كتاب التفليس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
3789 - التفليس والإفلاس في أصل اللسان، يعبر بهما عن الانتهاء إلى غاية الضُّر في المسكنة.
وقول القائل: أفلس فلان، معناه انتهى بضرورته إلى فلوسه، ولم يبق له مال يُرمق.
وقول القائل: أفلس، معناه وصل إلى الفلوس.
وهو على مذهب العرب، إذا قالت: أسهل زيدٌ، وأحزن عمرو، إذا انتهيا إلى السهل والحَزْن.
والتفليس اكتساب المفلس نعتَ إفلاسه.
3790 - والذي نصدِّر به الكتابَ أن من قلّ مالهُ، وكثرت ديونه، فللقاضي أن يحجر
عليه، لأجل غرمائه إذا استدعَوْا ذلك منه، ويستفيدون باستدعاء الحجر قصرَ يده عن التصرفات في ماله؛ حتى تُصرفَ أموالُه إلى جهات ديونه، والأصل في جواز ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه حجر على معاذ بن جبل رضي الله عنه، وباع عليه ماله في ديونه" 1، وعن عمر بن الخطاب أنه قال في أثناء الخطبة: "ألا إن الأُسَيْفعَ، أُسيْفِع جهينة، رضي من دِينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاجَّ، فادّان معرضاً 2، فأصبح وقد [رين] 3 به، وإنّا بائعو ماله غداً، فمن كان له عليه حق فليحضر" 4.
ثم إذا زادت ديون المرء على ماله، واستدعى الغرماءُ الحجرَ عليه أسعفهم، وضرب عليه حجراً.
3791 - فإن كانت ديونه على مقدار ماله من غير زيادة ولا نقصان، فهل يحجر عليه إذا استدعى [الغرماء] 1 الحجرَ؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا يحجر عليه؛ فإن ماله كفاءٌ لديونه، وفيه وفاءٌ بجملتها، وإنما فائدة الحجر تضارب الغرماء بحصصهم، ورجوع كلٍّ إلى ما يقتضيه بسبب حقه.
والوجه الثاني - أنه يحجر إذا استدعَوْا؛ فإن الديون إذا ساوت، فما أسرع ما تزيد، ولو لم يبتدر القاضي الحجْرَ، لجرَّ تركُ الحجر ضرراً على الغرماء، وهذا الوجه مختار عند الأئمة؛ فإنا إذا كنا نسعى في إيصال الغرماء إلى حصصٍ من ديونهم عند ضيق المال، فلنسْع في إيصالهم إلى كمال حقوقهم عند مساواة الديون المالَ.
3792 - ولو كانت الديون أقل من مقدار المال واستدعى الغرماءُ الحجرَ عليه، فقد ذكر أصحابنا في إسعافهم وجهين مرتبين على الوجهين في مساواة الديون المال، والصورة الأخيرة أولى بأن لا يجابوا إلى ملتمسهم.
وأطلق الأئمة ذكرَ الخلاف في الديون القليلة، فلا بد من تفصيل ذلك؛ فإنا على قطعٍ نعلم أن من يرجع إلى ثروة طائلة؛ ونعمة ضخمة، وعليه دين قليل بالإضافة إلن يساره، فتجويز الحجر على من هذا وصفه محال، وقائله في حكم الخارق للإجماع، فالوجه في تقرير القول في ذلك ما ذكره صاحب التقريب، حيث قال: إذا انحط قدر الدين عن قدر المال، ولكنا كنا نرى الديون إلى ازدياد، والدّخل 2 إلى انحطاط، وظهر في ظننا إفضاءُ الأمر على قُربٍ إلى المساواة، ثم منها إلى الزيادة، فإذا كان كذلك، اتجه الخلاف في ضرب الحجر.
والأمر على ما ذكره، فلا يسوغ تخيلُ غيره.
3793 - ثم ذكر أئمتنا في الدين القليل في التركة خلافاً أيضاً، في أنَّ الوارث هل
يمتنع عليه التصرف في التركة بسبب الدين القليل؟ وقد قدمنا ذكرَ هذا في آخر كتاب الرهن.
والنظر في هذا إذا كان الدين قليلاً على خلاف ما ذكرناه في حالة الحياة؛ فإن التركة متعلقة بالديون، كالرهون التي يتوثق الدين بها، وكرقاب الجناة.
[و] 1 على أي وجه فرضنا الأمر، فلا فرق بين القليل والكثير.
والحجر في حالة الحياة ابتداءُ امرٍ لدرء الضرار عن الغرماء، وليست أموال من عليه الديون متعلقة للديون قبل اطراد الحجر.
3794 - ثم قال العلماء: لا يضرب القاضي الحجر إلا إذا.
استدعى الغرماء، فإن
استدعى كلُّهم، أجبيوا على التفصيل المقدّم وإن استدعى بعضُهم، نُظر: فإن كان دين
المستدعي بحيث يجوز الحجر بمثله لو لم يكن معه دين آخر، فإنه يجاب، ثم
لا يختص الحجر به، بل يصير محجوراً عليه في حقوق الغرماء كافة.
ولو لم يوجد من الغرماء كلِّهم الاستدعاء، واستدعى مَن دينُه يقل عن مبلغ المال، والتفريع على أن الدين القليل لا يحجرُ القاضي به، فهل يحجر إذا استدعى بعضُ الغرماء؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحجُر، وهو اختيار شيخنا أبي محمد.
ومن أصحابنا من قال: لا يحجرُ ما لم يبلغ ديونُ المستدعين مبلغاً يجوز الحجر بمثله لو لم يكن مزيد.
ووجهه بيِّن.
ولو لم يستدعِ الغرماء الحجرَ أصلا، فليس للقاضي أن يحجُر على المديون ابتداءً، نظراً منه إلى طلب المصلحة الكلّية.
هذا لا خلاف فيه.
3795 - ولو ارتفع بنفسه إلى مجلس القضاء واستدعى منه أن يحجُر عليه، ويفض 2 أمواله على غرمائه، فهل يجيبه أم لا؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فذهب الأكثرون إلى أنه يجيبه.
وقال آخرون: لا يجيبه مالم يستدع الحجر غريمٌ، أو غرماء.
وقد قال العلماء: ما كان حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ بن جبل
من جهة استدعاء غرمائه، والأشبه أن ذلك جرى باستدعائه 1.
3796 - ثم إن الشافعي ذكر بعد تمهيد القول في الحجر: أن البائع يرجع بعين المبيع إذا أفلس المشتري بالثمن، واطَّرد الحجر عليه، والقول في هذه المسألة وأطرافِها معظمُ الكلام في التفليس.
3797 - فنقول: من باع عيناً وسلمها وأفلس المشتري، فحجر القاضي عليه، فللبائع أن يرجع [بعين] 2 المبيع، ويفسخ البيع؛ حتى لا يحتاج إلى مضاربة الغرماء، و [محاصصتهم] 3 بالثمن والأصل في ذلك الحديثُ، وهو ما روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلا قد أفلس، فقال: " هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيمّا رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده بعينه " 4 وقوله: " هذا الذي " ظاهر معناه أنه لم يُرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على ذلك الشخص المعيّن، وإنما أراد بتعيينه التعرض لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في صنفٍ عينه.
وأبو حنيفة 5 خالف في المسألة، ومنع فرع البيع بعد تسليم المبيع.
ثم أجرى الفقهاء في الخلاف طرفاً من المعنى، ووجَّه الخصوم عليها أسئلة، فدفعها أئمة المذهب بأمور مستفادة مذهبية.
ولا ينتظم ذكرها إلا في معرض الأسئلة والأجوبة.
3798 - فالذي هو عماد المذهب في إثبات حق الفسخ أن الثمن أحد عوضي البيع، فليكن التعذر فيه بمثابة التعذر في المبيع؛ فإن البائع يستحق على المشتري تسليمَ الثمن كما يستحق المشتري على البائع تسليمَ المبيع، [والتعاوض تبادل] 1 في العوضين، فالذي يقتضيه العقد استواء الشقين.
ثم اعتضد الأصحاب بالقياس على تعذر المُسْلَم فيه بسبب انقطاعه.
هذا متعلق المذهب على الجملة أوردناه [لنفضَّ] 2 عليه الأسئلة المذهبية.
3799 - فإن قيل: لو كان الثمن كالمُسْلَم فيه، لما جاز الاستبدال عنه قبل قبضه كالمُسْلَم فيه.
قلنا: في الاستبدال عن الثمن قولان منصوصان.
فإن قيل: هلا قلتم: انقطاع جنس الثمن يقتضي من الانفساخ، أو ثبوتِ حق الفسخ ما يقتضيه انقطاعُ المسْلم فيه؟ قلنا: هذا خارج على قولي الاستبدال، فإن ألحقنا الثمن بالمسلم فيه في الاستبدال عنه، فلو انقطع جنس الثمن، كان كما لو انقطع المسلم فيه.
فإن قيل: هلا أثبتم للبائع حقَّ الرجوع وإن تلف المبيع في يد المشتري؟ قلنا: سبب إثبات حق الفسخ الخلاص من زحمة المضاربة، وإنما يتأتى هذا بالرجوع إلى عيْنٍ لا يزاحَم الراجِع فيها.
فإن قيل: قدّموه بقيمة المبيع من غير مضاربة.
قلنا: حقه في العين، فلا يقدَّم إذا فاتت.
3800 - فإن قيل: الرهن قد يفوت، وتنتقل الوثيقةُ إلى بدله، فهلاَّ كان الأمر كذلك في البائع مع المفلس؟ قلنا: حق المرتهن لا يتأتى في وضع الرهن إلا من بدله، فلم يمتنع انتقال حقه إلى البدل، بخلاف البائع؛ فإنّ حقّه في العين.
فإن قالوا: إنما يُثبتون للبائع حق الرجوع طلبا لفائدةٍ، وقد يستفيد بالمضاربة بالقيمة
أمراً، وذلك إذا كانت القيمة أكثرَ من الثمن المسمى، فإذا ضارَب بالقيمة، كانت حصته أكثر من حصته في المضاربة بالثمن.
قلنا: الأمور 1 تحمل على اعتدال، والغالب أن القيمة كالثمن.
وإن فرضت زيادتها تارة، لم يمتنع فرض نقصانها أخرى.
وقد قال بعض أئمتنا بالمضاربة بالقيمة إذا ظهرت الفائدة.
وحكى الإمام ذلك، وحكاه غيرُه على ندور، واشتهر بين الخلافيين.
3801 - فإن قيل: ينبغي ألا يفسخ إذا قدمه الغرماء بتمام الثمن، قلنا: له الفسخ وإن قدموه؛ لمعنيين: أحدهما - أنه ربما لا يرضى بتقلّدِ منةٍ منهم، ويأبى إلا ما أثبته الله تعالى له.
والثاني - أنه لا يأمن ظهور غرماء لا يرضَوْن بتقديمه.
فإن قيل: قد استشهدتم بالانقطاع في المُسْلَم فيه، وذلك لما أَثْبتَ حقَّ الفسخ، لم يفرق فيه بين أن يكون رأسُ المال قائماً أو تالفاً.
قلنا: السبب فيه أن المُسْلَم إليه إذا لم يكن مفلساً، فالرجوع إلى بدل رأس المال ممكن معه؛ إذ لا مضاربة حيث لا حجر.
فإن قالوا: لو أفلس المُسْلَمُ إليه وحُجر عليه وجنس المُسْلَم فيه غير منقطع، فماذا ترون؟
قلنا: يفسخ المسلِمُ، ويرجع إلى رأس المال رجوع البائع إلى المبيع.
فلو كان رأس المال تالفاً في هذه الحالة، وجنس المسلَم فيه غير منقطع، فلا يثبت الفسخ بسبب فوات عين رأس المال، ومسيس الحاجة إلى المضاربة، كما قدمناه؛ فلا فرق بين الفلس بالمُسْلَم فيه، وبين الفلس بالثمن.
فإن قيل: لو اجتمع فَلَسُ المسلَم إليه، وانقطاعُ جنس المسلَم فيه، فماذا ترون؟ قلنا: اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فمنهم من قال: لا يثبت الفسخ مع الفلس إذا لم يجد مَنْ يُقدَّرُ فاسخاً عيناً يُقدّم 2 بها؛ لأنه لو فرع، لاحتاج إلى المضاربة، والفسخ إنما أثبت للخلاص منها.
وظاهر المذهب أنه ثبت حق الفسخ في هذه الصورة؛ لأنه يستفيد بالفسخ الوصولَ إلى بعض حقه عاجلاً، ولو لم يفسخ، لأنظره
إلى وجود الجنس، فربما يوجد الجنس ولم يبق بيده شيء يؤدى منه حق المُسْلِم.
3802 - ومما يجري في هذه المسألة أنهم يقولون: الفسخ لا يرد على العين المبيعة، فإنه سلمها إلى المشتري، وإيراد الفسخ على الثمن وهو دين محال، فإن الفسوخ تعتمد الأعيان، فتردها، ثم تقتضي استرداد أعواضها.
قلنا: هذا ينقضه السَّلم؛ فإنَّ الفسخ ينشأُ من تعذر فيه، وهو دين، ثم الفسخ يرد على العقد إذا قام ما يوجب الفسخ، وعلى هذا بنينا إجراء التفاسخ إذا تحالف المتعاقدان بعد تلف المبيع.
فإن قيل: هل تجوزون أن يقول البائع: رددتُ الثمن أو فسخت العقد فيه؟ قلنا: امتنع من إطلاق ذلك بعضُ الأصحاب، وقالوا: حق الفسخ أن يضاف إلى العقد المرسل، ثم إذا انفسخ استعقب الفسخُ مقتضاه.
وقال قائلون: تصح العبارة على الوجه الذي طلبه السائل، ولا يضر إضافة الفسخ إلى الثمن، وقولنا في ذلك، كقول الجميع في السلم.
3803 - فإن قيل: إذا باع رجل عبداً بجاريةٍ، وتقابضا، فقبض المشتري العبدَ والبائع الجاريةَ، وتلف العبد في يد قابضه، وأفلس، ووجد قابضُ الجارية بها عيباً، فإنه يردّها، فهل يتقدم بقيمة العبد المستردّ على الغرماء؟ قال القاضي: هذا يحتمل وجهين: أحدهما - لا يتقدم بها؛ لأنّها دَيْنٌ والتقديم بالدّين محال.
والثاني - يتقدم؛ لأن الغرماء، وإن قدمنا عليهم من ردّ الجارية، فذلك في مقابلة ما أدخلناه في حقوقهم، فإنا رددنا عليهم الجارية، وكان التقدم في هذه الصورة 1 بالقيمة يضاهي تقديم من يعامله بعد الحجر بأثمان المعاملات.
فهذا تمام ما أردنا أن نذكره من دقائق المذهب في أثناء الأسئلة والأجوبة.
3804 - ومما نلحقه بقاعدة الفصل أنا إذا أثبتنا حقَّ الفسخ للبائع، فهو على الفور أم على التراخي؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه على الفور؛ لأنه خيار فسخٍ شرع لدَرْء الضرار، فينبغي أن يكون على الفور، كخيار الرّد بالعيب والخُلف.
والثاني - أنه على
التراخي؛ لأنه خيار يتضمنه الرجوع في عينٍ سلمها، وأزال الملك عنها، فأشبه ذلك حقَ الرجوع في الهبة.
قال القاضي: لا يمتنع أن يتأقت هذا الخيار بثلاثة أيام؛ فإنا سنذكر قولاً كذلك في خيار المعتقة تحت زوجها القن، إن شاء الله تعالى.
3805 - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك أن المشتري لو لم يكن مفلساً، ولكنه امتنع عن أداء الثمن، وعسر تحصيله منه، فهل يثبت للبائع حقُّ الرجوع؟ فوجهان: أحدهما - يثبت للتعذر.
والثاني - لا يثبت، وهو ظاهر المذهب؛ لأن حكم الممتنع في الشرع أن يستوفَى منه الحقُّ طوعاً أو كرهاً.
فإن فرض ماردٌ 1 لم يُبْنَ الشرعُ عليه.
3806 - وإن غاب المشتري، فإن كان للبائع بيّنة، وقد ترك المشتري في البلد ما يفي بالثمن، فلا يرجع في عين المبيع، وإن لم تكن له بينة، ولا له مال في البلد.
فهذا بمثابة الامتناع الذي حكينا تردّدَ 2 الأصحاب فيه.
ويثبت الرجوع إلى عين المبيع بعد وفاة المشتري، وفي حال حياته إذا أفلس وضُرب الحجر عليه، وأثبت مالك الرجوعَ [في حال الحياة، ولم يثبته بعد الوفاة] 3. وتعرض الشافعي له بالمحاجة بأمورٍ لا حاجة بنا إليها.
3807 - ومما نثبته في أصل الكتاب توطئةً للقواعد أن أصحاب الديون الحالّة يتضاربون في مال المفلس، واختلف القول في الديون المؤجّلة، فأحد قولي الشافعي أنها تحل بالحجر، كما تحل الديون المؤجلة بالموت.
والقول الثاني: إنها لا تحل.
فإن قضينا بحلولها، اضطربوا مع المضطربين، وإن حكمنا بأنها لا تحل، فالمال العتيد الموجود مصروف إلى أصحاب الديون الحالة، وأصحاب الدُّيون المؤجلة يؤخَّرون.
ثم إذا حلت آجال ديونهم بعد فضّ المال على الديون الحالة، لم يملكوا أن يرجعوا بشيء مما تضارب أصحاب الديون الحالة.
وسيكون لنا إلى تفصيل القول في حلول الآجال عودة، إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " فإن تغيرت السلعة بنقصٍ في بدنها ... إلى آخره " 1.
3808 - إذا أفلس المشتري، فالمبيع لا يخلو إما أن يكون تالفاً أو قائماً: فإن كان تالفاً، لم يثبت للبائع حق فرع العقد، وليس له إلا مضاربة الغرماء بمقدار الثمن، كما قررناه فيما تقدم.
فأمّا إن كان قائماً، فلا يخلو إما أن يكون متغيراً في ذاته، أو غير متغير.
فإن لم يكن متغيراً، لم يخل إما أن يكون خرج عن ملك المشتري، ثم عاد إليه، أو لم يكن خرج عن ملكه.
فإن كان خرج عن ملكه، ثم عاد إليه، ثم أفلس، نُظر: فإن عاد بهبة، أو وصية، أو إرث، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يرجع نظراً إلى قيام = الموت: قد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة على الحي، فحكمتم بها على ورثته، فكيف لم تحكموا في المفلس في موته على ورثته، كما حكمتم عليه في حياته؟ " مختصر المزني (2/ 219). فاستشهاد إمام الحرمين بكلام الشافعي هذا في الرد على مالك، يشهد بأن ما كان في النسختين عكس ما يريده المؤلف، مما سوّغ لنا هذا التصويب.
والله أعلم.
السلعة في ذاتها.
والثاني - أنه لا يرجعُ؛ فإن حق الفاسخ 1 أن ينقض بفرعه الملك الذي استقر 2 منه بالعقد من جهته.
والملك الزائل العائد ليس كذلك.
ولهذا نظائر، منها زوال ملك المتهب وعوده بإحدى هذه الجهات، فهل 3 للواهب الرجوع؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
وإذا زال ملك المرأة عن الصّداق، وعاد قبل الطلاق، فإذا طلقها زوجهاً قبل المسيس، فهل يرجع في نصف عين الصداق؟ فعلى ما ذكرناه من الخلاف.
وإذا باع عبداً بثوبٍ، فخرج العبد من ملك المشتري، ثم عاد إليه، وقد اطلع صاحبه على عيب بالعوض الذي قبضه، فله ردُّه، ولكنه هل يرجع بالعبد الذي زال وعاد؟ فعلى وجهين.
ومسلك الكلام في جميعها واحد.
3809 - وكل ما ذكرناه فيه إذا كان زال ملك المشتري، وعاد بتبرع، أو بجهةٍ لا عوض فيها.
فأما إذا زال ملك المشتري بجهةٍ من الجهات، أيةِ جهةٍ كانت، ثم عاد إليه ببيع، ثم أفلس، فقد تحقق إفلاسه بالثمن الأوّل في البيع الأوّل، وتحقق إفلاسه بالثمن الثاني، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن حق الرجوع للثاني، وهو القياس، فيرجع في المبيع إن شاء 4؛ لأن تلقي الملك فيه من جهته الآن.
والوجه الثاني - حق الرجوع للأول؛ لأنه أسبق، فهو أولى بالتقديم.
وهذا يتجه بالبناء على أن الرجوع يثبت في الملك الذي زال وعاد، كما ذكرناه، فكأن الملك لم يزل في حق الأول، وحقه مستدام فيه.
والوجه الثالث - أنهما يستويان فيه؛ لأن للأول حق السبق، وللثاني حق الدنوّ والقربِ، واطرادِ الملك من غير تقطع، وإذا تقابل المعنيان، أوجب ذلك أن يستويا،
فيرجع كلٌّ بنصف الجارية 1 ويضارب بنصف الثمن.
3810 - ثم نفرع فنقول:
إن عفا الأول، فالحق للثاني وجهاًً واحداً، وإن عفا الثاني، فهل للأول حق الرجوع؟ فعلى وجهين مبنيين على أنه لو زال ملكه بهبةٍ، ثم عاد بمثلها، أو بإرث، فهل يثبت للبائع حق الرجوع؟ فيه الخلافُ الذي تقدّم.
هذا كله إذا كان قد خرج عن ملك المشتري وعاد.
3811 - فإن لم يخرج عن ملكه، بل اطرد ملكه، فلا يخلو: إما أن تعلّق به حق الغير، أو لم يتعلق: فإن تعلق به حق الغير، لم يخل إما أن يكون متعلقاً بعينه، أو لا بعينه: فإن كان متعلقاً بعينه، كحق المرتهن، والمجني عليه، والكتابة، فلا يملك البائع إبطال هذه الحقوق.
ولكن لو صبر حتى فك عن الرهن، وبرىء عن الجناية، فإنه يرجع الآن.
هكذا قال فقهاؤنا.
وقد ذكرت طرفاً من هذا في أحكام الرد بالعيب.
وأما إذا كان مكاتباً، فصبر حتى رَقَّ المكاتَب، وعجز عن أداء النجوم، قال بعض أصحابنا: هذا يخرّج على الوجهين؛ لأن الكتابة ألحقته في أحكام الاستقلال بالأحرار، فيجعل الاتصاف بها والعود إلى الرق المطلق، بمثابة زوال الملك في المبيع وعوده.
هذا إذا كان الحق متعلقاً بالعين.
3812 - فأما إذا كان متعلقاً بالمنفعة كالإجارة والتزويج، فيثبت للبائع حقُّ الرجوع ناجزاً.
ولكن المنافع تبقى مستحقة.
أما منافع الإجارة، فإلى الاستيفاء، ومنافع الزوج لا تتأقت، فهي مستحقة ما دامت الزوجية.
3813 - فأمّا إذا كان المبيع قائماً، لم يتبدل الملك فيه، ولم يتعلق فيه حق، فلا يخلو إما أن يكون على هيئته التي كان عليها، غير متغير، لا بزيادة، ولا بنقصان،
[وإما أن يكون متغيراً: فإن كان غير متغير، فإنه يرجع فيه، كما قدمناه.
وإن كان متغيراً، لم يخل إما أن يتغير بزيادة أو نقصان] 1: فإن تغير بزيادةٍ، لم تخل [الزيادة] 2 إما أن تكون متصلةً وإما أن تكون منفصلة: فإن كانت متصلة، رجع البائع فيها مع الزيادة، ولا مبالاة بالزيادة المتصلة في قواعد الشريعة، إلا في أصلٍ واحد، وهو إذا أصدق الرجل امرأته عيناً، فزادت في يدها زيادة متصلة، وطلقها الزوج قبل المسيس، والعين زائدة، فللمرأة أن تتمسك بعين الصداق، ويرجع الزوج عليها بنصف القيمة، ولا فرق بين أن تكون موسرة أو معسرة.
ولو أفلست والعين الزائدة في يدها، وإذا لم يرجع الزوج، لم يملك شيئاً إلا المضاربة، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أنه ليس له إلا القيمةُ، والمضاربة بها؛ فإن الزيادة قطعت حقه من العين.
والوجه الثاني - وهو اختيار أبي إسحاق المروزي أنه يرجع إلى نصف العين.
وإن زادت لضرورة المضاربة، والإفلاسُ إذا كان يسلط على رفع أصل العقد، فلا يبعد أن يؤثر في قطع حقها من الاختصاص بالصّداق لمكان الزيادة.
ثم عَسُرَ على الأصحاب الفرقُ بين الصداق، وبين سائر الأصول فيما يتعلق بالزيادة المتصلة.
ولعل المرضيَّ القريبَ أن الجهات التي يثبت فيها استردادُ العين تنقسم: فمنها الفسخ.
والفسوخ تستأصل الأسباب من أصولها، فلا يبقى معها عُلقة لمن عليه الرجوع، ومنها ما يهجم على قطع الملك، كالرجوع [في] 3 الهبة، فهو في معنى الفسخ، والزوج بطلاقه ليس فاسخاً، ولا هاجماً على الرجوع، وإنما التشطير حكم من الشرع، لم ينشئه الزوج بسبب يقطع 4 أصلاً كالفسخ، ولم يتعمد قطع الملك، فقوي تعلُّقُها بعين الصداق.
فإن قيل: ما تقولون فيه إذا زاد الصّداق في يدها، ثم ارتدت قبل المسيس؟ قلنا:
اختلف أصحابنا في ذلك: فقال قائلون: المرأة أولى بعين الصداق، قياساً على تشطير الصداق عند الطلاق.
والصحيح أن الصداق يرتد إلى الزوج؛ فإن طريقه الفسخ، وقد ذكرنا أنَّ الفسوخ تستأصل الأسباب والعلائق.
هذا في الزوائد المتّصلة.
3814 - فأما الزياداتُ المنفصلة، كالثمار، والأولاد، والألبان، وما في معانيها، فهي خالصة للمشتري مصروفةٌ إلى ديون الغرماء.
والبائع يرجع في عين المبيع.
هذا كله إذا كان التغير بالزيادة.
3815 - فأما إذا كان التغير بالنقصان، لم يخل إما أن يكون نقصان جزء أو نقصانَ صفة، فإن كان نقصان جزء، مثل أن يبيع عبدين، ويموتَ أحدُهما في يد المشتري، ويبقى الثاني وما كان قبض البائع من الثمن شيئاًً؛ فإنه يرجع في الباقي من المبيع، ويضارب الغرماء بقسطٍ من الثمن، وتفصيل التقسيط يأتي في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى؛ فإن هذا الفصلَ في حكم التراجم، والمعاقد، وشرح ما نفصل بين أيدينا.
3816 - فأما إذا كان النقصان راجعاً إلى الصفة، فلا يخلو إمَّا أن ينتقص المبيع بآفة، أو بجناية جانٍ: فإن انتقص بآفة سماويةٍ مثل: أن سلم إليه [العبد] 1 المبيع، فاعورّت عينُه في يده، أو شَلَّت [يده] 2. فنقول للبائع: المبيعُ كما ترى، فإن رضيتَ به معيباً، فارجع فيه، ولا حظَّ لك في غيره.
وإن أردت أن تكون أُسوة 3 الغرماء، فضاربهم بالثمن.
والعيب السماوي بالمبيع في يد المشتري في حق فسح البائع بمثابة العيب الحادث
في يد البائع بآفة سماوية في حق فرع المشتري.
وقد ذكرنا في أحكام العيوب أن
المشتري يتخيّر: إن شاء فسخ البيع بالعيب الحادث في يد البائع، وإن شاء أجازه بتمام الثمن.
هذا سبيل البائع مع المشتري فيما نحن فيه.
3817 - ولو حدث النقصُ بجناية، لم يخل إمّا أن يكون الجاني أجنبياً، وإمّا أن يجني المشتري: فإن كان أجنبياً، فلا شكّ أنه يلتزمُ الأرشَ للمشتري.
ثم الأصح أنه يلتزمه باعتبار النسبة إلى الجملة، فجراح العبد من قيمته كجراح الحرّ من ديته، فإن كان قطع يداً، أو عوَّر عيناً، فنصف القيمة واجبٌ على الجاني.
وإذا آل الأمر إلى البائع 1، قلنا له 2: أرش [العيب] 3 على الجملة محطوط عنك؛ فإنَّا وجدنا للضمان فيه متعلَّقاً.
فإذا لم يتعطل ذلك العيب في نفسه، لم يطوّق البائع أمره مجَّاناً، ولكن المعتبر في حق البائع نقصان القيمة، لا التقدير الشرعي المتعلق بنسبة الأعضاء إلى جملتها.
وبيان ذلك أنَّ الجاني التزم للمشتري بقطع يده نصفَ القيمة، وكان انتقص 4 ثلث القيمة بالسوق، فيعتبر في حق البائع نقصانُ السوق، فنقول: كأنك ظفرت بثلثي المبيع، فارجع فيما وجدت، وضارب الغرماء بثلث الثمن، ويصير نقصان الصفة في هذه القسمة بمثابة نقصان الجزء.
فإن قيل: هلا اعتبرتم تقدير الشرع في حق البائع؟ قلنا: الأطرافُ تتقدرُ في الجناية، فأمَّا المعاوضاتُ، فالأعواض تتقسط على المعوَّضات باعتبار القيم، وأرش الجناية تقدير الشرع.
ولو التزمنا هذا، فربما يلقانا محالٌ لا سبيل إلى التزامه؛ فإن الجاني لو قطع يدي عبدٍ معا، فعليه كمالُ قيمته، فإذا أفلس مشتري ذلك العبد بالثمن، لم يمكنا أن نقول: ليس العبد الأقطع موجوداً، ويستحيل أن نثبت حقَّ الرجوع فيه، ثم نُثبت المطالبةَ بجملة الثمن، نظراً إلى ما وجب على الجاني.
هذا إذا كان الجاني هو الأجنبي.
3818 - فأما إذا جنى المشتري على العبد، فالصحيح أن المشتري كالأجنبي في حكم الجناية، وتفاصيل الرجوع.
وقد مضى ذلك مبيناً الآن.
ومن أصحابنا من قال: حكم جناية المشتري حكم جناية البائع على المبيع قبل
القبض، حتى نقول في قولٍ: إنها كجناية أجنبي، وقد مضى.
وفي قولٍ نجعل أثر جنايته كآفة سماوية.
والجملة في ذلك أن المشتري والمبيعُ في يده كالبائع في المبيع قبل القبض.
فهذا مجامع القول في التغايير التي تلحق المبيع حكماً وحقيقة.
3819 - فرع: إذا اشترى حنطة فبثها بذراً، فنبت الزرع وأحصد، ثم أفلس المشتري، فالحنطة الحاصلة من زرع ذلك البذر [لمن] 1؟ اختلف أصحابنا فيها: فمنهم من قال: نجعلها مبيعة، ونقدر كثرتها زيادة متصلة، كالعبد يشتريه طفلا، ثم يشب ويترعرع، والفسيل يشتريه ويغرسه، ثم يصير أشجاراً، فيثبت للبائع الرجوع إذاً، ولا حكم لتلك الكثرة.
ومن أصحابنا من لا يجعل الحبَّ الحاصل من الزرع بمثابة مبيع زائدٍ، ولكنا نجعلها أعيانا مستفادة في ذواتها، وليس للمشتري إلا المضاربة.
ووجه ذلك أن البذر يعفَن 2 تحت التراب، ثم ينشأ الزرع منه بعد مصيره إلى حالة العفن، وفي هذه الحالة لا يُعدّ فيها مالاً.
ثم الزرع نشءٌ جديد.
ومن هذا ما لو اشترى بيضة، وأحضنها دجاجة، فتفقأت عن فرخ: من أصحابنا من جعل الفرخ مبيعا، وقدّر ما لحقه من تغايير الخلقة بمثابة الزيادة المتصلة.
ومنهم من لم يقدره مبيعاً، ولم يُثبت للبائع حقَّ الرجوع.
ومن هذا القبيل ما لو اشترى عصيراً، فانقلب خمراً في يد المشتري، ثم انقلبت الخمر خلا، فالخل هل يكون مبيعاً أم لا؟ فيه التردد الذي ذكرناه.
ولا خلاف أن
الزرع مُلِك من البذر مِلْكِه، وكذلك القول في الفرخ والخل.
وسنذكر هذه المسائل في موقعها في كتاب الغصوب، إن شاء الله تعالى.
3820 - وكذلك لو اشترى رجل أرضاً مزروعة وكان الزرع بقلا، لم يُسنبِل بعدُ، فإذا ظهرت السنابل، ثم أفركت، وديست، فهل نجعل الحب مبيعاً؟ ذكر العراقيون وجهين وبنَوْهما على المسائل التي تقدمت، ورأَوْا جعلَ الحب مبيعاً -وقد كان المشترَى زرعا- أوْلى؛ من جهة أن الزرع يشمل الأخضرَ والمسنبِل، فالسنبلة تعد من الزرع، فهي بالاندراج تحت ما كان مبيعا أولى من الفرخ، بالإضافة إلى البيض؛ فإنهما متباينان صفةً واسماً.
3821 - وحاصل القول في ذلك أن التغايير التي لا تنتهي إلى قلب الجنس، وتغيير الاسم لا حكم لها، ويبقى ما كان مبيعاً على حكمه، حتى يثبت للبائع الرجوع.
ثم إن كان التغيير إلى زيادة متصلة، فهي للبائع إذا أراد الرجوع.
وما تغير إلى نقصانٍ فلا حكم له عند قصد الرجوع، والبائع على خِيَرته إن شاء ضارب بالثمن، وإن شاء قنع بالمبيع الناقص.
وكل تغييرٍ ينتهي إلى قلب الجنس والاسم، ولكن المتغير مترتب على ما كان مبيعاً، كالزرع والبذر، والفرخ والبيض، ففيه الخلاف.
وما يغير الجنس ويبقى اشتمال الاسم معه، ففيه خلافٌ قريب.
3822 - وزوائد الأصول إذا انفصلت، وإن حصلت من أصولها، فهي منقطعة عنها؛ فإن الأصول قائمة على صفاتها، وقد تجدّد منها ما تجدّد.
وليس كالبذر ينقلب زرعاً؛ فإنّه في نفسه ما بقي على ما كان عليه.
نعم، الملك ينتظم الأصلَ والزيادةَ؛ فإنا لا نجد للزيادة مصرفاً أولى من مالك الأصل.
فإن قدرناها جزءاً من الأصل، فلا كلام، وإن لم نفصل 1،. وهو الرأي، فالوجه أن نجعلها كصيود تتعقل 2 بشبكات متهيئةٍ لها.
وما ذكرته أصدق شاهدٍ في أن الزوائد المنفصلة ليست من عين الأصول؛
إذ لو كانت من أعيانها، لكانت كالحب الكثير ينبتها البذر اليسير، وكان يدرج في
قياس المسائل التي نظمناها.
فصل
قال: " ولو باع نخلاً فيه ثمر أو طلعٌ قد أُبّر، فاستثناها المشتري ... إلى آخره " 1.
3823 - قوله فاستثناها المشتري لنفسه معناه فاشترطها لنفسه، وهذا اللفظ يطلق في غالب الأمر في استثناء شيء من جملة، فاستعملها للمشتري 2 في معنى الاشتراط.
والمسألة مصورة فيه، إذا باع نخيلاً، عليها ثمار ظاهرةٌ مؤبرة، وأدخل الثمار في البيع، ثم قبض المشتري الشجر والثمر، واستهلك الثمرة، وأفلس بالثمن كله، فالبائع يرجع في الشجر، ولا يكتفي بها؛ فإنها بعضُ المبيع، بل يضارب بقسطٍ من الثمن يقابل الثمرة الفائتة.
هذا الأصل ثابت لا شك فيه.
ولكن لا يمكن الوصول إلى ما يرجع به من الثمن 3 إلا بمعرفة قيمة الثمار، وقيمة الأشجار، ثم إذا بانت القيمتان، قدَرَ 4 توزيعَ الثمن على المبْلَغَيْن، فما يقابل الثمر، ضارب به، وما يقابل الشجر، يكتفي فيه بالشجر، إن أراد الرجوع فيها؛ فيأخذ الشجر بقسطها، ويضارب الغرماء بقسط الثمرة من الثمن.
3824 - والكلام وراء هذا في أن قيمة الثمرة متى تعتبر، وكذا قيمة الشجر، ولا يلقَى الناظرُ في الكتاب أمراً أولى بإنعام النظر فيه من هذا، فهو عمدة الكتاب وسرّ الباب.
3825 - قال الشافعي فيما نقله المزني: تعتبر قيمة الثمرة بيوم القبض، لا بيوم العقد، ولا بيوم الجائحة 1. هذا ما نقله.
ونحن نستوعب ما يتعلق بالثمرة، ثم نذكر ما يتعلق بالشجر.
أما القول في الثمرة، فقد ذهب المحققون إلى مخالفة النص المنقول، وقالوا: نعتبر أقلَّ القيمتين من يوم العقد والقبض.
فإن كانت قيمته يوم العقد أكثرَ، وقيمتُه يوم القبض أقلَّ، فالمشتري يقول: لا تحتسب عليَّ زيادة كانت في يد البائع، وإنما دخلت الثمرة في ضماني يوم قبضتُها.
فليس للبائع أن يعتبر زيادةً قبل ضمان المشتري.
وإن كانت قيمته يوم العقد أقلَّ، وقيمته يوم القبض أكثر، فالمشتري يقول: ما كان من زيادةٍ بعد العقد، فهي لي وحدثت على ملكي، فليس للبائع أن يعتبرها في تقويم الثمن عليّ.
ولا شك أن قيمة الثمرة إذا كثرت، كثر ما يرجع به من الثمن، فإذاً للمشتري أن يقول: لا تحتسب عليّ زيادةً، إن حسبتها، زاد مقدارُ ما ترجع به، والزيادة تثبت ملكاً لي.
3826 - فإن قيل: الزيادة المتصلة ينبغي ألا تفرد بالاعتبار؛ فإنها كانت تكون للبائع لو بقيت الثمار، فالرجوع بحصتها من الثمن يجبُ أن 2 يكون باعتبار زيادتها معها.
قلنا: هذا غير سديد؛ فإنَّا لا ننكر أن الزيادة المتصلةَ حصلت للمشتري في ملكه، ولكن إذا كانت العين قائمةً، ومست الحاجة إلى ردّها، تبعت الزيادةُ الأصلَ ضَرورةً، [وإذا فاتت العين بعدما طرأت عليها زيادةٌ متصلة في ملك المشتري، فأي ضرورة] 3 تحوج إلى عدّ 4 تلك الزيادة الحادثة في ملك المشتري في حق البائع، حتى
تكثر في التقويم، ليكثر ما يرجع به.
فيلتأمل الفطن أول هذا الكلام؛ فإنه منشأ غائلة الفصل، فقد حصل من وفاق المحققين أنا نعتبر أقل القيمتين للثمرة في يومي العقد والقبض.
3827 - وحكى صاحب التقريب قولا مرسلا من بعض الأصحاب: أن الاعتبار بقيمة يوم القبض، ويزعم هذا القائل: أن القول مأخوذ من النص الذي نقله المزني.
فإن كانت قيمةُ يومِ القبض أقلَّ، فلا شك في اعتبارها، وإن كانت أكثرَ، فكأن هذا القائلَ يعتبر تلك القيمة؛ مصيراً منه إلى تقويم الزيادة المتصلة للبائع، بناء على أنها لو كانت باقية، لكان البائع يأخذها بزيادتها.
وهذا وهمٌ عظيم؛ من جهة أن البائع ليس يرجع عند تلفها إلى قيمتها، وإنما يرجع إلى قسطٍ من الثمن باعتبار 1 قيمتها، والقسط من الثمن إذا أُثبت، فهو في مأخذ الأحكام على مضادة الرجوع في العين، فنعتبر والحالة هذه بقسطٍ لا يحسب فيه حقّ المشتري عليه [للبائع] 2.
هذا أقصى الإمكان في التعبير عن هذا الغرض.
والفطن يبتدره، والبليد لا يزداد في هذا المقام بزيادة البيان إلا حَبَطاً 3.
ولا عود إلى ما ذكره صاحب التقريب؛ فإنه ساقط غير معتد به.
3828 - هذا قولنا في القيمة التي نعتبرها للثمرة، وهذه القيمة لا تستقل بإفادة غرضها دون الإحاطة بقيمة الشجر، وقد اضطرب المحصلون في قيمة الشجر، ونحن نأتي بما قالوه، ونضبط حاصلَ الفصل عند نجازه بما يُبيّن مسلكَ كلِّ فريق.
3829 - قال بعض الأثبات من أصحاب القفال: نعتبر في الشجر أكثرَ قيمةٍ، من يومي العقد والقبض.
وهذا وإن كان في الظاهر يخالفُ ما ذكرناه في قيمة الثمرة، فهو موافق له في المقصود؛ فإن قيمة الشجر إذا كثرت، قلَّ ما يرجع به البائع من الثمر.
وقيمةُ الثمر إذا قلَّت، قلَّ ما يرجع به البائع من ال ثمر، فإن الشجرة يأخذها البائع بقسطه، فإذا كثر، قل ما يبقى.
وهذا الذي ذكرناه ضبط من طريق اللفظ، والتحقيق وراءه.
3830 - وذهب القاضي إلى مسلكٍ آخر، فقال: إن كانت قيمة الشجر يوم العقد أقلَّ، وكانت يوم القبض أكثر، فالاعتبار بقيمة يوم العقد.
واحتج عليه بأن قال: إذا كان البائع يأخذ الشجر، فالزيادة المتصلة مأخوذة له، فلا تحسب عليه، وكأنا نتبين بالأخرة أنها زادت له، فليقع الاختصَار على قيمة العقد.
وليس ما نحن فيه بمثابة الثمرة؛ فإن الثمرة فائتةٌ، فليست زيادتها منقلبة إلى البائع، وليست مضمونةً له ضمان قيمة.
وقد حدثت للمشتري وهلكت له، فلا تدخل في حساب التوزيع.
فأما زيادة الشجرة؛ فإنها منقلبة إلى البائع، فلا تحسب عليه في حساب التوزيع.
وللقائل الأول أن يقول: حدوث هذه الزيادة على ملك المشتري لا شك فيه، فإن كنا نردها على البائع، وما حدثت في ملكه، فالذي يقتضيه الإنصافُ أن نقول: قدِّر هذه الزيادة أنها للبائع؛ كأنها كانت حالة العقد، وإذا قرن بها لأنها متصلة بالمبيع، فاعتبرها في قيمة المبيع، وليس من الإنصاف أن تفوز بها، وما حدثت في ملكك، ولا تحسبها من المبيع.
هذا بيان المسلكين وهما متجهان.
3831 - وكأنَّ الكلامَ في الزيادة المتصلة في غرضنا يتعلق بثلاث مراتب: إحداها- أن
البائع إذا كان يرجع في المبيع الزائد زيادة متصلة، ولا حاجة إلى تقدير توزيع، فإن المبيع
بجملته باقٍ، فإذا كان كذلك، فلا نظر إلى الزيادة وهي تنقلب إلى البائع تبعاً للأصل.
[المرتبة الثانية] 1 - إن زاد شيء من المبيع وتلف، واحتجنا إلى تقويم ذلك التالف
المرجوع بقسط من الثمن يقابله، فلا تعتبر الزيادة المتصلة بالحادثة في ملك المشتري بعد العقد؛ فإن تلك الزيادة ليست ترتد إلى البائع ولا قيمتُها، فأخرجنا اعتبارها من البَيْن، حتى كأنها زيادة متَّصلةٌ غيرُ معتد بها.
المرتبة الثالثة - في زيادة ترتدّ مع أصلها إلى البائع، ولكن تخلَّف الحكم في شيء لا يرجع إلى البائع باختلافها، فهل نعتبر تلك الزيادة بمقدارٍ من الثمن يتعلق بغير العين التي رجع فيها أم لا نعتبرها، كزيادة الأشجار المنقلبة إلى البائع؟ إن اعتبرناها، قلّ قسط الثمار، وإن لم نعتبرها، كثر قسطها.
هذا موضع تردد المحققين على ما حكيناه عن القاضي وغيره.
وإذا تمهد أصل الفصل، نهذبه الآن بالصور، ثم ننعطفُ على الأصلِ، ونَرِمّ 1 ما نراه على إشكال في أطراف المسألة.
3832 - فنصور كأن قيمة الشجرة كانت مائة، وقيمة الثمرة كانت خمسين، فإذا لم تفرض زيادة ولا نقصان في الشجر والثمر، وقد فاتت الثمر، فيرجع البائع في الشجر ويأخذها بثلثي الثمن، ويضارب بثلث الثمن في مقابلة الثمر.
ولو لم تختلف قيمة الشجر، واختلفت قيمة الثمر، فكانت يوم العقد تساوي خمسين، وصارت تساوي يوم القبض خمساً وعشرين، فالاعتبار بقيمة يوم القبض؛ فإنها أقل، وقيمة الشجر لم تختلف، فيأخذ البائع الشجر على نسبة الأخماس بأربعة أخماس، ويضارب الغرماء بخمس الثمن في مقابلة الثمر.
ولو كانت قيمة الثمر يوم العقد خمسين، فصارت يوم القبض تساوي مائة، فلا اعتبار بالزيادة؛ والتوزيع على نسبة الثلث والثلثين، كما تقدم هذا في تغيّر الثمر وبقاء الشجر.
3833 - فأما إذا تغيرت قيمة الشجر 2، فنصور الشجر حالة العقد بحيث تساوي 3
مائة، وكانت حالة القبض تساوي مائة وخمسين، وقيمة الثمرة كانت خمسين، وبقيت كذلك.
أما من اعتبر في الشجر أكثرَ قيمةٍ، فيحسب زيادة القيمة على البائع إذا رجع، ويقول: الشجر مائة وخمسون والثمر خمسون، فيرجع البائع في الشجر بثلاثة أرباع الثمن، ويضارب الغرماء بربع الثمن في مقابلة الثمر.
والقاضي يقول: تلك الزيادة يفوز بها البائع غيرَ محسوبة عليه؛ فإنها زيادة متصلة فيأخذ [الشجر] 1 إذاً بثلثي الثمن، ويضارب بثلث الثمن.
ولو كانت الشجر تساوي مائة، فصارت يوم القبض تساوي مائتين.
أمّا الأول، يقول: يأخذ البائع الشجر بأربعة أخماس الثمن ويضارب في مقابلة الثمر بخمس الثمن.
والقاضي لا يحسب الزيادة على البائع ويقول: الحساب من المائة التي كانت قيمة الشجر.
هذا بيان المذهب بالصور.
ثم ننعطف الآن على أمور قد تزل عن فهم الناظر فنقول:
3834 - القاضي لم يحسب الزيادة في الشجر على البائع، ولكنه قال: لو كانت الشجر تساوي مائة حالة العقد، ثم نقصت، فصارت تساوي خمسين، فالنقصان محسوب على البائع؛ فإنه حدث من ضمانه.
فإذا كانت الشجر تساوي يوم العقد مائة، فصارت تساوي يوم القبض خمسين، فيأخذها البائع بحساب المائة وهي الثلثان، ويضارب بالثلث.
أما القاضي فيقول: النقصان محسوب على البائع.
وأما من اعتبر الأكثر من قيمة الشجر، فأكثر القيمتين المائة، فيتفق المسلكان لا محالة، وإنما يختلفان في العلّة.
3835 - ومما يتعلق بأطراف المسألة، أنا قلنا في الثمرة: يعتبر فيها أقل قيمتي العقد والقبض، ولم نتعرض لما بينهما.
وهذا مما يخطر للفقيه، فنفصله، ونقول:
إذا كان قيمة الثمرة خمسين يوم العقد، فرجعت إلى خمسٍ وعشرين في يد البائع، ثم عادت إلى خمسين، فما حكم ذلك النقصان إذا تخلل وزال؟ قلنا:
3836 - نجدد العهد بأصلٍ قدمناه في أحكام العيوب من باب الخراج بالضمان.
وذلك أن من اشترى عبداً وقبضه، وعاب في يده عيباً حادثاً، واطلع على عيب قديم به، فالعيب الحادث يمنع الرد بالعيب القديم، فلو زال ذلك العيب الحادث، فهل يتمكن المشتري من الرد بالعيب القديم؟ فيه تردد للأصحاب معروفٌ.
ولو عاب المبيع في يد البائع، فيثبت للمشتري حق الرد به، فلو زال ذلك العيب، وعاد المبيع كما كان، فظاهر المذهب أنه يزول حق رد المشتري، وفيه خلافٌ أيضاًً.
فإذا تجدد العهد بما ذكرناه، فنقول:
3837 - لو عاب المبيع قبل القبض، وصار ناقص القيمة بسبب العيب، ثم طرأت
زيادة خِلْقية، ردت قيمة المبيع إلى ما كان، وذلك [العيبُ] 1 باقٍ يثبت 2 حقُّ الرّد للمشتري.
وكذلك لو نقصت القيمة بالعيب، ثم صار المبيع يشترَى بالقيمة التامة لارتفاع سعر السوق، فهذه الزيادة لا حكم لها، والرد ثابت.
فإذا ثبتت هذه المقدمات، عدنا إلى غرضنا، فنقول:
3838 - إذا طرأ نقصان على المبيع بالسوق، ثم زاد، وعاد إلى ما كان عليه، فلا حكم لذلك النقصان المتخلل، فإنا مع تشديد الشرع على الغاصب، لا نؤاخذه بما يطرأ من نقصان السوق، فما الظن بالبائع.
وإن طرأ على الشجر في مسألتنا نقصان من جهة الآفة، ونقصت القيمة بها، ثم ارتفع السوق، وعادت القيمة بسبب السعر إلى ما كان، فالذي أراه في هذه الصورة اعتبار قيمة يوم العيب.
وإن كان ذلك اليوم بعد العقد وقبل القبض، فإن النقصان قد تحقق من ضمان البائع، وما كان من ارتفاع بعد هذا، فهو في حق المشتري وملكه، فلا ينْجبر به ما وقع من النقصان.
وإن نقصت الثمار بآفة وبقي النقص، ولكن حصلت زيادة خِلقية من جهةٍ أخرى، فالذي أراه أن تلك الزيادة لا تعتبر؛ فإن العيب قائم، ولا جبران على هذا الوجه.
فأما إذا طرأ النقصان بعيب، ثم زال بزوال ذلك العيب، فهذا يخرج على ما ذكرناه في مقدمة هذا، والظاهر أن هذا إذا جرى في يد البائع، فإذا زال، سقط حكمه.
هذا منتهى النظر في هذا.
3839 - ومما يتعلق بأطرافِ المسألة أن الثمرة لو نقصت في يد المشتري بعد القبض، فكانت تساوي يوم العقد خمسين، ويوم القبض خمسين، فنقصت وصارت تساوي ثلاثين، ثم فاتت الثمرة، وحل وقت التوزيع عند الإفلاس، فنقول: ذلك النقصان محسوب على المشتري؛ فإنه حدث في يده؛ فَحُسِب عليه.
وإن كنا نقول: لو بقيت معيبة، لم يكن للبائع -إن أراد الرجوع- إلا الرضا بها على عيبها، ولكن لا ننظر إلى هذا إذا كنا نعتبر قيمة الثمار لأجل التوزيع؛ فإن رضا البائع بعيب الثمرة لو بقيت في حكم الضرورة، إذا كان يرجع إلى العين، فالنقصان في يد المشتري محسوب عليه في مقام التوزيع، كما أن النقصان في يد البائع محسوب على البائع.
3840 - ومن تمام البيان في هذا أن من اعتبر أكثر القيمتين في الشجرة إذا فرعنا على أصله، وقلنا: قيمةُ الشجرة يوم العقد مائة، ويوم القبض مائة وخمسون، ويوم رجوع البائع مائتان، فالوجه القطع باعتبار المائتين؛ فإنه يومئذ ياخذ، فيقع الحساب وقت قبضه، فإنا إذْ ذاك نقول: يأخذ ما يأخذ بكم؟ وعلى هذا المذهب لو كان يوم القبض مائة وخمسين، ويوم العقد مائة، ويوم أخذ البائع مائة، فيعتبر يوم أخذه؛ فإن ما طرأ من زيادة ثم زال لي هو ثابتاً يوم العقد، حتى نقول: إنه وقتُ مقابلة الثمن والمثمن، وليس وقتَ أخذ البائع حتى يحسب عليه، فلا وجه إلا ما ذكرناه.
وهذا منتهى الفكر [لم] 1 نغادر منه للناظر مثارَ إشكال، إن شاء الله تعالى.
3841 - وذكر الأصحاب صورةً تداني ما مهدناه، وهي أن الرجل إذا باع عبدين،
قيمة أحدهما ألف، وقيمة الثاني خمسمائة، باعهما بألف، فإن أقبضهما من غير تغير، استحق الألف، وإن أقبض الذي قيمته خمسمائةٍ، فتلف الآخر في يد البائع، استحق البائع ثلث الألف، وسقط الثلثان؛ لأن المبيع تلف ثلثاه.
ولو انحطّ الذي قيمته الألف إلى خمسمائة، ثم تلف في يد البائع، وأقبض الذي قيمته خمسمائة، يستحق أيضاً ثلث الألف كما بقيت لو بقيت قيمته ألفاً؛ فإن النقصان محسوب على البائع.
ولو أنه أقبضه الذي كانت قيمته ألفاً بعد أن تراجع إلى خمسمائة، ثم تلف الثاني في يده، استحق نصف الثمن لأنه يوم القبض كان نصف المبيع.
وهذا بيّن لمن تمهد عنده ما قدمناه من الأصول.
3842 - ثم قال الشافعي: "وكذلك الزرع خرج أو لم يخرج".
منهم من قال: أراد به تسنبل الزرع، أو لم يتسنبل، وصورة المسألة أنه باع أرضاً مزروعة، فيرجع فيها مع الزرع، وإن كان تسنبل الزرع في ملك المشتري.
وهذا يدل على أحد الوجهين المذكورين في فرع البذر والزرع، والبيضة والفرخ.
ومن أصحابنا من قال: " قوله: خرج أو لم يخرج " معناه نبت أو لم ينبت.
وصورة المسألة عند هذا القائل أنه باع أرضاً مبذورة، فأنبتت، ثم فرضنا الرجوع بعد الفَلَس.
وهذا التأويل يخرّج على أصلين: أحدهما - صحة بيع الأرض المبذورة، وفيها قولان، تقدم ذكرهما.
والثاني - في البذر إذا نبت، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في فرع البذر والزرع، والبيض والفرخ.
فصل
قال: "ولو باعه حائطاً لا ثمرة فيه، أو أرضاً لا زرع فيها ... إلى آخره" 1.
3843 - إذا باعه حائطاً لا ثمر على أشجاره، فأثمرت في يد المشتري وأُبّرت
الثمار.
أو باع أرضاً لا زرع فيها، فزرعها المشتري، ثم أفلس، فالبائع يرجع في الحائط والأرض، ولا حق له في الثمر [والزرع] 1 وعليه أن يُبقي الثمارَ إلى أوان الجِداد، والزرعَ إلى وقت الحصاد؛ لأن الزراعة كانت بحق، وكذلك إمساك النخيل الذي جرى فيه بدوّ الثمار كان بحق، فلزم تقرير الزرع والثمار.
والغاصبُ إذا زرع، قُلع زرعه لاعتدائه في ابتداء الزرع.
ثم البائع إذا ألزمناه تقرير الزرع، والثمر، فليس له أن يطلب أجرةً.
أما الأشجار فلا أجرة لها اصلاً، وأما الأرض، فقد صادفت الزراعة فيها ملك المشتري، وقد دخل في العقد على أن المنفعة لا تكون مضمونة عليه؛ فإن منافع المبيع لا تكون مضمونة بعقد البيع، فلم تلزم الأجرة.
3844 - ولو اكرى أرضا، فزرعها المكتري، وفُلِّس المكتري، فالمكري يرجع فيما بقي من مدة الإجارة، ونجعله في المنافع الباقية كالبائع يجد عين ماله، ثم إذا فسح الإجارة في بقية المدة، فلا يقلع زرعَ المكتري المفلس، ولكنه يغرِّمه أجرةَ المثل للمدة التي يبقى الزرع فيها، والفرق بين المشتري والمكتري أن المشتري لم يدخل في العقد على أن يضمن المنافع، والمكتري دخل في العقد 2 على أن يضمن المنافع، وإذا انقطعت الإجارة، ضمن أجرة المثل لمدة الزرع.
وما ذكرناه أن البائع [والمكري] 3 لا يملكان القلع، عنينا به أنهما لا يملكان القلع لحق فسخ العقد، لما ذكرناه.
3845 - ولكن وراء ذلك نظر في القلع والتبقية إلى الإدراك.
فإن رضي المفلس والغرماء بالتبقية إلى الإدراك، بقَّيْنا، وإن رضوا بالقلع، قلعنا، وإن قال المفلس: يبقى إلى أن يدرك، ويحصل منه وفاءُ الديون، أو مقدارٌ صالح.
وقال الغرماء: يقلع ويباع بما يشترى، ولا نرضى بتأخير حقوقنا، بل نتعجل
من حقوقنا ما نقدر عليه، فالغرماء يجابون إلى ما يبغون لما ذكروه.
ولو قال الغرماء: يبقى إلى أن يدرك، فقال المفلس: بل أقلع وأتعجل إنفاق مالي في الديون، حتى ينفك عني الحجر، فللمفلس ذلك.
وبالجملة كل من يدعو إلى التعجيل من المفلس والغرماء، فهو مجابٌ إلى ما يطلبه.
وهذا الذي ذكرناه فيه إذا كان للمقلوع قيمة، وإن قلّت.
فأما إذا لم تكن له قيمة أصلا، فلا يجاب من يطلب القلع، من جهة أن ما يبغيه يؤدي إلى إبطال المالية، وتضييع الملك بالكلية.
وقد نُهينا عن إضاعة المال.
3846 - ولو قال بعض الغرماء: نقلع، وقال المفلس، وباقي الغرماء: نبُقي، فلا بدّ من اتباع رأي من يطلب القلع.
ولكن قال القاضي: إذا طلب واحدٌ القلعَ، قلعنا الجميع، فإنا لا ندري كم نقلع بحصة المستدعي، فإذا لم يمكنّا أن نُقدِّر شيئاًً، فلا بد من قلع الجميع.
وهذا فيه نظر عندي، فإن الزرع قد يبلغ مبلغاً عظيماً، وأعداد الغرماء قد يكون مائةً فصاعداً، فكيف يحسن أن نقلعَ جميع الزرع بسبب دين درهم لرجل واحد؟ ونعطّلَ مائة ألف لمائة نفسٍ؟ وليس من الرأي أن نترك 1 أصلاً ظاهراً لا سبيل إلى تقدير مثله، بسبب جهالة نستشعرها، فلا وجه لإبطال حقوقٍ كثيرة، بسبب تعنتٍ من ذي حق حقير.
فإن قيل: كم تقلعون لحق من يستدعي؟ قلنا: إذا كان حقه عُشراً، لم يخف علينا أن مقدار الخمس لا يقلع بسببه، ونحن نستيقن استيفاء العشر إذا زدنا عليه قليلاً، فلم نجبه إلى استيعاب الزرع بالقلع.
فإن كان من 2 نظرٍ، ففي المقدار الذي يتمارى فيه.
ثم يتجه احتمالٌ في القلع إلى درك اليقين أو في الاكتفاء بما نَحْزِرُ ونخمّن.
ويجوز أن يخطر لذي نظر أنا لا نقلع ما نشك فيه مراعاة لحق الغرماء [الآخرين] 3؛ فيعود التردد
إلى محل الإشكال، وفيه احتمال من الجهة التي ذكرتها، فأما استيعابُ الزرع بالقلع فلست أرى له وجهاًً.
3847 - ولو قال الغرماء: نصبر، وقال المفلس: نعجل ونقلع؟ قد ذكرنا أن المفلس يجاب إلى القلع، فلو قال الغرماء: نبذل مؤنة الزرع من عند أنفسنا، ونسقي ونتعهد إلى الإدراك، ولا نقلع، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في ذلك: أحدهما - أنه يمنع من القلع إذا كان كذلك؛ فإنه لا غرض للمفلس.
وقلعُه وهو مكفيٌّ المؤونةَ تعنت.
وهذا ضعيف؛ فإنه يقول: غرضي أن يتعجل انفكاك الحجر عني، وليس عليّ توفير حقوق الغرماء.
وهذا لا يدرؤه قيامُ الغرماء بالمؤنة.
فإن قيل: لو قال الغرماء: لا نقلع، ونحن نفك الحجر عنك، فهذا كلام عريٌّ عن التحصيل؛ فإنه لو انفك الحجر عنه، كان له القلع بعلّة انطلاق الحجر.
وإن استمر الحجر، كان له القلع باستعجال انفكاك الحجر، فلا حاصل إذاً لما قاله الغرماء.
3848 - والذي نستتم به بيان الفصل أنه لو اجتمعت عليه ديون، وكانت أصنافٌ 1 من الأموال، وعلمنا أنه لا ينتجز بيعُها إلا في مدة شهرٍ مثلاً، وكان الزرع يدرك في هذه المدة، فالذي أراه أنه لا يقلع الزرع، وإن استدعاه المفلس؛ من جهة أنه لا يستفيد بقلعه انفكاك الحجر عنه، والحجر سيتمادى إلى منتهى مدة إدراك الزرع، ومال المحجور عليه في حكم المتعيِّن لحقوق الغرماء، فلا بد من رعاية غبطتهم فيه، إذا لم يظهر خلافَ جهة الغبطة غرضٌ ظاهر للمفلس.
هذا منتهى القول في ذلك.
3849 - ومما ذكره الأصحاب في الفصل أنا قدمنا استيفاء الزرع والثمر، في الأرض والشجر، وأوضحنا أن البائع والمكري لا يجابان إلى تفريغ الشجر والأرض عن الثمر والزرع، فقد يكون البائع والمكري ذا دينين على المفلس، ويكونان من
جملة غرمائه، ويثبت لهما طلب القلع على التفصيل المقدم في طلب الغرماء لحق استحقاق الدين، لا لحق الفسخ الثابت لهما في البيع والإجارة.
وهذا واضح لا خفاء به.
ولو اعتنى الفقيه بحل مشكلات الفقه، كان أولى من الاشتغال بتعقيداتٍ في الصورة.
فصل
قال: " وكذلك لو باع أمةً، فولدت ... إلى آخره " 1.
3850 - هذا الفصل يجمع صور الوفاق والخلاف فيما يبقى [للمفلس] 2 والغرماء من الحمل، والثمر، فنقول: الوجه تقديم الكلام في الحمل، ثم إتباعه بالثمرة.
فمن باع جارية، فعلقت بعد البيع بولد، وانفصل الولد قبل رجوع البائع في الجارية، فالولد للغرماء يتضاربون فيه، وليس للبائع فيه نصيب؛ فإنه لم يكن موجوداً في طرفي البيع والرجوع.
3851 - وإن باع جاريةً حبلى، وأفلس المشتري، ورجع البائع في الجارية قبل الولادة، ارتد الحمل إليه في هذه الصورة وفاقاً؛ من جهة أنه كان موجوداً في الطرفين، وتحقيق الفقه فيه أن المشتري استحق الحمل الموجود تبعاً، ثم لم تتغير الجارية عن صفتها، فيرجع كما خرج.
3852 - ولو باع جارية حاملاً، فولدت في ملك المشتري، ثم رجع البائع بعد انفصال الولد، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أنه يرجع في الولد أيضاً؛ فإنه كان موجوداً حالة العقد، وسبيل كل ما ملك على البائع بالبيع أن يرجع إليه بالرجوع.
والقول الثاني - أنه لا يرجع الولد إليه؛ فإنه كان صفة حالة العقد غير موثوق بها،
وهو الآن عبدٌ مملوك مستقلٌّ بنفسه، [فقدرناه] 1 كأنه وجد جديداً بعدَ البيع.
وبنى الأصحاب هذين القولين على القولين في أن الحمل هل يعرف؟ فقالوا: إن قلنا: إنه يعرف، فيرجع إلى البائع من حيث كان موجوداً حالة العقد.
وإن قلنا: لا يعرف، فكأنه لم يكن حالة البيع، وإنما تجدد من بعد.
والأولى في ذلك ما ذكرته في التوجيه من كون الحمل صفةً، وكون المنفصل عبداً مستقلاً، ويجعل تجدد الاستقلال كتجدد الوجود.
وهذا أوْلى في التوجيه على ضعفه من التعرض لكون الحمل مجهولاً؛ فإنا إن شككنا في الحمل حالة اجتنانه، فإذا انفصل لما دون ستة أشهر، لم نشك بعد انفصاله في كونه موجوداً عند العقد.
3853 - ولو باع جارية حائلاً، ثم علقت بمولود بعد البيع، وأفلس المشتري وأراد البائع الرجوعَ، والجارية حامل، فظاهر النص أن الحمل يرجع إلى البائع، ويتبع الجارية، كما يتبعها حالة البيع، حتى يصير المشتري أولى بالتَّبع 2.
وخرّج الأئمة قولاً آخر: أن الحمل لا يرجع إلى البائع 3 في هذه الصورة؛ فإنه إنما يرجع [إليه] 4 ما كان موجوداً حالة العقد، وليس الحمل كزيادة متصلة.
3854 - ونصُّ الشافعي دليل على أن الحمل لا ينفرد باعتبارٍ، وليس له قسط من الثمن، وسبيله التبعية.
فإن قلنا: يرجع الحمل إلى البائع كما يقتضيه النص، فلا كلام.
وإن قلنا: يبقى للمشتري وغرمائه، فلا ينبغي أن يمتنع رجوع البائع بالجارية بسبب حملٍ لا يرجع إليه؛ فإنا وإن منعنا بيع جارية في بطنها حملٌ حرٌ -على تفصيل قدمناه- فلا يمتنع الرجوع لمكان الحمل.
والقول في هذا وفي كيفية الرجوع في الجارية دون الحمل، وفي معنى الرجوع فيها دون الولد المنفصل، على قولنا بمنع التفريق بين الأم وولدها كلامٌ لا يتصور
الوفاء ببيانه إلا بعد تقديم فصل الغراس والبناء.
وهو إذا اشترى الرجل أرضاً وغرسها، [أو] 1 بنى عليها، فأفلس وأراد بائع الأرض الرجوعَ بالأرض.
وهذا الفصل يأتي مستقصىً، إن شاء الله بعد هذا، على القرب، ثم نعقبه بما ذكرناه من الحمل والولد المنفصل الذي يمتنع التفريق بينه وبين الأم.
هذا منتهى مرادنا الآن في الحمل.
3855 - فأما إذا باع شجرة وعليها طلع لم يؤبر، فلأصحابنا في الثمار غيرِ المؤبرة، وفي تثبيه استتارها بالأكِمَّة باستتار الجنين بالأم، وتشبيه ظهورها بالتأبير بظهور الحمل بالولادة اضطراب 2. ونحن نجمع جميع مرادهم تحت سياق الترتيب.
وقد ذكرنا أربع صور في الحمل، فنقابل كلَّ صورة منها بصورة في الطلع.
3856 - فلو باع نخلة وعليها طلع لم يؤبر، فأفلس المشتري، وكان رجوع البائع قبل أن يؤبر، فهذا يناظر ما لو باع جارية حاملاً، فأفلس المشتري وهي حامل، وقد ذكرنا ثَمَّ أن البائع يرجع في الجارية الحامل، فتنقلب إليه، كما خرجت عن ملكه.
ونحن نقول في الثمار: إنها ترجع مع النخلة إلى الباح، على اتفاق، ولا حاجة إلى ترجيح محل الإجماع على محل الإجماع.
وإذا ذكرنا الترتيب في صور الخلاف بأن غرضنا.
3857 - ومن صور الحمل ألا يوجد في طرفي البيع والرجوع، بل تَعْلقُ بعد البيع، وتلد قبل الرجوع، فلا حظ لبائع النخلة في الثمار؛ فإنها لم تكن موجودة حالة العقد، [ثم بدت وظهرت، وزايلت حدَّ التبعية قبل الرجوع.
3858 - ومن صور الحمل أن يكون الحمل موجوداً حالة العقد] 3، ثم ينفصل قبل الرجوع، وفيه قولان، ونظيره من الثمار، ما لو باع نخلة عليها طلع لم يؤبر، ثم يؤبّر قبل الرجوع.
وفي هذه الصورة قولان أيضاًً، مرتبأن على القولين [في] 4 نظير هذه
الصورة من الحمل، والثمارُ أولى بأن يَرجع فيها البائع، والسبب فيه أنها وإن تبعت الشجرة في معظم تسميتها، فهي مقصودة في نفسها، ويسوغ في المذهب الظاهر إفرادها بالبيع، فكأنها جُعلت مقصودةً في العقد، فكانت بالرجوع أولى، والحمل كأنّه صفة، والولادة كأنه التجدد والحدوث، كما ذكرناه في توجيه القولين.
3859 - ومن صور الحمل ألا يكون موجوداً حالة العقد، ويحدث العلوق به بعد العقد، ثم يتفق وقتُ الرجوع والحمل في البطن، فقد ذكرنا قولين في الحمل: أظهرهما - أنه يرجع في الحمل، والقول الثاني - أنه يبقى للمشتري، ونظير هذا من الثمر ما لو باع نخلة، لا طلع عليها، ثم أطلعت ولم تؤبر، وحان الرجوع، ففي الثمار قولان مرتبان على القولين في الحمل.
فإن قلنا: لا يرجع البائع في الحمل،.
فلأن لا يرجع في الثمرة التي لم تؤبر أولى.
وإن قلنا: يرجع البائع في الحمل من حيث إنه غير مقصود، فهل يرجع البائع في الثمر أم لا؟ فعلى قولين.
والفرق أن الثمر مقصود في نفسه، قابل للإفراد بالبيع، ولم يكن موجوداً حالة العقد، فرجوعٌ بشيء مقصود إليه لم يكن موجوداً حالة العقد بعيدٌ، بخلاف الحمل؛ فإن كونه مقصوداً مختلف فيه، فكان رجوعه إلى البائع أقربَ من الجهة التي اختلفت في كونه مقصوداً.
هذا بيان ترتيب المذهب في الثمار والحمل في الصور الأربع.
فصل
قال: " ولو قال البائع: اخترت عين حقي قبل الإبار، وأنكر المفلس ...
إلى آخره " 1.
3860 - فرَّع الشافعي رضي الله عنه هذا الفصل على القول المنصوص الظاهر، وهو أن من باع نخلة، فأطلعت بعد البيع، وأفلس المشتري قبل التأبير، وأراد الرجوع، فله أن يرجع في الثمار مع الأشجار.
ولو أُبرت الثمار قبل الرجوع، لم يرجع البائع في الثمار وفاقاً.
ومضمون الفصل مُدارٌ على هاتين الصورتين.
3861 - فلو قال البائع: رجعتُ والثمار غيرُ مؤبرة، فهي لي، وقال المشتري: بل رجعتَ بعد التأبير، فالثمار لي تصرف إلى غرمائي، فالقول قول المشتري؛ لأن الأصل إبقاء ملكه في الثمار، والأصل عدم رجوعه أيضاًً.
فإن قيل: قد تقابلَ قولُنا: الأصل عدم الرجوع و [قولُنا] 1: الأصلُ عدم التأبير، فتعارضا، وتقابلا، فليخرّج ذلك على تقابل الأصلين.
قلنا: تعارض القولان كما ذكره السائل، والأصل بقاء الملك للمشتري.
ثم إذا جعلنا القولَ قولَ المشتري، وأراد البائع تحليفه، فلا يتأتى منه تحليفه ما لم يدَّع عليه العلمَ بتقدّم رجوعه على وقوع التأبير، ولو كلفه أن يحلف أنه ما رجع قبل التأبير، كان مكلفاً إياه ما لا سبيل إليه.
ولو أقر البائِعُ بجهل المشتري بتاريخ الرجوع، فيكون مسلماً له الثمرة؛ إذ مبنى الأَيْمان المتعلقة بنفي فعل الغير على أن تتضمن نفي العلم بها؛ [إذ] 2 ليس في القوة البشرية درْكُ القطع بأنتفاء ما يمكن من فعل الغير، فإن لم يدع البائع العلمَ، بقيت الثمار للمشتري وغرمائه.
فإن ادعى علمَ المشتري بتقدم رجوعه على التأبير، فيحلف المشتري على ذلك، فإن حلف بالله أنه لا يعلم أنه رجع قبل التأبير، انفصلت الخصومة، واستقرت الثمرة للمشتري على ذلك.
وإن حلف المشتري على البت بالله أنه لم يرجع، فالخصومة تنفصل أيضاً بهذه اليمين، وإن كان المشتري يُعدُّ مجازفاً، ومحملُ يمينه البتُّ والقطعُ على أمور مظنونة.
ومعظم الناس لا يميزون بين العلم وغالب الظن، فاليمين الباتة [تفيد] 3 ما يفيده اليمين النافية للعلم.
هذا إن حلف.
3862 - فإن نكل المشتري، فهاهنا وقفة؛ فإن البائع لو رددنا عليه اليمين، وحلف، لفاز بالثمار.
فلو قال الغرماء: لئن قصر المشتري ونكل، فالثمار لو ثبتت له، لكانت مصروفة إلينا، فلئن لم يحلف، فنحن نحلف، فلا تردُّوا اليمين على البائع، فنقدم على ذلك أصلاً قريباً منه ونقول:
3863 - إذا مات الرجل وعليه ديون، فادعى ورثة المديون ديناً للميت، وأقاموا به شاهداً، ونكلوا عن اليمين معه، فهل للغرماء أن يحلفوا؟ فعلى قولين مشهورين.
ولو ادّعى المفلس ديناً له على إنسان، وأقام شاهداً واحداً، ثم لم يحلف معه، فقال الغرماء: نحن نحلف معه، حتى إذا ثبت الدين صُرف إلينا، ففي المسألة طريقان: أحدهما - تخرّج المسألة على قولين كما تقدم في ورثة المديون والغرماء، والطريقة الأخرى - القطع بأنهم لا يحلفون؛ فإن صاحب القصة -المتوفَّى في المسألة الأولى- وقد مات وأشكل أمره، فإذا حلف الغرماء لم يظهر نقيض الصدق في أيمانهم.
والمفلس صاحب القصة في مسألتنا، فإذا امتنع عن اليمين، تمكنت التهمة من الغرماء إذا حلفوا.
فنعود بعد ذلك إلى اختلاف البائع والمشتري في الرجوع والتأبير، فنقول:
3864 - إن لم يحلف المشتري، فهل يحلف الغرماء؟ فعلى الطريقين المذكورين فيه إذا أقام المفلس شاهداً على دينٍ، ولم يحلف معه، فأراد الغرماء أن يحلفوا، لا فرق بين المسألتين؛ فإن نكول المفلس فيهما جميعاً يجرّ تهمة إلى الغرماء، على أن الغرماء ليسوا مستحلفين من جهة المدعي، وإنما هم يقتحمون اليمين ويبغونها، والأصل المستحلَف ناكلٌ، وأيمانهم على صورة النيابة عن يمين المشتري، والنيابةُ لا تتطرق إلى الأيمان في وضعها.
ونذكر لاستكمال هذا الفن مسألة أخرى، ثم نرجع إلى ترتيب المسألة، فنقول:
3865 - لو أقر المفلس لإنسانٍ بدَيْنٍ، فقد اختلف قول الشافعي في قبول إقراره في الحال، وسيأتي ذكر ذلك.
فإن قبلنا إقراره، فلا كلام، وإن لم نقبل إقراره بسبب الغرماء، فهل للمقَر له أن يحلَّف الغرماء؟
قال العراقيون: في المسألة طريقان، على العكس مما تقدم: فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان؛ لأن الغرماء ليسوا أصولاً في الخصومة، والخصومة وإن أمكنت النيابةُ فيها، فلا نيابة في الأيمان، والطريقة الأخرى - القطعُ بأنهم يحلفون؛ فإنهم ليسوا نائبين عن المفلس في أيمانهم، والخصومة موجهة عليهم، ولولا حقوقهم، لنفذ إقرارُ 1 المفلس، فإذا أرادوا أن يأخذوا أموالهم، ويحرموا المقرَّ له، فقد انتصبوا خصومه.
عدنا إلى ترتيب المسألة: إذا نكل المشتري عن اليمين.
3866 - فإن قلنا: الغرماء يحلفون، فيحلفون على نفي العلم، كما كان المشتري يحلف لو رغب في اليمين، وإن قلنا: إنهم لا يحلفون، فترد اليمين على البائع.
وكذلك إن قلنا: إنهم يحلفون، ونكلوا، فإن نكل البائع عن يمين الرد جُعل نكوله كحلف المشتري، وبقيت الثمار للمشتري يتضارب فيها غرماؤه.
وإن حلف المشتري فقد قال الأصحاب: هذا يخرّج الآن على الاختلاف في أن يمين الرد تنزل منزلة البينة المقامة للخصومة؟ أم تنزل منزلة إقرار المدعَى عليه؟ وفيه اختلاف معروف.
وهذا أوان تقريره.
فنذكر ما سرده الأصحاب على وجهه.
قالوا:
3867 - إن قلنا: يمين الرد كالبينة، قضينا بالثمرة للبائع، كما لو أقام بينة على تقذم رجوعه على التأبير، وإن قلنا: يمين الرد كإقرار المدعى عليه، فتخرج المسألة على قولين مبنيين على أن المفلس لو صدّق البائع، وأقر له بما يدعيه من الثمار، فهل يُقضى له بموجب إقراره على الغرماء؟ وفيه قولان [مرتبان] 2: فإن رأينا قبول إقراره، فلا كلام، وينفذ القضاء بالثمرة للبائع، وإن رأينا ردَّ إقراره وقد نزلنا يمين البائع منزلة إقرار المشتري بحقوق الغرماء مقدمةً في الحال، فيتضاربون في الثمار تضاربهم في سائر أصناف الأموال.
فإن قيل: فاليمين التي أقدم عليها البائع لاغيةٌ في عقباها، فلم حلّفتموه؟ قلنا: ليست لاغيةً؛ فإنّ تيك الثمار لو فصلت عن الديون، بأن وجدنا في السلع التي كنا نبيعها من يشتريها بأكثر من أثمانها، وفصلت الثمار، وانطلق الحجر، فهي مصروفة إلى البائع بيمينه.
3868 - فإن قيل: نراكم تذكرون هذا الأصل تارة، وتزيفون البناء عليه، وأنتم الآن لم تظهروا تزييفة، فأظهروا آراءكم 1 فيه.
قلنا: نعم، إنما نزيف التلقي من هذا الأصل إذا كان يفرِّع المفرع عليه بما يُفضي إلى إزالة ملك الغير بعد ثبوته له، ولا تعلق للخصومة به، مثل أن يقرّ الراهن لأحد المتداعيين بالتقدم بالرهن والإقباض، وينفذ الحكم بإقرار المالك الراهن، فإذا ادعى الآخر على الراهن، وحلّفناه، فنكل، ورددنا اليمين على المدعي، فمن قال من أصحابنا: إنا إذا جعلنا يمين الرد بمثابة البينة؛ فإنا نسترد الرهن من المقر له [أولاً] 2، فهذا مزيف لا سبيل إلى اعتقاده؛ من قِبل أن الإقرار الأول قد نفذ، فنقضُه بسبب إنكار المقر ونكوله محال؛ فإنه لو صرح بالرجوع، لم يكن لتصريحه بالرجوع عن الإقرار حكم، وحَلْفُ 3 المردود عليه قولُ خصمه، والقضاء عليه بيمين خصمه -وكان معه في رتبة المدعين 4 - محال.
هذا هو الذي يزيَّف ويُطَّرح.
3869 - فأما إذا توجهت الدعوى على المفلس، فهو المخاطب بالخصومة، ولو ثبت له ملك، لكان له، ثَمَّ صَرْفُه إلى ديونه، قد يكون وقد لا يكون، وإن اتفق ذلك، فهو من مصلحته أيضاًً، ولا يمكننا أن نقول: للغرماء حق ثابت في هذا المتنازع فيه، لم يثبت بعدُ، فيجري التفريع على أن يمين الرد كالبينة، أو كالإقرار في مثل هذه الصورة، وذلك أنه لم يثبت بعدُ للغرماء حقٌ في الثمار، والمفلس ذُو عبارة صحيحة في الخصومة، فإذا انتظم من مخاصمته انتهاء الأمر إلى يمين الرد، فلا يمتنع
القضاء به، ويكون ذلك منعاً للغرماء مما يرونه لأنفسهم، ولا يكون قطعاً لحقوقهم.
3870 - فإن قيل: إذا كنتم تردون إقرار المفلس في الحال، فلا يمتنع عليه أن يواطىء كلَّ من يريد الإقرار له حتى يدعي عليه، فينكر، وينكل، فيرد اليمين عليه.
قلنا: هذا لو لم يكن لليمين بالله تعالى موقع في النفوس، وهي معظمة في دين الله تعالى، فمن أنكر أثرها، لم يبعد إنكار أثر الأَيْمان كلها.
ومن ها هنا ينشأ التردد في أنه بينة، أم هي نازلة منزلة إقرار الخصم.
3871 - ومما يتم به التفريع في هذا الطرف أنا إن قضينا بيمين البائع 1 في الحال، فلا كلام.
وإن أبَيْنا القضاء بيمينه، فحكم هذا أن يفوز الغرماء بالثمار، ويعود حق البائع إلى مطالبة المشتري بعد انفكاك الحجر عنه.
3872 - فلو قال البائع للغرماء: احلفوا لي بالله لا تعلمون تقدّمَ رجوعي على التأبير، فهل له أن يحلّفهم؟ فعلى طريقين ذكرناهما الآن: إحداهما - القطع بأنهم يحلفون، لما سبق تقريره.
فإن رأينا ذلك، وحلفوا، فذاك، وإن نكلوا ردّت اليمين على البائع مرة أخرى في الخصومة الجديدة، وكأن اليمين الأولى من البائع لم تكن، ثم إذا حلف بعد نكول الغرماء، قُضي له بالثمار، لا محالة.
فهذه صورة تنجَّز الكلام فيها.
3873 - فلو صدّق المشتري البائع فيما ادعاه من استحقاق الثمرة، وكذبه الغرماء، فالمسألة تخرّج على القولين في أن إقرار المفلس هل يقبل في الحال؟ فإن قبلنا إقراره، فلا كلام.
وإن رددناه، فالبائع المقر له هل يحلّف الغرماء؟ فعلى ما ذكرناه من اختلاف الطريقين.
3874 - ولو ادعى البائع ما ادعاه، فكذبه المفلس، وصدقه جميع الغرماء، وانتجزت الخصومة بين البائع وبين المفلس، فإن حلف المفلس على ما أوضحنا كيفية
حلفه، فلا يقبل تصديق الغرماء للبائع في وجوب تسليم [الثمرة] 1 إليه، غير أنهم لو أرادوا أن يطالبوا المشتري بتسليم تلك الثمار إليهم عن جهة ديونهم، لم يكن لهم ذلك من قِبل اعترافهم بأنهم لا يستحقونها، فتبقى الثمار في يدي المشتري، لا تسلم إلى البائع، ولا يتعلق بها الغرماء لإقرارهم السابق.
ثم لا يملك المشتري التصرف فيها؛ لأنه محجور عليه على حالٍ، وقد يظهر له غرماء لسنا نعرفهم الآن.
ثم إن ضاق المال عن الديون، فالمفلس يلتمس من الحاكم أن يصرف إليهم تلك الثمار، فيما يصرفه إليهم.
فإن قالوا: نحن نعلم أنها مغصوبة، فلِمَ يكلفنا أخذَها؟ قلنا: لا يقبل قولكم في حق المفلس، والحجر مطرد عليه، وغرضه ظاهر في حصول براءة ذمته عن ديونه، فخذوا الثمار عن حقوقكم، أو أبرئوه عن مقدارها من الديون، على نظرٍ في ذلك نستقصيه.
فإن أخذوها، حكمنا ببراءة المفلس عن أقدارها من الديون ثم كما 2 ثبتت أيديهم على الثمار، لزمهم الرد على البائع لاعترافهم السابق؛ فإن إقرارهم إن كان مردوداً على المفلس وما يتعلق بأمره، فهو مقبول عليهم.
وهذا بيِّنٌ في قواعد الشريعة.
3875 - ولو قالوا: لا تكلفونا قبض الثمار، ولا تصرفوا أثمانها إلينا، ونحن نرضى برفع الحجر عنه، فهل يجبرون على قبض ذلك؟ فعلى قولين.
وهذا هو الأصل الذي تكرر مراراً، من قِبل أن الغرماء إذا كانوا لا يدّعون للمفلس مالاً، سوى ما في يد الحاكم، واعترفوا بأن الثمار ليست له، فالحجر ينفك، أو يفك، على تفصيل يأتي لا محالة، إن شاء الله.
إلا أن يدّعوا له مالاً خفياً، وسيظهر أثر ذلك من بعد.
فكأن المشتري مديون أتى بمالٍ ليصرفه إلى مستحق الدين، فأبى عن قبوله، وزعم أنه غصبٌ، فقوله بأنه غصب مردود، وهل يجبر على قبوله؟ فعلى القولين المشهورين في أن من جاء بدين مؤجل عليه أو حالٍّ، فامتنع المستحِق عن قبوله، فهل يجبر عليه أم لا؟
هذا حاصل الكلام في ذلك.
3876 - ولو جاء المكاتَب بالنجم، فقال السيد: إنه مغصوب، لم يقبل قول السيد، وأجبر على القبول؛ فإن للمكاتب غرضاً صحيحاً في قبول ما جاء به، وقول السيد مردود عليه.
نظير هذا من مسألتنا ما لو امتنع الغرماء من قبول الثمار، وأبَوْا أن يفكوا الحجر، وزعموا أن له مالاً سوى الثمار مغيّباً، وكانت الديون تتأدى بالثمار، فيجبر الغرماء حينئذ على القبول؛ لظهور غرض المفلس في استفادة انفكاك الحجر.
هذا فيه إذا كذب المفلس البائع، وصدقه الغرماء.
3877 - فأما إذا كذب المفلس البائع، كما ذكرناه، وانقسم الغرماء، فصدّق بعضهم البائعَ، وكذبه آخرون، فالأولى أن يَرفُق الحاكمُ بالمصدقين، ويصرف الثمرة إلى المكذبين، ويصرفَ إلى المصدقين صنفاً آخر؛ فإنه لو لم يفعل ذلك، وصرف إلى المصدق شيئاًً من الثمرة، لكان ذلك خسراناً عليه 1، من جهة أنه يلزمه تسليمه إلى البائع المقَر له.
ثم يُبيّن المصدقَ والمكذبَ حكمٌ نصفه في صورة.
فنقول: الثمرة خمسمائة، وللمفلس ألف سواها، وله غريمان لكل واحد منهما ألفٌ.
فإذا صرفنا الخمسمائة إلى المكذّب منهما، وبقي الألف بين المصدق والمكذب، فلو قال المصدق: ضارب في الألفِ بخمسمائة؛ فإنها حقك بزعمك، فالألف بيننا أثلاثاً أضرب فيه بسهمين، وتضرب فيه بسهم، فكيف السبيل؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تقسم الألف ثُلثاً وثلثين بينهما، ويؤاخذ المكذب بإقراره.
وقد قال: قبضت من حقي خمسمائة.
هذا وجه ظاهر.
ومنهم من قال: يضارب المكذب المصدق في الألف الباقي على نسبة التشطير، ويقول: ألفي باقٍ على زعمك، وأنت مؤاخذ بإقرارك، وقد فرّطتَ وضيعتَ
مضطرَبَك؛ إذ صدقت البائع، فيرجع من الألف خمسمائة إلى المكذب، ويتوفر عليه حقُّه كملاً.
3878 - وما ذكرناه من أمر الحاكم بتسليم الثمرة إلى المكذب كيف قولنا فيه؟ أهو حتمٌ؟ أم للحاكم أن يقسط الثمرة على المكذب والمصدّق؟ ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أنه لا يجوز للحاكم صرفُ الثمرة إلى المصدّق إذا أمكنه صرفُها إلى المكذِّب لما فيه من [التخسير] 1. والثاني - لا يجب على الحاكم رعاية هذا، وإنما يُمضي حكمَه وقضاءَه على قول مَنْ جعل الشرعُ القولَ قولَه، والأصح أنه يجب عليه رعايةُ هذا، فإنه ناظِرٌ للمسلمين، فلا يجوز أن يسعى في إيذائهم من غير غرض.
فصل
قال: " وإن وَجَدَ بعضَ ماله، كان له بحصته ... إلى آخره " 2.
3879 - وهذا مما سبق تقريره فيما مضى، ولكنا نعيده لغرضٍ لنا، فنقول إذا باع شيئين بثمن وسلمهما، فأفلس المشتري، وقد تلف في يده أحدُ الشيئين، فقاعدة المذهب أنه يرجع بالعين الباقية، ويأخذها بما يخصها من الثمن، ويضارب الغرماء بما يخص العين الفائتة من الثمن.
هذا هو الأصل.
3880 - وذكر صاحب التقريب والعراقيون في هذه المسألة، وفي كل مسألة تضاهيها أن من أصحابنا من خرّج هذا على أصلٍ ذكرناه في تفريق الصفقة، وهو أن من اشترى عبدَيْن، فتلف أحدهما قبل القبض، وانفرع العقد فيه، وأجاز 3 المشتري البيع في الباقي، الخِيَرةُ بتمام الثمن 4 أو بقسطه؟