إذا كان حالاًّ، فحق الحبس يبطل بتسليم المبيع إلى المشتري طوعاً قبل استيفاء الثمن، ثم يعود تعلّق البائع بالمبيع بسبب طريان الفلس؛ فالوجه إذاً القطع بأنه يثبت للبائع حق الحبس 4 إذا فرّعنا على اقتضاء الحجر حلولَ الثمن.
4008 - وذكر بعض أصحابنا وجهاً بعيداً في التفريع على وجه الحلول، فقال: فائدة الحكم بالحلول ألا يخيب من كان حقه مؤجّلاً.
وإذا كان كذلك، اكتفينا بأن
نعزل حقَّ من كان دينه مؤجّلاً على ما يقتضي حسابُ التضارُب، ثم ننتظر حلول الأجل، فكأن الأجلَ باقٍ في حق المفلسِ، وإن سقط أثره في حقوق الغرماء، الذين هم أصحاب الديون الحالة.
وهذا مزيّف لا أعدُّه من المذهبِ، ولا يجب أن نعتقد جريان هذا الوجه الضعيف في حق الميت إذا حلت الديون عليه؛ فإنه ليس للانتظار وجهٌ في حقوق الورثة.
وإنما ذكر الأصحاب هذا الوجهَ في حق المفلس الحي، وهو باطل حيث ذكروه.
4009 - ومما يتعلق بتمام البيان في التفريع على حلول الديون في حق المفلس أنه إذا لم يكن على الإنسان دَيْنٌ حال، وإنما ديونه مؤجَّلة كلها، فهل يملك أصحابها المطالبةَ بالحجر حتى لا تضيع حقوقهم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنهم يملكون ذلك؛ فإن ديونهم تحل بالحجر، فينبغي أن يملكوا طلبه.
والثاني - لا يملكون ذلك؛ فإن طلب الحجر يتبع طلب الدين، وليس ذلك ثابتاً لهم، فكيف يملكون الحجرَ وطلبَه، وهم لا يملكون طلبَ أصل الدّين، حتى إذا تعذر مطلوبُهم توصلوا إلى استدعاء الحجر، وهذا الوجه أصح وأقيس.
فرع:
4015 - إذا قلنا: لا يحل الأجل بالحجر، فلو باع الإنسان شيئاًً بثمنٍ مؤجَّل، وحل الأجل، وحجر على المفلس، والمبيع قائم، فالمذهبُ أن البائع يملك فسخ البيع، طرداً للقياس في الباب.
وقال بعض أصحابنا: لا يملك الفسخ؛ لأن مبنى العقد على انقطاع علائق البائع عن المبيع بالكلية.
وهذا غير سديد.
ولا خلاف أن أصحاب الديون المؤجَّلة إذا حلت حقوقُهم، ملكوا طلب الحجر، كما يملكه من كان أصل دينه حالاً.
فرع:
4011 - إذا باع شيئاًً من عبدٍ بغير إذْن مولاه، وفرَّعنا على الوجه الضعيف في صحة البيع، فلو أراد البائع فسخَ البيع، قبل حلول الأجل، لم يملكه.
قطع به الشيخ في الشرح.
وإذا حل الأجل، فأراد الفسخَ، فقد قطع أيضاًً بأنه لا يفسخ.
وهذا محتمل أن
يثبت له حق الفسخ، كما إذا كان الثمن حالاً، ولهذا قلنا: يثبت حقُّ الفسخ لمن كان الثمن في بيعه مؤجَّلاً، ثم يحل قبل الحجر، ثم يتفق الحجر.
وإذا فرعنا على أن الثمن لا يحل بالحجر، وجرينا على أنه لا يثبت للبائع حق الفسخ بأن يعزل المبيع له، وحكمنا بأن المبيع مستحق الصرف إلى الديون الحالة، فلو لم يتفق صرفُه إليها حتى حل الأجل في أثناء الأمر، فهل يثبت له الآن حق الفسخ؟ فيه احتمالٌ، وترددٌ، مترتب على ما مهدناه في نظائر ذلك.
فصل
قال: " ولو جُني عليه عمداً ... إلى آخره " 1.
4012 - مضمون الفصل ذِكْرُ الجناية على المفلس، وعلى عبده، وذكْرُ جناية المفلس وجناية عبده.
فأمَّا الجناية على المفلس، فإن كانت موجبة للقصاص، فله حق الاقتصاص، وليس
للغرماء أن يكلفوه العفوَ على مالٍ ليصرف إلى حقوقهم.
وإن عَفا على مالٍ، صُرف إلى ديونه؛ تفريعاً على الأصح في أن ما يستفيده المفلس جديداً، فحكم الحجر جارٍ فيه.
وإن عفا المفلس على غير مال، فهذا يتفرع على أن موجب العمد ماذا؟ وسيأتي شرح هذا في كتاب الجراح، والفصلُ بين المفلس وبين المبذّر والسّفيه.
ولو كانت الجنايةُ موجبة للمال ابتداءً، فهو مصروف إلى الديون؛ جرياً على اطراد الحجر على المال المستحدث.
والجناية على عبد المفلس كالجناية على المفلس نفسه، فتنقسم إلى العمد وغيره.
وتفصيل القصاص والعفو عنه، كما سبقت الإشارة إليه، وإحالة الاستقصاء على كتاب الجراح.
4013 - فأما إذا جنى المفلس، فلا يخفى تفصيل القصاص عليه.
وإن جنى جناية موجَبُها المال، لم يشارك المجنيُّ عليه أصحابَ الديون في الأموال التي جرى الحجر
فيها؛ فإن الأرش دينٌ جديد، وليس متعلقاً بمصلحة الحجر، فإن صدرت الجناية من عبد المفلس، فهو من جملة الأموال الموقوفة للغرماء، فلو أراد المفلس أن يفديه بعين من أعيان أمواله، فهذا تصرُّفٌ منه في أعيان الأموال، وقد سبق التفصيل في تصرفاته، فلا حاجة إلى إعادتها.
والقاضي لو أراد الفداء، ورأى ذلك مصلحة وغبطة، نفذ ذلك منه.
وحق المجني عليه إذا تعلق برقبة العبد مقدم على حقوق الغرماء، كما نُقدِّم حقَّ المجني عليه على حق المرتهن، إذا جنى العبد المرهون.
وهذا واضح.
وليس كالجناية على المفلس نفسه.
ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
فصل
قال: " وليس على المفلس أن يُؤاجر نفسه ... إلى آخره " 1.
4014 - ليس على المديون عندنا، محجوراً كان، أو مطلقاً، أن يكتسب لأجل الدّين؛ وإن كان ممكناً منه.
وقال أحمد 2: عليه ذلك، وزعم أن القاضي يؤاجر المفلسَ، ويصرف أجرته إلى نفسه.
ومعتمدنا أن الرّب تعالى قال في كتابه ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] أوجب الإنظار، ولم يُلزم الاكتساب.
وفي إيجاب الاكتساب لأجل النفقة كلامٌ، سيأتي في كتاب النفقة، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: أليس روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع سُرَّقا 3 في دينه، وحُمل ذلك على أنه آجره؛ فإن الحر لا يباع؟ قلنا: يحتمل أنه كان عبداً، فباعه في أرشٍ كان تعلق برقبتهِ.
4015 - ولو كان للمفلس أم ولد، فهل يؤاجرها القاضي ليصرف أجرتها إلى الديون؟ فعلى وجهين: أحدهما - يفعل ذلك؛ فإن منافعها مالٌ، فلئن تعذر بيعها،
فلا تعذر في صرف منافعها إلى الدين.
والثاني - لا يفعل ذلك؛ فإنّ المنافع ليست أموالاً عتيدة موجودة، ولو كانت بمثابة الأموال الموجودة، لوجب إجارةُ المفلس من نفسه.
واختلف الأئمة فيه أيضاً إذا كان على المفلس وقفٌ، وأمكن إجارته 1 هل يجب ذلك، وصرفُ الأجرة إلى الديون؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه في أم الولد.
ثم إن لم نوجب الإجارةَ، فلا كلام، وإن أوجبناها، فالوجه أن نوالي بين المُدد في الإجارة إلى الوفاء بالديون؛ فإن المنافع لا نهاية لها، وليست كالأموال العتيدة التي تعنى بالصرف إلى الديون.
فإذا كان كذلك، فيلزم من قياس هذا أن يدوم الحجر إلى أداء الديون من جهة الإجارة.
وهذا فيه بُعد لا يخفى مُدركه على الفقيه.
فصل
قال: " ويترك له من ماله ما لا غِنى به عنه ... إلى آخره " 2
4016 - الحاكم قبل تفرقة مال المفلس ينفق عليه، وعلى من تلزمه نفقته من زوجاته وأقاربه الذين يستحقون إنفاقه عليهم.
فإن قيل: النفقة على المفلس بيّنة، فما سبب الإنفاق على غيره، والمال موقوفٌ بسبب الديون؟ قلنا: النفقة في ترتيب المعاملة مقدمة على أداء الديون في كل يوم، وأمواله بنفقاته أولى منه بديونه.
والإشكال في نفقة الأقارب.
وكان لا يمتنع أن يُلحق 3 في حقوقهم [بالفقير الذي لا مال له] 4. ولكن
أجمع الأصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب 1 بما نقلناه.
4017 - ولو كان عليه دينٌ، وقد رهن به مالاً لا يملك غيره، لا ينفق عليه، ولا على أهله وأولاده منه؛ فإن المرهون خارجٌ عن حكم تصرفه إلى الفكاك، والأموالُ باقية على حق المحجور، ولكنه بالحجر محمولٌ على أن يبتدر إلى صرفها إلى [ديونه] 2، ثم القاضي يجري فيها على ما كان يجري المديون لو لم يكن محجوراً عليه.
وفي القلب من نفقة الأقارب مخالجةٌ ظاهرة، ولكن المذهب نقلٌ.
ونحن لا نذكر وجهاً إلا عن نقل صريح، أو أخذٍ من رمز وفحوى في كلام الأصحاب، ولم أر فيما حكيته شيئاًً.
ثم لا شكَّ أن نفقته نفقةُ المعسرين.
4018 - وإذا فضّ القاضي أموالَه على ديونه، فلا شكّ أنه يُبقي له نفقةَ اليوم الذي يتفق التفريق فيه، قال الأصحاب: يُبقي أيضاً نفقة زوجاته وأقاربه في ذلك اليوم، كما تقدم، ولا مزيد على نفقة ذلك اليوم؛ فإنه لا ضبط بعده يقف عنده.
4019 - ثم قال: " يُبقي له دستَ ثوبٍ من ماله ". والأمر على ما ذكره؛ فإنه لا سبيل إلى تركه عارياً، ولا خلاف أنا لا نكتفي بما يستر عورته، بل نرعَى ستراً لا يخرم مروءته، ويختلف ذلك باختلاف الدّرجات.
فإن كان الرجل من العلماء، فقد قال كثير من الأئمة: يُبقي له دَسْتَ ثوب، ومن جملته طيلسان، وخُفّ.
ولي في الخف والطيلسان نظرٌ؛ فإنهما معدودان وراء الاقتصاد، وليس في تركهما خرمٌ للمروءة، والمتبع أن لا تنخرم مروءته.
ولا شك أنا لا نبقي له دستَ ثوب يليق بحاله في بسطته وثروته، ولكن ليكن ما نُبقيه لائقاً بحالته.
وإن كان الرجل سوقياً نبُقي له دستَ ثوب يليق بحاله.
وإن كان أتونياً 3، نبُقي له أطماراً لائقةً به.
وإن كان في
انبساطه تزيّدٌ 1 في التجمل على ما يليق برتبته، فنرده في إفلاسه إلى ما يليق بمنزلته 2، ولا يُعتبر مجاوزتُه حدَّ الاعتدال اللائق بحاله 3. ولو كان في ثروته يلبس الخسيس من الثيابِ، وكان يُعدّ مقتراً على نفسه، فإن أفلس، رضينا له بما كان يرضى به في ثروته؛ فإنا لا نزيده في حالة الإفلاس على ما كان عليه قبله.
نعم لا نقول بحطه عما كان يعتاده من الخسيس 4 بسبب إفلاسه، كما قد نفعل ذلك في حق المقتصد.
فليفهم الناظر ذلك.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فالمنجيات القصدُ في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب، وذكر الله تعالى على كل حال.
والمهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " 5.
ويعطيه في الصيف ما يليق به، وإن اتفق تفريق ماله في الشتاء، أعطيناه ما يليق بالشتاء، ولا يجمع له بين كسوتي فصلين.
4020 - ولو مات المفلس، بدَأْنا بكفنه، ومؤنة دفنه، وفي القدر الذي يكفن به خلافٌ، ذكرناه في كتاب الجنائز.
ونحن نرمز إليه لغرضٍ لنا في فقه هذا الفصل.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا مات المفلس، اكتفينا بستر عورته بخرقة، وهذا مأخوذ عليه، واختلف أصحابنا في تزييف هذا المذهب على وجهين: أحدهما - أنه يكفن في ثوب واحد يواريه؛ فإن الغرض المواراة بالكفن، وقضاء دينه أهم من تكفينه في ثلاثة أثواب.
= بالأتوني: الذي يعمل في إيقاد الأتون، ويقوم عليه.
والوجه الثاني - أنه يكفن في ثلاثة أثواب إقامةً لشعار الدين في إكرام جثة المسلم.
والغرض ممّا ذكرناه أن الأصحاب فرقوا بين الكفن وبين ما نبقيه للمفلس من دست ثوب؛ إذ أجمعوا على أن الثوب الواحد لا يكتفى به في حق الحي، وفي الاكتفاء بالثوب الواحد 1 الساتر الخلافُ الذي ذكرناه.
والفرق أن الحي يراعَى فيه ما يُبقي عليه رتبتَه ومروءتَه، والميت وإن شُرع إكرامُه، فإلى البلى مصيره، فليعرف الناظر قصدَ الأصحاب في الفرق بين الباب والباب.
ولو مات عبده أو قريبه الذي يمونه، فالكفن من المال العتيد، كالنفقات الدارّة.
والقول في تكفين هؤلاء كالقول في تكفين المفلس نفسه.
4021 - ولو ماتت زوجةُ المطلِّق الموسر، ففي وجوب تكفينها على الزوج وجهان مشهوران ذكرناهما.
وإن كان الزوج مفلساً، ففي وجوب التكفين الخلافُ الذي ذكرناه، ولا معنى لتخيل الترتيب؛ فإن كل مؤنة لا يشترط فيها اليسار مُخْرجة من مال المفلس بسبب الذين يمونُهم المفلس.
4022 - وممّا يتعلق بتمام البيان في الفصل أن المفلس لو كان مخدوماً، وكان أَلِف غلاماً يخدمه، فالمنصوص عليه أنه يباع في الدين، ونص في الكفارة 2 على أن ذلك العبد غيرُ محسوب على من عليه الكفارة، ولا يلزمه [صرفه] 3 إليها، واختلف أصحابنا، فمنهم من جعل في المسألتين قولين، نقلاً وتخريجاً.
والمذهب تقرير النصين.
والفرق من وجهين: أحدهما - أن العتق في الكفارة حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى مبناها على المسامحة، ومبنى حقوق الآدميين على الضيق.
والثاني - أن العتق له بدل في الكفارة ينتقل إليه، ولا بدل للدّين.
هذا قولنا في الخادم.
ثم إن رأينا إبقاءه، فليكن قريبَ القيمة، لائقاً بأحوال المعسرين.
ولو لم يكن له خادم وكان ممن يُخدم، فهل نشتري له خادماً، كما نشتري له دستَ ثوب إن لم نصادفه؟ فعلى وجهين: والأصح أنا نشتريه إن فرّعنا على هذا الوجه الضعيف، فظاهر المذهب أنا لا نبقي له خادماً، بل نصرفه إلى الديون.
4023 - فأما المسكن، فهو أحق من الخادم إذا كان لائقاً بالحال، ولم يكن رفيع القيمة، وإبقاءُ المسكن أولى من إبقاء الخادم، على كل حال، سيّما إذا كان الرجل ضعيفاً ذا عيلةٍ.
وذِكْرُ الخلاف في إبقاء المسكن للمفلس أقربُ من ذكره في إبقاء الخادم، لما أشرنا إليه من الفرق بينهما في حكم الحاجة.
وذكر الخلاف على طريق النقل في احتساب المسكن على من لزمته الكفارة المرتبة أبعدُ من تقدير النقل في الخادم.
4024 - وإذا أردنا جمع مقتضى ما أشرنا إليه من الفرق بين الخادم والمسكن في حق المفلس، فالصيغة المشعرة بالمقصود أن نقول: في الخادم والمسكن في حق المفلس ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - أنهما لا يبقيان له.
والثاني - أنهما يبقيان.
والثالث - أنه يبقى المسكن دون الخادم.
ومهما أبقينا له شيئاًً مما ذكرناه، اشترينا له إن لم نجده، كدأبنا في الثياب.
فصل
قال: "وإن أقام شاهداً واحداً على رجل بحق ولم يحلف مع شاهده ... إلى آخره" 1.
4025 - قد سبق منا تمهيد هذا الأصل، ولكنا نعيد تنبيهنا عليه للجريانِ على الترتيب، فالذي نص عليه الشافعي أن المفلس لو ادّعى ديناً على إنسان، وأقام شاهداً واحداً، وامتنع عن الحلف معه؛ فأراد الغرماء أن يحلفوا مع شاهده، لم يكن لهم ذلك.
وقال الشافعي: "لو أقام الوارث شاهداً واحداً على رجل بدين للميت، ولم
يحلف معه، فأراد غرماء التركة أن يحلفوا، لم يكن لهم، كما ذكرناه في المفلس".
هذا نصه في الجديد.
ونص في القديم على قولين في مسألة الوارث: أحدهما - أن الغرماء يحلفون.
والثاني - أنهم لا يحلفون.
فمن أصحابنا من ذكر في غرماء المفلس قولاً بنقل الجواب عن غرماء التركة 1 أنهم 2 يحلفون إذا لم يحلف المفلس.
والصحيح الفرقُ بين المسألتين، وقَطْعُ القول بأن غرماء المفلس لا يحلفون؛ فإن المفلس صاحبُ الواقعة، وقد ادّعى الدين لنفسه، فإذا امتنع عن اليمين من ادعى الحق لنفسه، بعُد تحليف غيره، والدين في مسألة الوارث يُدّعى للميت، فكان حَلِفُ الغريم أقربَ إذا فرض نكول الوارث.
4026 - ومما يخرّج على ما ذكرناه أنه لو لم يُقم المفلسُ والوارث شاهداً، ولكنهما ادّعيا، فحلَّفنا المدعى عليه، فنكل عن اليمين، واقتضى الحال ردّ اليمين على المدعي، فنكل المدعي، فهل يحلف الغريم 3 يمين الرد؟ ترتيب المذهب فيه كترتيب المذهب في اليمين مع الشاهد.
ولو ادعى الراهن أنه استولد الجارية المرهونة بإذن المرتهن، والتفريع على أن الاستيلاد لا يثبت دون إذنه، فإذا أنكر المرتهن الإذنَ وحلّفناه، فنكل، فإن حلف الراهن، ثبت ما يبغيه، وإن نكل، فأرادت الجارية أن تحلف، كان لها ذلك، نصَّ عليه في الجديدِ والقديمِ قاطعاً جوابه.
والفرق بينها وبين الغريم في المفلس والوارث ظاهر، وذلك أنها صاحبة حق في تأكد حق الحرية لها، (4 وهذا في حكم حق ثبت ناجزاً من غير تقدير توصل إليه 4)، بخلاف الغريم؛ فإن الدين لو ثبت لم يكن حقاً له، ولكنه قد يصير إليه بطريقِ الصرف.
4027 - وممّا يجب أن يُعتنى به أن الأصحاب وإن ذكروا خلافاً في حِلْف الغريم، قالوا: لو لم يدّع المفلس والوارث، لم يكن للغريم أن يدعي في المسألتين ابتداءً،4
وإنما التردد فيه إذا سبقت الدعوى من الوارث والمفلس، وأفضى الأمرُ إلى الحلف، كما ذكرناه.
وكان شيخي [يصرح] 1 بنقل الخلاف في أن الغريم هل يبتدىء الدعوى؟ ويقول: الحلف تِلْوُ 2 الدعوى، فمن ملكه، لم يمتنع أن يملك الدعوى.
وهذا وإن كان قريباً في المعنى، فلم أره إلا له.
وقطع الأصحاب القول بأن الدعوى ممتنعة، وإنما ذكروا الخلاف في الحلف إذا سبقت الدعوى من المفلس والوارث.
والمستولدة إذا ادعت عُلقةَ الاستيلاد، والرّقُ بعدُ مستمر عليها نُظر، فإن ادعته والمولى يبغي بيعها، فحاولت دفعَ ذلك، فالوجه قبول دعواها.
وإن كان المولى لا يتعرض لبيعها، ففي قبول دعواها على الابتداء، والمولى صامتٌ غير متعرض تردّدٌ ظاهر، واحتمال بيّنٌ، مأخوذ من فحوى كلام الأئمة.
4028 - ومما يتعلق بتتمة الكلام في الفصل أن رجلاً لو ادّعى على المفلس ديناً، فإن أقر به، ففي قبول إقراره وردّه الخلافُ الذي تقدم ذكره في تصرفات المفلس.
وإن أنكر، كان إنكاره مقبولاً على معنى أنه يبتدىء عليه تحليفه.
فإن حلف، انقطعت الخصومة إذا لم تكن بيّنة، وإن نكل، فهل تردّ اليمين على المدعي؟ قال الأئمة: هذا يخرّج على أن يمين الرد بمنزلة البينة في الخصومة، أو بمنزلة إقرار المدعى عليه.
فإن قلنا: إنها كالبينة، حلّفنا المدعي يمين الرد، وقضينا بثبوت [الدعوى] 3. وإن قلنا: إنها كالإقرار، ورأينا التفريع على ردّ إقرار المفلس، فلا تُثبت يمين الردِّ حقَّ المدعي حتى يثبت له مضاربةُ الغرماء.
وصورة يمين الرد تجري بلا خلاف.
وإنما الكلام في تعلق حق المضاربة ناجزاً، فإنا وإن رددنا إقراره في حق الغرماء في الحالة الراهنة، لم نختلف في ثبوت موجَب
إقراره في حق المفلس نفسه، حتى يطالَب به إذا انطلق الحجر عنه.
وإذا كان كذلك، فإجراء صورة يمين الرد تخرج على ما مهدناه من ثبوت حكم إقراره (1 على الجملة 1).
فرع:
4029 - نص الشافعي على أن الرَّجل لو كان وَهَب شيئاًً في حالة الإطلاق، ثم أفلس وحجر عليه، فأثابه المتهب ما هو أكبر قيمةً من الموهوب، لم يلزمه القبول في حالة الحجر، وإن أثابه ما 2 هو أقل قيمة من الموهوب، فله الرضا.
وهذا يبتني على أصلٍ سنشرحه في الهبات، إن شاء الله تعالى.
والوجه في النص في الهبة المطلقة، والتفريعُ على أنها تقتضي الثواب.
ثم إذا جرينا على هذا، ففي مقدار الثواب خلافٌ، وتفصيلٌ طويل، فإن قلنا: الهبة المطلقة تقتضي المثلَ في الثواب من جهة المالية والقيمة، فلا يجوز أن يرضى المفلس بما هو أقل من ذلك؛ فإن المثل عِوض مستحق.
نعم، لا يلزمه قبول الزائد على مقدار المثل.
وإن قلنا: للمتهب أن يثيب بما شاء، وإن قل وانتقصَ عن المثل، فعلى هذا يخرّج نص الشافعي " فإن زاد الثوابُ على المثل، لم يلزمه القبول "؛ فإن الزيادة غير مستحقة، وليس على المفلس قبول الهبات والتبرعات.
وإن كان الذي بذله أقلَّ من المثل؛ فإنه يقبله؛ إذ لا يجب على المتهب غيرُه، والرجوع فيما نثُبته ونَنْفيه إلى أصلين أحدهما أنه لا يجب على المفلس قبول التبرع، وليس له أن يُسقط مستحقاً.
...1
بَابُ العُهْدةِ في مالِ المفلس
4030 - ذكر الشافعي رضي الله عنه في صدر الباب فصلاً، قدمنا ذكره في تعلق الضّمان بالعدل في الرّهن، والوصي، والحاكم.
ولا شكّ أن هؤلاء أمناء إذا تلفت أعيان الأموال في أيديهم من غير تقصير منهم.
وغرض الشافعي التعرض لبيان المرجع في [عهدة] 1 العقود.
فإذا باع العدلُ 2 في الرهن بالإذن، وقبض الثمن، وضاع في يده الثمنُ الذي قبضه، ولم يكن وكيلاً من جهة المرتهن بالقبض، فالثمن من ضمان المبيع عليه 3، وهو الراهن.
وكذلك القول في الوصي 4، إذا باع مالاً، فضاع الثمن من 5 يده، فهو من ضمان المبيع عليه.
ولو فرض استحقاقٌ في المبيع، ففي تعلق الضمان بالعدل، والوصيّ، والقيم، والحاكم، التفصيلُ المقدم في كتاب الرهن؛ فلا حاجة إلى إعادته.
4031 - والذي يختص بغرض الباب أنا إذا بعنا عيناً من أعيان مال المفلس، وقبضنا الثمن، وخرج المبيع مستحقاً، فإن كان عين الثمن باقيةً 6 قائمة، فلا شكّ أن المشتري يرجع فيها، وإن كنا سلمناه إلى الغريم، اتبعها المشتري، ولو تلفت في يده؛ فإنه يضمّن الغريم لا محالة، فإن عين ماله تلفت في عقد ضمان في يد إنسان، فله اتباعه بالتغريم.
4032 - ولو تلف الثمن في يد الحاكم، وقد تمهد أن الضّمان لا يتعلق بالحاكم، فللمشتري الرجوع، وظاهر النص أنه يقدّم بمبلغ الثمن، ولا يحمل على المضاربة.
ونقل الربيع وحرملة أنه أُسوة الغرماء، فيضاربهم.
فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يتقدّم في رجوعه، لأنه دين في ذمة المفلس كسائر الديون.
ومن أصحابنا من قطع القولَ بأنه يقدم، لأنا لو لم نقدمه، لامتنع الناس عن معاملة المتصرفين في أموال المفاليس، وسبيل كل دين يتعلق بمصلحة المفلس حالةَ الحجر أن يقدم، ولذلك تُقدم أجرةُ الدَّلالين، والمتصرفين، على حسب الحاجة في الأموال العتيدة التي اطرد الحجر عليها.
وكذلك القول في أعواض المؤن الثابتة في حالة الحجر، فلتكن عُهدة البيع المنشأ لمصلحة التصرف في مال المفلس مقدمةً أيضاًً.
والدليل عليه أنا لو راعينا قياس الديون في المضاربة، للزم أن نقول: لا يضارب الغرماء أيضاًً، فإن حقه متجدد بعد جريان الحجر، والذي يقتضيه قياس الباب أن الدين الحادث بعد الحجر لا يُقدّم [ولا] 1 يضارب به أصلاً.
فهذا منتهى القول في ذلك.
...
باب حبس المفلس
4033 - مضمون هذا الباب ثلاثة فصول: أولها - في قاعدة الحبس.
والثاني - في إثبات الإعسار.
والثالث - في مسافرة من عليه الدين.
فأما: الفصل الأول، فنقول:
4033/ م- إذا ثبت الحق، وتعذر استيفاؤه، لم يخل إما أن يكون التعذر بسبب الإعسار والفلس، وإما أن يكون بسبب امتناع من عليه الحق من تأديته.
فإن كان بسبب الفلس، فحكم الله تعالى إنظار المفلس، وإزالة التعرض عنه إلى ميسرة، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] الآية.
وإن امتنع من عليه الحق من أداء ما عليه مع القدرة، فهو ظالم، مندرجٌ تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلمٌ" "ليُّ الواجد ظلم" 1 ثم القاضي إن وجد له مالاً، وقد تحقق امتناعَه؛ فإنه يملك بيعَه وصرفه إلى دينه، ولا حاجة إلى ضرب الحجر عليه، بل يبتدر البيع؛ فإن منصب الولاية يقتضي استيداءَ 2 الحقوق، وإيفاءها على مستحقيها، على ما يساعد الإمكان فيه.
4034 - ومنع أبو حنيفة بيع العروض والسلع في الديون، وناقض، فجوّز بيعَها في بعض النفقات، وسوغ على العموم صرف الدراهم إلى الدنانير، وصرف الدنانير إلى الدراهم 1. ولا فصل عندنا.
4035 - ولو لم يظهر للممتنع مالٌ، وأشكل الأمرُ، فحكم الحال الحبس.
هذا ما درج عليه الأوّلون، ومضى عليه الحكام، والحبس في نفسه عقوبة.
ولكن قد يقع حيث لا يُستيقن استحقاقُ الممتنعِ العقوبةَ؛ من جهة أن الممتنع إذا لم يثبُت يسارُه، وادعى الإعسارَ؛ فإنا نجوّز صدقَه، ومع تجويز ذلك نحبسه، والسَّبب فيه أن إطلاقه تضييع لحق المدعي من غير ثَبَت، فلا وجه إلا حبسُه إلى البيان.
وليس الحبس إيلاماً في الحال، فالمسلك القصد يقتضيه لا محالة.
4036 - ولو تحقق القاضي ظلمَ من عليه الحق في امتناعه، وعلم أنه متمكن من تأدية ما عليه -وقد يظهر ذلك بقراره أو بجهةٍ أخرى، على ما سيأتي الشرح عليه، إن شاء الله تعالى- فالأمر وقد ظهر العناد مفوّضٌ إلى رأي القاضي، فإن أراد أن يعزّره حتى يُظهر المال، فله ذلك، ولا مزيد على الحبس مع اليسر، وإن ظهر العناد، فللقاضي أن يزيد على الحبس ويعزّر.
وقد نص الشافعي في نكاح المشركات على [أن] 2 من أسلم على أكثر من أربع، وأوجبنا عليه أن يختار أربعاً، وحبسناه لذلك، فإن تمادى على امتناعه، فللقاضي أن يعزره.
وسببُ التعزير امتناعُه عن حقٍّ محتوم عليه مع الاقتدار عليه.
وإنَّما خصص الشافعي هذه الصورة بذكر التعزير، لظهور العناد فيه، وتبيّن الاقتدار على الاختيار، فمهما ظهر العنادُ في الحقوق المستحقةِ، كان الأمرُ على ما ذكره الشافعي في نكاح المشركات.
ثم التعزير المتعلق بالنظر العام والاستصلاح، موكول إلى رأي الإمام، ولسنا نعني بذلك أنه يتخير فيه، بل يجتهد، ويرى رأيه، ويسلك المسلك الأقصَد.
وقد يختلف ذلك باختلاف مراتب الخلق: فذو اللّدَدِ، والعناد، قد لا يكترث بتطويل 1 الحبس، وقد يعلم القاضي، أو يظن أن الغرض يحصل بالحبس المحض؛ فليجر على ما يقتضيه الحال.
4037 - ثم التعزير لايبلغ مبلغ الحد، على ما سنصف المذهبَ فيه في كتاب الحدود.
وقد يقتضي الحال تعزيراتٍ في أوقاتٍ يبلغ مجموعها حداً، أو يزيد، فليفعل ما يراه.
والاستمرارُ على الامتناع على ممرّ الأوقات في حكم أسبابٍ متجددة، يقتضي تجددَ التعزيرات.
ولا يغفل فيما يأتيه من ذلك عن 2 ترك الموالاة وما في معناها.
فإذا بلغ التعزير مبلغاً، وكان أثره ظاهرَ البقاء، فليصبر إلى الاستقلال وظهور البُرْء.
ونحن قد نرعَى ذلك في إقامة حدود الله تعالى على شخصٍ واحد، فما الظن بتعزيرات موكولة إلى الاجتهاد لا يُقضى بتعيّنها 3؟
الفصل الثاني من الباب
4038 - إذا ادّعى من عليه الحق الفلس والإعسار، لم يخل: إما أن يكون له بينةٌ، وإما ألا تكون.
فإن وجد بينةً، أقامها، كما سنذكر الوجه فيها.
وإذا قامت، وجرى البحثُ عن التعديل، فلا يسوغ عندنا إدامة الحبس بعد ذلك؛ فإنه على الجملة من قبيل العقوبات.
وقد يرى الوالي التعزيرَ به وحده.
وقال أبو حنيفة: لا يُصغي القاضي إلى البيّنة على الإعسار، حتى يمضي أمدٌ 4،
ثم اختلف قوله فيه، فقال مرة: لا بدَّ من مضي شهرين، وقال مرة: أربعين يوماً، أو خمسين، وقال مرة: أربعة أشهر 1. ونحن لا نرعى شيئاًً من ذلك، ونُصغي إلى البينة، ونقضي بها من غير تأخير.
4039 - ثم نتكلّم وراءَ ذلك فيما يتعلق بحق الشاهد وتحمّله، ونذكر بعده نظرَ القاضي في أحوال الشهود على الإعسار.
فأما الشاهد، فلا يحل له أن يشهد على الإعسار بظاهر الحال؛ فإن الأموال في وضع الجبلات تخفَى ولا تظهر، هذا حكم العادة الغالبة، فليبحث من يتحمل هذه الشهادةَ عن الباطن ولْيسبُر حالَ المشهود له، ولا يخفى طريق البحث في كل باب على الخبير.
هذا قولنا في الشاهد.
4040 - فأمّا الكلام في نظر القاضي، فقد قال الشافعي: لا ينبغي له أن يقبل هذه الشهادة إلا من أهل الخبرة الباطنة؛ والسَّبب فيما افتتحناه من ذلك أن مستند الشهادة على الإعسار النفيُ، ولو جرينا على قياس الشهادات، لم نقبلها، فإن النافي لا يكون مثبتاً، ولا يستمكن من ادعاء العلم بالنفي.
ولهذه الشهادة نظائر: منها الشهادة على أن لا وارث للمتوفَّى سوى من حضر، وهذه الشهادة متعلقة بالنفي، مقبولةٌ من أهل الخبرة الباطنة، ومنها الشهادة على تعديل الشهود؛ فإن متضمنها نفيُ الأسباب المخرجة عن العدالة، ويلزم قبول هذه الشهادات، ولا مستند لها إلى اليقين قطعاً، للضرورةِ، ومسيسِ الحاجة؛ فإن تخليد الحبس، وتأبيد وقف الميراث محال، والتعديلُ عماد القضاء، ولا يتصور فيه إلا المسلك الذي ذكرنا، فيلتحق عندنا بما ذكرناه الشهادةُ على الأملاك؛ فإنها لا تنتهي إلى يقين قطّ، وإنّما غايتها بناء الأمر على ظواهرَ يصفها العلماء، من اليد، والتصرف، وغيرهما.
ولكن لا بد من الاكتفاء بما ذكرناه؛ إذ الحاجةُ ماسة، ومنتهى الإمكان ما أشرنا إليه، فكأنّا نشترط استنادَ الشهادة إلى اليقين فيما يمكن اليقين فيه، كالأقوال، والأفعال التي يتعلق بها الحواس.
ولا مزيد على ما ذكرناه؛ فإن أسرار الشهادات مذكورة في كتابها.
4041 - ومن لطيف الكلام في ذلك أن كل ما تستند الشهادةُ فيه إلى اليقين، فلو علمه القاضي بنفسه، اختلف القولُ في جواز قضائه بعلمه.
ولو انتهى القاضي فيما لا علم فيه، إلى منتهى يشهد فيه، كالأصولِ التي ذكرناها، فلا يحل له القضاء.
وإن كان يحلّ له أن يشهد بما أحاط به، وظهر عنده، فليتأمل الناظر هذا؛ فإنه من أسرار القضاء.
4042 - وتمامُ البيان في الفصل يتعلق بتردد الأصحاب في أمرٍ نذكره: وهو أن القاضي إن علم أن الشاهد من أهل الخبرة الباطنة في الإعسارِ ونظائرِه، [قبل] 1 شهادته، وإن لم يتحقق ذلك عند القاضي، [ولكن] 2 ذكر الشاهدُ [أنه خبر باطنه، وهو عدل رضاً، كفى ذلك، فإنه قد يُعتمد في شهادته، كما يعتمد في ذكره أنه من أهل الخبرة الباطنة.
وإن أطلق الشهادة على الإعسار، ولم يتبين للقاضي من جهة بحثه، ولا من جهة ذكر الشاهد] 3 أنه من أهل الخبرة، فيتوقف لا محالة.
هكذا ذكره الأئمة.
والشهادة على الملك وإن كانت لا تستند إلى يقين مقبولةٌ على الإطلاق من العدل الموثوق به، وليس على القاضي بحثٌ عن أسباب تحمّل الشهادة، والسَّبب فيه أن تلك الأسباب ثابتةٌ، من اليد، والتصرف، ولا يُظَن بالشاهد إلا التثبتُ.
والإعسارُ وانتفاءُ الوارث وعدمُ الأسباب المخرجة عن العدالة نفيٌ محققٌ، وعلى الناظر في هذا مزيد بحثٍ، سيأتي الشرح عليه في الشهاداتِ، إن شاء الله تعالى.
4043 - وممَّا يليق بهذا أن الإعسار يثبت بشهادة شاهدين مع الاحتياط الذي ذكرناه.
وذكر بعض المصنفين لفظاً مضمونه أنه لا بد من ثلاثة شهود، وهذا خُرقٌ 4 عظيم، وخروج عن الضبط، ولعله أراد أن القاضي إن بدا له أن يستظهر بالعدد، فعل، لما حققناه من إشكال الإعسار.