نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 463-470
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإيلاء

صفحات 463-470
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

التحريم إلا متعلقاً بهما، فأشبه ما لو طلقها طلقة رجعية، وقضينا بتحريمها، فلو أراد الزوج أن يغشاها، فلها الامتناع، بل عليها الامتناعُ حتى يرتجعها، وكذلك إذا كانت حائضاً، فلها منعُ نفسها عن زوجها، وكذلك لو كانت مُحْرمة، أو صائمة.
والوجه الثاني - أنه ليس لها أن تمتنع؛ فإنه لا حرمة فيها، وهي في نفسها على صفة الاستباحة، وليس لها أن تنظر في حال الزوج، وتتصرف فيما يحرم عليه ويحل له.
ومن أصحابنا من فصل بين أن يكون الزوج مظاهراً، وبين أن يكون صائماً، أو مُحْرماً، فقال: لها أن تمتنع إذا كان الزوج مظاهراً، (1 وليس لها أن تمتنع إذا كان الرجل 1) محرماً أو صائماً.
9486 - وحاصل المذهب أن المطلّقة تمتنع؛ لأن الطلاق واقع بها، وإذا كان الرجل مُحِلاً وهي مُحرمة، امتنعت، وكذلك لو كانت صائمة صياماً لا يجوز إفساده عليها، فمهما 2 تحقق سبب التحريم فيها على الاختصاص، امتنعت، وإذا ظهر 3 تعلق السبب بها كالطلاق، فإنها تمتنع من التمكين.
وإن اختص الزوج بالسبب المحرِّم، كما إذا كان مُحرماً أو صائماً صوماً لا يجوز إفساده، فهل تمتنع من التمكين، أو ليس لها الامتناع؟ فعلى وجهين.
وإذا ظاهر عنها الزوج، فهذا مردّد بين الطلاق وبين الإحرام، وجه مشابهته للطلاق أن الظهار يحرّم المرأةَ كالطلاق، ووجه مشابهته للإحرام أن الظهار لا ينقصُ ملك الزوج، ولا 4 يخرم حقّه فيها، ولكنه لما قال زوراً وكذباًَ، عاقبه الشرع بتحريم الغشيان عليه.
واختيار الشيخ أبي حامد أن الزوج إذا كان محرماً أو صائماً، فليس لها أن تمتنع عن التمكين وجهاً واحداً، وإنما الوجهان في الظهار.1

ثم مهما قلنا: إنها تمتنع، فحقٌّ عليها أن تمتنع، وإذا قلنا: لا تمتنع، فحق عليها أن تمكن إذا دعاها زوجها.
9487 - فهذا أصل قدمناه على غرضنا من الإيلاء، ونحن نبني عليه غرضنا من الإيلاء، فنقول: إن ألزمنا المرأةَ أن تمكن، فإن مكنت، فذاك، وإلا يسقط طلبها في الوقت، وليس لها أن تقول: لا أمكِّن وأطلبُ الطلاقَ.
وإن قلنا: لها أن تمتنعَ ولا تُجبرَ على التمكين، فإن مكنت ولم يطأها، فيطالب بالطلاق 1 أو تطلّق عليه زوجته.
وإن أبت ولم تمكِّن، وطلبت الطلاق، وقلنا: لها الامتناع من التمكين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها لا تطلب الطلاق، بل 2 يفيء فيئة معذور إلى زوال العذر، كما [ذكرناه] 3 في المانع الحسي، فأشبه ما لو لم 4 يكن مانع، فنشزت أو مرضت.
والوجه الثاني - أن الزوج يجبر على الطلاق أو يطلّق عليه؛ فإنه هو الذي ضيق على نفسه هذا التضييق.
هذه طريقة [العراقيين] 5 وهي على نهاية الحسن.
9488 - وأما أصحابنا المراوزة؛ فإنهم لم يتعرضوا لوجوب التمكين عليها أو لتحريمه، بل اقتصروا على قولهم: نقول للرجل: إن وطئت عصيت، وإن لم تطأ، طلقنا عليك زوجتك، وهذا لا 6 يستقل ما لم نفصِّل المذهب على نحو ما ذكره العراقيون.

فصل قال: "ولو آلى، ثُم آلى، فَحَنِث في الأولى ... إلى آخره" 1. 9489 - إذا تكررت كلمة الإيلاء من الزوج: بأن قال لها: والله لا أطؤك والله لا أطؤك، حتى كرره مراراً، فألفاظه لا تخلو إما أن تكون متواصلة، وإما أن يتخلل بينها فصول، فإن كانت متواصلة، وزعم أنه نوى تكرار الألفاظ وتأكيدَ المعنى بها، ولم يرد تجديداً، فهو مصدق؛ فإنه لو والى بين كلام في الطلاق في أزمنة متواصلة 2 ولم يتخلل في أثنائها ما يمنع التأكيد، وزعم أنه أراد التأكيد، قُبل منه.
وإن قال في كَلِم الإيلاء: أردت بكل كلمة يميناً معقودةً مقصودةً، فيكون الأمر كذلك، وفائدةُ تعددها أنه إذا فرض الوطء، انحلت بجملتها، ثم يختلف الأصحاب في اتحاد الكفارة وتعددها، والصحيح التعددُ، كما قدمناه.
ولو أطلق الألفاظ، وزعم أنه لم ينو تأكيداً ولا تجديداً، ففي المسألة قولان.
ولو قال: أنت طالق وطالق، وخلَّل بين الكلمة والكلمة فتراتٍ تُقطِّع وصْلَ الكلام ونظمَه ونضَدَه، وتمنع الحملَ على التأكيد، ثم زعم أنه أراد التأكيد، فلا يقبل منه.
ولو قال: أردت تكريرَ ما قدمته وإعادتَه، قلنا: لا نقبل ذلك منك؛ فإن الطلاق إيقاع، فإذا انحسم وجهُ التأكيد، لم يبق إلا الحملُ على الإيقاع 3. 9490 - ثم هذا يجري في كل لفظٍ [فلو] 4 أقر بألفٍ لزيدٍ، ثم أقر له بعد أيام بألفٍ، وزعم أنه أراد تكرير الإقرار الأول، قبل ذلك، خلافاً لأبي حنيفة 5.

وعمدة المذهب أن الخبر الواحد يكرر ليشهر ويذكر، وإذا كان 1 ذلك، ممكناً، صدقناه فيما يريده، فإن أراد نشر الطلاق الذي قدمه، فليقرّ به، فإذا لم يخبر عمّا مضى، واستقل كلامُه إيقاعاً، لم يحتمل غير الإيقاع.
ولو قال: والله لا أجامعك، ثم أعاد اليمين مع انقطاع الوصل وتخلُّلِ الفصل، وزعم أنه أراد إعادة اليمين الأولى، فالذي ذكره المحققون أن هذا مقبول منه؛ فإن الحلف في الحقيقة خبرٌ مؤكد بالقَسَم، وقد ذكرنا أن الخبر يقبل التكرير، وقول الفقهاء: عقد فلان اليمينَ ليس على معنى العقود التي تُنشأ، وإنما المراد أخبر خبراً يُلزمه أمراً.
هذا إذا قال: أردت تكرير اللفظ الأول، ولم يرد تجديدَ يمين.
قال الأصحاب: لو قال لامرأته: إن دخلت الدار، [فأنت طالق] 2، ثم قال بعد زمان متطاول: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وزعم أنه أراد إعادة اللفظ الأول، ولم يُرِد تعليق طلاق [مجدَّد] 3، كان كما قال؛ فإن هذا في حكم الخبر.
فهذه ثلاث مسائل أطلق الأصحاب فيها قبولَ تأويل التكرير: الإقرار، واليمينُ بالله، وتعليقُ الطلاق والعَتاق 4. ومن أصحابنا من قال: تأويل التكرير مقبول في الإقرار فحسب، وهو غير مقبولٍ في اليمين بالله، وتعليقِ الطلاق؛ فإن اليمين إنشاء وكذلك التعليق.
ومنهم من قال: يقبل تأويل التكرير في اليمين بالله، ولا يقبل في الطلاق، وهذا لا بأس به؛ لأن قول القائل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ليس بخبر، وإنما هو وضعَ الطلاقَ مربوطاً بصفة، والدليل عليه أنه لا يدخله التصديق والتكذيب.

9491 - فخرج مما ذكرناه أن الإقرار لما كان إخباراً محضاً معرَّضاً للصدق والكذب، ظهر فيه إمكان التكرير.
واليمينُ بالله خبرٌ من وجه وإنشاء من وجه، فتطرق الخلاف إليه، ودليل انحطاطه عن الإقرار قُبْحُ التكذيب فيه، ولكن للتكذيب فيه مساغٌ على الجملة.
وتعليق الطلاق [إنشاء] 1؛ إذ لا مساغ للتكذيب فيه أصلاً.
ثم إذا أتى بألفاظ الأيمان أو بتعليق الطلاق مراراً، وخلّل فصولاً، فإن قلنا: لا يقبل منه تأويل التكرير، فمطلق الألفاظ محمول على التجديد، وإن قلنا: يقبل منه تأويل التكرير فإذا كانت الألفاظ مطلقة، فالمذهب أنها محمولة على التجديد.
وأبعد بعض أصحابنا؛ فقال: هي محمولة على التكرير، والطلاق لا يحتمل هذا، فإذا تقطعت ألفاظ المطلق، وخرجت عن حد التأكيد، فهي على التجديد إذا صادفت محلها.
ثم إن الشافعي رضي الله عنه أعاد في آخر الباب 2 مناظرةً مع أبي حنيفة في مُدّة الإيلاء، ولا غرض لنا فيها.
...

باب إيلاء الخصي غير المجبوب والمجبوب

9492 - الخصيّ إذا لم يكن مجبوباً، فآلى، فهو بمثابة الفحل يولي، وكذلك إذا جُبّ من ذكره البعضُ، وبقي ما يتعلق به الجماع التام.
فأما المجبوب الذي استؤصل ذكره، أو بقي منه ما لا يتعلق به الجماع، فقد اختلف أصحابنا في إيلائه، فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - ينعقد إيلاؤه.
والثاني - لا ينعقد.
من قال لا ينعقد قال: إنه حلف على الامتناع عن أمرٍ يستحيل منه الإقدام عليه، فكان كلامه لغواً، وأيضاً فإن الإيلاء مبناه على قطع رجائها وإظهار الضرار من هذه الجهة، وهذا لا يتحقق من المجبوب.
والقول الثاني - أنا نجعله مولياً، لأن عماد الإيلاء الإيذاء 1 باللسان، وقد تحقق ذلك منه.
ومن أصحابنا من قطع بأن إيلاءه لا يصح ويلغو، وإنما القولان فيه إذا آلى وهو فحلٌ ثم جُبّ، ففي قولٍ ينقطع الإيلاء، وفي قولٍ يبقى، ويكون ما طرأ مانعاً من الوقاع، مؤدياً إلى الاكتفاء بفيئة اللسان.
ومن أصحابنا من قطع بأن إيلاءه لا يصح، وإن طرأ الجب، انقطع.
وهذا هو الذي لا يصح -على التحقيق- غيره؛ فإن اليمين يستحيل فرض بقائها مع استحالة الحِنْث.
ولو قال: إن وطئتك، فعبدي حر، ثم إنه أنشأ إعتاقه، فالإيلاء ينحلّ بامتناع لزوم شيء عند فرض الوطء، والجبُّ بذلك أولى.

قال الشيخ أبوعلي: إيلاء الفحل عن الرتقاء بمثابة إيلاء المجبوب في جميع ما ذكرناه، اقتراناً وطرياناً.
9493 - ثم إذا حكمنا بثبوت الإيلاء إما في صورة الاقتران، وإما في صورة الطريان، فالطّلبة تتوجه بعد المدة بفيئة اللسان.
ثم قال الأصحاب: ليقل إذا توجهت الطلبة: لوْ قدرتُ، لوطئتك، وهذا سبيل المعذور الذي يرجى زوال عذره، وما يذكر في فيئة المعذور الذي يرجى زواله شيئان: أحدهما - الاعتذار بالمانع الواقع، والثاني - وعدٌ بالإصابة عند الزوال، قال الأصحاب: لا بد منهما، والاقتصارُ على إحداهما لا يكفي، ولو [اقتصر على] 1 أحدهما، طُلّقت عليه زوجته.
والرأي 2 عندنا أنه لو اقتصر على الوعد، فقال: إذا ارتفع مرضي، أصبتك، فهذا كافٍ، وإن لم يقل: لولا المرض، لأصبتك الآن؛ فإن التعويل على الوعد عند ارتفاع المانع، ولكن الأصحاب ذكروا الأمرين.
أما المجبوب، فلا يتصور منه الوطءُ، وفيئتُه أن يقول: لولا المانع، لوطئتك، وهذا عندي في حكم العبث الذي لا يليق بمحاسن الشرع 3 مثله، وضرب المدة أقبح من الكُل، فإنه مَهَلٌ أثبت لمن يُرجى منه الوطء فكيف يُتخيل هذا في المجبوب.
فرع: 9494 - قدمنا من رأي الأصحاب كافة أن الرجل إذا قال لأجنبية: إن وطئتك، فعبدي حر، أو قال: والله لا أجامعك، ثم نكحها، فلا يكون مولياً، وإن كان يلتزم بالوقاع بعد أربعة أشهر أمراً؛ لأن هذا تقدَّم على الملك.
وذكر صاحب التقريب وجهاً عن بعض الأصحاب أنه يكون مولياً، وهذا لا خروج له إلا على قول غريب، حكاه صاحب التقريب في أن تعليق الطلاق قبل الملك يصح،

كما ذهب إليه أبو حنيفة 1، وهذا على نهاية البعد، ولم أره إلا له، ولم أذكر هذا في أثناء الكلام؛ حتى لا يُعتد به.
فرع: 9495 - إذا آلى الرجل عن امرأته، فلما انقضت المدة، زعم أنه عاجز عنّين، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنا نضرب له المدة، ثم نحكم بعد انقضائها حُكْمَنا في العنة.
وحكى العراقيون وجهاً غريباً أنه لا يقبل ذلك منه، وتطلق عليه زوجته على قولٍ أو نحبسه إن لم يطلق، وليس كما لو ظهر به مرض يغلب على الظن عجزه بسببه، وهذا الوجه لا اعتداد به، وقد نقله العراقيون ثم زيّفوه والله الموفق للصواب.
...

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل