كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
11714 - الأصل في الأيمان الآيات المشتملة على ذكرها وبيان كفارتها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سَمُرة: " يا عبد الرحمن لا تسأل الأمارة؛ فإنَّك إن أُوتيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أُوتيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإذا حلفت يميناً، ورأيت غيرَها خيراً منها، فكفّر عن يمينك ثم ائتِ الَّذي هو خير منها " 1. واليمين تحقيقُ الشيء وتقريره بذكر الله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو بصفةٍ من صفات ذاته، نفياً وإثباتاً في الماضي، وإقداماً وإحجاماً في المستقبل.
يقول الرجل: " بالله ما دخلت الدَّار " يقرر به نفْي الدخول- ويقول: " والله لقد دخلتُ الدَّار "، فيقرر به إثبات الدخول، وفي المستقبل يقول: " واللهً لأدخُلَنَّ الدَّار "، ويقول: " والله لا أدخلُ ".
وحقيقة مذهب أبي حنيفة 2 رحمة الله عليه في تحقيق اليمين أنها تحقيق الوعد بما يكفر بضدِّه، وقيد بالوعد؛ فإنَّ اليمين على الماضي لا تنعقد عنده، ومعنى قولهم بما يكفر بضده أن قوله: والله لأفعلن كذا فيه تعظيم الرب تعالى، والإنسان يكفر بضده.
وإذا قال: إن دخلت الدَّار، فأنا يهوديٌّ، ففيه تعظيم الإسلام، والإشعار بامتناع الخروج منه، والمذكور في اليمين ضده المجتنب.
ثم إن الشافعي ذكر في صدر الكتاب 1 ما يُقسَم به، والألفاظَ المستعملة في القسم، وما يقع منها صريحاً، وما يقع منها كنايةً.
فصل
11715 - قال: " من حلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه ... إلى آخره " 2. قال الأئمة: الألفاظ الدائرة في الأيمان تقع في أربعة أقسام، ونحن نذكرها، ونمهد قواعدها، ونوضح طُرق الأصحاب فيها، ثم إذا نجزت، نذكر مسائلَ مرسلةً في الألفاظ، ونُلحق كل مسألة بقسمٍ من الأقسام، إن شاء الله تعالى.
فالقسم الأول- إذا قال: بالله، أو قال: والله، أو ذكر اسماً آخر من أسماء الله تعالى: ما يرجع منها إلى ذاته، أو إلى صفات ذاته، أو إلى صفات أفعاله، كالخالق، والرازق، فهذا هو القسم الأعلى في ترتيب الألفاظ.
قال الأصحاب: إذا نوى يميناً بما ذكره، أو أطلق، ولم ينو شيئاً، فهو حالف على التحقيق، ولو زعم أنه نوى غير اليمين، على ما سنذكر -إن شاء الله تعالى- وجهَ التورية ومحملَها 3 - فلا يُقبل ذلك منه فيما يتعلق بحق الآدمي، وهل يُقبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى؟ قطع القاضي بأنه لا يُقبل بينه وبين الله تعالى أيضاً، وفي بعض التصانيف [ذكر وجهين في أنه هل تُقبل التورية بينه وبين الله تعالى] 4 وذكرهما شيخي على هذا الوجه أيضاً.
توجيه الوجهين: من قال: تقبل، احتج بأن التورية إذا كانت محتملةً ممكنةً، فالأصل قبولها وثبوتها باطناً، بدليل 5 ما لو قال لزوجته: أنتِ طالق، ثم زعم أنه
أراد طلاقاً عن وثاق، فهو مُديَّنٌ في الباطن، وإن لم يُقبل منه ذلك في الظاهر، والطلاق أولى بالوقوع والنفوذ.
ومن نصر الوجه الثاني، احتج بأن الكفارة تتعلق باللفظ المحترم الذي أظهره، ثم خالف، وإضمار ما يخالف اللفظ لا يُسقط ما ذكرناه من إظهار اللفظ ومخالفته، وهذا لا يتحقق في لفظ الطلاق، وقد ذكر الأصوليون أن من صرّح بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية، فإنه يكفر ظاهراً وباطناً.
وذكر العراقيون في طريقهم أن من قال: " بالله لأفعلنَّ "، ثم زعم أنه أضمر " وثقت بالله "، ثم ابتدأ قوله " لأفعلن " فهذا مقبول منه، ولم يفصلوا بين الظاهر والباطن، وحق الله تعالى وحق الآدمي، وهذا زلل لا يعتمد مثله، ولا يعتد به أصلاً، ولا آمن أن يكون الخلل في نقله من ناسخٍ.
هذا بيان أصل المذهب في القسم الأول.
11716 - والقسم الثاني - إذا حلف بصفة من صفات الله، فقال: وقُدرة الله، وعلمِ الله وكلامه -والصفاتُ الأزليّة [معلومة] 1 - ومن الألفاظ الملتحقة بذكر الصفات أن يقول: وجلالِ اللهِ وكبريائه وعزته، وما في معنى ذلك، مما يدل على الذات، أو على صفة أزلية من صفات الذات 2.
قال الأئمة: إن نوى الحلف بهذه الصفات، أو أطلق ذكرها، ولم ينوِ ولم يُوَرِّ، فهو حالف، وإن نوى غير اليمين وورَّى، قُبل بينه وبين الله تعالى، وهل يُقبل في حق الآدمي [ظاهراً] 3؛ فعلى وجهين.
وإذا أطلقنا حق الآدمي، أردنا الإيلاء عن المرأة وما يُثبته لها من طَلِبة.
هذه الطريقة المشهورة.
ومن أصحابنا من ألْحقَ هذا القسم بالقسم الأول في كل تفصيلٍ تقدم، وهذا
متجه؛ فإنَّه صرح بما يصح الإقسام به، وذكر صلةً تُعَدُّ صَرِيحاً في القَسَم، فلا يبقى فرق.
وذكر العراقيون طريقة ثالثة، وقالوا: إذا ذكر القدرةَ، والعلم، والكلام، وزعم أنَّه ورَّى، قُبل منه ظاهراً، وباطناً، ولو أطلق، كان حالفاً، ولو قال: وجلال الله وكبريائه، فهذا يلتحق بالقسم الأول، والفرق أنَّ الصفات التي ذكرناها متعلقة بمتعلقاتها، وقد تُطلق ويراد المتعلقات، فيقول القائل: رأيت اليوم قدرة الله تعالى، وهو يريد مقدوره، وقد لا يتحقق هذا الوجه في الجلال والكبرياء.
وهذا تخييل لا حاصل وراءه؛ فإن الإنسان قد يقول: عاينتُ كبرياء الله، كما يتجوز بمثل ذلك في القدرة وكلِّ متعلق من الصفات الأزلية.
11717 - القسم الثالث - إذا قال: أقسمت بالله، أو قال: أقسم بالله لأفعلن، أو قال: حلفت، أو أحلف، فقد قال أرباب اللسان: الجالب للباء في قول الحالف: (بالله) إضمار أقسمت، أو أقسم، أو لفظٍ في معناهما، فإذا قال: أقسمت بالله، أو قال أقسم بالله، فهذا تصريح بجالب الباء، أما حكمه في غرض الفقه، فالطريقة المشهورة أنه إذا قال: نويت بقولي: " أقسمت " إخباراً عن قسم مضى، وقصدت بقولي: " أقسم " إشعاراً بقَسَمٍ سيكون مني في مستقبل الزمان، فهذا مقبول منه ظاهراً، وإذا صدق، فلا شك في قبوله باطناً، وإن قصد إنشاء يمينٍ، كان حالفاً على التحقيق، وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، ولو يُورِّ بالوجه الذي ذكرناه، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أنه لا يكون حالفاً، ووجهه أن أقسمت صريحٌ في الماضي، وأقسم صريح في الصلاح للمستقبل؛ فلم يأت بلفظٍ صريح في الإنشاء.
والوجه الثاني - أن مطلق لفظه يمين؛ فإن العرف جارٍ مطرد باستعمال هذه الألفاظ في إرادة الإنشاء لليمين، والعرف يقيد الألفاظ المترددة.
(1 وقال صاحب التقريب: من أصحابنا من فرق بين قوله: أقسمت، وبين قوله: أقسم 1)؛ فإن قوله: أقسمت صريح في الإخبار عن الماضي لا يصلح للإنشاء،1
وأقسم يصلح للحال والاستقبال جميعاً، وهذا بعيد، لا حاصل له؛ فإن هذا التردد كله فيه إذا أطلق ولم ينو، وإذا سلم صاحب هذا الوجه أن " أُقسم " متردد، فالتردد كافٍ في افتقاره إلى النية، ثم العرف هو المعتمد عند من يجعله يميناً في الإطلاق، وهذا يجري في " أُقسم " و" أقسمت "، وما ذكره المراوزة أنه لو قال: " أشهد بالله "، أو " شهدت بالله "، فهو كما لو قال: " أقسمت لا، و" أقسم ".
وقال العراقيون: " أشهد " و" شهدت " كناية لا تعمل من غير النية وجهاً واحداً؛ فإن الشهادة لا تستعمل في الأيمان عموماً، بخلاف " الإقسام " وما يصدر منه من صيغ الألفاظ، وهذا حسن متجه.
وذكر صاحب التقريب أن المُلاعن إذا قال في لعانه: أشهد بالله، ثم كان كاذباً، فهل تلزمه الكفارة؟ فعلى وجهين، وهما يقربان عندي من اختلاف القول في أن المُولي هل يلتزم الكفارة، ووجهُ الشبه أن الإيلاء من مقتضيات الفراق، وكأنه -في قولي- خارجٌ عن الأيمان المحضة، واللعان بهذه المثابة؛ فإنه يبتُّ النكاح، ويوجب الفراق ويوقعه، وهذا فيه إذا زعم أنه نوى اليمين، أو قلنا: مطلقهُ يقتضي اليمين إذا لم يكن تورية، ففي الكفارة ما ذكرناه.
ومن لطيف القول في ذلك أنه وإن ورّى يمكن أن يقال: الوجهان جاريان في الكفارة، فإن الألفاظ معروضة عليه في مجلس الحكم، وسنوضح أن التورية لا أثر لها في الأيمان الجارية في مجلس الحكم، إن شاء الله تعالى.
11718 - ومما يتم به مقصود هذا القسم سؤال وجواب عنه: فإن قيل: قد ذكرتم [أن الجالب للباء في الحلف إضمار أقسمت أو أقسم] 1 ثم ألحقتم قوله: " بالله " بالقسم [الأول] 2 وألحقتم قوله: " أقسم بالله " بالقسم الثالث، والصريح حقه أن يتقدم على المنوي المضمر.
قلنا: إذا قال: " أقسمت "، فهو موضوع للماضي، وإذا فسَّر مُطلِق اللفظ لفظَه بالإخبار عما مضى، كان التفسير منطبقاً على ما مضى، وكذلك القول في " أُقسم "، وإذا قال: " بالله "، فهذا في صريح اللغة عقد يمين في الحال لا تردّد فيه بين الماضي والمستقبل، فكأن حذف المضمر الجالب أوجب تخصيص اللفظ بالإنشاء، ثم يُفرض فيه جالب يليق بهذا الغرض، وهذا بيّن لاخفاء به، وكم من مضمَرٍ يقدره النحوي، واللفظ دونه أوقع، وهذا بمثابة قولهم: " ما أحسنَ زيداً " تقديره: شيء 1 حسّن زيداً، وهذا التقدير لو صرح به، لأفسد معنى التعجّب أصلاً، ونظير ذلك كثير، ومهما 2 أطبق العرب على مضمر يحذفونه، فذلك لاعتقادهم أن الحذف أولى في إفادة المقصود.
وحكى العراقيون نصاً عن الشافعي أنه قال: إذا قال: أقسمت بالله.
أو أقسم بالله، أو أطلق كان مطلقه يميناً، وهذا غريب، ولذلك أخّرته عن ترتيب الطرق.
11719 - القسم الرابع - إذا قال: أقسمت أو أقسم، ولم يذكر المقسم به، ولم يُجرِ في كلامه اسماً معظماً من أسماء الله تعالى، فلا يكون حالفاً وإن نوى؛ فإنّ التعويل في اليمين على ذكر اسم معظم من أسماء الله تعالى، أو من أسماء صفاته، فإذا أخلى كلامه عنه، لم ينعقد يمينه وإن أضمر الحلف بالله تعالى، وقد اتفقت الطرق على ذلك، وقال أبو حنيفة 3: إذا أضمر ذكر الله تعالى، ونوى الإقسام به، وقد قال: أقسمت، كان حالفاً، وذكر العراقيون أنه لو قال: والموجود، أو الشيء، وزعم أنه أراد الرب تعالى، فلا يكون حالفاً، لأنه لم يذكر اسماً معظماً، وقد أوضحنا أن التعويل في اليمين على تأكيد الكلام بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفةٍ من الصفات الأزلية.
وقد تمهدت الأقسام الأربعة، وهي القواعد.
11720 - ونحن نبتدىء بعد هذا ببيان المسائل الزائدة على ذكرنا، ونبدأ بتفصيل القول في الصِّلات التي يقع الإقسام بها، فنقول أولاً: الأصل في صلة القسم الباء، والجالب لها لفظ يصدر 1 من الحلف أو الإقسام أو الإيلاء، ثم الواو تخلف الباء وتبدلها، فيقول المقسم: واللهِ، والبدل لا بد وأن يقصُر عن المبدل قصوراً لا يظهر في مجاري الكلام، وقصور الواو أنه لا تتصل في القسم بالضمير بخلاف الباء، فإنك تقول به لأفعلن، ولا تقول: وه لأفعلن.
ثم أقاموا التاء مقام الواو، لأصلٍ قريبٍ من الاطراد عندهم في إقامة التاء مقام الواو؛ فإنهم قالوا: تخمة، وتراث، وتهمة، من الوخامة، ومن قولهم: ورث، والتهمة من الوهم، فلما وقعت التاء بدل البدل، ظهر قصورها، فلا تُلفَى متصلةً بغير قولهم " الله " فيقولون: تالله، قال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]، فإذا قال القائل: تالله، فالذي نص عليه هاهنا أنه بمثابة قوله بالله ووالله، وهذا ما نص عليه في الإيلاء أيضاً.
ونص في القسامة على أنه ليس بيمين.
فمن أصحابنا من جعل في المسألة قولين: أصحهما - أن التاء كالباء، والواو، والثاني - أنها ليست صريحاً؛ لأن العادة لم تجر باستعمالها، وقال المحققون: نقطع القول بأن قوله تالله كقوله بالله، فإن الضِّلتين في هذا الاسم مستويتان باتفاق مذاهب العرب، وما ذكره في القسامة محمول على تصحيف القراء والناسخين، وفي كلام الشافعي ثَمَّ ما يدل على هذا؛ فقد 2 قال الشافعي رضي الله عنه: " يا الله " لا يكون يميناً، ثم قال في سياق الكلام: وليس بيمين بل هو دعاء، وأراد بالدعاء النداء، ولا يتجه إلا ما ذكرناه 3، فإن جرينا على قطع القول -وهو الأصح- فلو قال القاضي
لمن يستحلفه: قل بالله، فخالفه وقال: تالله، قال الأصحاب: لا يحسب ما جاء به، واليمين معروضة عليه بعدُ، وليس هذا من جهة أن التاء في هذا الاسم لا تقوم مقام الباء، ولكن السبب فيه أنه خالف القاضي، وحق المستحلَف أن يحلف على موافقة الاستحلاف.
ولو قال القاضي: قل بالله، فقال: بالرحمن، لم يكن حالفاً حلفاً محسوباً، لما ذكرناه.
ولو قال: قل بالله، فقال: والله، فهذا لم أجد له ذكراً، وفيه تردد؛ من جهة أن الواو والباء لا يكادان يتفاوتان في مجاري الكلام.
وهما متساويتان في الظهور.
ولا يمتنع ألا يُجعل حالفاً؛ من جهة المخالفة، كما لو استعمل التاء، والعلم عند الله تعالى.
ولو قال: قل بالله العلي الذي لا إله إلا هو، فقال المستحلف: بالله واقتصر، فهل يكون ناكلاً عن اليمين؟ فيه خلاف سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى، وسبب الخلاف أنه وافق في الحلف بالله، وامتنع عما بعده مما يُعدّ تغليطاً في اللفظ.
وإن قلنا: تالله بالتاء ليست بمثابة قول القائل بالله بالباء، فالمراد أن هذا يلتحق بالقسم الثالث، وهو إذا قال: أقسمت، أو أقسم بالله، وهذا ضعيف لا وجه له، وما تكلفه بعض الأصحاب من ندور هذه الصلة في الاستعمال، فهو غاية الإمكان.
11721 - ولو قال: الله لأفعلن، فهذا يُذكر على وجوه: منها أن يقول: اللهُ بالرفع، فيقع الاسم المعظم مبدوءاً به، وليس معه صلةُ قسم، والجواب أنه لا يكون حالفاًَ إلا أن ينوي الحلف، ولو أطلق لا تكون يميناً.
ولو قال: اللهِ، بخفض الهاء، فلو نوى اليمين، كان يميناً، ولو أطلق، فوجهان، وظاهر النصّ يشير إلى فرض المسألة في الرفع، ولذلك قال: لا يكون يميناً إلا أن ينويها، ثم قال: لأنه كلام مبتدأ، وهذا إنما يتجه في الرفع، فإذا خفض، أشعر بالصلة الخافضة وإن لم يأت بها، وقد تفعل العرب ذلك، ولسنا نطوّل بذكر الشواهد فيها.
ولو قال: اللهَ بنصب الهاء، فإن نوى اليمين، كان يميناً وإن أطلق، فوجهان مرتبان على الخفض، والأَوْلى هاهنا أن يكون يميناً في الإطلاق، ومن صار إلى أنه يمين في الإطلاق حمل النصبَ على نزع الخافض، وهذا غير متجه، وقد نطقت العرب بهذا أيضاً.
11722 - ولو قال بلّه، يأتي بلامٍ مشدّدة، ولم يأت بعدها بألفٍ؛ فالذي ذكره معناه الرطوبة 1 [وصورتها بلّه] 2 وليس ذاكراً اسمَ الله، وكان شيخي يقول: إن نوى يميناً، كان يميناً، وحُمل حذف الألف على اللحن، وهذا يعضده جريانه على الألسنة على هذا الوجه على ألسنة المحصلين، فضلاً عن العوام، وقد يستجيز العرب حذفَ الألف في الوقف؛ فإن الوقف يقتضي إسكانَ الهاء، فيجتمع ساكنان، وقد يستجيز العرب حذف أحدِ الساكنين، والوجه الإتيان بالألف؛ فإن اجتماع السّاكنين في الوقف سائغ.
ولو قال: وحقِّ الله تعالى أو قال: وعظمةِ الله تعالى، فقد تمهد تفصيل المذهب في الحلف بصفات الله، ولا يخفى أنه لو قال: وخَلْق الله وإحياء الله، ورزق الله تعالى، فليس حالفاً لأنه أقسم بخلق، والخلق والمخلوق واحد.
ولو قال: وحقِّ الله، فالذي صار إليه أئمة المذهب أن ذلك كناية؛ فإن قوله:
وحق الله متردد بين الواجبات التي تجب لله تعالى على عباده وبين استحقاقه الألوهية، وموجب التردد الالتحاق بالكنايات، وإنما تردد القول في هذا اللفظ مضافاً، وإلا فالحق من أسماء الله تعالى، وأبعد بعض أصحابنا، فألحق قولَه: وحقِّ الله بالحلف بصفات الله تعالى، وهذا لا أصل له.
وإذا قال: وعظمة الله، فالأصح أنه بمثابة الحلف بصفات الله تعالى، ومن أصحابنا من نزّله منزلة قوله " وحق الله تعالى "، وهذا لا اتجاه له، ومتعلق 3 هذا
القائل أن الشافعي جمع بين قول القائل: " وحق الله تعالى " وبين قوله: " وعظمة الله ".
وإذا قال: " وحرمة الله "، فقد قال بعض الأصحاب: هو كقوله: " وحق الله " ومال طوائفُ من المحققين إلى أنه بمثابة الحلف بصفات الله تعالى.
11723 - ولو قال: " لعمرُ الله " فهذا مما اختلفوا فيه أيضاً، فمنهم من جعله إقساماً ببقاء الله تعالى، فيلتحق بالإقسام بصفات الله تعالى، ومنهم من جعله كناية.
وكان شيخي يفصل بين أن يقول: وعَمرُ الله وبين أن يقول: لعمرُ الله، ويقول: الصلة المشهورة في القَسَم الواو، والباء، واللامُ في قولهم لعمرُ الله ليس من صلات القسم، حتى قال أهل التحصيل 1: تقدير الكلام إذا حمل على القسم أن يقال لعمرُ الله ما أُقسم به، وهذا التفصيل حسن.
ومن أصحابنا من ألحق اللفظين بالكناية: ما يستعمل بالواو وما يستعمل باللام؛ لأن العَمْر بمعنى البقاء ليس بالشائع.
ولو قال: " وايم الله " فهذا مما اختلف الأصحاب فيه؛ فذهب طوائف إلى أنه يلتحق بالحلف بصفات الله تعالى؛ فإن قوله " ايم الله " [أصله] 2 أيمن الله، والأيمن جمع اليمين، فكأنه قال: حلفت بالله، وغلا غالون؛ فقالوا: هو كما لو قال: بالله؛ فإن هذا شائع مستفيض في العرف، ولا معنى له إلا ما ذكرناه.
ومن الأصحاب من ألحقه بالكناية.
ولو قال: " عليّ عهد الله " أو قال: " وعهد الله "، فهذا كناية محضة باتفاق الأصحاب.
11724 - ومما بقي من الكلام في الألفاظ أنه لو ذكر اسماً من أسماء الله تعالى لا يختص به كالعليم والرحيم والجبار، فقد كان شيخي يقول: في القلب من هذا شيء، ثم كان يميل إلى أنه كناية، وليس كقوله: والموجود؛ فإنه ليس من أسماء الله تعالى، ولا تعظيم في لفظه، وألحق بما ذكرناه ما لو قال: والحقِّ؛ فإنه مشترك، وإن ذكر في أسماء الله تعالى.
وقد نجز الكلام في ألفاظ الأيمان تمهيداً أولاً، وتفريعاً لآحاد المسائل.
فصل
قال: " ومن حلف بغير الله تعالى، فهو يمين مكروهة ... إلى آخره " 1.
11725 - يكره الحلف بغير الله، فلا ينبغي أن يقول من يريد تأكيداً: " وحق محمد، والكعبة " وما أشبه ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان حالفاً، فليحلف بالله أو فليصمت " 2 وروي " فليسكت " وقال عمر رضي الله عنه سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلف بأبي فقال: " ألا إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " 3 فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي العُشَراء: " وأبيك لو طعنت في خاصرته لحل لك " 4 قلنا: جرى هذا في كلامه صلى الله عليه وسلم من غير قصدٍ كما يقول الواحد منا: لا والله وبلى والله من غير أن يجرد إلى الحلف قصداً.
ثم قال الشافعي في الحلف بغير الله: " أخشى أن يكون معصية " فتردد أصحابنا، فقال قائلون: هذا ترديد قولٍ من الشافعي، وقد يشهد لكونه معصية مطلق قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " والأصح القطع بأنه مكروه وليس بمحرّم، ولفظ الشافعي محمول على مبالغات المتحرجين.
11726 - ومما ألحقه الأصحاب بذلك أن قالوا: الاستكثار من اليمين بالله تعالى من غير حاجة مكروه، ولفظ الشافعي: " وأكره الأيمان على كل حال " قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]، فلا ينبغي أن يحلف إلا عند حثّ على طاعة الله أو زجر عن معصية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لأغزون قريشاً".
فصل
قال: " من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها ... إلى آخره " 1.
11727 - مذهبنا أن الأيمان لا تغير الأشياء عن موضوعها وحقائقها، فالمحظور على الحظر، والواجب على الوجوب، والمندوب على الندب، وسنذكر في المباح كلاماً شافياً، إن شاء الله تعالى.
وقاعدة المذهب أن الأيمان لا أثر لها في تغيير الأحكام.
وأما أبو حنيفة 2 رحمة الله عليه، فإنه صار إلى أن الأيمان إذا انعقدت، أثرت وغيرت حتى انتهى إلى أن من قال: والله لا أصلي، فقد حرمت الصلاة عليه وإن كانت واجبة شرعاً، فهي مفروضة محرمة، ولو حلف ليكفرن، قالوا: وجب ذلك، وبنى على هذا الأصل مسائلَ: منها التكفير قبل الحنث مَنَعه؛ مصيراً إلى أن اليمين مُحرِّمة مانع من الحنث، والمانع من الشيء لا يوجب ما يوجبه ذلك الشيء.
ومما بناه على ذلك قوله: لا ينعقد اليمين الغموس، لأن شأن اليمين أن تؤثر، وما انقضى لا يقبل التأثير، فلا تنعقد اليمين عليه، وقال بناء على ذلك: إذا قال: حرّمت هذا الطعام، التزم الكفارة، كما لو قال: والله لا آكل هذا الطعام؛ فإن مقتضى اللفظين التحريم، وحَكَم بأن من قال: إن دخلت الدار، فأنا يهودي فهو كما لو حزم دخول الدار على نفسه، وزعم أن يمين الكافر لا تنعقد، لأنه لا يخاطب بالتحريم الشرعي.
وعندنا اليمين لا يحرِّم ما ليس محرّماً، ولا يحلل محرماً، ثم إذا حلف لا يفعل طاعةً، فعلها، ولا يخفى موجَب الحنث، والندب لا يزول بسبب يمينه.
11728 - ولو عقد يمينه على مباح، فكيف السبيل فيه؟ حاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها - أن الأَوْلى ألا يُقدّم على ذلك المباح؛ فإن اليمين على حالٍ محترمة، فتحقيقها، وتصديقها والمحلوف عليه مباح أقرب إلى التعظيم، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يرشد إلى ذلك؛ فإنه قال: " أما إني لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير " 1 فخصص صلى الله عليه وسلم حلّ اليمين بما لو كان حَلُّها خيراً وطاعة، مثل أن يحلف لا يتصدق، فدل مفهوم الحديث على أن الحَلَّ إذا لم يكن طاعة، فلا ينبغي أن يختاره ويؤثره الحالف 2.
وقال العراقيون: ينبغي أن يحنث نفسه وهو محثوث على ذلك، ليتبين أنه بيمينه لم يغير حكمَ الله تعالى، وقد يشهد لهذا صدر سورة التحريم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: 1]، ثم استحثه على الحل، فقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، وهذان الوجهان متناقضان الأول لصاحب التقريب، وهو اختيار الصيدلاني، والثاني للعراقيين قطعوا به، وهو اختيار شيخي.
وذهب 3 ذاهبون إلى أنا لا نحث على الحَل، ولا ننهى عنه، ونرى المباحَ مباحاً كما كان، وقد أشار القاضي إلى هذا، فقال: المباح بعد اليمين مباح، ولو كرهنا
الإقدام [عليه] 1، لما بقي مباحاً، وهذا يعضَّدُ بالقاعدة الكلية في أن الأيمان لا تغير الأحكام.
ثم اتفق الأصحاب على أن من حلف عن الامتناع مما يقتضي الشرع الامتناعَ عنه، فلا تستحثه اليمين على المخالفة، وإنما التردد فيه إذا كان متعلَّق اليمين مباحاً، وأفرط العراقيون فذكروا وجهاً أن اليمين تستحث على الهجوم على ما يكون مكروهاً لولا اليمين، ومثال ذلك: أنا نكره دخول بلدة فيها بدع وأهواء، فلو قال: والله لا أدخل بلدة فيها بدع، قالوا: فنؤثر له في وجهٍ أن يدخل بلدة كذلك، وذكروا وجهاً أنه لا يدخلها، والوجه القطع بأنا لا نحمله على أن يدخلها ويبقى المكروه مكروهاً كما كان، والتردد الذي ذكره العراقيون على نهاية الفساد.
فصل
قال: " ولو قال: والله لقد كان كذا وكذا، ولم يكن، أثم وكفَّر ... إلى
آخره" 2.
11728/م- أراد بذلك اليمين الغموس، وهي اليمين المعقودة على ماضٍ نفياً كان أو إثباتاً، فاليمين منعقدة عندنا، على معنى أنها توجب الكفارة، ولم نعن بانعقادها أنها تنعقد انعقاد العقود ثم تنحل، وهذا يُستقصى في الخلاف.
وقال أبو حنيفة: ليس على صاحب اليمين الغموس إلا المأثم.
11729 - ثم قال الشافعي: ولو قال: " أسألك بالله، أو أعزم عليك بالله، لتفعلنّ ... إلى آخره " 3 إذا قال لواحدٍ: أقسم عليك بالله، أو أحلف عليك، فإن أراد عقد اليمين على صاحبه، لم ينعقد عليه، ولغا، وإن أراد به المناشدة لتقريب غرضٍ، فالذي جاء به ليس بيمين، وإن أراد أن ينعقد اليمين في حق نفسه، انعقدت
اليمين في حق نفسه، وإذا أطلق اللفظ، فمطلق اللفظ محمول على المناشدة، فلا يكون يميناً.
ثم عقد المزني باباً في الاستثناء عن اليمين، وقد استقصيناه تمهيداً وتفريعاً على أحسن الوجوه في الطلاق، فلا نعيده.
باب لغو اليمين
قال: " لغو اليمين ما يجري على لسانه ... إلى آخره " 1.
11730 - قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]، أراد ما قصدت قلوبكم، وقال تعالى في سورة المائدة [89]: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ وعقّدتم بالتشديد والتخفيف، والمعنى القصد أيضاً، فلغو اليمين عندنا ما يجرى في أثناء اللِّجاج، كقول القائل: لا والله، وبلى والله، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله " 2 وهذا الباب على صغر حجمه يحتاج فيه إلى ثَبَت؛ فإن مثل هذا لو كان طلاقاً، لوقع الحكم بوقوعه، وكذلك لو جرى العِتاق على هذا الوجه، جرى الحكم بنفوذه، وليس القائل لا والله على خبل، أو في حال زوال عقل، وليس يلتف لسانه، فيجري بهذه الكلمة من غير قصد.
وقد نصّ الشافعي وأجمع الأصحاب على أن لغو اليمين ما يُجريه الإنسان في أثناء الكلام في هيْج غضب أو احتدادٍ في لجاج، فيقول: لا والله وبلى والله، والوجه في ذلك أن الناس يجرون أمثال ذلك إجراءً عامّاً، ولا يجردون القصدَ إلى عقد يمين،
ولكنهم يتكلمون به اعتياداً من غير قصد في عقد يمين، وما جرى اعتيادٌ بإجراء الطلاق والعِتاق.
والباب مُدار على ما يصدّقه العرف، فلو ادعى مطلِق اللفظ في الطلاق أنه أجراه لغواً، فالظاهر يكذبه، ومن كذبه الظاهر، لم يصدَّق، واللفظ صريح في وضعه، حتى لو جرى ممن يقول لا والله ما يدل على قصده في اليمين، فالذي جاء به ليس لغواً.
وخرج من مجموع هذا أن اللغو هو الذي يجري من غير أن يخطر فيه عقدُ اليمين، والجريان فيه على هذا الوجه عامّ.
باب الكفارة قبل الحِنث
قال الشافعي: " ومن حلف على شيء، وأراد أن يحنث، فأحبُّ إلي لو لم يكفر حتى يحنث ... إلى آخره " 1.
11731 - ما ذهب إليه أئمة المذهب أن الكفارة لا تجب قبل الحنث، وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من قال: تجب الكفارة باليمين، ووقتُ إخراجها الحِنث، وهذا كلام سخيف، لا يجوز عدُّه من المذهب، على أنه لا جدوى فيه ولا فائدة، وهو هجوم على المخالفة.
ثم من حلف وأراد التكفير قبل الحِنْث، نُظر: فإن كان التكفير بمالٍ، فالحنث لا يخلو: إما أن يكون محظوراً، وإما أن لا يكون محظوراً، فإن لم يكن محظوراً، فالتكفير قبل الحنث جائز مجزىء عندنا، وإن كان محظوراً محرماً، مثل أن يقول: والله لا أشرب الخمر، فإذا أراد التكفير قبل الحِنث، ففي إجزائه وجهان: أقيسهما - الإجزاء، طرداً للقياس.
ومن أصحابنا من قال: لا يجزىء التكفير قبل الحنث في هذه الصورة؛ لأن الحكم بتجويزه يُشابه تثبيت ذريعة إلى الإقدام على المحظور؛ والأول أصح؛ لأن الحظر في الفعل ليس من [حَيْثُ] 2 اليمين، ولكنه محظور في نفسه، فإذا وقع النظر في اليمين وكفارتها، ولم نجد لليمين أثراً في اقتضاء التحريم، فكما لا يتغير المحلوف عليه باليمين، لا يتغير حكم اليمين بالمحلوف عليه.
11732 - والذي ذهب إليه أئمة المذهب أن الحالف لو أراد التكفير بالصوم قبل الحنث لم يجزئه ذلك، بخلاف التكفير بالمال؛ فإن الصوم من العبادات البدنية،
والمقصود بها امتحان الأبدان، فيجب اتباع موارد النصوص فيها تأقيتاً وقدْراً، وكيفيةً، فلذلك لا يجوز تقديم الصيام المفروض على وجوبه، ويجوز تقديم الزكاة على وجوبها بحولان الحول.
وذكر الخلافيون وجهاً في تجويز تقدم الصوم على الحنث، وهذا متجه بعضَ الاتجاه تعلقاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير"، ولم يفصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين التكفير بالمال وبين التكفير بالصوم، وما ذكره بعض المصنفين من أن الكفارة تجب باليمين نفسِه يؤكد هذا، ومن نظر في تصاريف كلام نقلة المذهب، اطلع على رمزهم إلى ما حكاه الخلافيون، ولكن المذهب المعتمد ما قدمنا ذكره، وهو معتضد بترتيب الصوم في كفارة اليمين على الخصال المالية، ومعنى ترتبه عليها ألا يتحول المكفر إليه ما لم يتحقق عجزه عن الخصال الثلاث، وإنما يتحقق العجز عند وجوبها، فإذ ذاك يستبان العجز والقدرة.
11733 - والصائم في نهار رمضان إذا قدّم التكفير ثم واقع، فالمذهب المبتوت أن الكفارة لا تقع الموقع، كذلك القول في المُحْرِم إذا قدم كفارةً على موجِبها، ولا فرق بين أن يكون التكفير بالمال وبين أن يكون بالصوم، وذكر أئمة المذهب في المناسك وجهين آخرين مع ما ذكرناه.
فتجمع مما نقلوه ثلاثةُ أوجه: أحدها - المنع، كما قدمنا، والفرق بين هذه الكفارات وكفارة اليمين أن الإحرام ليس سبباً خاصاً في الكفارة، وكذلك الصيام، بل الإحرامُ والصيام بالإضافة إلى الكفارات عند ارتكاب المحظورات بمثابة الإسلام في التزام الأحكام، والدليل عليه أن الكفارة في لسان الشرع منسوبة إلى اليمين قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]، وفي قوله: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ إشعار بأن التكفير جائز كما 1 تحقق الحلف؛ فإنه عزّ من قائل لم يقل: " إذا حنثتم ".
والوجه الثاني - أن تقديم الكفارة جائز في الإحرام والصيام، قياساً على كفارة اليمين.
والوجه الثالث - أن موجِب الكفارة إن كان بحيث يجوز الإقدام عليه لحاجةٍ، فتقديم الكفارة عليه جائز، وهذا بمثابة حلق الرأس لأجل الأذى، أو لبس المخيط للضرورة الملجئة إليه في برد شديد أو مكاوحة 1 قمال 2.
وكان شيخي يقول: المذهب المعتمد تجويز التكفير قبل الحِنث بالمال، وذكر الخلافَ فيه إذا كان الحِنث محظوراً، والمذهب القطع بمنع تقديم الكفارة في الإحرام والصوم إلا إذا كان موجِبُ الكفارة سائغاً، ففيه الخلاف، وكان يقول: إذا جوزنا تقديم الكفارة في الإحرام مثلاً عند جواز الإقدام على موجِب الكفارة، فلو كانت الكفارة على التخيير لا يترتب الصوم فيها على المال، فعند ذلك يظهر تخريج الخلاف في تقديم الصوم أيضاً وكأنَّ منع تقديم الصوم في كفارة اليمين معلل بعلتين: إحداهما- أنه بدني، والثانية - أنه مترتب، فإذا فقد أحد المعنيين، ظهر جريان الخلاف، فهذا ما أردنا أن نذكره.
11734 - ولو جرح رجل رجلاً، وكان المجروح لما به 3، أو لم يكن كذلك، ولكن اتفق سريان الجرح إلى زهوق الروح، فلو قدم الجارح الكفارةَ على زهوق الروح، فالذي قطع به الأصحاب تجويز ذلك؛ فإن الجرح سبب ظاهر، وقد نسميه
قتلاً، وقال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من خرج تقديم الكفارة على زهوق الروح على الخلاف الذي ذكرناه في تقديم الكفارة على السبب المحظور في الحنث، وهذا لا اتجاه له؛ فإن وقوع القتل ليس فعلاً مبتدأً يوصف بالحظر، وإنما يتعلق الحظر بالجرح الذي سبق الإقدام عليه، وقياس ما ذكره الشيخ أنه لو حلف: لا يقتل فلاناً، ثم جرحه، وقدّم تكفير اليمين على وقوع الزهوق، فيُخرَّج إجزْاء الكفارة على الوجهين، وهذا بعيد.
وأحسن الطرق في ذلك ما كان يذكره شيخي قال رضي الله عنه: يجوز تقديم التكفير على زهوق الروح مذهباً واحداً إذا كان التكفير بالمال، وهو الإعتاق، وإن أراد تقديم الصوم، ففي المسألة وجهان مع جرياننا على أن الصوم لا يقدم على الحنث، وكان يبني الوجهين في التكفير بالصوم في مسألة الجَرْح على الخلاف الممهد في أن صفات الكفاءة إذا ثبتت بعد الجرح قبل زهوق الروح، فهل يجب القصاص؟ وقد مهدنا 1 ذلك في كتاب الجراح عند ذكرنا طريان الإسلام والحرية بعد الجرح قبل الزهوق، وهذا حسن متجه، ولا يبعد في مثل ذلك مذهبُ التبيّن عند وقوع الزهوق، حتى نقول: نتبين وجوبَ الكفارة قبل الزهوق.
ومما يتصل بهذا المنتهى الظهارُ والعود، والذي رأيته للأصحاب أن الظهار والعود بمثابة اليمين والحنث في كل تفصيل، والأمر على ما ذكروه، والذي يحقق ذلك أن الكفارة منسوبة إلى الظهار، كما أنها منسوبة إلى اليمين.
11735 - ثم عماد المذهب بعد ذكر المسائل من طريق المعنى أن اليمين سبب خاص في إيجاب التكفير، والتكفير معزيٌّ إليها، كما أن الزكاة معزيّة إلى المال؛ فتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين كتقديم الزكاة على حولان الحول بعد انعقاد الحول، ولا يخفى أن التكفير قبل اليمين غيرُ معتدّ به، كما أن الزكاة قبل كمال النصاب، أو قبل ملك المال أصلاً غير معتدٍّ بها.
11736 - وقد تفرقت مذاهب العلماء في الزكاة والكفارة، فجوز أبو حنيفة 1 تعجيلَ الزكاة، ومنع تقديم الكفارة على الحِنث وعكس مالكٌ 2 الأمرَ، فمنع تعجيل الزكاة، وحمل ما ورد فيه على استقراض الإمام من أرباب الأموال، وجوز تقديم التكفير للخبر الصحيح، وقد نقل الأثبات استسلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة، وجوز الشافعي التقديم في البابين، ثم قال الفقهاء: من عجّل الزكاة، ثم تغيرت حال آخذها، فقد لا تقع الزكاة موقعها، والأمر في الكفارة على هذا النحو، فلا فرق بين البابين.
ولا وجه لإعادة تلك التغايير، فإنها عويصة، وقد جرت على أحسن مساقٍ في كتاب الزكاة.
ثم ذكر الشافعي باباً في الحلف بالطلاق على ألا يتزوّج على امرأته، وليس هذا من مقاصدنا، وأبان أنه إذا تزوج عليها وهي رجعية، كان كما لو تزوج عليها قبل الطلاق.
ومقصود الباب مذكور في قواعد الطلاق.
...
باب الإطعام في الكفارة
11737 - جرى الشافعي رضي الله عنه في كفارة اليمين على ترتيب ذِكْرِها في كتاب الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، الآية وكفارة اليمين مختصة بمزية لا توجد في غيرها من الكفارات، وهي الاشتمال على التخيير والترتيب؛ فإن الكفارات سوى هذه منقسمة: فمنها ما يبنى على التخيير، ومنها ما يبنى على الترتيب، وكفارة اليمين فيها تخيير؛ فإن الحالف يتخير بين الإطعام والكسوة والإعتاق، وفيها ترتيب؛ فإنه لا يعدل إلى الصيام ما لم يتحقق عجزه عن الخلال الثلاث، ثم وجد الشافعي الإطعام مبدوءاً به، وبعده الكسوة وبعدها الإعتاق، وبعد الخلال الثلاث الصوم على صيغة الترتيب؛ فخاض في الطعام، وأعاد مسائله، وقد استقصينا جميعها، فلا فرق إلا أن الأمداد عشرة هاهنا، وهي ستون في كفارة الظهار والوقاع، فلسنا نعيد شيئاً، وذكر بعد الكسوة الإعتاقَ، فاندفع فيما يُجزىء من الرقاب وفيما لا يجزىء منها، وقد قررنا جميع ذلك في الظهار، فلا نعيد شيئاً منها، وعقد بين الطعام والعتق باب الكِسوة، وعقد باباً في الصوم بعد الخلال الثلاث، ونحن نذكر الباب المعقود في الكسوة، ونتعدى بابَ العتق، ونذكر بعده باب الصوم، ثم نعود إلى ترتيب الأبواب والمسائل، إن شاء الله تعالى.
باب ما يجزىء من الكسوة في الكفارة
قال الشافعي: " أقل ما يجزىء في الكِسوة كل ما وقع عليه اسم الكِسوة ... إلى آخره " 1.
11738 - الكِسوة إحدى الخلال الثلاث في كفارة اليمين، فإذا اختارها المكفر، فيجب التمليك لا محالة، ثم الإطعام مقدّر بالأمداد، والكِسوة لا تقدير فيها، ويستحيل التعرض للتقدير فيها؛ فإن المدّ في الطعام سِدادُ الرَّغيب، وكفاية المقتصد، ونهاية الزهيد، والكِسوة لا سبيل إلى ضبطها، ولما رأى الشافعي تقدير النفقة في النكاح، لم يقدّر الكسوة، فإذا امتنع التقدير، ولم يختلف العلماء في أنا لا نوجب لكل مسكين دَسْتَ 2 ثوب، [فلم يبق بعد ذلك إلا الاكتفاء بالاسم، فكل ما يحصُل اسم الكسوة به، فالغرضُ يتأدى به] 3 ويكفي ثوب واحد: قميصاً كان، أو سراويل، أو منديلاً، أو جبة، أو رِداءً، أو إزاراً؛ فإن من سلم شيئاً من ذلك إلى إنسان يقال: كساه عمامةً، أو رداءً أو كذلك في جميع ما ذكرنا.
ثم لم يختلف أصحابنا في أنه لو تخير أطفالاً رُضعاً تواريهم الخرق، وسلم إلى قوّامهم [ما يكون كِسوة في حقوقهم تمليكاً، فذلك جائز، والفرضُ ساقط؛ فإن الاسم محقَّق، ولو أعطى الرجلَ التام] 4 ما لا يكون كِسوة في حقه، ولكنه كسوة في حق الطفل، فالذي ذكره القاضي أن ذلك يكفي، ولا يشترط أن يكون المملَّك بحيث يكتسى بما يتسلمه، فلو أعطى رجالاً كسوة أطفالٍ، جاز، ولا يؤاخذ بمراعاة حال
من يعطيه، وهذا عنده كما إذا أطعم الرغيب مدّاً، وهو لا يستقل إلا بأمداد؛ فالمعتبر هاهنا أقلُّ الاسم في أقل من يُكسَى، والمعتبر ثَمَّ مقدّر [بالمد] 1 فأقل ما يُسمى كسوة بمثابة المد.
وقطع شيخي وغيره بأن ذلك يختلف باختلاف الآخذين، فليكن المسلَّم إلى الآخذ كِسوة له، ليقال: إنه كسا عشرة، وهذا يعتضد بقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89]، فأضاف الكسوة إلى من يُكسى، والذي يحقق ذلك أن الخرقة تواري ابنَ ساعة، ويبعد كل البعد أن يكتفي الكاسي بعشرِ خِرق يعطيها عشرةً من الرجال، وسنذكر تردّد الأصحاب في إجزاء التُّبَّان 2، ولا يستقيم هذا الخلاف إلا بنسبة التّبان إلى الرجل الذي يأخذه، وإلا فالتُّبَّان يكسو الطفل الصغير، فقد تبين التردد فيما ذكرناه، والاحتمال فيه لائحٌ.
ثم لا يشترط أن يكون الثوب مخيطاً في نفسه، ولكن لو أعطى خرقَة 3 كِرباسٍ يتأتى منها اتخاذ كسوة، كفى ذلك، وفيه سرٌّ، سنشير إليه في الفصل.
11739 - والكلام يقع بعد هذا في الجنس المعتبر، والعيب المانع من الإجزاء، والصور التي اختلف الأصحاب فيها.
فأما الجنس، فيكفي كل ما يكتسى به، سواء كان رديء الجنس، أو فائق الجنس، أو متوسطاً، اتباعاً للاسم الذي هو أصل الباب.
قال القاضي: لو قلنا: تعتبر الكُسوة الغالبة في أهل البلد، لم نبُعد، قياساً على الطعام؛ فإنا قدمنا ذكر هذا الوجه في الطعام، وهذا الذي ذكره متجه، والمذهب المشهور ما قدمناه.
ولا فرق بين جنس وجنس، فالمتخذ من القطن، والكتان، والإبريسم، والخز، والقز، والصوف مجزىءٌ إذا كان يُكتَسى به، والكساء كسوة.
ومما يليق بذلك الدروع المسرودة، فهي ملبوسة، والمُحرم يلتزم الفدية بلبس الدرع، لأنه مُحيط بالبدن، فكان كالمَخيط، فلو ألبس مسكيناً درعاً وملّكه إياه، ففيه احتمال.
والأظهر المنع؛ فإن هذا لا يسمى كُسوة، وإن كان يسمى ملبوساً، والإحرام مدار على اللبس واتباع هيئةٍ في الملبوس، والشرط تقرير كل بابٍ على أصله، والمتبع فيما نحن فيه اسم الكسوة.
ولو أعطى قلنسوة، أو مِكْعَباً 1 وهو الشُّمُشْك، أو خفين، أو تُباناً، ففي المسائل وجهان، وسبب الاختلاف أن اللُّبس مطلقٌ في هذه الأشياء، ولا يطلق فيها الكُسوة، فهذا منشأ الخلاف، وإذا أعطى تِكّة 2، أو مِنطقة، لم يجزئه لانعدام اسم الكسوة واللبس جميعاً، فكان المدار على هذا، فكل مكتسٍ لابس، فإذا تحققت الكُسوة فالوفاق، وإن لم تتحقق الكسوة ولا اللبس، فلا إجزاء وفاقاً، وإن كان 3 مطلق اللبس ولا مطلق الكسوة، ففيه الخلاف.
واختلف أصحابنا في النعل على طريقين: فمنهم من ألحقه بالخف والمِكْعب، ومنهم من قطع بأنه لا يجزىء كالمِنطقة، والأشبه تخريجه على الخلاف، فإنه يقال: لبس فلان نعليه، كما يقال لبس خفيه.
وقال مالك 4 ينبغي أن يُعطى كل إنسان ما يستر به عورته، وتجوز صلاته معه، فهذا هو الستر الواجب الشرعي، فاتجه حمل الكُسوة الشرعية عليه، وهذا قولٌ للشافعي حكاه البويطي عنه، ومن ضرورة التفريع على هذا القول الاختلاف على حسب اختلاف الآخذين، فنعتبر في كل آخذ ما يستر عورته وأبو حنيفة 5 أوجب
كسوة سابغة كالقميص والجبة، وما في معناهما.
11740 - فأما الكلام فيما يمنع الإجزاء من الصفات، فلا اعتبار بالعيوب المؤثرة في المالية التي يُثبت مثلها الردَّ بالعيب، وهذا كما أنا لا نعتبر إعتاق الرقاب في الكفارات أن تكون بريئة من العيوب المؤثرة في المالية، وإنما يعتبر ما يؤثر في العمل تأثيراً بيناً، كما تفصّل في موضعه، فاللائق بما نحن فيه النظر إلى ما يؤثر في الانتفاع؛ فإن الغرض انتفاع المكتسي بالكُسوة مع التمليك.
فلو كان الثوب بالياً، أو موفياً على البلى، لم يجز؛ فإنه قد انسحق وامّحق، وسقط معظم منافعه، وكذلك الثوب المخرق بطول البلى، وإن كان قد انخرق طرف منه بجَذْبةٍ، والانتفاع بالثوب باقٍ قائمٌ، فلا منع، والثوبُ الغسيل إن كان متماسكاً قويّاً لم ينته إلى حدّ الانسحاق، فهو مجزىٌ، نصّ عليه الشافعي والمحققون، ولا يشترط أن يكون الثوب جديداً، ويمكن أن يعتبر بقاء معظم التمتع به، والأسلم أن نقول: ما لا يعد خَلَقاً، فهو المجزىء، فهذا هو المعتمد في الباب.
وإن كان الثوب مرقعاً، فإن كان الترقيع للبلى، فلا إجزاء، وإن كانت الأرقعة متماسكة جديدة؛ فإن أطرافها لا تثبت على ثوب أُنهج 1 بالياً، وستتقطع مواضع الخياطة على قربٍ، وإن كان الترقيع لغرض آخر لا للبلى أجزأت الكسوة، ولو كسا مسكيناً ثوباً لطيفاً مهلهل النسج غير بالٍ في حينه، ولكن مثله إذا لبس لا يدوم إلا دوام الثوب البالي، فيظهر أن نقول: لا يجزىء؛ نظراً إلى الإمتاع والاستمتاع.
فهذا بيان ما حضرنا، وخطر لنا في الكُسوة، والله أعلم وأحكم.
...
باب الصيام في كفارة الأيمان
قال: " ومن وجب عليه صوم ... إلى آخره " 1.
11741 - إذا عجز الحانث عن الخلال الثلاث المالية، وقد ذكرنا حد العجز، ومعتبره في كتاب الظهار؛ فإنه يصوم ثلاثة أيام بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وهل يجب رعاية التتابُع فيها أم يجوز الإتيان بها مفرقة؟ فعلى قولين: قال في القديم: لا بد من رعاية التتابُع، وقال في الجديد: لا يشترط التتابُع، بل له أن يفرق الصيام في الأيام، وقيل: كان ابن مسعود يقرأ: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وهذه القراءة لم يصححها القراء، فلا تعويل عليها.
وتوجيه القولين بعدها: من قال: لا يشترط التتابع، احتج بأن التتابع غيرُ مذكور في كتاب الله تعالى، فلا يجب إلا صيام ثلاثة أيام، ومن شرط التتابع، احتج بمسلك الشافعي في حمل المطلق على المقيد، فالصيام مطلق في هذه الآية مقيد بالتتابع في كفارة الظهار والقتل، والمطلق محمول على المقيد، ومن نصر القول الجديد أجاب بأن القضاء في الكتاب محمول على جواز التفريق 2، وصوم الكفارة متردد بين مقيد بالتتابع وبين محمول على التفريق، فالوجه الاكتفاء بالاسم.
ولناصر القول القديم أن يقول: حمل الكفارة [على الكفارة] 3 أولى من حملها على.
القضاء؛ فإن القضاء تِلو 4 الأداء، وليس في الأداء تتابعٌ مستحق، وقد غلط
مالك 1 لما أوجب التتابع في القضاء، مَصيراً إلى أن التتابع مرعيٌّ في الأداء، والقضاءُ تِلوه؛ لأن ما تخيله في الأداء تتابع الزمان، لا تتابع [معتبراً] 2 شرعاً؛ بدليل أن من أفسد اليومَ الأخير لم يفسد صومه فيما مضى.
هذا بيان القولين.
فإن لم نشترط التتابعَ، فلا كلام، والخِيَرةُ إلى الصائم، وإن شرطنا التتابع، فقد قدمنا في كتاب الظهار ما يُبطل التتابع قولاً واحداً، وما لا يبطله، وما اختلف الأصحاب فيه: كالمرض والسفر، ونحن نقول هاهنا: ما يقطع تتابع الشهرين فهو بأن يقطع تتابع الصيام في الأيام الثلاثة أولى؛ فإن إيقاع الأيام الثلاثة بعيدةً عن أسباب القطع ممكن، وإن كان قد يتعذر في الشهرين.
وقد قطع الأصحاب بأن الحيض لا يقطع التتابع في الشهرين، واختلفوا في أنه هل يقطع التتابع في الأيام الثلاثة؛ والسبب في ذلك أنها تتمكن من تبعيد الأيامِ الثلاثة من نوبة حيضها؛ فإن لم تفعل، انتسبت إلى التقصير، والشهران لا يخلوان في الغالب في حق ذات الحيض من الحيض، ولعل الأصح أن الحيض يقطع التتابع؛ فإنها متمكنة من تخيّر أيامٍ لا يفرض فيها حيض، بأن تترك نوبتها من الحيض حتى تنقضي، ثم تصوم الثلاثةَ الأيام في مدّة لا يتوقع فيها معاودة الحيض.
وقد يتجه أن نقول: الحيض على هذا التقدير والتصوير أولى بقطع التتابع من المرض، وإن كان الحيض يقطع تتابع الشهرين وفي المرض قولان؛ فإن المتبع المعاني لا الصور.
...
باب الوصية بكفارة اليمين والزكاة
قال الشافعي: " من لزمه حق للمساكين في زكاةٍ أو كفارة ... إلى آخره " 1.
11742 - ذكر في صدر الباب اجتماع الديون في التركة، وما كان فيها لله تعالى، وما كان للآدمي، وقد قررنا ذلك في مواضع واستقصينا الأصول وتفاريعها في كتاب الوصايا، فلا نعيد شيئاً مما تقدم مقرراً، والذي رأيته لشيخي هاهنا، فأحببت نقله: أنَّا وإن ذكرنا ثلاثة أقوال في تقديم دَين الله تعالى على ديون الآدمي بعد الوفاة، فلا خلاف أن من ضرب القاضي عليه الحجرَ بالفلس، فديون الآدمي مقدمةٌ لا يزاحمها دين الله تعالى إذا كانت مرسلة غير متعلقة بالأعيان، كالكفارات والنذور المطلقة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن ديون الله تعالى تقبل التأخير ما دام الإنسان في قيد الحياة، بخلاف ديون الآدميين، فإذا مات الإنسان، فلا تاخير في تأدية ديون الله، فتجري الأقوال في التقديم والتسوية، وهذا بيّنٌ.
11743 - ثم الذي نرى ذكره هاهنا وإن كان الظن الغالب أنا ذكرناه في الوصايا أن من مات وعليه كفارة -والتفريع على أنه لا حاجة إلى الوصية في تأديتها- فإن كانت الكفارة مرتبة مبدوءة بالعتق، فالوارث يعتق عن الميت حتماً، ويقع العتق عن الكفارة، وينصرف الولاء إلى المتوفى.
وإن مات وعليه كفارة اليمين وفي التركة وفاء، فللوارث أن يطعم، وله أن يكسو، وهل له أن يعتق؟ فعلى وجهين: أصحهما - أن له ذلك، كما ذكرناه في الكفارة المرتبة التي لا تخير فيها، ثم الولاء للميت.
ومن أصحابنا من قال: ليس له أن يعتق عنه؛ فإن الغرض يحصل، والحق يتأدى بالإطعام أو الكسوة، وليس يُعقب واحدٌ منهما ولاءً، وصرف الولاء إلى غير المعتِق وإلى غير الآذان في العتق بعيد، لا اتجاه له.
ولو لم يخلف تركةً، فأراد الوارثُ في كفارة اليمين أن يُطعم أو يُعتق، فقد قال الأصحاب: الإطعام والكسوة من الوارث يقع الموقع، وفي الإعتاق خلاف كما ذكرناه، والأولى ترتيب الخلاف على ما إذا خلّف التركة؛ فإن التركة عُلقة قائمةٌ، حتى كأنها بقيةٌ من الحياة، ويتعلق بها من الطلباتِ ما كان يتعلق بالحي في حالة الحياة، وإذا لم تكن تركة، [كان] 1 الإعتاق من الوارث في حكم التبرع المحض.
ولو كانت المسألة بحالها، فأطعم أجنبي عمن مات وعليه كفارة يمين، أو كسا عنه أو أعتق، فالترتيب المشهور إجراؤه، على عكس الوارث، فنقول: إن أعتق الأجنبي، لم يقع العتق عن الميت وجهاً واحداً؛ فإن أطعم عنه أو كسا، ففي وقوعه عنه وجهان، والفرق أن الوارث على الجملة له رتبة الخلافة، بخلاف الأجنبي، وفي العتق المزية التي أشرنا إليها، وهي استعقاب الولاء، وصرفُ الولاء إلى الغير من غير إذنه بعيد.
قال صاحب التقريب: لا يمتنع أن يخرّج العتق في حق الأجنبي على الخلاف أيضاً ونُرتبه على الوارث، والدليل عليه أن الوارث والأجنبي يستويان في حالة الحياة في أن واحداً منهما لا ينفرد بإعتاق ولا إطعام عمن عليه الكفارة من غير إذنه.
وقد ذهب طائفة من أصحابنا إلى ذكر خلافٍ في إطعام الوارث وكُسوته إذا لم يكن تركة؛ فإن الدين على الميت، فإذا لم يخلّف تركة، فالوارث كالأجنبي، وهذا الخلاف فقيه، وإن كان غريباً؛ فإن ما يطلق من خلافة الوراثة قد لا يتحصل إذا لم يكن مال، وإنما يتصرف الوارث إذا كانت تركة ليخلّص التركة، فإن استحقاقه يتعلق بعينها، فإذا لم يخلّف الميت شيئاً، فلا أثر للوراثة، وبالجملة إنه إذا لم يرث شيئاً للميت، ولم يجب عليه ما على الميت، فلا تعلق له.
وعلى هذا التردّد خرّج الأصحاب خلافاً في أن الوارث لو أدّى دين المورث وما كان خلف شيئاً، فهل لمستحق الدين أن يمتنع عن قبوله؟ هذا خارج على الخلاف الذي حكيناه.
[ولو لم يخلف مالاً والتمس من وارثه أن يُعتق عنه، أو استدعى من أجنبي] 1 ذلك، ومات، فالذي أطلقه الأصحاب وقطعوا به أنه يصح إيقاع ما أوصى به كما يصح ذلك في حالة الحياة؛ فإن التماس هذه الأشياء بعد الوفاة بالوصاية لا يقطعه الموت، وما ينفذ على سبيل الوصاية في حكم الملحق بما يجري في حالة الحياة، والوصية تتمة معاملات الحياة، فهذا ما أردنا ذكره.
11744 - ومما [أراه] 2 متصلاً بذلك أن من مات وعليه صوم، وفرعنا على أن الولي يصوم عنه، فقد قال الأئمة: لو أوصى إلى أجنبي حتى يصوم عنه، صح ذلك، ويصير الأجنبي بالإذن بمثابة الوارث، ولو عجز عن الصوم في الحياة عجزاً لا يتوقع زواله، فالتمس من الغير أن يصوم عنه، فقد قال قائلون: بجواز ذلك؟ قياساً على الاستئجار في الحج؛ فإن النيابة لما تطرقت إلى الحج، جاز الاستئجار عليه بعد الموت، وجاز ذلك في الحياة عند العضب، فليكن الصوم كذلك.
وقال قائلون: لا سبيل إلى ذلك في الصوم؛ فإن المعتمد في تجويزه خبرٌ رواه الرواة، وهو مقيّد بما بعد الموت.
وقال شيخي أبو محمد: إذا جوّزنا للأجنبي أن يكفر عن الميت من غير إيصاء، فلا يمتنع أن يصوم عنه أيضاً من غير إيصاء، ولكن الصوم أبعدُ من وجهين: أحدهما - أنه بدني والقُرَبُ المالية تقبل ما لا تقبله القرب البدنية، وأيضا فإن الاعتماد على الخبر، وفيه: " من مات وعليه صوم صام عنه وليه ".
ومما ذكره الأصحاب أن من عليه كفارة اليمين إذ أوصى بأن يُعْتَق عنه -ومعلوم أن الفرض يسقط بالطعام- فإذا زادت قيمة الرقبة على قيمة الطعام، فمن أصحابنا من قال: يتعين العتق، ولا يكون تبرعاً، وكذلك لو أعتق هو في مرض الموت؛ فإن العتق أحدُ ما يجب.
ومنهم من قال: ما فيه من الزيادة تبرع، إذ من الممكن إسقاط الواجب بغيره، فإذا وقع التفريع على هذا، ففي كيفية اعتبار الفَضْلة من الثلث وجهان، فنقول أولاً: إن وفّى الثلث، فلا كلام، وإن ضاق الثلث، فإذ ذاك يبين الوجهان، فمن أصحابنا من قال: يعتبر خروج جميع قيمة العبد من الثلث، فإن خرجت، فلا كلام، وإن لم تخرج القيمة من الثلث، انتقلنا إلى الإطعام والكسوة، وعليه يدلى ظاهر النص، وهذا الظاهر خارج عن القياس.
والوجه الثاني -وهو القياس- أنا نحط قيمة الطعام مثلاً من رأس المال، وننظر إلى المقدار الذي يزيد على قيمة الطعام إلى قيمة العبد، فيحسب ذلك من ثلث الباقي، فإن خرجت تلك الزيادة، أعتقنا العبد، وإن لم تخرج، انتقلنا إلى الإطعام، أو إلى الكسوة.
وقد مهّدت هذه الأصول في كتاب الوصايا على أبلغ وجه في البيان.
ونحن وإن كنا نجتنب المكرّرات جهدنا، فقد نقع في الإعادة بسببٍ، وهو أن لا نذكر مُضيَّ شيء، ونرى الأولى أن نذكر ما يتردد فيه.
باب كفارة يمين العبد
قال الشافعي: " ولا يجزىء العبدَ في الكفارة إلا الصوم ... إلى آخره " 1.
11745 - إذا حنث العبد ولزمته الكفارة، فيتصور منه الصيام، وأما التكفير بالمال، فإنه يترتب على أن العبد هل يملك بالتمليك، فإن قلنا: لا يملك، فلا يصح منه التكفير بالمال أصلاً، وإن قلنا: إنه يملك، فلو ملكه مولاه طعاماً أو كسوة، فلا يملك إخراجه في الكفارة دون إذن السّيد، فإن أذن في التكفير بالإطعام والكسوة، صح منه باتفاق الأصحاب؛ فإن تبرّعه بما ملَّكه مولاه نافذ بإذن المولى، والملك الذي يتهيأ فيه التبرع يُتصوّر أداء الفرض به على الوجه الذي يتصور التبرع به.
ولو ملَّك عبده عبداً، وأذن له في أن يعتقه عن كفارته، فهل يصح منه التكفير بالعتق أم لا؟
هذا يستدعي تقديمَ أصلٍ وهو أنه لو ملَّك عبده عبداً، وأذن له في إعتاقه تبرعاً، فإذا أعتقه، فلا شك أن العتق ينفذ؛ فإن الحق لا يعدو السيدَ والعبدَ، وما حكم الولاء؟ ذكر الأصحاب قولين مشهورين: أحدهما - أن الولاء يكون للسيد في الحال والمآل؛ فإن ثبوت الولاء للعبد الرقيق محال، كما سنصفه.
والقول الثاني - أن ولاء ذلك المعتَق موقوف: فإن عَتَق هذا العبدُ الذي أعتقه، فيكون ولاء ذلك المعتَق له تبيناً، وإن مات رقيقاً، فيكون ولاؤه لسيده.
وذكر صاحب التقريب في المسألة قولاً غريباً أن الولاء يكون للعبد المعتِق في حال رِقِّه؛ فإذا لم نُبعد أن يثبت له ملك، لم نبعد أن يثبت له الولاء، وهذا وإن كان متجهاً على ظاهر القياس، فهو بعيد في الحكاية، وسبب بعده تعليلاً أن الولاء لو ثبت،
للزم، ويبعد أن يثبت للرقيق حقٌّ لازم لا يمكن قطعه، وليس هذا كالنكاح، فإن النكاح وضعه أن يلزم للعبد والولاء تبع الملك، فإذا كان الملك لا يلزم، فيبعد أن يلزم ما هو تابع للملك.
فإذا ثبتت هذه المقدمة في الولاء، رجعنا إلى التكفير، فإن قلنا بالقول الغريب الذي حكاه صاحب التقريب، وهو أن الولاء يثبت للعبد الرقيق في حال رِقه، فإذا أذن له مولاه في إعتاق العبد الذي ملّكه عن كفارته، فإذا أعتقه، وقع عن الكفارة، ولا إشكال.
وإن قلنا: الولاء موقوف، فمن أصحابنا من قال: يقع العتق عن كفارته ناجزاً في الحال وإن قضينا بوقف الولاء، هكذا حكاه الصيدلاني وغيره من أئمة المذهب، وقال الصيدلاني: الوجه عندي أنا إذا حكمنا بوقف الولاء، فينبغي أن تكون الكفارة موقوفة أيضاً، فإن الإجزاء في هذه المسألة يتبع الولاء، ويبعد أن نقطع بالإجزاء مع التوقف في الولاء، وهذا الذي قاله من تلقاء نفسه واختاره لم يذكر القاضي غيرَه، وقطع به، ووجهه بيّن.
ولو أعتق المكاتَب عن كفارته بإذن السيد على قولنا بنفوذ تبرعاته إذا صدرت عن إذن السيد، قال 1: فالذي ذكره الأصحاب أن ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه أن الأمر موقوف؛ فإن المكاتب ربما يعجِز فيَرق، ثم إذا عاد رقيقاً، فيجب أن يكون الولاء موقوفاً، وإذا كان موقوفاً، وجب وقف الكفارة.
هذا كلام الصيدلاني نقلاً واختياراً.
وحكى الإمام شيخي قولاً غريباً أن العبد إذا أَعتق بإذن مولاه العبدَ الذي ملّكه إياه، ينفذ العتقُ والولاء للسيد، ويقع العتق عن كفارة العبد.
11746 - هذه طرق الأصحاب، وبعدها بحثٌ قريب: وهو أنا إذا حكمنا بأن الولاء للسيد، فالعتق عمّن؟ ينقدح فيه من قول الأصحاب وجهان: أحدهما - أن العتق يقع عن السيد، وكأن الملك ينقلب إليه، وينفذ العتق عنه، ولذلك انصرف
الولاء إليه، ولهذا قلنا: إن العتق لا يقع عن كفارة العبد.
والوجه الثاني - أن العتق يقع عن العبد، ولكن يتعذر صرف الولاء إليه، ولا بُدّ من الولاء، فكان السيد أولى من يُصرف إليه الولاء، وهذا يتضح على القول الغريب الذي حكاه شيخي في أن العتق يقع عن كفارة العبد والولاء [للسيد] 1.
ومما يُبحث عنه أن التردد الذي حكاه الصيدلاني على قول وقف الولاء في أن العتق يقع ناجزاً عن الكفارة أو يتوقف فيه إنما يظهر أثره في مثل كفارة الظهار، فإن تحليل المظاهَر عنها موقوف على براءة الذمة عن الكفارة، فإن نجّزنا الحكم أحللناها، وإن لم ننجز توقفنا في إحلالها حتى نتبين الأمر، ولا خلاص إن أراد أن يستحلها إلا الصيام.
ومن لطيف ما نفرعه أن السيد إذا أذن لعبده في الإعتاق عن الكفارة المرتبة وقلنا العتق يقع عن كفارته في قولٍ من الأقوال التي قدمناها، فلو أراد العبد أن يصوم ولا يكفر بالمال، فهذا فيه احتمال عندنا؛ من جهة أن ملكه ضعيف، وليس العبد موسراً به، بدليل أن نفقته على زوجته نفقة المعسرين، وإن ملكه السيد مالاً جمّاً، وأذن له في صرفه فيما يشاء؛ إذ لا ثقة بإذن السيد، وله أن يرجع متى شاء، ويجوز أن يقال: ليس له أن يصوم مع التمكن من الإعتاق، والعلم عند الله تعالى.
11747 - وكل ما ذكرناه تفريع على قولٍ ضعيف، وهو أن العبد يملك بالتمليك.
فإن فرعنا على الجديد وهو أنه لا يملك أصلاً، فلا يكفِّر إلا بالصيام، وفي صيامه تفريع لابد منه، فإن كان العبد أيِّداً، لا ينهكه الصوم، ولا ينقص عنه 2، ولا يُعجزه عن القيام بخدمة السيد، فله أن يصوم متى شاء، ولا معترض عليه، فإن الصوم إذا كان لا يؤثر فيه بمثابة إدامة ذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن في متصرفات أحواله، وأجمع أئمتنا على أن للعبد أن يتطوع بالصوم إذا كان لا يؤثر الصوم في رقبته وقوته، وإن كان الصوم يؤثر فيه، ويعجزه عن القيام بتمام الخدمة، نُظر: فإن كانت
اليمين والحنث جميعاً بإذن السيد، فليس له منعه من الصوم، وحمله على تأخيره، وإن كانت الكفارة على التراخي، هذا هو المذهب الصحيح، ولو دخل عليه أول وقت الصلاة، فأراد إقامة الصلاة في أول وقتها، فهل له ذلك؟ في المسألة وجهان مشهوران، والفرق بين الحمل على تأخير الكفارة وبين محل الوجهين في الصلاة أن العمر محل الكفارة، وهو مجهول الآخر، فكان في تأخيرها غررٌ، ووقت الصلاة مضبوط.
ومن أصحابنا من قال: يجوز للسيد حمل العبد على تأخير الصوم وإن كان الحلف والحنث صادرين عن إذنه، تخريجاً على أن للزوج أن يمنع زوجته عن حجة الإسلام على قول؛ لأن أداء الحج على التراخي، وحق الزوج ناجزٌ في الحال، وكان شيخي يقول: هذا القول وإن جرى في الحج موجهاً بما ذكرناه، فالوجه القطع بأن العبد لا يُحمل على تأخير الصوم في الكفارة إذا جرى الحلف والحنث بإذن السيد؛ لأن موجب الكفارة تعلّق بالمولى ووجوب الحج لا تعلق له بالزوج، ولا يمتنع أن يقال: لا تتم استطاعة الزوجة حتى يأذن الزوج لها، وهذا لا بأس به، وكل ذلك ناشىء من تردّد الأصحاب في أن من أخر الحج، ومات هل يأثم؟ وكيف يأثم ولو أخر الصلاة من أول الوقت إلى وسطه فاخترمته المنية، فهل يأثم؟ وكل ذلك مما مضى مقرراً في الكتب السابقة.
وكنت أحب أن يقال في الكفارة: إنْ ظَاهَرَ العبدُ وعاد بإذن المولى، فليس له أن يمنعه من التكفير؛ لأن في منعه إضراراً به وإدامةً للتحريم، وإن فرض في كفارة اليمين ما ذكرناه، فقد يُخرّج فيه الوجه البعيد الذي ذكرناه في أن السيد يحمل عبده على تأخير الصوم.
وما قدمناه من جواز الصوم تبرعاً أو فرضاً، حيث لا يؤثر الصوم في القيمة 1 والقوة، فهو في العبد، أما الأمة، فللسيّد أن يفطرها في صوم التبرع، وفي صوم الفرض إن لم يكن سبب وجوبه بإذنه، وهذا واضح.
لو حلف العبد وحنث بغير إذن المولى، وكان الصوم يؤثر، فالسيد يمنعه من الصوم، وإن فرضنا المسألة في الأمة، كان له أن يمنعها ويقضي مستَمْتَعه منها.
ولو حلف العبد من غير إذن السيد، وحنث بإذنه، فهل له أن يمنعه من الصوم؟ فعلى وجهين مشهورين مُفرّعَيْن على أن اليمين والحنث لو كانا بالإذن، فلا يُمنع العبد من الصوم، والفرق لائح، ولو كانت اليمين بإذن السيد والحنث بغير إذنه، فالذي ذهب إليه المحققون أن للسيد أن يمنعه من الصوم إذا حنث، والسبب فيه أنه إذا حلف بإذن مولاه على الامتناع من دخول الدار، ودخل الدار من غير إذن، فالذي جاء به مبالغة في مخالفة المولى، فإنه أذن له في أن يمتنع عن الدخول، ويؤكد ذلك باليمين، فإذا دخل الدار مع اليمين، كان أبلغ مما إذا دخلها من غير يمين.
ومن أصحابنا من قال: يجري الوجهان إذا كانت اليمين بإذن المولى، وإن لم يكن الحنث بإذنه؛ فإن اليمين إحدى سبَبَي الكفارة، فإذا صدرت عن إذن المولى، كانت كالسبب الآخر، وهو الحِنث، وقد ذكر الوجهين العراقيون، وصاحب التقريب.
11748 - وكل ما ذكرناه من تفريع التكفير بالمال والصوم مصوّر في حياة العبد، فلو حلف العبد، وحنث، ومات أو استوجب الكفارة بجهة أخرى، فقد قال الأصحاب: للسيد أن يُطعم ويكسوَ عن عبده بعد موته، وإن كان لا يجد إلى ذلك سبيلاً في حياته إذا فرعنا على أن العبد لا يملك بالتمليك، والسبب فيه أن التكفير عنه بالمال موقوف على دخول المال في ملكه، وخروجه عن ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي هذا، فانا وإن كنا [نقدر للميت ملكاً، فلا تحقيق له، والميت أبعد خلق الله عن الملك، وكيف] 1 يتحقق له ملك، وهو في حكم المعدوم في أحكام الدنيا؟ ثم جاز التكفير عن الميت بعد موته على التفاصيل المقدمة، فالعبد والحر بعد الموت بمثابةٍ، هذا ما ذكره شيخي وهو الذي قطع به القاضي، وتحقيقُه أن العبد يخرج بالموت عن كونه عبداً، فلا معنى للنظر إلى التفاوت بين الحر والعبد بعد الموت.
هذا ظاهر المذهب، ويتطرق إليه احتمالٌ من أصلٍ نقدّمه، ثم نذكر وجه إشعاره بالاحتمال، فإذا التزم العبد كفارةً، والتفريع على أنه لا يملك بالتمليك، ولا يتصور منه التكفير بالمال، فلو أُعتق، وأراد أن يكفر بالمال -والتفريع على أن الاعتبار في صفة التكفير بحالة الوجوب- فالمذهب أنه لو أراد التكفير بالمال بعد العتق، أمكنه، فإن من لا يلتزم إلا البدل لو تكلف إخراج المبدل، كان مقبولاً منه، كما لو كان معسراً عند التزام الكفارة، ثم أيسر قبل أدائها، وفرعنا على أن الاعتبار بحالة الوجوب، فلو أدّى ما يليق بحال الموسرين أجزأه ذلك.
ومن أصحابنا من قال: العبد لا يجزئه إلا الصوم؛ فإنا نسند حالة الأداء إلى حالة الالتزام، ولقد كان في حالة الالتزام بحيث لا يتصور منه التكفير بالمال بوجهٍ، فعلى هذا يظهر المصير إلى أن السيد لا يكفر عن عبده بعد موته بمالٍ يخرجه؛ فإن ما يعترض بعد الموت لا بدّ من تقدير استناده إلى حالة الحياة، وهذا الوجه 1 في هذا المقام ظاهر؛ نإن ما بعد الموت استدراك أمر مشرفٍ على الفوت، فيجب الالتفات إلى حالة الحياة.
ثم فرع الأصحاب على الوجه الظاهر، وقالوا: إذا جوزنا للسيد أن يطعم ويكسو عن مملوكه بعد موته، فهل يجوز له أن يُعتق عنه، فعلى وجهين، وهذا التردد لمكان الولاء، وما فيه من الاضطراب للأصحاب، ثم المعتمد في السيد أنه في التصرف في عبده حالّ محل الوارث لما بينهما من العُلقة، وقد مضى لهذا نظائر في المسائل.
ثم الذي يقتضيه الترتيب أن ينزل السيد في حق عبده الميت منزلة الوارث في حق صاحبه الذي لم يخلّف شيئاً، وقد قدمنا تفصيل المذهب في حق الذين لم يخلفوا شيئاً، ثم السيد أبعدُ عن الخلافة من الوارث، والعبد أبعد عن قبول التكفير من الميت المعسر، لما نبهنا عليه، وكل ذلك يقتضي ترتيب محالّ الخلاف في السيد [على] 2 أمثالها في الوارث.
فصل
قال: " ولو حنث ونصفه عبد ونصفه حر ... إلى آخره " 1.
11749 - من بعضه حر وبعضه رقيق إذا خلص له مال بطريق المهايأة، أو القسمة، فمِلكُه تام فيما خلص له، وتصرفاته نافذة من غير احتياج إلى استئذان ومراجعة من يملك رقَّ بعضه، ولا معترض عليه في التبرع إن أراده؛ فإذا لزمته كفارة مرتبة، وأراد التكفير بالمال، فالمنصوص عليه للشافعي أنه يطعم ويكسو لكمال ملكه.
وقال المزني 2: يجب ألا يصح منه إلا التكفيرُ بالصوم؛ لأنه لو كفر بالمال، وقع ذلك عن جملته؛ إذ يستحيل أن يختص لزومُ الكفارة ببعضه، والأداء على حسب اللزوم، فإذا كان اللزوم يكفي جملته من غير تبعيض، فالأداء بحسبه، فلو كفر بالمال، كان مخرِجاً عن بعضه الرقيق مالاً، ثم أكد هذا، فقال: إذا كنا لا نحتمل التبعيض بين أصلين، ونقول: لو أطعم الحر خمسةً، وكسا خمسة، أو أطعم خمسة، وأعتق نصف رقبة، لم يجزئه، فالتبعيض في المودِّي أولى بذلك.
هذا مذهب المزني.
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى موافقته، وإلحاق مذهبه بالقاعدة، فانتظم خلاف؛ إذ المنصوص التكفير بالمال والمُخَرَّج وهو مذهب المزني أنه لا يجزئه التكفير بالمال.
...