نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 165-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 165-204
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ما تلف، ولا ننظر إلى ما كان يكون لولا التلف، فإنَّ كل ما 1 يُتلَف بلحاً على إنسان بهذه المثابة.
وهذا تمام البيان في ذلك.


بَابُ المُزابَنةِ وَالمحاقَلَةِ

3064 - المحاقلةُ معناها بيعُ الحَب في السنبل بالحنطة على تخمينٍ في المساواة، وهذهِ المعاملةُ باطلةٌ وِفاقاً، ونَهْيُ النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ عليها.
وفي البَابِ النهي عن المزابنة، ومعناها عند الأئمة بيعُ الرطب على رؤوس الشجرِ بالتمر الموضوعِ على الأرض، وهذا على صورة المحاقلة في الزرع.
وبيعُ العَرايا من قبيل المزابَنةِ التي أجملنا ذِكرَها.
وهو صحيحٌ، كما سيأتي في الباب الذي يلي هذا.
وفيه يبينُ تميّز ما يصح عمَّا يفسُد.
والمحاقلةُ مأخوذةٌ من الحقل، والحقلُ ساحةٌ تزرع، وسُمّيت المعاملة محاقلةً، لتعلقها بزرعٍ في حقل.
والمزابنة معناها المدافعةُ والزَّبْنُ الدفع، سُميت المعاملة بذلك لأنها إذا ابتنت على تخمينٍ في التقدير أورثت في عقباها تنازعاً، وتدافعاً بين المتعاقدَيْن.
ولو باع الرجل الزرعَ قبل بَدْوِ 1 الحبّ فيه بالحنطة، فلا بأس؛ فإن الزرع حشيشٌ بعدُ غيرُ معدودٍ من المطعومات، وهذا [لا خفاء به] 2.


بَابُ بَيع العَرَايا

قال الشافعي: "أخبرنا مالك عن داود بن الحُصين عن أبي سفيانَ مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرخَصَ في بيع العَرايا فيما دون خمسةِ أوسق، أو في خمسة أوسق" الشك من داود ... إلى آخر الباب" 1. 3065 - إذا باع رجل الرطب على رؤوس الشجر بالتمر الموضوع على الأرض، وخرصَ الرطبَ قدراً، ثم قدّره تمراً، ثم باعه بخرصِه من التمر الموضوع على الأرضِ، وجرى البيعُ فيما دون خمسةِ أوسق، فالبيع صحيح عند الشافعي، ومعتمدُ البابِ الخبرُ الذي رَواه أبو هُريرة 2. وروى بيعَ العَرايَا على أكمل وجهٍ في البيان زيدُ بنُ ثابتٍ 3 كما ذكَرتُه في الخلاف.
ثم لا يجوز إيراد هذه المعاملةِ على أكثر من خمسة أوسق من التمرِ، ويجوز إيرادُها على دون خمسة أوسق، وفي تصحيحها في الخمسةِ الأوسُق تردّدٌ للشافعيّ وتميُّلُ قولٍ، ولفظه في المختصر: " وأَحَبُّ إليَّ أن تكون العريَّة أقلَّ من خمسة أوسق، ولا أفسخه في الخمسة، وأفسخهُ في أكثر ". فقطع بالصحة فيما دون الخمسَة وقطعَ بالفسادِ فيما زاد على الخمسة، ومال إلى الصحة في الخمسة، [وذكر أصحابنا قولين للشافعي مرسلين في الخمسة.

واختار المزني الفساد في الخمسة] 1، وما ذكرهُ ظاهر متَّجه، فإن التعويل على الحَزْر.
والخرصُ في طلبِ المماثلةِ في الربويات خارجٌ عن القياس، والذي نحكم بصِحَّته مستثنى عنه ملحق بالرخص، وقد ورد في بعض الألفاظ تصريح بهذا: رُوي أنه " نهى عن المزابنة وأرخص في العرايا " 2 الحديث.
3066 - وإذا كان كَذلك فالأصل أن يطّرد التَّحريمُ الثابت على موجَب القياس، والنهي المطلق عن المزابنة، ولا يثبت التصحيح في هذا النوع إلا على ثَبَتٍ، والروايةُ مترددة في الخمسة، وقد رَوينا في صدرِ الباب أن داودَ بنَ الحصين هو الذي تشكك، وإنما ذكرت هذا لأقطع وهمَ من يَعزِي هذا اللفظَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويعتقد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فيما دونَ خمسةِ أوسق، أو في خمسةِ أوسق" فإن هذا لو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكان تخييراً، فإذا كان التردُّد من الراوي، فالخمسةُ مشكوك فيها، ومعنا الأصلُ الثابتُ في التحريم، فينبغي أن نطردَه.
ومن قالَ بالتصحيح في الخمسةِ، وهو ظاهر النَّصِّ، فتوجيهه عسرٌ جداً، ولستُ أرَى طريقاً في التوجيه إلا أن تُحمَل المزابنَةُ على معامليما صادرة عن التخمين من غير ثَبَتٍ في الخَرْص، ولعلَّ المعاملةَ سُمّيت مزابنة لذلك، لاشتمالِها على المدافعة في غالب الأمر، ولا بُدّ وأن نتخيَّل الخرصَ متأصِّلاً في دَرْك المقادير، حتى ينقدِح لهذا القول وجهٌ.
ومنتهى الإمكانِ فيه أن الخرصَ معتبر في الزكاة، سيّما إذا جعلناه تضميناً، والماهرُ فيه يقلّ خطؤه، والأخرقُ بالكيل يتفاوتُ ما يكيله، والكيل بالإضافةِ إلى الوزن، كالخرص بالإضافة إلى الكيل.
وفي كل حالة تقدير معتاد لائق بها، فليقم

الخرصُ في الرطب الذي لا يمكن كيلُه مقامَ الكيل فيما لم يمكن كيلُه، والكيل على حالٍ أيسر من الوزن، والوزن أحصرُ من الكيل، فإذا احتمل الكيل ليُسرِه مع إمكان إجراء الوزن، فليُحتَمل الوزنُ، حيث لا يتأتى الكيل.
والشافعيُّ منعَ بيعَ التمرِ بالرطب لما تخيّلهُ من التفاوت عند تجفيف الرطب، ومتمسكه قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: " أينقص الرطب إذا يبس " وهذه إشارةٌ من الشارع إلى المآل، فإذاً ما وراء الخمسة مردود بذكر الخمسة؛ فإن التقدير ينقصُ في اقتضاء المفهوم.
فهذا أقصى الإمكان في توجيه النص، وهو على نهايَةِ الإشكال.
3067 - ثم نفرّع على ما مهدناه مسائلَ، منها: أنه إذا اشترَى رجل في صفقاتٍ أَوساقاً كثيرة، وكل صفقةٍ لا يزيد مضمونُها على ما دون الخمسةِ، فالكل صحيحٌ، وحكم كل صفقة مأخوذٌ من مضمونها، لا تعلق لها بغَيرها.
ولو اشترى رجلان من رجل تسعةَ أوسق، فالبيع صحيح بلا خلاف؛ فإن إطلاق البيع يقتضي أن يملكَ كل واحدٍ من المشتريَيْن أربعةَ أوسقٍ ونصف، فلم يدخل في ملكِ كلّ واحد منهما إلا ما ينقصُ عن الخمسةِ.
ولو باع رجلان تسعة أوسق من رجل واحدٍ، فقد اختلف أصحابنا، فمنهم من أبطل البيعَ، وهو الذي اختاره صاحبُ التلخيص ووجهه أنه لو صح العقد، لدخل في مِلكهِ تسعةُ أوسقٍ بطريق الخَرْص دفعةً واحدة، وهذا يخالف مقصودَ الخبر، وإذا تحققت المخالفةُ، فلا فرق بين أن يتعدّدَ البائع أو يتَّحد.
ومن أصحابنا من صحح العقدَ، لأن الصفقةَ تتعدّدُ بتعدد البائع في العَهْد والردّ، فيجعل كأن المشتري اشترى أربعةَ أوسُقٍ ونصف في صفقة، واشترَى مثلَها في صفقةٍ أُخرى.
فترتيب المذهب إذاً أنه لو باع رجلان من رجلين، فاعتبار الخرصِ تسعةُ أوسق، فالبيع صحيح.
ولو اشترى رجل من رجلين تسعة أوسق، فالبيع على الخلافِ.
ولو اشترى رجلان من رجلٍ تسعةَ أوسق، فالبيع صحيح بلا خلاف.

3068 - ومما يجب التنبهُ له بعدما أعدنا الأقسامَ أنَّ الرجل الواحدَ إذا اشترى من رجلين شيئاً، واطلع على عيب، فالصفقةُ محمولةٌ على التعدد في حكم الردّ، وللمشتري أن يرد ما اشتراه من أحد البائعين، ويُمسِك الباقي.
ولو اشترى رجلان من رجل، واطلعا على عيبٍ، فهل ينفرد أحدُهما بالرد؟ فعلى قولين، سنذكرهُما في باب الخراج، فحكم الرد على مناقضة ما نحنُ فيه، والسبب في ذلك أن المرعي في كل أصل ما يليقُ به، وإذا اتحد البائع فقد تخيّل بعض العلماءِ أن المبيع خرج عن ملكه دفعة واحدة، فلو رجع إليه بعضُه، لكان خارجاً بعيبٍ عائداً بعيبين، وإذا تعدد البائع فردَّ المشتري تمامَ ملكِ أحدهما عليه، فردُّه لم يتضمن تبعيضاً عليه لم يكن قبل البيع، والمقصود المعتبر في بيع العرايا ألاَّ يملك الرجلُ دفعةً واحدةً خمسةَ أوسق، أو أكثرَ من خمسةٍ.
وهذا الأصل يوجبُ ما ذكرناه من الترتيب في محلّ القطع والخلاف.
وقد انتظم من مجموع ما ذكرناه أنا في طريقةٍ نبغي ألاَّ نزيدَ على محل النصّ، وفي طريقة أخرى نثبت الخرصَ أصلاً، ولا يبعد تنزيلُه منزلةَ الكيل، ويفسد ما يفسد بالنصّ الدال على الفساد.
3069 - ونحن الآن نُخرّج على ما ذكرناه مسائلَ في الباب منها: أنه لو بيع الرطبُ الموضوعُ على الأرض المقطوفُ بخرصٍ من التمر، فإن بنينا الباب على الاتباع، فهذا ممتنع، فإن الخبر وردَ في الرطب على رؤوس الشجر.
وإن جعلنا الخرص أصلاً سوّغنا هذا.
و [لو] 1 باع الرطبَ بالرطبِ على تقدير المُساواةِ بخرصهما تمرين، فقد ذكر العراقيون ثلاثة أوجه: أحدُها - المنعُ، وهو على طريقةِ الاتباع.
والثاني - الجَواز، وهو على طريقة تسويغ الرأي، والقياس.
والثالث - الفصل [بين] 2 أن يكون الرطبان، أو أحدهما على الأرض، وبين أن يكونا جميعاً على الشجر، فإن كانا

جميعاً على الشجر، جاز؛ فإنه قد يكون لهما غرضٌ في استبدالِ الرطبين، بأن كان يهوى كلُّ واحدٍ منهما النوعَ الذي لصاحبه.
وهذا لا يتحقق في الرطب الموضوع على الأرض؛ فإن الغرض الذي أشار إليه الخبرُ أن يبذل الإنسانُ فاضلَ قوتهِ من التمرِ، ويستبدل عنه رُطباً على الشجر يأكلُه، على مرّ الزمن، شيئاً فشيئاً مع أهله رطباً، وهذا لا يتحقق في الرطب الموضوع؛ فإنه بين أن يفسدَ، وبين أن يجفَّ.
3070 - ومن مسائل الباب أن الخبر الذي رواه زيدُ بنُ ثابت مختصٌّ بالفقراء، فإنه قال: " جاء طائفةٌ من فقراءِ المهاجرين والأنصار، وقالوا: إن الرطب يأتينا، وليس بأيدينا نقد، ومَعنا فضولُ قوتٍ من التمر ". الحديث.
وظاهر المذهب أنَّ صحةَ بيع العَرِيّة لا يختص بالفقراء؛ فإن إرخاصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرية مطلق في الألفاظ، وما ذكرهُ زيدٌ حكايةُ حالٍ أداها على وجهِها.
وذكر بعضُ أصحابنا قولاً بعيداً أن صحةَ بيعِ العرايا تختص بأصحاب الحاجةِ، وهذا مذهبُ المزني.
وبيع الجاف بالرطب في سائر الثمار بناه الأصحابُ على القولين في أن الخرصَ هل يجري في ثمارِ سائر الأشجار؟ وفيه اختلافٌ قدّمتُه في كتاب الزكاة.
فإن قلنا إنه لا يجري، فالبيع ممتنع لتحقق الجهالة، وإن قلنا: يجري الخرصُ فيهَا، فبيعها باعتبار الخرص يخرج على الخِلافِ المقدم، في الاتباع وطريق الرأي، فمن سلكَ الاتباع منعَ البيعَ، ومن جوَّز الرأيَ سوَّغ هذا.
وحق الفقيه أن لا يغفل في تفاصيلِ المسائلِ عما مهدناه في كتاب الزكاة من تفصيل القول في بيع الثمار، وفيها حقُّ المساكين، ولا حق فيها.
والتنبيه كافٍ.


باب بيع الطعام قبل أن يُستوفى

قال الشافعي: "أخبرنا مالاً عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتاع الطعامَ لا يبعْه حتى يستوفيَه".
قال ابنُ عباس: أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الطعام أن يباعَ حتى يكتال، قال ابن عباسٍ برأيه: ولا أحسِب كلَّ شيءً إلا مثلَه ... إلى آخره" 1. 3071 - الأصل في الباب الحديث الذي رواه الشافعي 2 ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى عتاب بنِ أَسِيد "انهَهُم عن بيعِ ما لم يقبِضُوا وربحِ ما لم يضمنوا" 3 ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيعِ ما لم يُقبَض، وربح ما لم يُضمن " 4. ومأخذ الباب يستند إلى أصولٍ منها: بيانُ حكم الضمانِ، فالمبيع قبل التسليم إلى المشتري من ضمان البائع، والمعنيُّ به أنه لو تلف، انقلب إلى ملكهِ قبل التلف، ولذلك ينفسخ العقد، كما سنقرره في باب الخراج، ومن أثر الضمان أنه لو عاب المبيعُ، ثبت الخيارُ للمشتري، ونزل العيب الطارىء في يد البائع منزلةَ العيب المقترن بالعقد، حتى كأن العيبَ حَدَثَ في ملكهِ، ثم طرأ البيعُ.

فهذا أحد الأصول.
وينشأ منه الحكم بضعف ملك المشتري.
وقد جمع الشافعي بين الضمان وضعفِ ملك المشتري.
وممَّا يتردد الكلام عليهِ كونُ المبيع محبوساً بالثمن على قولٍ، ثم إذا سَلّمَ المبيعَ إلى المشتري، قيل: انتقل الضمان إليه، والمعنيُّ به استمرارُ ملكه، حتى لو فرض تلَفٌ أو عيبٌ، كان محسوباً على المشتري.
فإذا ثبتت هذه التراجم، فنجري بعدها على ترتيب السواد 1؛ فنذكر تصرفات المشتري في المبيع، ونذكرُ بعدها تفصيلَ القول في كل مقبوض، ثم نندفع في مسائل الباب.
3072 - فأما القول في التصرفاتِ، فبيع المشتري في المبيع قبلَ القبض مردودٌ، والأخبار شاهِدة، وذكر الفقهاءُ في ضبط المذهب أن الضمانَين لا يتواليان، وعَنَوْا به أنا لو قَدّرنَا نفوذَ بيع المشتري في المبيع قبلَ القبض، لكان مضموناً على البائع الأول للمشتري، ثم يكون مضموناً على المشتري الأول للمشتري الثاني، ولا حاجة إلى هذا مع الخبرِ، وما أشرنا إليه من ضعف المِلك، بسبب ثبوت الضمان على البائع.
وامتناعُ البيع في المبيع قبل القبضِ ليس معلَّلاً بحق البائع؛ فإن البائع وإن رضي ببيع المشتري، لم ينفذ بيعُه، والغالب على هذا الأصل التعبُّدُ.
ثم لا فرقَ بين أن يقدَّر البيعُ قبل توفيةِ الثمن على البائع، وبين أن يقدَّر بعدَها؛ فإنَّ امتناع البيع ليس مبنياً على حق البائع.

هذا تفصيل البيع.
3073 - ولو أعتق المشتري العبدَ المشترَى قبل القبض، فالذي قطعَ به الأئمةُ أن العتقَ ينفذُ بعد توفيةِ الثمن على البائع؛ فإن العتقَ ليس تصرفاً يقتضي ضماناً، وقد صَادفَ ملكاً لازماً، من غير اعتراضٍ على حق الغير.
وفي بعض التصانيف رمزٌ إلى وجهٍ بعيدٍ، في أن العتقَ لا ينفذ.
وهذا لا وجهَ له.
فأما إذا أعتق المشتري العبدَ قبل تَوْفية الثمن، فإن قلنا: ليس للبائع حق حبس المبيع، (1 فالعتقُ ينفذ نفوذَه بعدَ توفيةِ الثمن.
وإن أثبتنا للبائع حقَّ حبس المبيع 1)، ففي نفوذ عتق المشتري ثلاثةُ أوجه: أحدها - أنه ينفذ لمصادفته ملكَ المعتِق.
والثاني - لا ينفذ لتضمنه إبطال حق البائع من الحبس.
والثالث - أنه يفصل بين أن يكون المشتري موسراً بالثمن، وبين أن يكون معسراً.
وهذا الوجه ذكره صاحب التقريب، وذكر مثلَه في إعتاق الراهن.
والخلافُ في ذلك كالخلافِ في عتقِ الراهن.
وكان شيخي يجعل عتقَ المشتري أَوْلى بالنفوذ من عتق الراهن؛ من جهة أن حقَّ الحبسِ يثبتُ تابعاً غيرَ مقصودٍ، والرهن يُثْبت للمرتهن حقَّ الاختصاص قصداً، ولذلك عُقد الرهن، ثم أُكد بالتسليم.
3074 - ومن تصرفاتِ المشتري الإجارةُ، فلو أجر الدارَ المشتراةَ قبلَ القبض، وقبل تسليم الثمن.
والتفريعُ بعدَ هذا نُجريه على ثبوتِ حقّ الحبس للبائع، فإذا أجر، ففي صحَّة إجارته وجهان: أصحهما - الصحَّةُ؛ فإنَّ ضمانَ عقدِ الإجارةِ لا يَرِدُ على محلّ ضمان عقد البيع؛ إذ المقصودُ من الإجارة المنافِعُ، وليست هي المبيعَ، فلا وجهَ لمنع الإجارة عن جهة الضمان، ولا وجه لمنعِها من جهة حقِّ الحبس الثابت للبائع؛ فإن ذلك لا يزيد على حقِّ المرتهن، وإجارةُ المرهون جائزةٌ على تفصيلٍ سيأتي في الرُّهون إن شاء اللهُ عز وجل.
ومن أصحابنا من منع صحةَ الإجارة؛ من جهة استدعائها ملكاً تامّاً، والمِلكُ في المبيع قبل القبض ضعيفٌ، ثم هذا القائل لا يفصِلُ في منعِ الإجارةِ بين ما قبل تسليم1

الثمن، وبين ما بعده؛ فإن معتمده ما ذكرناه من ضعف الملك.
وهذا يطَّرد إلى قبض المشتري.
وتزويجُ المشتري الجاريةَ المبيعةَ قبل القبض يَنْزِلُ منزلةَ إجارته إياها في الخِلافِ المقدم.
ولا شك أن التزويجَ مُنقصٌ للقيمة.
وإذا كان كذلك أمكن أن نفصِل بين أن يزوّج قبل تسليم الثمن، وبين أن يزوّج بعدَ تسليمه إذا أثبتنا حقَّ الحبس.
والإجارةُ ربما لا تؤدِّي إلى تنقيص القيمة، وفيها الخلافُ المقدَّمُ، وإن أدت إلى تنقيص القيمة.
وقد ينتظم فيها وجهٌ أن نفرِّق بين ما قبل التوفيةِ وبعدَها.
ولا خِلافَ أن من استأجر داراً ثم أخرَها قبلَ القبضِ، لم تنفذ إجارتُها والسببُ فيهِ ظاهرٌ، وهو أن الإجارةَ موردُها المنفعةُ، فازدحام إجارتين على منفعةٍ قبل القبض باطل، كما يبطل ازدحامُ ضمانَي بيعين على مبيعٍ واحد.
3075 - ولو رهن المشتري المبيعَ قبل القبض، أو وهبهُ؛ فإن كان ذلك بعد تسليم الثمن، فهو كالعتق في هذا الأوان، ثم إن رَهَنَ، أو وَهَب، وأراد التسليمَ، لم يَمنع منه البائعُ، وقد توفر الثمن عليهِ، والمشتري بالخيار إن شاء، [ألزمَ] 1 الرهنَ والهبةَ بالإقباض، وإن شاء، لم يفعل.
وإن فُرِضا -نعني الهبةَ والرهنَ- قبلَ تسليم الثمن، فقد ذكرَ الأئمةُ وَجهين في نفوذهما، كالوجهين في العتق في هذا الوقت.
ثم أجمعُوا على أن للبائع أن يمتنع عن التسليم إذا أثبتنا له حقَّ الحبس.
وفائدةُ صِحةِ الرهن والهبة أن حق البائعِ إذا زال وقبَضه المشتري، فإن حكمنا بفساد الرهن والهبة أولاً، فهو ساقطٌ ملغىً، وإذا حكمنا بالصحةِ، فلا يُحتاجُ إلى تجديد عقدٍ، وهو على خِيرَتِه في الإقباض.
وذكر صاحب التقريب وجهاً ثالثاً، فقالَ: أما الهبةُ فعلى ما ذكرهُ الأصحاب، ويجوز أن يقال: لا يصح الرهن، وإن صحتِ الهبةُ، لأن الرهنَ قرينُ البيع؛ إذ لا يُعنى به إلا البيعُ في حق المرتهن، وكل ما امتنعَ بيعُه، امتنع رهنُه، وقياس هذا يوجب إبطالَ الرهن، بعد توفية الثمن.
كما يمتنع البيعُ في هذا الوقت.

3076 - ثم ذكر الشافعيُّ بعد الكلام في المبيع تفصيلَ الأيدي التي لا يمتنع بها نفوذُ البيعِ وغيرِه من التصرفات.
والوجه أن نذكر أولاً ما اختلفَ علماؤنا في إلحاقه باليد في البيع.
فنقول: منها تصرفُ المرأة في الصداق قبل القبض، وهذا يُخَرّج على قولين مشهورين في أن الصداق مضمونٌ 1 بالعقد أو باليدِ، وسيأتي شرحُ ذلكَ في كتاب الصداق - إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك الإقالةُ.
وقد اختلف القولُ في أنَّها بيعٌ، أو فسخٌ، فإن [جعلناها] 2 فسخاً، فلو تقايَلَ المتبايعان، وكانا تقابضَا العوضين في البيع، فلكلٍ منهما أن يتصرَّف في العِوَض الذي ارتدَّ إليهِ مِلكُه قبل أن يستردّهُ؛ فإن العقدَ إذا انفسخ، فليست يدُ واحدٍ منهما بمثابة يد البائع في المبيع؛ من جهة أن التلف يردُّ المبيعَ إلى مِلك البائع، ولو فرض التلف في أحدِ العوضين، أو فيهما، والتفريع على أن الإقالة فسخٌ، فيتلفُ كلُّ عِوضٍ على مِلك من كان مِلْكَه قبل التلف.
ثم الكلام في ضمان القيمة لمن كان مالكاً للعَيْن يأتي مستقصىً في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
وقَدرُ الغرض منه ما ذكرناه من أن الملك لا يزول بفرض طريان التلف.
وإن حكمنا بأن الإقالة بيعٌ، فالعوضُ المعيَّنُ في يدِ كلِّ واحدٍ منهما بمثابة المبيع قبل القبض، وكأنَّهما تبايَعا على التبادل في العِوضين تبايُعاً جديداً، والأجرةُ المعيّنة في الإجارة بمثابة المبيعِ، والبَدلُ المعيّنُ في الخُلع والصُّلح عن الدم، بمثابة الصداق.
فهذا بيان الأيدي على ما يُعد عِوضاً، أو يقرُبُ من معاوضة.
3077 - ومن رَدّ بالعيب ما اشتراه، ففُسِخَ العقدُ، ولم يرفع بعدُ يده، فالبائع يتصرَّف فيه قبلَ الاسترداد، كما ذكرناه في الإقالة على قول الفسخ.

فأما سائرُ الأيدي.
فإذا ثبتت يدٌ على ملكِ الغير، ولم تكن يدَ معاوضة، وملك المالك تامٌّ، وهو قادِرٌ على رَدّ المِلكِ إلى يَدِ نفسهِ، فبيعُه نافذ سواءٌ كانت تلك اليد يدَ أمانةٍ، أو يدَ ضمان، فيدُ الأمانة كيدِ المودَع والمقارِض قبل أن يربح، وغيرِهما.
ويدُ الضمان كيد الغاصب، والمستعيرِ، والمستام.
ولو وهبَ شيئاً وسلّمه، وكان يثبت له حق الرجوع، فرَجع في الهبَةِ وبقيت العينُ في يَد المتَّهِبِ، فتصرّف الراجع نافذٌ، لما قدمناه.
وإذا قبلَ الموصَى له الوصيّةَ النافذةَ، والعين الموصَى بها في يدِ الورثة، فتصرُّفُ الموصَى لهُ نافذٌ قبل قبض العين، إذا استمكنَ من أخذها.
وإن تصرَّف قبلَ قبول الوصية، خرج هذا على تفصيلِ القولِ في أن المِلك في الموصَى به متى يحصل؟ وهذا سيأتي مقرراً في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى.
فهذا منتهى البيان في ذلك.
فصل قال: " ومن ابتاع جُزافاً ... إلى آخره " 1. 3078 - هذا الفصل مضمونُه بيانُ القبضِ ومعناه، واختلافِه في المقبوضات على حسب اختلافها، فنقول: المقبوضاتُ ثلاثةُ أقسام: ثابتٌ لا يُنقَل.
ومنقولٌ مقدّر، وَرَدَ البيعُ عليه باعتبار التقدير فيه.
ومنقول غيرُ مقدّرٍ، أو قابل للتقدير، أُورد البيعُ عليه جزافاً.
فأما الثابت، فهو العَقارُ، والقبض فيهِ التخليةُ، والقولُ التام في التخليةِ ومعناها، أنها تمكينُ القابض مع تمكنه من إثبات اليد عند ارتفاع يدِ الممكن.
وهذا يستدعي حضورَ المقبوض والقابض، معَ التمكن الذي ذكَرناهُ.
ولو كانت العينُ غائبة، ففي تحقيق التمكينِ منها كلامٌ سأذكره في كتاب الرهون، إن شاء الله تعالى.

هذا في الثابت الذي لا ينقل.
3079 - فأما المنقول الذي ليس مقدَراً، أو كان مقدَّرا ولكن اشتُريَ جزافاً، فالمذهب أن القبضَ فيه 1 لا يتتمُّ إلا بالنقلِ والتحويلِ، على ما أصفه الآن.
وذهبَ مالك 2 إلى أن التخليةَ فيه كافٍ، ونقل حرملةُ قولاً للشافعي مثلَ ذلك.
التوجيه: من اعتبرَ النقلَ، استمسكَ بالعادةِ، والعادةُ مطرَدَةٌ بنقل ما يمكن نقله في [القبوضِ] 3. ومن لم يشترط النقلَ، احتجَّ بان الغرضَ من القبضِ ظهورُ تمكُّن القابضِ بتمكين المُقْبضِ، وهذا المعنى يحصُل بالتخليةِ والتمكينِ التام.
فإن قلنا بذلك، فالمتبعُ ما ذكَرناه من التمكين والتمكُّن.
وإن شرطنا النقلَ، لم نشترط التحويلَ إلى مسافةٍ بعيدةٍ، ولكن اكتفينا بما يُسمَّى نقلاً.
3080 - وهذا يبين بذكرِ صورتين: إحداهما - أن نَفرض البيعَ وحُضُورَ المبيع في بقعةٍ لا اختصاصَ لها بالبائع، مثل أن يتفق ما ذكرناه في شارع أو مسجدٍ، أو موضعٍ مباحٍ، أو في موضعٍ مخصوص بالمشتري، فإذا [جَرَى] 4 ذلكَ في أمثالِ هذه الأماكِن، ثم نقله المشتري بإذن البائعِ من الحيزِ الذي فيه البائعُ إلى حيز آخرَ يراه 5، فهذا نقلٌ كافٍ.
ولو أن البائع في هذهِ الصوَر نقلَ المبيعَ من جانبه إلى جانبِ المشتري، ومكنه من قبضِه، والاحتواءِ عليهِ، فقد حصل القَبضُ الناقلُ للضمان، والمسلّطُ على التَّصرُّفِ، وإن لم يُوجد من المشتري فعل ولا استدعاءٌ، [بل] 6 يَحصُلُ القبضُ، وإن كرههُ المشتري.

والسببُ فيه أن القبضَ مستحَق على البائع، فإذا أتى به، وقعَ على جهةِ الاستحقاق وإن أباه المستحِق.
وفي بعض التصانيف وجهٌ آخر: أن هذا لا يكون إقباضاً ما لم يقبله المشتري، كما لو وضع مالكُ العينِ عين مالهِ 1 بَيْن يَديْ إنسان، وقالَ: أودَعتُها عندكَ، فهذا لا يكون إيداعاً ما لم يقبل المودَع.
وهذا الوجه عندي يخرّج على قولٍ: وهو أن من عليه دينٌ حالٌّ إذا جاء به، فهل يُجبَر مستحِقه على قبولهِ؟ المذهبُ أنه يُجبَر، وفيه قول بعيدٌ أنه لا يُجبرُ.
والقولان 2 مشهوران 3 في الدَّينِ المؤجَّل.
فإن قُلنا: لا إجبار، فلا يكون ما جاء بهِ إقباضاً، وإن قلنا: إنه يجبرُ، فالظاهر أنه إقباضٌ وفيه احتمالٌ.
ولا يَبعُد أن يقال: إذا لم نجعل هذا إقباضاً، فينوب السلطانُ عنهُ ويقبضُ.
ولو كان بين البائع والمشتري مسافةَ التخاطبِ مثلاً، فلو رفعَ المبيعَ من جانبهِ، ووضعَه على نصفِ المسافةِ الكائنةِ بينه وبين المشتري وهو يَبغي بذلك الإقباضَ، ففي حصولِ القبضِ بذلك وجهان، ذكرهما شيخي.
ولو كان وَضَعَه دون النصف، والمسافةُ الباقية وراء المبيع إلى المشتري أكثر من النّصفِ، فلا يكون ما جاء به نقلاً ناقلاً للضَمانِ وإقباضاً.
ولو كان الباقي من المسافة أقلَّ مما بين البائع والمبيع، فالذي مضى إقباضٌ؛ فإنا لا نشترط أن نضع المبيع في حجر المشتري، أو بالقُرب منه.
وللناظر فيما ذكرناه فضلُ نظرٍ، ومزيدُ تدبر فيه، إذا كانت المسافةُ بين المتبايعين أكثرَ من مسافةِ التقارب والتخاطب، وذلك بأن تكون عشرين ذراعاً مثلاً، فلست أرى النقلَ إلى بقعةٍ بينها وبين المشتري تسعةُ أذرعٍ إقباضاً، ويقرب أن يقال: ينبغي أن يقع المبيعُ من المشتري على مسافة تنالُ المبيعَ يدُ المبتاع، من غير احتياجٍ إلى قيام وانتقال.

ولا شك أن البائعَ لو نقل المبيع من حَيّزهِ إلى صوبٍ عن يمينه، أو عن يَسارهِ، وهو يبغي الإقباضَ والمشتري في مقابلتِه، فليس ما جاء بهِ قبضاً؛ فإن صورةَ النقل لا تكفي حتى يكون نقلاً إلى المشتري، أو نقلاً من المشتري؛ فإن المشتري لو أخذ المبيعَ بإذن البائع، ونقلَه إلى [أيّة] 1 جهةٍ فُرضت، فهذا قبضٌ.
ولا يخفى على الفقيه أن الإقباضَ من البائع بجهةِ النقل يُشترط فيه أن يُشعرَ المشتري به، ويتمكَن منه، حتى لو وضعه بين يديه، وهو راقدٌ، فتلف المبيعُ قبل أن ينتبه، فهو من ضمان البائع.
والسببُ فيه أن سرَ الإقباض التمكينُ، ثم صُورُ التمكينِ تختلف باختلاف المبيع، ومن ضرورة التمكينِ إشعارُ المشتري بما يجري، وعلمُه بحقيقة الحال، وتمكّنُه كما ذكرناه في التخلية.
وكل ما ذكرناه فيه إذا جَرى البيعُ ونقلُ المبيع في بُقعةٍ لا اختصاص لها بالبائع.
3081 - فأما إذا جرَى البيعُ في مسكن البائع 2، وكان ملكَه أو مُستَأجَره أو مستعاره، فإذا أذن للمشتري في القبضِ والنقلِ، فأخذ المشتري المبيع ونقله إلى جانب نفسهِ، فليس ما جاء به قبضاً؛ من جهةِ أن الشرط في ثبوت يدِ المشتري القابض زوالُ يدِ المُقبض، وإذا كانت الدار للبائع، فهي تحت يدهِ، وما في الدارِ حكمهُ حكمُ الدارِ، ولو فرضَ نزاعٌ بين دخيل في الدارِ وبينَ مالكِ الدار في مبيعٍ قريبٍ من الدخيل ومجلسهِ، فصاحبُ اليد فيها صاحبُ الدار، إذا لم تكن العينُ متعلِّقة على نعتٍ من الاختصاص بالدخيل، بأن يقعَ النزاعُ في ثوبٍ، والدخيل لابسه، أو في متاع وهو محتوٍ عليه.
وفي هذا كلامٌ طويلٌ ليس هذا موضعَه؛ فإنا سنفصل، إن شاء الله تعالى تفصيلَ الأيدي التي تثبتُ بها رتبةُ المدَّعى عليه في كتاب الدعاوى - إن شاء الله تعالى.
فلو أذن البائعُ للمشتري في نقل المبيع إلى بقعةٍ من الدار و [أجّر] 3 تلك البُقعة

[منه] 1 أو أعارهُ إياها، فجرَى النقلُ إلى بقعة من الدار استأجرَها المشتري أو استعارها، فهذا نقل كافٍ، وقبضٌ ناقل للضمان؛ من جهةِ اختصاصِ المشتري بتلكَ البقعةِ.
وإذا قالَ البائعُ: دونكَ المبيعَ، فاقبضه وانقُلْه إلى تلك الزاويةِ، فهذا إذنٌ في النقل، وإعارةٌ للزاوية.
وإن قال: ارفع هذا 2 العينَ المبيعة، وانقلها إلى تلك البقعة، ولم يتعرض للقبضِ والإقباض، والدار مختصةٌ بالبائع، فالذي جرى ليس بقبضٍ.
وإذا فهمَ الفقيهُ المقاصِدَ، لم يخفَ عليهِ قضايا الألفاظ وموجبات الصيغ.
3082 - وتمام البيان في هذا يستدعي كلاماً في تصوير [قبض] 3 العدوان من الغاصب.
فنقول: وإن فرَّعنا على الأصح في اشتراطِ النقل في المنقول في قبض المبيع، فلسنا نشَرطُ ذلك في قبضِ العدوان، بل المعتبرُ فيه الاستيلاءُ المحقَّقُ، حتى لو ألقى رجلٌ راكبَ فرسٍ من الفرسِ، وركبَ مكانَه مستولياً، وتلفت البهيمةُ تحتهُ، فالضمان يجب عليه، على المذهب الظاهر.
وكذلكَ لَو نحّاه من بساط كان عليه، وجلسَ عليه 4، فهذا عدوانٌ مضمِّن.
3083 - والقولُ الوجيزُ الضابطُ لما نقصده: أن التمكين المحقَّقَ في المنقول ليس قبضاً في البيع على الصحيح، حتى ينضمَّ إليهِ نقلٌ، وفيه قولٌ بعيد أن التمكينَ كافٍ، والاستيلاءُ المجرَّدُ قبضُ عدوان في المنقول، من غيرِ نقل.
وفيهِ وجهٌ ضعيفٌ أن ضمان العدوان يقف على النقلِ.
فلو جرَى من المشتري [استبدادٌ] 5 بأخذِ المبيع، نُظر: فإن جرَى منه ما هو قبضٌ

لو صدر من البائع، أو من [غيرِ] 1 إذنهِ، فإن كان المشتري يستحق ذلكَ بأن كان وفَّر الثمن، وامتنع البائعُ من التسليم المستحَق، فالذي فعله المشتري قبضٌ ناقلٌ للضمان مُسلِّط على التصرّف.
وإن لم يكن المشتري مستحِقاً لما فعل، وفرعنا على [أنَّ] 2 البدايةَ بالتسليم لا 3 تجب على البائع، فالذي فعله المشتري إتيانٌ بصورةِ القبضِ، وهو فيه مبطلٌ.
والقولُ الوجيزُ في ذلك أنا نجعلُه بمثابةِ ما لو اشترى طعاماً مُكايلةً، ثم قبضه جزافاً، فلا يتسلّطُ على التصرفِ في الرأي الظاهِر، وينتقلُ ضمانُ العُهدةِ إليهِ، حتى لو تلف تحت يده، كان من ضَمانهِ.
وإذا قُلنا: لا بد من النقلِ في قبض المبيع، وجعلنا الاستيلاءَ قبضَ عدوانٍ، فلو وُجد الاستيلاءُ من المشتري من غير نقلٍ، فهو كالقبض جُزافاً فيما اشترى مُكَايلةً.
وذكر شيخي وجهاً آخر: أن الاستيلاءَ كما صورنا لا يقتضي نقلَ الضمانِ، كما لا يقتضي التسليطَ على التَّصرُّفِ.
وهذا بعيدٌ.
والوجه ما تقدَّمَ.
ولو جرت التخليةُ من البائع، والقبولُ من المشتري من غير نقلٍ، ولا فرضِ استيلاءٍ -والتفريعُ على أن النقلَ لا بدّ منه- فلا يتصرف المشتري، وهل ينتقل الضمانُ إليه؟ فيه وجهان ذكرهُما العراقيون.
فليميز الناظرُ بَيْن تخليةٍ من البائع، ولا قبولَ من المشتري، وبين تخليةٍ منه وقبولٍ من المشتري، في الحكم المطلوب، والتفريعُ على اشتراط النقل.
فإن لم يكن من المشتري قبولٌ، فلا ينتقلُ الضمانُ إليه.
وإن كان منه قبولٌ، ففي الانتقالِ وجهان؛ فإن التخليةَ مع القبولِ تُثبت صورةَ الاستيلاء معَ تخلّف النقل المعتبر، فافهمُوا ترشدوا.
هذا قولنا في النقل والتخلية.

3084 - والقسم الثالث فيه: إذا كان المبيع مقدَّراً، وقد أُورِدَ البيع باعتبار تقديره، بأن يقول: بعتُكَ هذه الصُّبرة، كل صاع بدرهمٍ، فلا بد من إجراء الكيل، ولا يتم القبضُ دونَهُ، والتخليةُ غير كافيةٍ، بل 1 لا بد من إجراء الكيلِ أو الوزنِ على حَسَب ما وقعَ تنزيلُ العقدِ.
والأصل فيه ما رواه الشافعي في السواد 2 عن الحسَن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " نهى عن بيع الطعام حتى يجري فبه الصاعان " 3 ومراسيل الحسن 4 مستحسنةٌ عند الشافعي فلو اشترى بُرّاً كيلاً، فلا يتم القبضُ فيه حتى يُكالَ بعد العقد على

المشتري، ولَو وُزنَ عليه، لم يكفِ، ولو اشتراهُ وزناً، فتمام القبض فيه بالوزن، فلو كيل بدلاً من الوزن، لم يكفِ.
ولا يخفى على الفقيهِ أن ما نرعاه من اتباع الشرعِ في الكيل والوزن، حتى لا يجُوزَ إقامةُ تقديرٍ مقام التقدير الثابت شرعاً، إنما هو في بيع مالِ الربا بجنسهِ حيثُ تجبُ رعايةُ المماثلة، [فإذا] 1 لم يكن كذلك، فلا حرجَ.
وكيفَ يُشكِلُ هذا مع جواز ابتياع الحِنطة بالدراهم جُزافاً.
فلو اشترى رجلٌ حنطةً كيلاً، وبقاها في المكاييل، ثم باعها مكايلةً، فهل يجوزُ أن يكتفي بصبِّ تلك المكاييل بين يدي المشتري؟ فعلَى وجهين: أحدهُما - لا يكفي ذلك، [بل] 2 تُصبُّ الحنطةُ، ثم يُبتدأ كيلُها للمشتري.
وهذا القائل يحتج بما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع الطعام حتى تجري فيه الصَّاعان " قيل: معناه حتى يجرى فيه 3 صاعُ البائع، وصاعُ المشتري وهذا [يُتصوّرُ] 4 فيهِ إذا اشترى رجلٌ طعاماً مكايلةً، [و] 5 باعه مكايلةً، ولعلَّ أمثالَ هذهِ المعاملات كانت تجري في مواسمِ الحجيج وغيرِها، فكان الرجل يبتاع مكايلة [بمقدارٍ، ويبيع مكايلةً] 6 بأقل أو أكثر، فنزل حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يجرون من ذلكَ.
هذا وجهُ هذا الوجه.
والوجه الثاني - أنه يكفي أن تصُب المكاييل للمشتري الثاني، ووجهه أن كونَ الحنطة في المكاييل على الدوام، ينزل منزلةَ أخذٍ جديد بالمكاييل؛ فإن الغرض من الأخذ بالكيل احتواءُ الكيل على المَكِيل، فإنه المقدِّرُ، والحنطةُ مقدّرةٌ به، والدليل عليه أنه إذا اشترى حنطةً مكايلةً، ثمِ ملأ المكيالَ، ونقلَ ذلك، كفى وتم القبض، ولا حاجةَ إلى تفريغ المكيالِ حتى يُقضى بتمام القبض.

3085 - والغرضُ من هذا الفصل شيء واحد، وباقي القول في القبض جزافاً وكيلاً سنجمعه في فصلٍ على إثر هذا إن شاء الله تعالى.
وذلك المقصودُ: أنا إذا جرينا على اشتراط النقل وهو المذهبُ، فقد أطلق الأصحابُ القولَ بأن الكيل مع تفريغِ المكيال كافٍ؛ فإنّ من ضرورتهِ النقلُ من جهةِ الأخذِ إلى جهةِ التفريغ، وهذا يُوهم لبساً.
ومُعظمُ العماياتِ في مسائل الفقهِ من تركِ الأولين تفصيلَ أمور كانت بيّنةًً عندهم، ونحن نحرِصُ جهدَنا في التفصيل، ولا نبالي بتبرم الناظر.
فالكيلُ لَعَمْري نقلٌ، لكن يجب معهُ اعتبار الأمور التي مهّدناها 1، حتى لو كالَ البائع الحِنطة التي باعها مكايلةً، وأخذ يصُبّها عن يمينه وعن يسارهِ، لا في جهة المشتري، فالذي جاء بهِ كيلٌ، وليس بنقل، والنقلُ باقٍ في الحكم بصحة القبض.
فإذن الكيلُ أو الوزن معتبرٌ في عَقدِ المكايلة والموازنة، وقد يقعُ الكيل على صُورَةِ النقل فيسُدّ مسدَّينِ، وقد يقعُ لا على صُورَةِ النقل، فيبقى الكلام في النقل على ما تقدَّم.
فصل في بيع الحنطة مكايلةً مع جريان القبض جزافاً 3086 - فنقول: إذا اشترى طعاماً كيلاً، ثم قبضهُ جزافاً، فقد قال الأصحاب: لو تلفَ ما 2 قبضه كذلكَ، فإنه يتلف من ضمانه وفاقاً، ولا ينفسخ البيعُ أصلاً.
ولو أرادَ بيعَ ذلك الطعامِ الذي قبضه جزافاً نُظر: فإن أراد بيعَ الكيل، فلا يصح منه البيعُ في الجميع؛ إذْ حق البائع متعلِّقٌ به، وقد يزيد إذا كيل.
والمسألة مصوّرة فيه إذا باع عشرةَ آصع، وأشار إلى صبرة، ويجوز أن تكون الصُّبرة عشرة، ويجوز أن تزيدَ، فلو أنهُ قبض جزافاً، ثم باع القدر الذي يستيقن أنه

حقهُ، أو أقَلُّ من حقه، فهل يصح البيعُ في [هذه الصورة] 1؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدُهما - وهو اختيار أبي إسحاقَ أن البيعَ يصحّ؛ [لأن القبضَ ناقلٌ] 2 للضمان، فإذا انتقل الضمانُ، تَم الملك وزايله [الضعفُ] 3 المترتب على تعرض البيع للانفساخ عند تقدير التلف.
وإذا صادفَ البيعُ مِلكاً تاماً مِن مالكٍ مطلقٍ، نَفَذَ.
والوجهُ الثاني -وهو اختيار ابنِ أبي هريرةَ- أنه لا يصح البيعُ في شيءٍ مما قبضهُ؛ فإن القبضَ فاسدٌ، وهذا ما قطع به شيخي، وطوائفُ من الأصحاب.
وتوجيهُ الوجهِ يترتب على إثبات فسادِ القَبضِ، والدليل عليه الخبرُ الذي رَويناه من الأمر بإجراء الصَّاعَين، ومناهي الرسول صلى الله عليه وسلم محمولةٌ في هذه المَواضِع على الفسادِ، واقتضاءِ التحريم.
ثم قد أطلق الأولون الحكمَ بفسادِ القبض على الجُملة، مع المصير إلى تصحيح البيعِ في القدرِ المستيقَن.
فلو قيل: فما معنى الفَسادِ على هذا الوجهِ مع صحَّةِ البيع في القدر المستحق؟ قلنا: لو قبض الطعامَ كيلاً، ثم ادّعى بعد ذلكَ نقصاناً متفاحشاً، لا يتوقعُ مثلُه في الكيل، لا يُقبل قولُه، ولو قبضهُ جزافاً، كما صورناه، ثم ادَّعى نقصاناً متفاحشاً عن حقه، فالقول قَولُهُ مع يمينه؛ فإن البائع يدعي عليهِ قبضَه، وهو يُنكِرُه، فالقول قولُه.
وهذا ليس مَحْملاً واضحاً في فسادِ القبض المعترف بهِ.
وقد قيل: لو باع الجملةَ على جهالةٍ، فالبيع في الكُلِّ باطل قولاً واحداً، ولا يخرّج [على] 4 تفريق الصفقة، فهذا أثرُ الحكمِ بفسادِ القبض بالجملةِ.
وهذا كلام مختلط؛ فإنا إذا نقلنا الضمانَ، وجوزنا التصرُّف في القدرِ المستيقَن، فقد صححنا القبضَ فيه، والوجه في فرض بيعِ الكُلِّ التخريج على قول تفريقِ الصفقة، ولا حاجةَ إلى الاعترافِ بفسادِ القبض في الكل، مع التصحيح في التفصيل، وإنما

يستحق إطلاقُ الفساد ممن يمنع التصرفَ من القدر المستيقن، وهذا لا شك فيه.
3087 - ويتصل الآن باستتمام الكلام فصولٌ نأتي بها أَرْسالاً: منها: أنا قدَّمنا فيما سبق أن الاستيلاءَ من غير إذن البائع ينقُل الضمانَ، حتى لو فرض التلفُ، كان من ضمان المشتري القابضِ قهراً، ولا ينفسخُ البيع.
ولكن إذا أثبتنا للبائع حقَّ الحبس، فالمبيع مسترَدٌّ من المشتري؛ فإن ذلك ممكن؛ فلو باع المشتري، لم ينفذ بيعُه وجهاً واحداً رعايةً لحق البائع، وإن تحقق انتقالُ الضمان.
وهذا كامتناع بيع الراهِن في المرهون.
ومسألةُ القبضِ جُزافاً مفروضةٌ فيه إذا جرى ذلك القبضُ عن رضاً من البائع، أو فرّعنا على أن لا حَقَّ للبائع في الحبس.
ولو رضي بالقبض جزافاً، ثم بدا له بعد جريان صورة القبضِ، فهذا يخرّج على تسلّط المشتري على البيع في القدر المستيقَن، فإن سلطناه عليه، فقد أَلْزمنا القبْضَ، فلا سبيل إلى تسليط البائع على نقضه؛ إذ القبضُ صدر عن إذنهِ، وتوفر عليه مقصودَاه: من نقلِ الضمان، والتسليطِ على التصرف.
وإن قلنا: لا يتسلّطُ القابضُ على التصرّف في قدر حقّهِ، فهل يملك البائعُ نقضَ يده، والعودَ إلى حقّ الحبس؟ هذا محتمل عندنا.
والعِلم عند الله.
3088 - وممّا يتعلّقُ الآن بتفصيل بيع الطعام مكايلةً أن الرجل إذا اشترى طعاماً كيلاً سلَماً، واستقرَّ له ما اشتراهُ في ذمّةِ المسلَمِ إليه، واستقرَّ ذلك عن جهةِ [إقراضٍ] 1، أو بدلِ متلفٍ، ثم استحق عليه مستحِقٌ بجهةٍ من الجهاتِ مكاييلَ من الحنطةِ، فقال للمستحِق عليه استَوْفِ حقّكَ من فلان، وذكر الذي يُستحَقُّ عليه الطعام، فإذا اكتالَ المستحِق [المتأخِّر] 2 لنفسهِ، لم يصح مثلُ ذلك القبض؛ فإن القبض يتعلّق بالقابض والمقْبض.
ولا يجوز تقديرُ صُدورِهما من شخصٍ واحدٍ.
فإن قدَّرهُ مقدّرٌ

وكيلاً بالقبض 1 من جهة الآمِر قابضاً من جهة نفسهِ، فهذا هو الذي لا نُصحّحهُ.
ولو قالَ [لمستحِق] 2 الطعام: اكتل حقَّك من حنطتي هذه، فإذا اكتاله بنفسه بأمرِ البائع، فَفِي حُصول القبضِ على الصحَّةِ وجهان: أحدُهما - أنه يصح لجريان صورة القبض بإذن صاحب الحنطةِ وبائعها.
والثاني - لا يصح لاتحادِ القابضِ والمُقبض، والإذنُ بمجرَّده ليس إقباضاً.
وهذا القائلُ يعضد كلامَه بالحديث الذي رويناه في صدرِ الفصل.
فإن قيل: قد قطعتم جوابَكم قبيلَ هذا بما يُناقِضُ هذا إذْ قلتمُ: لو كان للآذن الآمِر حنطة على إنسان، فقال لمن يستحق عليه: اقبض حقَّكَ منه، فإذا قبض زعَمتم أنه لا يصح.
قُلنا: الفرقُ ظاهر؛ فإن [مِلْكَ] 3 الآذنِ فيما قدّمناه لا يثبت في عينٍ حتى يقبض له أولاً، فإذا قبض القابض لنفسهِ، ولم يجرِ القبض للآذن، كان باطلاً وجهاً واحداً؛ فإنه لا يستحق على من قبض منه شيئاً، ولم يثبت للآذِن المتوسّطِ استحقاق في عينٍ حتى يترتب عليه قبض هذا القابض.
والمسألة التي ذَكَرنا الوجهين فيها مفروضة فيه إذا كان للآذن حنطةٌ حاضرةٌ عتيدةٌ، فأمر المستحِق بالاكتيال منها.
فإذا ظَهر محلُّ الخلاف والوفاقِ بنينا عليه غرضَنا، وقلنا: لو قال اقبض حقي من فلانٍ، صح، ووقع القبضُ والملكُ في المقبوض للآذِن، حتى لو تلف المقبوض في يَدِ الوكيل، كان محسوباً على الآذن، ويدُ الوكيل أمانة.
وبمثلهِ لو قال: اقبض لي من فلانٍ حقّي، ثم اقبض منه حَقّكَ، فأمّا قبضُه له فصحيح.
وقبْضُه لنفسه بعد قبضه له [يخرّجُ] 4 على الوجهين المقدمين.
ولو قال للذي يستحق عليه طعاماً: خُذ هذه الدراهمَ، واشترِ بها لنفسِك طعاماً، لم يصحّ هذا أبداً.

ولو قال: اشترِ لي [طعاماً] 1 في الذمةِ، واقبض لنفسك، فالشراء صحيح، والقبضُ فاسدٌ.
ولو قالَ: اشترِ لي واقبض لي، ثم اقبض منه حقّكَ، فالشراء والقبض للآمرِ صحيحان، وقبضُه لنفسه على الوجهين.
3089 - ومما يجب التنبُّه له أنه إذا قال: اقبض حقَّك من فلانٍ، فقبضه، لم يصح، والمقبوضُ ملك المقبوضِ منه، فليردّهُ عليه.
وإذا ثبت هذا، فلا خفاء في أن تصرفه لا يَنفذ، ويدُه ضامِنةٌ؛ فإنها لا تنحط في هذا المقام عن يدِ المستامِ.
وسأفصّل هذا في آخر الفصل إن شاء الله عز وجل.
ولو قال: اقبض حقَّك من صُبرتي هذه، فإذا اكتال بنفسه، وقلنا: يصح قبضُه، فلا كلام، ويتسَلّطُ على التصرُّفِ.
وإن قُلنا: لا يصحّ قبضُه، فليس هذا كما لو اشترى طعاماً مكايلةً وقبضهُ جزافاً؛ فإنا ذكرنا ثَمَّ أن البيعَ في القدر المستيقن ينفذ عند أبي إسحاق، وهَاهُنا لا يَنفُذ البيع أصلاً، بل لا يملكُ القابضُ ما أخذ.
والسبب فيه أن مسألة الجزاف مفروضةٌ في ثبوت الملك في الحنطةِ المعيَّنة بالعقدِ، ثم في قبضها التفصيلُ.
فلقد قبض ما ملك بالعقدِ، فجرى الأمرُ على ما مضى.
والمسألةُ الأخرى مصوّرةٌ فيهِ إذا استحق حنطةً في ذمة إنسانٍ، فأمره من عليه الحنطةُ أن يقبضها على وجهٍ، فإذا لم يصحّ ذلك الوجه، لم يملك المقبوضَ، ولم يتعيَّن حقُّه فيه؛ إذ لم يسبق له قبلُ استحقاق عينٍ 2. وهذا واضحٌ لا إشكالَ فيهِ.
وقد نجز القول في أصول القبضِ.
ونحن نرسم فروعاً شذَّت عن التفاصيل في القواعد.
فرع: 3090 - إذا باع طعاماً بطعامٍ مكايلةً، فإذا جرى التكايلُ في المجلسِ وترتب التقابُض عليهِ، فإذا تفرّقا، استمرت صحةُ العقد، ولو جَرَى التقابض مُجازفةً من الجانبين، وتفرقا عليه، ففي فساد العقد وجهانِ: أحدُهما - أنه يفسد، لأن القبضَ لم يتم.
والثاني - لا يحكم بالفسادِ، لجريانِ صورةِ التقابض.

وهذا يَبتني عندنا على الخلافِ المذكور في أن القابضَ على المجازفة هل يتسلط على بيع ما استيقنه؟ وتحقيق [القول] 1 فيهِ أن من يصحح التصرفَ في القدر المستيقنِ، يصحح القبضَ من جهةِ أن أثر القبضِ نقلُ الضمانِ والتصرّفِ، فإذا اجتمعَا، لم يبقَ لذكرِ الفسادِ معنىً.
فعلى هذا إذا تفرقا، لم يبطل العقدُ.
وإن لم يسلَّط القابضُ على التصرف، فالقبض على هذا لم [يُفِدْ] 2 أحدَ مقصوديه، وهو التصرفُ، وأفادَ نقلَ الضمانِ.
فإذا فرض التفرقُ على هذا الوجهِ، ففي بطلان العقدِ وجهان: أحدهما - أنه يفسُد لنقصان القبض.
والثاني - يصح لجريانهِ واقتضائه لنقل الضمان.
وذكر بعضُ الأصحاب أن رجُلين لو تبايعا طعامين في الذمَّةِ، ثم تقابضا من غير رؤية في المقبوضِ، قال 3: هذا يُخَرَّجُ على هذا الخلافِ المذكور في التقابض مُجازفة.
وهذا فيه فضلُ نظر؛ فإن القبضَ [من غير رؤية يخرّج عندنا على بيع الغائب، فإن القبضَ] 4 [عن] 5 ثابتٍ في الذمّةِ مُملِّكٌ كالبيع، فحلّ محلّهُ.
فإن قلنا: لا يحصل التمليك، فتفرقا، فسدَ العقدُ، وليس كالقبض على مُجازفةٍ في عينين، فإن القبض وارد على مِلك، وإن حكمنا بأن القبضَ مع [عدم] 6 الرؤية مُملِّكٌ، ففي التفرق احتمال؛ من جهة أنه تفرق على جوازِ العقد، فإنا 7 إذا خرَّجْنا قبضَ ما لم يره القابضُ على بيع الغائب، فلا بدّ من تقديرِ خيارٍ فيهِ، والتفرقُ على حكم الخيارِ ضعيف، ولهذا لا يثبت خيارُ الشرطِ في عقدِ [الصَّرفِ] 8، ولنا في

خيارِ الرؤيةِ في قبض ما لم يرهُ القابض تردُّدٌ 1، فلينعمُ الناظرُ نظرَه فيه، فإن خيارَ الرؤيةِ متعلَّقُهُ الخبر، وهو إن صح واردٌ في الشراء، ففي 2 الخيار من طريق المعنى غموض [أيضاًً؛ من جهة أن المقبوض إذا كان على الصفةِ المستحقةِ، فلا فائدة] 3 من رد ما قبضه، فإنه لو رَدّه، لاستمكن المردودُ عليه من رد ذلك بعينه عليه، وليس هذا فسخاً.
بخلاف الخيار في العقد.
ويجوز أن يقال: هذا فسخٌ في القبض، فإذا أنشأ من عليه الحق إقباضاً، فليفعل.
فرع: 3091 - قد ذكرنا أن الأصحَّ اعتبارُ النقلِ في المنقول، حتى لا يصحَّ القبضُ دونَه.
فلو باع رجل داراً، وفيها أمتعةٌ باعها مع الدار، فقد اختلف أصحابُنا في اشتراط النقلِ فيها لتحقيق القبض، فذهب بعضهم إلى [أن] 4 النقلَ لا بدّ منه؛ طرداً لقياس اعتبار النقل، وذهب آخرون إلى أن النقل لا يعتبر، ووجّهُوا هذا بأن المنقولات تتبع الدارَ.
وهذا التوجيه غيرُ سديدٍ.
والوجه تخريجُ الخلافِ على أصل سيأتي في الرهون.
وهو أن من باع الوديعةَ من المودَع، فهل يحتاج إلى إقباضٍ جديد، أم يكفي دوامُ اليد؟ ووجهُ خروجِ ما ذكرناه على ذلك الأصل أن اليدَ تثبتُ على الدار، فيصيرُ المنقول فيها تحت يد المشتري، فانتظم التردد على هذه القاعدة.
فإن بقي في النفس اقتضاءُ تفصيل، فهو مستقصى في الأصل الذي أشرنا إليه.
فرع: 3092 - إذا بَعث من يستحقُ مكيالاً من طعامٍ مكيالَه إلى المستحقّ عليه حتى يملأه، فإذا ملأه، لم يصر نفس هذا إقباضاً عندَنا، خلافاً لأبي حنيفةَ 5، وهذا يخرّج على ما مهدناه من أن صورةَ التقدير لا يكون إقباضاً، حتى ينضمَّ إليه ما يتم الإقباضُ به.

فرع: 3093 - إذا كان لرجل على رجل دينٌ موزونٌ، استحقَّهُ عليهِ وزناً، فلا يستحق القبض فيه إلا وزناً، سواءٌ كان ذلك في بيع أو قرضٍ، أو غيرِهما.
فلو ألقى من عليه الحقُ إلى مستحِق الحق كيساً فيه دراهمُ مجهولة، وقال: خذها بحقِّك، فأخذها من غير وزنٍ، فالقبض فاسدٌ غيرُ مملِّكٍ، كما سبق.
ولكن لو تلفت تلك الدراهمُ في يدِ القابضِ، كانت مضمونةً عليه؛ فإنه قبضها على قصد التملُّكِ، فإذا لم يصح مقصودُه، ثبت الضمان، ولا ينحط هذا من ضمان المحكوم به في حق المستام.
ولو ألقى إليه الكيس، وقال: خذ منه حقَّك، فإنه لم يسلِّم إليه ما في الكيس مملِّكا، ولكن سلَّمها إليه، والملكُ دائمٌ للمسلِّم، فوكَّله بأن يقبضَ حقه منه، فإذا قبض حقهُ منه وزناً، ففي صحَّة القبضِ الوجهان المقدَّمان في نظائرِ ذلك، ولو تلفت تلك الدرَاهِمُ في يده، قبلَ أن يقبضَ منها حقَّه، فلا يكون التالف مضموناً عليه؛ فإن يده يدُ الوكيل المؤتمن قبل أن يقبض، ولا ضمان على الوكيل فيما تلف تحت يدهِ.
وليس كيَدِ المستام؛ فإنه قبض ما قبض لمنفعةِ نفسِه من غير استحقاقٍ، واليد إذا كانت بهذه الصفةِ، فهي يَدُ ضمان والتوكيل ثابت ويدُه مستمرةٌ على حكم الأمانة، إلى أن ينشأ قبضُ حقِّ نفسهِ.
وهذا يناظر ما لو أودع عند رجل عبداً، وذكر أن المودَعَ له أن يستخدمَ العبد إن أراد ذلك، فاليد يدُ وديعةٍ في الحالِ، فإذا ابتدأ في الاستخدام على حكم العارية، فيصير العبدُ إذْ ذاكَ مضموناَّ؛ فإنه مستعار الآن.
3094 - وذكر شيخي تردُّداً عن القفال في مسألةٍ أجراها في أثناء الكلام، وهي أنه لو دفع رجلٌ إلى إنسانٍ دراهمَ، وقال له: اشترِ لنفسِكَ بهذا شيئاً، فقال: يجوز أن يحمل مُطلقُ هذا التسليم 1 على الإقراض، ثم لا يخفى حكمُه، ويجوز أن يحمل على الهبةِ والنحلة، والدليل عليه أن الشافعي قال: " إذا قال من لزمته كفارة لمالكِ عبدٍ: أعتقه عنّي، ولم يذكر عِوضاً، فإذا أعتقه عنه مطلقاًً، صحّ، وحُمل العتقُ على جهةِ التبرع " فليكن الأمر كذلك هاهنا.

فصل في الاستبدال 3095 - الأعيانُ الثابتةُ أعواضاً في الحقيقة في المعاوضات 1 لا يجوزُ الاستبدال عنها قبل القبض، بناءً على الأصل الممهّدِ في منع بيعِ المبيع قبل القبض، والاستبدالُ بيعٌ.
وفي جوازِ الاستبدالِ في الصداق، وما ضممناه إليه من بَدل الخُلع والمصالحةِ عن الدم، الخلافُ المقدَّم، بناءً على أن الأعيانَ هل تثبت أعواضاً على الحقيقة، أم هي مضمونةٌ بالأيدي؟ [وعلى] 2 هذا يُبْتَنى حكمُ التلفِ، على ما سيأتي في كتاب الصداق.
وغرضُ الفصل تفصيلُ القولِ في الاستبدالِ عن الديون.
فنقول: الأموالُ الثابتةُ في الذمَّة تنقسم ثلاثةَ أقسام: أحدها - ما يثبت معوَّضاً في محل المبيع المثمَّن، والثاني - ما يثبت ثمناً.
والثالث - ما يثبت بسبب من الأسباب، وليس مُتَّصفاً بكونه ثمناً ولا مثمناً، كالقرْضِ في ذمة المقترض وقيمةِ المتلَفِ، والمالِ المضمون في ذمّة الضَّامِن.
3096 - فأما ما يثبت معوَّضاً مثمناً في محل المبيع، فهو المسْلَم فيه، فلا يجوز الاعتياض عنه، كما لا يجوز الاعتياض عن العَيْن المبيعة، وذلك أن المسلمَ فيه مبيع مقصودٌ كالعَين المبيعة 3، والملك في العين أقوى من الملك في الديْن، فإذا امتنع الاستبدال عن الملك في العَيْن، فلأن يمتنِع عن الدين الذي وقع مبيعاً أولى.
ولو كان على المسلِمِ قرضٌ، فإخال المُقرِضَ بحقهِ على المسلَمِ إليهِ، فالحوالة فاسدةٌ؛ فإنها في التحقيق بيع سلمٍ بدينٍ، وذلك باطلٌ.
ولو كان للمسلَم إليهِ دينٌ على إنسانٍ عن جهةِ قرضٍ، وكان من جنسِ ما عليه في

عقدِ السلم، فلو أحال المسلِمَ على من عليه القرض، ففي الحوالة وجهان: أحدُهما - أنها فاسدة؛ فإنها تضمنت مقابلةَ سليم بقرضِ، فلتفسد كما تَفسُد إحالةُ القرضِ على السلم.
ومن أصحابنا من قالَ: حوالةُ السلَم على القرض صحيحةٌ؛ فإن الواجبَ على المسلَم إليه أن يوفر على المسلِم حقّهُ، فإذا فعل، فقد خرج عما عليه، فالأصح منع الحوالة؛ فإنا لو صححناها، لكُنَّا نقلنا استحقاقَ المسلَم من السلم إلى القرض، ومن ذمَّة المسلم إليه إلى ذمّةِ المستقرض، وهذا على حقيقة المعاوضة.
وإن لم نجعل الحوالةَ معاوضةً، فيجب أن تصح الحوالة على السلم أيضاًً.
وذكر الشيخ أبو بكر الصيدلاني وجهاً في صحة إحالةِ القرضِ على السلَم والسلَم على [القرض] 1، تخريجاً على أن الحوالةَ استيفاءٌ وليس بمعاوضةٍ.
وإذا جمعنا الإحالَةَ على السلم، وإحالةَ السلم على غيرهِ، انتظم على ما ذكره ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - المنع.
والثاني - الجوازُ.
والثالث - الفصل بين إحالة القَرْض على السلم؛ فإنها ممنوعة وبين إحالةِ السلم على القرض؛ فإنها جائزة.
فهذا قولُنا فيما ثبت من الديون على مرتبة الأعيان المبيعة.
3097 - فأما ما ثبت قرْضاً، أو قيمةً عن مُتلَفٍ 2، أوْ لازماً عن جهةِ ضمانٍ، فالاستبدال عن جميعها جائزٌ.
وإذا استبدل مستحِقُّ الدين في هذه الجهاتِ وأمثالِها عن الدين عيناً، صح الاستبدال لو جرى تسليمُ العين في المجلس.
وإن تفرقا قبل تسليم العين، نُظر: فإن كان الاستبدالُ في شقيّه وارداً على ما يشترط التقابض فيه [ثم] 3 جرى التفرُّقُ، فيبطل الاستبدالُ، وإن لم يكن العقدُ عقدَ ربا، بأن كانت الديون دراهمَ وأعواضُها ثياب، وما في معانيها؛ فإذا جرى التفرُّقُ قبل القبض فيها، ففي بطلان الاستبدال وجهان: أحدهما - أنه لا يبطل؛ لأن اشتراط الإقباض لا يستند

إلى أصلِ في غير عقود الربا والسَلَم، فليكن الاستبدال من دينٍ في عين بمثابَة بيعِ عينِ بدين، ولا 1 يُشترط الإقباضُ فيه.
والوجه الثاني - الاستبدالُ يَفسُد، ويندرجُ تحت نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن بيع الدين بالدين " 2. وهذا ظاهر نص الشافعي، وليس الاستبدال في معنى بيع العين بالدين؛ فإن العقد ينزل على مقصود المتعاقدين، وغرضُ الاستبدال استيفاءُ الدين من مالية العَين، فإذا لم يجز القبضُ، كان في حكم دينٍ في مقابلة دين.
وهذا تكلّفٌ والصحيح الأول.
3098 - وإذا ثبت جواز الاستبدالِ عن الديون في هذه الجهاتِ، فهل يصح بيعُ الدينِ من إنسان آخر بعينٍ تؤخذ منه؟ فعلى قولين: أحدهما - يجوز؛ فإن الدينَ مملوكٌ، فإذا جاز استبدالُ مستحقِّه عليه، ونفذَ تصرُّفُه فيهِ، فينبغي أن يجوز بيعُه من الغير (3 أيضاًً، اعتباراً بالأعيان التي تَنفُذ التصرفات فيها.
والقول الثاني - لا يصح بيعُ الدين من الغيرِ 3)، فإن الدينَ ليس ملكاً محصَّلاً، ولهذا يمتنع رهنُه، وإنما جوزنا الاستبدالَ توصُّلاً إلى الاستيفاءِ، وإبراءِ الذمة، ولا خلاف أنا وإن جوزنا بيع الدين من [الغير] 4، فلا يجوز بيعُ الدين من الغير بالدين؛ فإن هذا لَوْ جُوّزَ انطبق عليه نهيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالىء بالكالىء.
وكان شيخي يقول: اشتراطُ القبضِ في الاستبدال متلقىً من القولين من بيع الدين من الغَير، فإن جوّزنا ذلك، فالاستبدالُ بيعٌ محقق، ولا يُشترط في بيع العين القبضُ، إذا لم يكن العقدُ مشتملاً على عِوضَي الربا.
وإذا لم نجوّز بيعَ الدين من الغَيرِ، فلا نجعل الاستبدال في حقيقة البيع بل نجعله استيفاءً، والاستيفاءُ لا يَتعدَّى المجلسَ.3

3099 - فأما القسمُ الثالث وهو الدَّيْن الثابتُ ثمناً، فنقول: في جَوازِ الاستبدال عن الثمن قولان للشافعي: أحدهما - أنه باطِل؛ فإنه دَين ثبت عوضاً في معاوضةٍ، فلا يجوز الاستبدال عنه، كالمسلَم فيه.
والقول الثاني - يجوز الاستبدال عنه؛ فإن الثمن لا يُقصد لعينهِ، وإنما تُقصدُ الماليّةُ منه، والاستبدال يُديمُ الماليةَ وحكمَها، وليس كذلكَ المسلَم فيه؛ فإنه مقصودٌ في جنسهِ، كالأعيان المعيّنَة.
وهذا ضعيف في القياسِ، ولكن رُوي عن ابن عُمر أنه قال: كنا نبيعُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدراهم، فنأخذ بدلَها دنانيرَ، ونبيع بالدنانير، فنأخذ بَدَلها دراهم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما لَبسٌ " 1 وروي " وليس بينكما شيء " وهذا الحديث يقرب من مراتب النصوص، وقد حملناه في الخلاف على التبادلِ في المجلس، وهذا يخرج على مصيرنا إلى أن إلحاق الزوائد بالثمن والمثمّن جائزٌ في مجلس العقدِ، وزمانِ الخيار، ويشهدُ لهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما لَبس ". 3100 - وتمام البيان موقوف على أن نذكر حقيقةَ الثمن والمثمَّن، وحاصلُ المذهب في ذلك ثلاثةُ أوجه: أحدُهما - أن الثمن هو الدراهم والدنانير المضروبتان.
والوجه الثاني - أن الثمن ما اتصل به باء الثمنيّة في صيغة العقد، فإذا قال القائل: بعتك هذا العبدَ بهذا الثوبِ، فقال مالك الثوب: قبلتُ، كان الثوبُ ثمناً والعبدُ مثمناً.
ولو فُرضت الصيغةُ على خلاف ذلك، فالمتبعُ عند هذا القائِل في تمييزِ الثمنِ عن

المثمن الباءُ التي سميناها باءَ الثمنية، فعلى هذا إذا قال بعتك هذه الدراهم بهذا العبد فالدراهم مثمن والعبدُ ثمن.
والوجهُ الثالث - أن العقد إذا اشتمل على نقد وعَرْضٍ، فالثمن هو النقدُ سواءٌ ذكر بالباء، أو لم يذكر به، وإن لم يشتمل العقدُ على نقدٍ وإنما قوبل عَرْضٌ بعرض، فالثمن منهما ما يتصل به باءُ الثمنيةِ.
وإن قُلنا: الثمنُ هو النقدُ، فهل يصحُّ أن يُذكر مثمناً أوْ لا؟ ظهر اختلاف أصحابنا في أن السلم في الدراهم هل يصح؟ والأصح الصحةُ.
والوجهُ الآخر وإن كان مشهوراً، فلا مخرجَ لتوجيهه إلا الامتناعُ من تقدير الدراهم على رتبةِ المبيع المثمَّن.
فإذا ثبت هذا فإن قلنا: لا يصح السلمُ في الدراهم.
فلو قال: بعتك هذه الدراهمَ بهذا العبد، فمن أئمتنا من منع هذا.
كما منعنا السلم في الدراهم.
والجامعُ ما ذكرناه من تقدير النقد مبيعاً ومنهم مَنْ أجاز هذا.
وكان شيخي يقول: لو قال بعتك ألفَ درهم بهذا العبد من غير تعيين الدراهم، فهو بعينه على الخلاف المذكور في السلم في الدراهم، وإنما التردد في الدراهم المعينة إذا ذكرت مبيعةً.
3101 - فإذا ثبتت هذه المقدمةُ، وصلناها بأخرى، وقلنا: إذا قال: بعتك هذا العبدَ بثوبٍ، وأطنب في وصفه، فالثوبُ هل يثبت له حكمُ المسلمِ فيه؟ أم هو على حكم الأثمان؟ خرج الأصحابُ هذا على الخلاف المذكور في أن العروض هل تصيرُ أثماناً بباء الثمنية، ولم يختلفوا في صحة العقد.
فإن قلنا: الثوبُ ثمن، فلا يجب تسليمُ العبد في المجلس، وإن قلنا: الثوبُ في حكم المسلم فيه، فهل يجب تسليم العبد في المجلس؟ فعلى وجهين سنذكرهما في كتاب السلم: أحدهما - أنه يجب؛ [فإنّ] 1 الصفقةَ اشتملت على موصوفٍ من العروض، وهذا هو السلم.
والثاني - لا يثبت حكم السلم؛ فإنها لم تثبت على صيغة السلم، ولصيغ العقودِ آثار بيّنة، فإذا انضم هذا إلى ما ذكرنا لحقيقة الثمنية، عُدْنا بعدَ ذلك إلى إتمام القول في الاستبدال.

3102 - فنقول: لا مطمع في تصحيح الاستبدال عن الأعيان.
فأما الديون فما حَكَمنا بكونه مثمناً، فلا يجوز الاستبدال عنه، وإن لم نوجب تسليمَ مقابله في [المجلس] 1، فإنَّ مَنْع الاستبدالِ مُتلقّىً من كون الشيء مبيعاً، لا من وجوب تسليم مقابلِه.
وكل ما حكمنا بكونه ثمناً، فحاصل المذهبِ في الاستبدال عنه ثلاثةُ أقوال: أحدها - الجوازُ.
والثاني - المنعُ.
والثالث - الفصلُ بين النقد وغيره؛ فإن النقودَ لا تُعنَى لأعيانها، بخلاف العُروض.
وإذا كانت العروضُ معيّنة، فلا حاصلَ للفرق بين أن تكون أثماناً أو مثمنات.
وذكر صاحبُ التقريب على قولنا بالمنع عن الاستبدال عن الدراهم الواقعة ثمناً، إنما نمنع استبدالَ عَرْضٍ عن الدراهم، فأما استبدالُ نوعٍ من الدراهم عن نوعٍ، أو استبدالُ الدنانيرِ عن الدراهم، فهل يمتنع؟ فعلى وجهين: فإن القولَ يظهر في التحول من نقدٍ إلى نقد، في أن المستبدِلَ لم يحد عن المقصود، فإن النقود إذا استوت في الجريان، فليست هي مقصودةً لأعيانها، وإن سميت، ويعتضدُ هذا بحديث عبدِ الله بن عمر.
ولا مطمع في تقدير معنى.
وكل ما أجريناه مسالكُ ضعيفة لا تصبرُ على السبر مع مصيرنا إلى أن إفلاس المشتري بالثمن يُثبت حقَّ الفسخ في المبيع.
وقد ينقدح فيه أن يقال: المالية تعذّرَت بالإفلاس.
وهذا منتهى الكلام في الاستبدال، وما يجوز منه وما يمتنع.
فصل في تلف المبيع قبل القبض وتعيُّبه 3103 - الكلامُ في التلف والنقصان: فأما التلف، فلا يخلو إما أن يكون بآفة سماوية، وإما أن يكون بإتلاف متلفٍ.
فإن كان التلفُ بآفةٍ، فالبيع ينفسخ، والمبيع

يرتدُّ إلى ملك البائع تبيُناً 1 قبل تقدُّر تلفه.
وهذا من ضرورة الحكم بالانفساخ، فإنه لو هلك ملكاً للمشتري، لاستحال أن يُستردَّ الثمنُ، ويُقضَى بانفساخ العقد، حتى قالَ الأئمةُ: لو مات العبدُ المبيعُ قبل القبض، فمؤنةُ تجهيزه ودفنهِ على البائع.
ثم إذا كان يتقدم انتقالُ الملك على التلف، فقد ذكر بعضُ المصنفين وجهين في التقدير: أحدهما - أنه ينتقل الملك إلى البائع قبيل التلف.
والثاني - أنه يستند إلى أول العقد.
وحقيقة هذا يرجع إلى أنا نتبين بالأَخَرة أن لا عقدَ أصلاً، فيكون العقدُ قبل القبض موقوفاً على ما تبين، فإن لم يسلَم المبيع، تبيَّنا أن لا عقدَ فيما مضى.
وهذا في نهايةِ البُعد.
وبنى هذا القائلُ الزوائدَ المتجدّدة بعد العقد على ما ذكره.
وقال: إن قدرنا النقلَ قبيلَ الموت 2، فالزوائدُ المنفصلةُ تسلم للمشتري؛ لأنها تجدّدت على ملكه، وإن حكمنا بتبين [انتفاء] 3 العقدِ، فالزوائد تكون للبائع على طرد التبين أيضاًً، ولعلنا نعيد فصل الزوائد في باب الخراج.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا تلف المبيع لا بجنايةِ جانٍ.
3104 - فأما إذا أتلفه متلفٌ، لم يخلُ إما أن يتلفَه أجنبي، أو يتلفَه المشتري، أو يتلفَه البائع.
فإن أتلفه أجنبي، فالذي قطع به المراوزةُ أن البيعَ لا ينفسخ.
وذكر العراقيون قولين في انفساخ العقد: أحدهما - أنه ينفسخ، كما لو تلف بالآفة السماوية؛ فإن المعقود عليه العينُ المبيعةُ وقد فاتت.
والقول الثاني - أن البيع لا ينفسخ، ولكن المشتري بالخيار.
كما سنفصله في التفريع.
ووجه هذا القولِ أن إتلاف الأجنبي أعقب ضماناً على المتلف، والقيمةُ إذا ثبتت خلفت المقوَّمَ في الأعواض المالية.

التفريعُ: 3105 - إن حكمنا بأن البيع ينفسخ فالمشتري يسترد الثمنَ، والبائعُ يطالب الأجنبي بقيمة المتلف.
وإن قلنا: لا ينفسخ البيع، فالمشتري بالخيار.
وسببُ خياره أنه عدِم العينَ التي كانت مورداً للبيع؛ فإن فسخ العقدَ، عاد التفريع إلى ما ذكرناه في قول الانفساخ.
وإن أجاز العقدَ [استقرّ] 1 الثمنُ عليه، واتبع [الأجنبي] 2 بقيمةِ المتلَف، فإذا غرِم الأجنبي القيمةَ، والتفريع على أنه يثبت للبائع حقُّ الحبس 3، فهل يستحق حبسَ القيمةِ حتى يتوفر الثمن عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يستحق ذلك، كما لو أتلف أجنبيٌ العينَ المرهونةَ، وغرِم القيمةَ؛ فإنها تكون محبوسةً بالدين.
والوجه الثاني - أن البائع لا يملك الحبسَ؛ فإن حق حَبْسه لم يكن مقصود عقدٍ حتى ينتقلَ من العين إلى القيمة، بل ثبت على طريق التبعية، فينبغي أن يسقط بتلفِ العين.
والدليل عليه أن الراهن لو أتلف العينَ المرهونةَ في يد المرتهن، فإنه يغرِم قيمتَها لتكون رهناً، والمشتري لو أتلف المبيعَ، لم يلزمه بَذْلُ القيمةِ للبائع لتكون محبوسةً.
التفريع: 3106 - إن قلنا: لا يملك البائع حبسَ القيمةِ المأخوذةِ من الأجنبي، سِيقت القيمةُ إلى المشتري، ولم يملك البائعُ إلا مطالبتَه بالثمن.
وإن قلنا: يملك البائعُ حبسَ القيمةِ، فلو تلفت تلك القيمةُ المحصلة في يده بآفة سماوية، فالمذهب أن البيعَ لا ينفسخ؛ فإن سببَ انفساخِ البيع تلفُ المبيع.
وليست القيمة مبيعةً؛ إذ قد تكون ألفين والثمنُ ألفاً.
ومن أصحابنا من حكم بالانفساخ.
وهذا خبطٌ.
وسببه أن الأصح أن البائعَ لا يملك حبسَ القيمة، والتفريعُ على الضعيف أضعفُ من أصله.
3107 - فأما إذا تلف المبيع بإتلاف البائع، قال العراقيون: في المسألة طريقان.
وقالت المراوزة: في المسألة قولان: أحدهما - أن إتلافَ البائع المبيعَ بمثابة تلفه بآفة

سماوية.
وهذا أحدُ الطريقين للعراقيين.
والقول الثاني - أن إتلاف البائعِ كإتلاف الأجنبي، وإتلافُ الأجنبي لا يوجب 1 انفساخَ العقدِ في طريق المراوزة.
وهو على قولين في طريقة العراقيين.
التوجيه: من لم يجعله كالأجنبي، احتج بأن ضمانه يجب أن يكون ضمان العقود؛ [إذْ] 2 لم يجرِ القبضُ بعدُ، [و] 3 ضمانُ العقودِ يتضمن ردّ الثمن.
والقول الثاني - أنه كالأجنبي، فإنه جنى على ملكٍ مستقرٍّ للمشتري.
التفريع: 3108 - إن حكمنا بالانفساخ، فلا كلام.
وإن قلنا: لا ينفسخ على اختلافِ الترتيبين، فالمشتري بالخيار بين أن يفسخ، ويرجعَ إلى الثمن، وبين أن يجيز العقدَ، ويُلزمَ البائع قيمةَ المبيع.
ثم التفريع وراء ذلك كما مضى.
وكان شيخي يقطع بأنه لا يثبت للبائع حقُّ الحبس في القيمة التي يغرمها؛ فإنه المتسبب إلى إبطال حقه من الحبس في عين المبيع، وليس كالأجنبي.
وفي المسألة احتمال على بُعدٍ.
وطرد الأصحابُ وجهين في المرتهن إذا أَتلفَ العينَ المرهونةَ، وغرِم القيمةَ في أن القيمة هل تكون مرهونةً؟ وسيأتي ذلك في الرهون - إن شاء الله تعالى.
3109 - فأما إذا أتلف المشتري المبيعَ، فإتلافُه قبضٌ للمبيع، اتفق الأصحاب عليه؛ فيستقر العقدُ والثمنُ، ولا يلزمُ المشتري بذلَ القيمة ليحبسَها البائعُ وجهاً واحداً.
وتعليل ذلك أن إتلافَه صادفَ ملكَه، فاستبعد العلماءُ أن يقضُوا بردّ المتلَفِ إلى ملك الغيرِ، بعد صَدَرِ الإتلاف من المالك.
وإذا أعتق المشتري العبدَ المبيعَ قبل القبض، ونفذنا عتقَه على التفصيل المقدّم، كان إعتاقُه قبضاً، وإتلافاً للمبيع، من طريق الحكم.
هذا كلُّه كلامٌ في تلفِ المبيعِ بالجهات.

3110 - فأما نقصانُ المبيع، فإنه ينقسم إلى نقصان جزئي، وإلى نقصانٍ لا يتطرق إليه التجزُّؤ.
فأما النقصانُ الجزئي، فهو بمثابةِ ما لو اشترى عبدين، فتلف أحدُهما، أو كُرَّيْن 1 من الطعام، فتلِفَ أحدُهما، فالبيع ينفسخ في التالف، وفي انفساخِه في الباقي قولا تفريق الصفقة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثم المذهب الذي عليه التفريع أنا إذا خيرنا المشتري على قولنا لا ينفسخ العقد في الباقي، فإن أجاز العقدَ في الباقي، أجازه بقِسْطه من الثمن، هذا هو الصحيح.
وفيه قول آخر، سنذكره في تفريع تفريق الصفقة.
والنقصان الذي يرجع إلى الجزئية [يَحُدُّهُ] 2 في ضبط المذهبِ أن يكون التالفُ بحيث يمكن إفرادُه بالبيع، ولا يكون جزءاً من الباقي.
ولو باع رجلٌ داراً، فاحترق سقفُها، فقد اختلف أئمتُنا في ذلك: فذهب بعضُهم إلى أن ذلك بمثابة تلفِ أحدِ العبدين، من قِبَل أنّ إفرادَ السقف بالبيع قد يمكن تقديرُه، وإن عسر فرضُه لتعذُّرِ فصلِه، فلا تعويلَ على ذلك، مع إمكانِ إفرادِ السقف بتقديرِ القيمة له، وليس ذلك كأطراف العبد؛ فإنها لا تستقلّ فيما ذكرناه.
ومن أصحابنا من جعل احتراق السقفِ وتلفِ غيره من بنيان الدار بمثابة تلفِ أطرافِ العبد، حتى ينزل منزلةَ العيبِ، على ما سنفصله.
هذا بيانُ ما يتعلق [بنقصانِ الجزءِ.
3111 - فأما القولُ في العيب الذي يتعلّق بصفةِ المبيع، ولا يتعلق، 3 بما ينقسم في حكم التقويمِ، أو في حكم الإفراد بالعقد، فالوجه أن نُعيد فيه التقاسيمَ الثلاثة.
فإن عابَ المبيعُ بآفةٍ سماوية، مثلِ أن سقطت يدُ العبد بآفةٍ قبل القبضِ، فللمشتري

الخيارُ لا غيرُ؛ فإن ردّ ارتدَّ الثمنُ، وإن أجاز لزمهُ تمامُ الثمن.
والقول في أحكام الرد في باب الخراج.
3112 - وإن قطعَ أجنبيٌّ يدَ العبدِ المبيعِ، فهذا نفرعه على حكم إتلافهِ، فإن جعلنا إتلافَه بمثابةِ التلفِ بآفةٍ سماويةٍ، فمساقُ ذلك يقتضي لا محالةَ ثبوتَ الخيارِ للمشتري، كما لو عابَ المبيعُ بآفةٍ سماويةٍ.
ثم إن فسخ استرد الثمنَ، والبائعُ يطالب الأجنبي بأرش اليد، وإن أجاز استقر الثمنُ عليه للبائع، وله مطالبة الأجنبي بأرش اليد.
وإن فرعنا على أن إتلافَه لا يكون كالتّلفِ بالآفةِ السماويةِ، فالخيارُ يثبت للمشتري أيضاًً؛ لأن المبيعَ في عُهدةِ البائع إلى أن يسلّم، والدليل عليه أنا في صورة إتلافِ الأجنبيِّ نُثبت الخيارَ للمشتري أيَضاً، لجريان التلفِ في عُهدةِ البائعِ.
فإن أجاز المشتري العقدَ غرِم الأجنبيُّ أرشَ اليدِ.
وإن فسخ استردَّ الثمنَ، وغَرَّمه البائعُ 1. فيستوي التفريع على القولين في كل حكمٍ بسببين: أحدهما - أن الذي جرى ليس [تلفَ أجنبي] 2 يتطرق الاختلافُ إليه في الانفساخ، والعهدةُ مطردةٌ على البائع في كلِّ قولٍ، واجتماع هذين المعنيين يوجب تسويةً بين القولين.
3113 - وإذا عابَ المبيعُ بفعل من جهة البائعِ، فإن جعلناه بمثابةِ الأجنبيّ، فقد مضى التفريعُ فيه، فيثبتُ له مطالبةُ البائعِ بأرش الجنايةِ، فسخَ أو أجازَ 3. وإن جعلنا [فعله] 4 كالآفة السماويةِ، فنقول على ذلك: إن فسخ، استردّ الثمن

ليس له غيره، وإن أجاز، لم يطالِب البائعَ بأرشِ الجناية؛ لأنا نزلنا فعلَه منزلةَ آفةٍ سماوية.
فإن قيل: هلاّ سلكتُم هذا المسلكَ فيه إذا كان الجاني أجنبيّاً؟ قلنا: لا تعلّق للعقد به، وإنما يلتزم ما يلتزم بالجناية المحضة، فيستحيل أن نُحبط جنايتَه في جهةٍ من الجهات، [نعم] 1 يجوز أن يختلف مستحِق الأرش، فأما أن يَبْرَأَ الجاني، فهذا محال.
وإذا كان الجاني هو البائع، وجعلنا فعلَه كآفةٍ سماوية، فعهدةُ العقدِ متعلقةٌ به، فكفى إثباتُ حقّ الرد للمشتري، وهذا بمثابةِ إتلافهِ على قولنا: إنه كالتلف السماوي، فإنا لا نُلزمه القيمةَ.
والمرأةُ إذا ارتدت، فقد أفسدت على زوجها حقَّ المستمتعِ، ولا تنزل منزلةَ المرضعةِ تُفسدُ النكاح بالإرضاع.
وإن عاب المبيع بجنايةِ المشتري بأن قطع [يدَ العبدِ] 2 المبيع، فلا شك أنه لا خيارَ له، وإن جرى القطعُ في استمرارِ يدِ البائع، ولكنا نجعله قابضاً لمقدارٍ من المبيع؛ فإن إحباطَ الجنايات لا سبيلَ إليها، والعيبُ في هذا المقام بمثابةِ جزء من المبيع.
ثم قال العلماء: إن ألزمنا الأجنبي أرشَ القطعِ، فجراحُ العبدِ من قيمته، كجراح الحرِّ من ديتِه على النَّصِّ.
وفي المسألة قولٌ آخر خرّجَه ابنُ سُريج: إنه يتعلق بالجنايةِ نقصانُ القيمة، وسيأتي ذلك في كتاب الخراج.
وإن جعلنا البائعَ كالأجنبي في الجناية، فقطع يدي العبدِ، ثم رجليه، واندملت الجراحات، فقد نُلزمه بسبب اليدين القيمة الكاملة وبسبب الرجلين قيمة عبدٍ أقطعَ اليدين، ثم نسلِّم العبدَ إلى المشتري إذا كان أجاز، ولا نلزمه إلا الثمن المسمَّى.
3114 - وأما إذا كان الجاني هو المشتري، فقد قطع الأئمة بأن المرعيَّ في حقه النقصانُ لا المقدَّر، والسببُ فيه أنا لو اعتبرنا المقدّرَ، لجعلناه قابضاً للعبد حُكماً إذا

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل