كتاب الأشربة والحد فيها
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الخبر، وكأنه لا يقول قولاً في واقعه إلا وهو مصرّح معه بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبرٌ على خلافه.
11239 - ثم قال الشافعي، في آخر الباب: " لا تقام الحدود في المساجد " 1
وهو كما قال، وسيأتي، إن شاء الله، هذا وأمثاله في آداب القضاء.
روى معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم " 2.
ثم عقد الشافعي باباً مترجماً بقتال أهل الردّة 3، مضمونه ثلاثة أشياء: أحدها - أحكام الردة، وقد مضت في باب مفرد، والآخر - مقاتلة أهل الردة إذا اجتمعوا، وقد مضى هذا في أثناء قتال أهل البغي، والثالث - يحثّ على البداية بهم، وهذا بيّن، وليس على هذا الإطلاق، فقد يطأ الكفار طرفاً من [بلاد] 4 الإسلام، ولو لم نَطِر إليهم، لخفنا فتقاً لا يُرقع، فلتقع البداية بالأهم.
...
باب صول الفحل
قال الشافعي رضي الله عنه: " إذا طلب الفحل رجلاً ... إلى آخره " 1.
11240 - البهيمة إذا صالت على إنسان، وعلم المصول عليه أنها لا تدفع إلا بما يهلكها، ويأتي عليها، دفَعَها، واقتصر على مقدار الحاجة في دفعها، فإن كانت [لا تدفع] 2 إلا بما يقتل، قتلها، وكانت هدراً غير مضمونة، خلافاً لأبي حنيفة 3.
وكذلك إذا صال آدمي على إنسان، فإنه يتولى دفعه بالأيسر فالأيسر، فلو لم يتأت الدفع إلا بالقتل، قَتَل، ولا ضمان.
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في صيال الصبي والمجنون.
فقال في رواية: لو أهلكهما في الدفع، كانا مضمونين، وقال في رواية: لا ضمان على الدافع؛ لأن فعلهما لو تم، لتعلّق الضمان به.
بخلاف فعل البهيمة.
ومعتمدنا في المذهب أن البهيمة بصيالها صارت مستحقَّةَ القتل بصيالها، فقامت مقام السبع الضاري، والكلب العقور.
ولو اضطر في المخمصة، واقتضت الضرورة إتلافَ بهيمة الغير، والأكلِ منها، فالإهلاك سائغ، بل واجبٌ لإحياء المهجة، وضمانُ البهيمة واجب على المضطر، فإن البهيمة لم تتصف بما يسلّط على إهلاكها، بخلاف الصائلة.
ولو رَبَضت بهيمة على باب بيت فيه زادٌ لإنسان، وقد ظهرت الحاجة، ومست
الضرورة، ولا وصول إلى البيت إلا بإتلاف البهيمة، فلا شك أنه يُتلفها، وفي ضمانها وجهان: أحدهما - أنه يجب كما لو أتلفها للمخمصة، وأكل منها.
والثاني - لا يجب الضمان لوقوفها وربوضها على سبيله الموصل إلى الزاد.
ولو كان الإنسان في طريقه عابراً، وسطقت جرّةُ أو ما في معناها في ملك إنسان واستوت على [رأسه] 1، ولو لم يكسرها، لأهلكته أو خيف عليه منها 2، فإذا كسرها، فللأئمة أصلان في ذلك، فقال قائلون: كسرها بمثابة قتل البهيمة الصائلة، وقال آخرون: يجب الضمان، وإن ساغ الكسر؛ لأنه لا اختيار لهذا الساقط على سمت رأسه.
ولاختيار الحيوان أحكام لا تُنكر.
11241 - ثم تكلم الأئمة فيما يجب من الدفع، وفيما يسوغ، فنستتم ذلك، ثم نخوض بعده في إيضاح تدريج الدفع، فنقول: إذا قصدته بهيمةُ إنسانٍ، وصالت عليه، وجب عليه دفعها، وإن كان الدفع يأتي عليها، ولا يجوز أن يستسلم للتهلكة، ولا [بُعدَ] 3 في هذا، ونحن نوجب قتل البهيمة الضارية بالإهلاك، وإن لم تكن صائلة في وقتها، لقطع توقع الصيال منها.
ولو صال مرتد أو حربيّ على مسلم، لم يحلّ له أن يستسلم، ويؤثر الهلكة؛ فإنه لا حرمة للصائل، والاستسلام لهما ذلٌّ في الدين.
11242 - ولو كان الصائل رجلاً مسلماً محقون الدم، فهل يجوز الاستسلام للهلكة؟ وكيف السبيل فيه؟ اختلف النص، وحاصل المذهب في أصل التمهيد قولان: أحدهما - أن الاستسلام غير جائز؛ فإن المهجة المصول عليها محترمة، والشخص الصائل ظالم ساقط الحرمة، فيجب إيثار الذب عن المهجة المحترمة، ولا يسوغ بذلها لشخص ساقط الحرمة.
والقول الثاني - يجوز الاستسلام، ومعتمده الأخبار الصحيحة، ومنها ما روي عن حذيفةَ بنِ اليمان: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ما سيكون من الفتن، فقال حذيفة: يا رسول الله لو أدركني ذلك الزمان، فقال: ادخل بيتك، واخمل ذكرك، فقال: أرأيت لو دخل بيتي؟ فقال: إذا راعك بريق السيف، فاستر وجهك، وكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل " 1. وفي بعض الأخبار: " ولأن تكن خير ابني آدم " 2 عَنَى صلى الله عليه وسلم قابيل وهابيل.
وصح عن عثمان رضي الله عنه: " أنه استسلم يوم الدار، وقال: لا أحب أن يراق فيّ مِحْجَمة دم "، وكان معه في الدار أربعمائة من الغلمان الشاكين السلاح، فقال: " من ألقى سلاحه، فهو حر" 3.
فإذاً لاح في الدفع وإن أفضى إلى القتل، وفي الاستسلام قولان: أحدهما - أنه محرّم، والثاني - غير محرّم.
ثم اختلف أصحابنا في تأويل هذا القول، فمنهنم من قال: الاستسلام جائز، ومنهم من رآه مندوباً إليه مستحباً، وإليه إشارة الأخبار في استحسان الإيثار، وإن أدى إلى هلاك المَؤْثر، وهو شِيمُ الصالحين، ويتصوّر من أوجه، يدل البعض منها على
الكل.
فإذا اضطُر الرجل، وانتهى إلى المخمصة، ومعه ما يسدّ جوعته، وفي رفقته مضطرٌ فآثره بالطعام، فهو حسن، وكذلك القول في جملة الأسباب التي تتدارك بها المهج، ولا خلاف أنه لا يحل إيثارُ بهيمةٍ، وكيف يظن الظان هذا، ويجب قتل البهيمة لاستبقاء المهجة.
11243 - ولو كان الصائل على الإنسان مجنوناً أو مراهقاً، فمعلوم أنه لا يبوء واحدٌ منهما بالإثم، ولو استسلم للقتل، وللأصحاب طريقان فيهما: منهم من لم يجوّز الاستسلام، ونزلهما منزلة البهيمة في هذا المقام، واستمسك بما أجرى الله تعالى ذكره في قصة هابيل؛ إذ قال عز وجلّ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك﴾ [المائدة: 29].
ومن الأصحاب من أجرى قولي الاستسلام في الصبي والمجنون 2؛ لأن المعنى المتبع في ضبط هذا القول محاذرة الزيادة على قدر الحاجة في الدفع، والصائل آدمي محترم، وهذا المعنى يتحقق، وإن كان الصائل لا يبوء بالإثم، وأيضاً فإن للقتيل القرب من مرتبة الشهادة، وهذا المعنى يجري في الصبي والمجنون إذا صالا.
11244 - وأما الذميّ إذا كان هو الصائل، فالوجه الدفع؛ فإنه لا يجوز الاستسلام، وإن كانت الذمة توجب حقن دمه؛ لأنه بصياله ناقصٌ عهده؛ فتسقط حرمته، ويبقى كافراً صائلاً على مسلم، فإن قيل: أليس من الأصحاب من يقول: لا تنتقض الذمة بالقتل؟ قلنا: ذلك وجه ضعيف، ثم لا حرمة للذمة حالة القتال، والصيال.
وعلى الجملة الاستسلام للكافر ذُلّ.
11245 - وتمام البيان في هذا أنه كما يدفع الصائلَ عن نفسه كذلك يدفعه عن قريبه وحميمه، وعن الأجنبي منه.
وهل يجوز له ترك الذبّ، أم يجب عليه أن يبذل وسعه في الدفع عن غيره؟ فيه تردّدٌ للعلماء، وهو من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن1
المنكر، والذي اختاره المحققون من الفقهاء أن ذلك يجري في حق الغير مجراه في حقه، لو كان هو المصول عليه.
ويخرج من هذا وجوب الدفع عن الغير في قولٍ، وتحريمُ [تركه] 1.
وعلماء الأصول اضطربوا في هذا، فذهب المحققون منهم إلى أن هذا محتوم على الولاة وأصحاب السيوف المرتصدين للذب عن الدين، فأما آحاد الناس، فلا يلزمهم هذا، ثم منهم من لم يجوّز شهرَ السلاح للدفع عن الغير، ومنهم من جوّزه فلم يوجب.
وهذا لا يختص [أثره] 2 بصول الإنسان على غيره قاصداً قتله، فمن كان مُقْدماً على محرّم، فيمنع منه، فإن أبى، دُفع عنه، فإن أتى الدفعُ عليه، فهو على التفصيل الذي ذكرناه، حتى قيل: لو رأى رجلاً يرضّ رأسَ شاة الغير وقدر أن يمنع، فإن أبى 3، دُفع، ثم الدفع لا موقف له إلا إهلاك القاصد.
وكذلك لو كان يتعاطى الشرب أو غيره من المنكرات، فالقول على ما ذكرناه.
والخارج من النظم أن السلطان لو دفع -[من ارتكب أو هم بارتكاب هذه لماثم] (4) - دفعه بالرّد إلى الطاعة، وأما آحاد الناس، ففي الفقهاء من يسلّطه على
ذلك، وهذا لا يرتضيه الأصوليون.
إلا أن قُربَ خطر الشرب؛ من حيث إن قصاراه لو استتمه جلدات، فإن أمر الدفع لو صح لا يؤخذ من هذا المأخذ؛ فإن الإنسان - كما سنذكر إن شاء الله تعالى- يذب عن ماله، والعبد يذبّ سيدَه عن نفسه، وإن كان قتلُ السيد إياه غيرُ موجب ضماناً عليه في قودٍ ولا قيمة.
ولكن تمكين الناس من السيوف يجرّ خبلاً عظيماً.
11246 - فخرج من مجموع ما ذكرناه أن الإنسان يدفع عن نفسه بكل وجهٍ [والكلام] 1 في وجوب الدفع.
وهذه مرتبة.
والمرتبة الأخرى - في الدفع عن الغير وهو مقصود بالقتل، أو بفاحشة الزنا، وهاهنا افتراق الفقهاءِ وأربابِ الأصول، كما قدمناه، وفي مسلك الأصوليين رمزٌ إلى موافقة الفقهاء.
المرتبة الثالثة - في الدفع عن المنكرات والمحرّمات جُمَع سوى ما ذكرناه، والأصوليون مطبقون على أنه لا يجوز لآحاد الناس شهرُ السلاح، وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنه لا مبالاة بشهر السلاح إذا اقتضت الحاجة إليه.
وهذا نجاز القول في هذا الأصل.
11247 - وإذا كان المصول عليه يدفع عن نفسه، وقد قلنا: إنه لا يجوز له أن يستسلم، فإن استمكن من الوصول إلى الخلاص بالهرب، فقد اختلف أصحابنا الفقهاء في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز المكاوحة 2 مع إمكان الهرب، فإن الغرض الخلاصُ بالأهون فالأهون، وإذا أمكن الهرب، فلا شيء أسلم منه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز الثبوت، ودفع الصائل، وهذا يُوجَّه بأن الصائل =مع الاستعانة بمختصر العز بن عبد السلام، وبسيط الغزالي، وشرح الرافعي، وروضة النووي.
فأدينا المعنى بألفاظِ من عندنا.
وعبارة الأصل رسمت هكذا " لو دفع مراعمه الهام بامره ... دفعه ... إلخ " كذا تماماً رسماً ونقطاً.
(انظر صورتها).
يبغي إزعاجه عن مكانه، فله ألاّ ينزع 1، ثم يجر ذلك الدفعَ وارتفاعَ الحرجِ فيه.
والوجهان يجريان على جواز الاستسلام أيضاً؛ فإنا أجريناهما على تحريمه، غير أنا إذا جوزنا الاستسلام، فالأوجه وجوب الهرب حتى لا يهلِك، ولا يورّطَ صاحبه في التسبب إلى الهلاك.
11248 - والذي قطع به الأئمة، أنه يجوز للإنسان الذبُّ عن ماله كما يذب عن مهجته.
وقال بعض الأئمة: للشافعي في القول القديم أن الدفع عن المال إذا كان لا يتأتى إلا بقتل القاصد أو إتلاف عضو من أعضائه، فلا يجوز دفعه، وهذا وإن أمكن توجيهه في القياس، فهو بعيد في الحكاية.
11249 - وقد حان أن نبتدىء القولَ في تدريج الدفع.
قال الأئمة: ينبغي أن يقع الدفع بالأهون فالأهون، حتى إن أمكن الدفع بالكلام، فلا مَعدل عنه، وإن أمكن الدفع بالَّلكْم، فلا يعلو بالسوط، ولا ينتقل عنه إلى العصا والمثقّلات.
ثم بعد ذلك كله يَشْهَر السلاح.
ثم [إذا قلنا:] 2 الاقتصار على الدفع، [فلو] 3 كان الصائل يندفع بسوطٍ -لو كان- فلم يجده المصول عليه، ولم يشتمل إلا من 4 سيفٍ أو سكين، ولو حذفه بالسيف، لقتله، فهذا فيه تردد؛ فإن الدفع ممكن من غير قتل.
هذا وجه.
ويجوز أن يقال: ليس يتأتى منه الدفع والحالة هذه إلا بما يجد، ولا يمكن نسبته إلى التقصير بترك استصحاب السوط.
والدليل عليه أن البصير الماهر بالسلاح يدفع صيال الصائل بوجوه لا [تأتي] 5 على الصائل، ولا [يستمكن] 6 منها كل أحد.
ثم
عدم الإحاطة بتلك الوجوه في الدفع لا يسبب ضماناً على الدافع المقتصر على ما يحسنه، والأمر كذلك إذا لم يجد إلا آلة يعظم أثرها.
وقد تمهد ابتدار الصائل، ووجوبُ الدفع، وجوازُه، ورعاية التدريج في الدفع.
وألحق الأئمة بهذا الفصل الأخير من استلب مالاً، وولّى، فاتّبعه صاحب المال، فإن ألقاه، لم يتبعه، ولو اتّبعه، وضربه، ضمن، وإن تشبث بذلك المال المسلوب، يجاذبه، فجرّ الأمرُ مكاوحةً، فهو قصدٌ ودفع كما ذكرناه.
فصل
قال: " ولو عضه كان له فكُّ لِحييه ... إلى آخره " 1.
11250 - إذا عضّ رجل عضواً من إنسان، فله أن يسلّها، وإن كانت تندُر 2 ثناياه، وإنما فُرض البناء على هذا الفصل لورود خببر فيه.
وروي: " أن رجلاً عض يدَ رجل، فانتزعها فندرت ثناياه، فارتفعت القصّةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنايا العاض، وقال له: أيدع إصبعه في فيك تقضمها، كأنه في في فحل " 3 فإن لم يتأت منه سلُّ العضو، فله أن يعمد 4 فكَّه بما يفكه، حتى يخلِّيه، فإن لم يستمكن من الخلاص إلا باستعمال السلاح في العضو الجاني، فليستعمله، وإن كان لا يتأتى الخلاص إلا باستعمال السلاح في غير ذلك العضو مثل أن يعض العاض على قفاه، بحيث لا تناله يداه، ولا يجد مخلصاً إلا بوضع السكين في بطنه، فالأصح أنه يفعل ذلك، وإن خطر لذي خاطر أن منتهى عضِّ العاض خدشٌ وإيلام، فلا نظر إلى هذا، وقد مهدنا جواز قتل من يقصد إنساناً في الدفع عنه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يضع السلاح في غير العضو الجاني.
وهذا
الوجه وإن كان مشهوراً في الحكاية، فلا أصل له، والذي أراه أن ينزّل فيه 1 إذا كان القصد من الجاني لا ينتهى إلى قتلٍ أو فساد عضو.
فإن كان ينتهى إلى ذلك، وكان لا يتأتى تخصيص العضو الذي منه الجناية بالدفع، فالوجه القطع بتسليط المصول عليه على الدفع الممكن، وإن ظن ظان أن الوجه الذي حكيناه يوجب أن يخص يدَ الصائل بالدفع إذا احتوت على قبيعة 2 السيف، فهذا خطأ في ظنه، فإن الضرب بالسيف وإن كان صادراً من اليد، فالتحامل مضاف إلى جملة البدن، والرِّجل تلي اليد في حاجة الإقدام، فذلك الوجه إذاً يختص في العضو أو القبض باليد على عضوٍ، بشرط ألا يؤدي إلى الهلاك، أو إفساد عضو.
فصل
قال: " ولو قتل رجل رجلاً فقال: قد وجدته على امرأتي ... إلى آخره " 3.
11251 - مضمون هذا الفصل يتعلق بأمرين: أحدهما - أن من وجد رجلاً كما وصفناه، وحاول دفعه، فأبى، فيتعلّق هذا بالدفع والصيال، كما تمهّد، فإن أتى الدفع عليه، كان هدراً، بكراً كان أو ثيباً، هذا إذا اتصل الأمر بالقصد والدفع.
فأما إذا وجده بعده، فقتله، فإن كان رآه على حقيقة الزنا، وكان ثيباً، فهو هدر، وإن كان بكراً، وجب القصاص على القاتل، وإن اعترف بقتله، وادعى ما ذكرناه وكان محصناً، فإن لم يصدقه ولي القتيل، وأمكنه أن يُثبت الزنا ببينةٍ، فليفعل، وإلا فالقصاص واجبٌ عليه.
وأبو حنيفة يقول من قتل زانياً محصناً من غير إذن الإمام، لزمه الضمان، والمسألة مذكورة في الخلاف.
وقد قيل: لما نزل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13] قال سعد بن عبادة: " أرأيت لو وجدت رجلاً مع امرأتي قدَدْتُه بالسيف
نصفين، قتلتموني أو تركتموني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من غيرته، والله، لله أغير منه، ولأجله حرّم الفواحش " 1.
فصل
قال: " ولو تطلع إليه رجل من ثقب، فطعنه بعود ... إلى آخره " 2.
11252 - إذا تطلّع رجلٌ من صِير 3 بابٍ أو كوةٍ إلى حُرَم إنسان في الدار، ولا شبهة للناظر، فلا شك أن الذي جاء به جناية، وقد ثبت جواز قصد عينه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فلو رمى إليه بمِدْرى أو حجرٍ صغير، مثل حصا الخذف، فأصاب عينه، وأعماه، كان هدراً.
هذا مذهب الشافعي.
والمعتمد عنده في ذلك، ما روي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الحجرة، وكان بيده مِدْرى يحك بها رأسه، فتطلّع إليه رجل من صِير بابه، وقال: لو علمت أنك تنظرني أو قال: تطرفني، أو قال: تنتظرني، لطعنت بها في عينك، وإنما جعل الاستئذان لأجل البصر 4، وروي أنه كان [يخاتله النظر، ليرمي عينه بالمدرى] 5 قال الراوي: أو كأنه لا يبالي لو لم يصرف عينه أن يَطْعَن بها في عينه.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " من اطلع إلى قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه، فلا قود، ولا دية " 6. هذا معتمد المذهب.
11253 - ثم الغرض من الفصل ينتجز ببيان فصولٍ: منها - أنا نشترط أن يكون الناظر قاصداً في نظره، فلو وقع بصره وفاقاً، ولم يتبين أنه جرّد قصده إلى النظر، أو إدامتِه، فلا يجوز قصدُ عينه.
ومنها ألا يكون صاحبُ الدار مقصّراً، حتى لو كان باب الدار مفتوحاً، فنظر الناظر منه، لم يجز قصدُ عينه، فإن التقصير من رب الدار، وكذلك لو كان انهدم شيء من جدار الدار، فنظر ناظرٌ من تلك الثُّلمة، فلا يجوز قصدُ عينه.
فأما النظر من صِير الباب، ومن كوة يُعتاد مثلها، فهو النظر الذي يسلّط على قصد العين.
ومما نعتبره ألا يكون للناظر في الدار حُرَم، فإن كان، فلا يجوز قصد عينه، وإن كان لا يجوز له أن ينظر لجواز أن يكون في الدار حُرَمٌ لمالك الدار، ولكن ما له من الشبهة أسقطَ جواز قصد عينه.
واختلف أصحابنا في صورتين: إحداهما - أنه لو لم يكن في الدار إلا صاحب الدار، أو رجالٌ معه، فإذا نظر الناظر، ففي جواز قصد عينه وجهان: أحدهما - لا يجوز، ووجهه بيّن؛ إذ لا حُرم.
والثاني - يجوز؛ فإن النظر حرام، وإن لم يكن حُرَم؛ إذ الرجل قد يكون منكشفاً، وقد يريد أن يكون آمناً من الاطلاع عليه، فينبغي أن يُحسمَ الباب، والأحاديث المسلِّطة على جواز قصد العين ليست مقيَّدةً بالحُرَم.
هذه واحدة.
والصورة الأخرى - أن يكون في الدار حُرَم، ولكن اتفق كونُهن متسترات ببيت أو غيره، ولم ينته اطلاع الناظر إليهن، فهل يجوز قصد عينه والحالة هذه؟ فعلى وجهين، والأظهر هاهنا الجواز، لاشتمال الدار على الحُرم، ولا يدري أن الاطلاع قد يتفق [وحالة التستر هذه] 1. =2/ 385، النسائي: القسامة، باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان، ح 4860، ابن حبان: 5972، البيهقي: 8/ 338، التلخيص: 4/ 160 ح 2152).
وهذه الصورة إذا ضمت إلى الأولى انتظم منهما ثلاثة أوجه: أحدها - جواز القصد، والثاني - منع القصد مطلقاً، وإن لم ينته النظر إلى حرم، والثالث - الفصل بين أن يكون في الدار حرم، وبين ألا يكون.
11254 - ثم إذا نظر الناظر حيث يجوز قصد عينه، فلا فرق بين أن يكون وقوفه في الشارع، أو في سكة منسدّة، أو يكونَ في ملكه الخالص، يعني ملك الناظر؛ فإن الجناية المردودة هي النظر، والنظر إذا امتدّ لم يختلف الأمر باختلاف موقف الناظر، ولا اعتذار له إذا ترك بصره منسرحاً إلى حرم غيره، بأن يقول: إني واقفٌ في ملكي، فيقال: فانظر إلى ملكك، وغُضَّ بصرك عن حرم الناس.
11255 - ثم ما صار إليه الأئمة في الطرق أن النظر إذا استجمع الشرائط التي ذكرناها، فيجوز قصدُ عين الناظر من غير تقديم إنذار، وفي الخبر ما يدلّ على ذلك؛ فإنا روينا أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاتل الناظر يرمي 1 عينه بالمدرى؛ وفيه طرف من المعنى يليق بتمهيد الأصول، وهو أن الغرض من جواز قصد العين المنعُ من النظر، فإذا كان المنظور إليه يقدّم النذير، فينتحي الناظر، ثم يعود وقد قضى وطره من النظر بالنظرة الأولى.
وقال القاضي: الذي أراه أنه ينذره، ويزجره عن النظر أولاً، ويجب ذلك، فإن لم ينزجر، قصدَ عينَه حينئذٍ.
وهذا عند القاضي خارج على قياس الدفع؛ فإنه مبني على التدريج، والبداية بالأهون، فالأهون.
وهذا الذي ذكره، وإن كان منقاساً، فليست المسألة مدارة على القياس، وإنما المتبع الأخبار، ولا تفصيل فيها، بل في بعضها ما يدل على جواز القصد من غير تقديم إنذار كما قدّمناه.
قال صاحب التقريب في غير النظر: كل من قصد أمراً يسوغ دفعه عنه، فهل يجب على المصول عليه أن يقدم إنذاره أم يبتدىء الدفعَ فعلاً؟ من غير تقديم إنذار بالقول؟
قال: هذا عندي مخرج على استتابة المرتد، وقد ذكرنا قولين في وجوب استتابة المرتد.
وهذا الذي ذكره مما انفرد به، ولا بد فيه من تفصيل.
وأما الأصحاب،
أطلقوا 1 أقوالهم بأن الدفع إن أمكن بالقول، فلا معدل عنه إلى الفعل، ثم التمسك في الأفعال بالأيسر، فالأيسر؛ فالوجه أن نقول: [التعويل] 2 على الذي يكون تخويفاً أو زعقة على الصائل، إن أمكن الدفع به، فلا يجوز أن يكون في وجوب البداية به خلاف، والذي ذكره صاحب التقريب هو إنذارٌ لا يكون دفعاً في نفسه، ولكنه من قبيل موعظة أو ما يقرب منه، فانتظم إذاً في الإنذار في غير مسألة النظر كلام لصاحب التقريب، كما ذكرناه، وإن لم نوجب الإنذار في غير النظر، لم نوجبه في النظر، وإن أوجبناه في غير النظر، ففي وجوبه في النظر تردّد للأصحاب على ما حكينا طريقةَ الأئمة، واختيار القاضي.
ثم مما يليق بتمام ذلك أنا إن لم نوجب الإنذار في سائر وجوه الدفع، فلا كلام.
وإن أوجبناه، فتَرَكَه، وقَتَلَ الصائلَ، ضمنه، بترك تدريج الدفع، وليس كما إذا أوجبنا استتابةَ المرتدّ، فلم يستتب، وابتدر مبتدرٌ، فقتله؛ فإن الضمان لا يجب؛ من جهة أن الردة مُهدرة، وهي واقعةٌ، فجرّت الاستتابةَ ثَمَّ بعد الإهدار.
11256 - ثم قال الأئمة: إذا جوزنا قصْدَ عينِ الناظر، فيجب ألا يزاد على ما يقصد بمثله العين، كبندقة أو حصاة خفيفة.
وأما إذا رشقه المنظور إليه بنشابة، فهذا قتلٌ، وليس قصدَ عين، ولا شك في تعلّق القود والضمانِ به.
نعم.
لو كان لا يتأتى منه قصد عينه، وكان لا ينزجر عن نظره، فإنه يستغيث 3 عليه، ويقطع نظره عن نفسه، فإن أبى، فحينئذٍ [يدفع عن نفسه] 4، ولا يتألّى 5 بأن يأتي الدفع عليه.
11257 - ولو وقف الواقف بباب دارٍ، وكان يسترق السمع، فلا يجوز أن يَقصِدَ أذنَه، بخلاف ما إذا نظر؛ فإنه في استراقه السمع ليس يطلع على عورة، وإنما المحذور اتصال النظر بالعورات.
هذا ما لا يجوز غيره.
وقد قطع به القاضي لما سئل عنه، وفي بعض التعاليق عن شيخي تنزيل الأذن منزلة البصر.
وهذا لم أسمعه، ولست أثق بمن علّق عليه ذلك فيما زعم، ولم أردّد هذا ليعتدّ به، ولكن نبهت على غلطةٍ عظيمة للعاثر عليه حقيقة.
فرع:
11258 - إذا فتح رجل باب دار إنسان، ودخل داره، فلا شك أنه يُخرجه من الدار، فإن أبى، دفعه كما يدفعه عن ماله.
ثم قال قائلون من أصحابنا: له أن يقصد عينه، لأنه متطلع ضامٌ إلى تطلعه هجومَه على الدار، وقال قائلون: يقصد رجله؛ لأنها المؤثرة، وإذا غلب أثرُ عضو خُصَّ بالدفع.
وهذا عندي كلام سخيف لا أصل له؛ فإنه دخل الدار ببدنه، [فله] 1 قصدُ جملته.
فيخرج من مجموع ما ذكرناه أن الأصح قصدُ جملته، على التدريج المقدّم، ومن أصحابنا من أوجب تخصيص الدفع بالرِّجل.
وهذا غلط.
ومن جوّز قصد العين لا يوجب الاقتصار عليه وإنما الكلام في جوازه.
فمن صائر إلى أنه يجوز، ومن صائر إلى أن تخصيص العين لا معنى له بعد ما ثبت دخوله، فهو الغالب، وعليه التعويل.
وهكذا يجب أن ترتب المسألة.
...
باب ضمان البهائم
قال الشافعي رحمه الله: " الضمان على البهائم وجهان ... إلى آخره " 1.
11259 - مقصود الباب يحصره قسمان كما ذكره الشافعي أحدهما - القول فيما تتلفه البهائم إذا انتشرت، وليس معها ملاكها.
والثاني - الكلام فيه إذا أتلفت شيئاً ومالكها معها.
فإن لم يكن المالك معها، وكان سيّب البهائم وانتشرت في المزارع، وأفسدت منها، فالذي يبتني عليه الفصل أن مالك البهيمة إذا انتسب إلى التقصير في التسييب، ولا ينسب مالك الزرع إلى التقصير في الحفظ، فالضمان يجب على مالك البهيمة.
هذا أصل الباب.
وإن لم يكن من صاحب البهيمة تقصير في التسييب، وكان التقصير من صاحب الزرع في ترك الصَّوْن المعتاد، فلا ضمان.
ومعتمد الباب: " أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائطَ قومٍ، وأفسدت زرعاً لهم، فرُفعت القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بأن على أرباب الأموال حفظَها بالنهار، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل " 2. فما أتلفته البهائم
بالليل، فهو ضامن على أهلها: معناه فهو مضمون على أهلها.
وهو كقولهم: سرٌّ كاتم.
أي مكتوم.
ثم قال الأصحاب: إذا تمهد المقصود، واعتضد بخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالرجوع فيما يكون تقصيراً من كل جانبٍ إلى العادات، والعادة الغالبة أن المواشي تسرح نهاراً في المراعي، وأرباب الزرع يحفظون زرعهم بالنواطير والحفظة المترتبين.
ثم إن أرباب المواشي يردّدون مواشيهم إلى مرابضها، ولا يتركونها تنتشر ليلاً، فإن هي انتشرت، فالتفريط معزيٌّ 1 إلى ملاكها، ويلزمهم الضمان، حتى قال الأصحاب: إن كان العادة في بعض الأقطار على العكس من ذلك، فكانت المواشي ترسل ليلاً لترعى، وتربط نهاراً، والزروع تحفظ ليلاً، فالأمر ينعكس.
والمتبع التفريط، كما ذكرناه.
هذا أصل المذهب.
وحكى الشيخ أبو علي قولاً: أنا نتخذ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجوعنا، فلا نعدل عنه، ولا ننظر إلى اختلاف عادات البلاد، فكل ما يقع نهاراً، فلا ضمان على ملاك البهائم، وكل ما يقع ليلاً، فعليهم الضمان؛ فإن تتبع العادات عسير، فالوجه البناء على غالبها، وترك المبالاة بما يندر.
11260 - ومما يتصل بما نحن فيه أن قائلاً لو قال: إن المواشي، وإن كانت ترسل نهاراً؛ فإنها لا تخلو عن راعٍ مراعٍ لها، ولا تسيّب من غير مراقبة، وإذا كان كذلك، فمن يرعاها يجب أن يكلأها، وقد تتسع المزارع حتى يعسر حفظها بالنواطير، وحفظ المواشي بالرعاة أقربُ في حكم الاعتياد.
وهذا متجه إن راعينا العادة، والوجه فيه أن نقول: هذا قول من لم يُحط بوضع الفصل، فإنا قلنا: مضمون الباب قسمان: أحدهما - في بهائم مسيبة لا حافظ معها، والآخر - فيه إذا كان معها من يكلؤها.
فإذأ فرض الفارض مواشٍ عليها راعٍ مالكاً كان أو أجيراً، فلا خلاف أن ما تُتلفه يجب الضمان فيه، على ما سنشرحه في القسم الثاني، إن شاء الله تعالى.
فإذاً هذا القسم في بهائمَ لا راعي معها.
فإن قيل تسييبها
غير معتاد، فليس كذلك إذاً.
وقد يعتاد التسييب في المواشي الممتنعة من صغار السباع كالإبل والبقر والخيل، وقد تسيب الأغنام حيث لا ذئاب ولا سباع، ففي مثل ذلك نقول: لا تفريط على المسيب.
فإذا اندفع السؤال يتكرر التصوير، فلو صوّر مصوّر التسييب في الأغنام تضييعاً، ففي هذا نظر، فإن التضييع -إن كان 1 - آيل إلى الأغنام، فلا يُعد هذا عدواناً على المزارع، ولا أُبعد أن يفصل الفاصل بين أن تتسيب في مواتٍ بعيدةً عن المزارع، ثم يتفق انتشارها إلى أطراف المزارع، وبين أن يرسلَها في أطراف المزارع.
فإن فعل ذلك من غير راعٍ، فإنها تنتشر، ويعد مثل ذلك تسبُّباً إلى إفساد الزرع.
ومن اتخذ الخبر معتبره، لم يلتفت على هذه التفاصيل.
11261 - والمذهب الصحيح اتباع المعنى، وتنزيل الخبر على ما وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه، وإذا كنا نتبع المعنى، فيبعد كلَّ البعد ألا ينسب أرباب المواشي إلى التفريط إذا أرسلوها في إيتاء 2 الزروع، وتركوها غيرَ مرعية؛ فإن هذا على القطع يخالف العادة، والوجه أن تبعد عن المزارع، ثم قد تتسيب إذا لم تكن في مشابع ومواضع يتوقع ضياعها، وأرباب الزرع يحفظون أطراف الزرع حتى لا تنعكس عليها المواشي المسيبة.
ومما ذكره المفصلون المتبعون للمعنى: أن البساتين إذا كانت عليها أغلاقها، وأبوابها، أو كانت الزروع في محوطات على هذه الصفة، فالعادة جارية بردّ الأبواب، والاستيثاق بالأغلاق، فلو ترك أربابُ البساتين الأبوابَ مفتوحةً بالليالي، فانتشرت فيها المواشي، فقد قال الأصحاب: لا ضمان؛ تعويلاً على تفريط ملاك البساتين، ومعنى تفريطهم خروجُهم عن العادة، وتركُهم الاحتياط مع سهولة اعتياده.
فإن قيل: فقد فرط أرباب المواشي في إرسالها أيضاً.
قلنا: نعم.
ولكن تضييع البساتين مستقلٌّ في إسقاط الضمان، ولا نظر بعد هذا إلى تفريط ملاك المواشي.
ثم
لا تفريط في إرسال المواشي ليلاً في حق أصحاب البساتين إن جَرَوْا على الاعتياد، حتى لو لم يكن إلا البساتين، فلا تفريط في إرسال البهائم ليلاً، وإن كان في الموضع بساتين ومزارع ضاحية 1، فإرسال البهائم تفريط في المزارع، وليس تفريطاً في البساتين.
وقد تمهد أصل [المذهب] 2 فيما تتلفه المواشي إذا انتشرت، ولا حافظ معها.
11262 - ونحن نضبط القسم الثاني، ثم نذكر فروعاً، فنقول: إذا كان صاحب البهيمة معها، فالغالب فيما تتلفه البهيمةُ سبَق مفصلاً في الباب المشتمل على الأسباب المقتضية للضمان.
ولكنا نعيد معاقد المذهب، فنقول: ما تتلفه البهيمة مما يُقدّر التصوّنُ عنه بالرعاية والحفظ، ولا ينسدّ به رِفقُ 3 الطروق، فهو مضمون.
ثم قال الأصحاب: يضمن الراكب ما تتلفه البهيمة بيديها إذا [خبطت] 4، وبرجليها إذا رَمَحت ورفست، وبفمها إذا عضّت، وقضَوْا بأنه يضمن بهذه الجهات إذا كان قائدها أو سائقها [معها] 5.
وقد ضمَّنَّا ضبط المذهب قيوداً، وفي ذكر معناها تمام الغرض، فنقول: لا سبيل إلى منع البهائم من الطروق، ثم في طروقها فسادٌ لا سبيل إلى دفعه، ولا يمكن التحرّز منه، فإنها تثير الغبار لا محالة، ثم يتعلق بما يثور من الغبار ضِرار في ثياب البزَّازين، والفواكه وغيرها، ولكن ذلك محتمل، وقد ظهر الأمر في ذلك حتى انتهى إلى أن هذا لا يُعلم ضراراً إلا إذا رُدَّ النظر إليه 6، وكذلك ممشاها في الشتاء، وكثرة الوحول والأنداء، تطيّر رشاشاً، لا يمكن دفعه بالتحفظ، فذلك القدر لا ضمان فيه؛
فإن في تقدير الضمان فيه منعها من الطروق، وفي منعها [من] 1 المرافق التي يدنو بعضها من الضرورة ما يَبَرّ 2 على ضِرار رشاشها.
نعم المفرط منه قد يمكن التصوّن منه، كأن يجري على رِفْق 3، ولا يجري على مجتمع الوحول.
وما يجرّ ضِراراً لا يمكن دفعه، ولكن مثله غير معتاد، فإذا جرى، تعلّق الضمان به.
وبيانه أن الإبل تقاد مقطّرة، ولو تركت أرسالاً، واستَبقَت في الأسواق، لخرج أمرها عن الضبط، وإمكان التصوّن.
ولكن هذا النوع لا حاجة فيه، فسبيله أن يمنع أصلاً.
وكذلك الدابة النَّزِقَة التي لا تنضبط بالكبح والترديد في معاطف اللجام ولا يتأتى ضبطها، فلا جَرَمَ لا تركب في الأسواق، وينسب راكبها إلى الإتلاف؛ فإن مثل هذه الدابة تركب في متسع الصحراء، فما كان كذلك، فلا ضرر في منعه، فيمنع، فإن [اتفق] 4، علَّقْنا الضمان به.
[فما] 5 أمكن الضبط فيه إذا لم يتفق الضبطُ، تعلّق الضمان به، وما لا يمكن ضبطه بالتصوّن، ولو منعنا أصله، لانسدّت المرافق، فذاك محتمل لا ضمان فيه.
وعلى صاحب الدابة بذلُ المجهود، وعلى صاحب المتاع صون المتاع.
هذا ضبط هذا القسم، وقد مهدناه مطوّلاً مفصلاً فيما تقدّم.
وهذا الكلام الوجيز ينبّه على جميع ما تفصل.
فرع:
11263 - إذا انتشرت هِرَّةٌ لإنسان، وأهلكت طيوراً، أو عاثت في قدورٍ، فقلبتها، فقد اضطرب الأصحاب فيه، فقال قائلون: لا يتعلق الضمان بها، فإن العادة ما جرت بربط السنانير، وعمت العادة بحفظ الطيور والقدور وأمثالها عنها.
ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان على صاحب الهرّة على الجملة؛ فإنه إن
عسر ربطها، لا يعسر سدّ المنافذ حتى لا تنفذ منها إلى دور الجيران، ثم الذين أوجبوا الضمان اختلفوا: فقال قائلون: ما تتلفه نهاراً، فعلى صاحبها الضمان، وما تتلفه ليلاً، فلا ضمان؛ فإن الأشياء تحفظ عن الهرّ ليلاً، ولا يحتاط فيها نهاراً.
فإذا تقدّر التلف نهاراً، فالتفريط غير منسوب إلى أصحاب الطيور وما في معناها.
ومن أصحابنا من يعكس ذلك، فيقول: ما تتلفه ليلاً يضمنه ربُّها؛ فإن أكثر شرِّها وانتشارها بالليل، إذا نام الحفظة، والأعين الكالئة، فينبغي أن يحتاط ربها، وما تتلفه نهاراً، فالتفريط فيه على ملاك الطيور؛ من حيث غفلوا عن مراقبتها.
وما ذكرناه في هرّة لا تعهد ضارية، فأما إذا ضَرِيتْ بالإفساد، وقتل الطيور، فأول ما نذكره فيها أنها إن كانت لم تقتل، وإن كانت مسيبة، فقد قال القفال: لا تُقتل أيضاً؛ فإن الاحتراس، والاحتراز منها ممكن، فتُدفع، فإن أتى الدفعُ عليها، فلا حرج.
وقال القاضي: إذا ظهرت ضراوتها، وبان شرها في إهلاك الأموال والطيور، فيجوز قتلها كما يقتل الكلب العقور.
ثم قال: لا يختص جواز قتلها بوقت ظهور شرها، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمر بقتل الفواسق في الحل والحرم " 1، ولم يخصص بوقت بدوّ شرها، وشرُّها في الأموال أو في البهائم، فإن مما أُمر بقتله الغراب والحدأة، وإن كان شرهما في ضِرارٍ وفي أمور تتعلق بالمعايش.
وهذا متجه، فإن اتفقت ضراوة الهرّة، التحقت بالمؤذيات، [فمساق] 2 هذا الكلام يتضمن جواز قتلها، وإن كانت ربيطة.
وليت شعري ماذا نقول في الحدأة المَصِيدة التي اختص بها من اصطادها، وهي في قفصه أو رباطه، فهل يحلّ قتلها؟ الحديث يقتضي جوازَ قتلها، ولا يجري الملك فيها، كما لايجري الملك في الحشرات، ولا يحلّ إذاً على هذا اقتناؤها، بل على من يستمكن منها أن يقتلَها.
وإن
بعد هذا عن فهم الناظر ضربت له اقتناء [الأسد] 1 مثالاً، وإن كان مربوطاً [مقيداً] 2، فكذلك المؤذيات من الحشرات، فعلى هذا تقتل الهرّة، وإن كانت ربيطة.
وقد انتظم لي من كلام الأصحاب أن الفواسق مقتولات؛ لأنه [لا] 3 يعصمها الاقتناء، ولا أثر للاختصاص فيها، ويلحق بها المؤذيات بطباعها، كالأُسْد والنمور، وما في معانيها.
11264 - وما لا يؤذي بطبعه، وفي جنسه ما يؤذي، والمؤذي منه يقبل التأديب، فإذا لم تكن مؤذية لم تقتل، وإذا اتفق فيها مؤذٍ، فإن كان عن وفاقٍ لا عن ضراوة، فتُدفع في وقت صيالها، ولا تُتْبع إذا أُتْلِفت، وما ظهر منها التولّع والضراوة، فإن كانت مسيبة ففي قتلها في غير حالة القصد كلام للقفال والقاضي، وفي قتلها وهي ربيطة على مذهب القاضي تردّد: يجوز أن تلتحق بالفواسق، ويجوز ألا تلتحق، وذكر بعض المصنفين أن الكلب العقور الضاري بالعَقْر، بمثابة الهرّة المؤذية، في التفصيل الذي ذكرناه.
وهو غير سديد؛ فإنّ الكلب العقور إن لم يكن فيه منفعة، فهو بمثابة الفواسق، وإن كان فيه منفعة، فيشبه أن يكون كالهرّة في التفاصيل، وهي 4 على الجملة أولى بالقتل؛ لأن عَقْرها، وعدوانها عظيم.
وقد يتعلق بالناس وكبار البهائم.
فرع:
11265 - إذا اقتضت العادة ربطَ البهائم ليلاً، فربطها مالكها، ولم يقصر في الاحتياط المعتاد في الرباط، فانسلّت، فأفلتت وانتشرت، وأفسدت الزرع، فالحكم فيها كالحكم في الدابة المركوبة إذا حرنت وانسلت [من] 5 عِنانها في نفارها، وأفسدت، وقد تقدّم ذلك في باب الاصطدام.
فرع:
11266 - إذا دخلت البهيمة المزرعة، فهيجها صاحب الزرع، فوقعت في زرع الجار، قال الأئمة: إن اقتصر على تنفيرها من زرع نفسه، فلا ضمان عليه، وإن اتبعها بعد الخروج من زرعه حتى أوقعها في زرع الجار، توجّه الضمان.
ولو كانت مزرعته محفوفة بمزارع الناس، وكان لا يتأتى إخراجها إلا بإدخالها مزرعة الغير، ولم يكن طريقٌ ومسلك إلا دخول زرع الغير، والمزرعة متصلة بالمزرعة، فسوق الدابة، وإخراجُها، وإدخالها في مزرعة الغير، وليس للإنسان أن يجعل مال غيره وقاية مال نفسه، فإنْ فَعَلَه كان ظالماً -والمزارع ليست لصاحب الدابة، حتى تنتشر الظنون وتتقابل الخيالات- فالذي أراه أن هذا الطارد المخرجَ للدابة مهلكٌ لزرع الغير على سبيل المباشرة، وترْكُ البهيمة تنتشر سببٌ من مالكها، والمباشرة تغلب السبب، فعلى صاحب الزرع أن يترك البهيمة، ثم يُغرِّم صاحبَها ما تتلفه.
وينشأ من هذا أن البهيمة لو انتشرت انتشاراً مضمَّناً في مزرعة إنسان، وتمكن المالك من طردها، فتركها حتى أفسدت، فالذي يليق بمضمون الباب أنه يطردها، فإنّ ترك الطرد مع التمكن تضييع، وإذا كنا نحط ضمان زرعه لتركه الباب مفتوحاً؛ من حيث إنه مضيع، فالذي يليق بما نحن فيه أنه بترك الطرد مُضيِّع.
فإن قيل: ما بال الأروش تتعلّق برقبة العبد، ولا تتعلق برقبة البهيمة حيث يتعلّق الضمان بفعلها؟ قلنا: الضمان في البهيمة محالٌ على تقصير المالك، والبهيمة كالآلة، والعبد ملتزمٌ ذو ذمة، وأقرب ما يؤدي منه ما يلزمه رقبتُه.
فإن تُصوّر عبدٌ أعجمي يضرى ضراوة السبع، فهل يتعلق الأرش برقبته؟ خلافٌ قدّمناه في الأصول السابقة.
فرع:
11267 - إذا وقفت الدابة، فبالت وراثت، فالبول منها والروث لا يتعلّق بهما ضمان في الممرّ، وهذا لا سبيل إلى دفعه، فأما إذا اتفق مزيد انتشار بسبب وقوف الدابة، فقد قال الأصحاب: إن كان الطريق ضيقاً 1، فوَقْف الدابة عدوان،
وما يترتب عليه يقتضي الضمان، وإن كان الطريق واسعة، فَوقْفُ الدابة معتاد، ووقوفها كمشيها.
وهذا عندنا يلتفت على مسألة في باب الاصطدام، وهي إذا اصطدم الماشي بالواقف، فهل ينسب إلى الواقف عدوانٌ؟ فيه كلام، وما ذكرناه منزل عليه.
فرع:
11268 - إذا كان يسوق دابة عليها حطب فتخرَّق به ثوب، فإن كان الذي تخرق ثوبه بصيراً مقابلاً، ووجد مُنْحَرَفاً، فلا ضمان، فإن التقصير منه، وإن كان مستدبراً، فإن أعلمه سائق الدابة، فلم يتحرز، فلا ضمان، وإن لم يعلمه حتى تخرق ثوبه ضمن؛ فإن الإعلام في مثل ذلك معتاد.