نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 82-123

وفي البصرة: أبو العالية، رُفَيعْ بن مهران الرّياحي، مولى امرأة من رِياح، بطن من تميم، ت 90 هـ، وأبو العالية، البرَّاء -مشدَّداً- زياد بن فيروز البصري ت 90 هـ، أنس بن مالك الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ت 93 هـ، وأبو الشَّعثاء جابر بن زيد صاحب ابن عباس ت 93 هـ، ومطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير، العامري، البصري ت 95 هـ، وزُرَارة بن أوفى الحَرَشي، البصري، قاضيها.
ت 95 هـ، وأبو قِلابة عبد الله بن زيد، الجِرمي، إمام البصرة في الفقه ت 104 هـ، والحسن البصري، الحسن بن يسار، أبو سعيد، التابعي، أحد أئمة الفقه ت 110 هـ، ومحمد بن سيرين مولى أنس بن مالك.
ت 110 هـ، وقتادة بن دعامة السدوسي.
ت 118 هـ. وفي الشام: عبد الرحمن بن غانم الأشعري.
ت 78 هـ، وأبو إدريس الخَوْلاني ت 80 هـ، وقَبيصة بن ذؤيب ت 86 هـ، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان ت 101 هـ، ورجاء بن حَيْوة الكندي شيخ أهل الشام ت 112 هـ، ومكحول بن أبي مسلم مولى امرأة من هذيل ت 113 هـ، وسلمان بن موسى الأموي، الدمشقي، الفقيه ت 119 هـ، وعبد الله بن أبي زكريا الخُزاعي، أبو يحى، الشامي، الفقيه ت 117 هـ. وفي الفسطاط: عبد الله بن عمرو بن العاص ت 65 هـ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزني، مفتي أهل مصر ت 90 هـ، ويزيد بن حبيب، مولى الأزد ت 128 هـ. وفي اليمن: طاوس بن كَيْسان، الجَنَدي، اليماني، توفي بمكة في موسم الحج سنة 106 هـ، ووهب بن منبه الصنعاني، عالم أهل اليمن ت 114 هـ، ويحيى بن أبي كثير، مولى طيّء ت 129 هـ 1. ...

هؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم ليسوا كلَّ الفقهاء والمفتين في هذا الدور، بل هم رؤوس الفقه والفتوى في هذه الأمصار، والأقاليم، ولم يكونوا وحدهم، بل كان هناك فقهاء ومفتون في مختلف الأمصار الإسلامية، في الشمال الإفريقي، وفي أقاليم فارس، وغيرها.
وإنما عُنينا بهذه الأقاليم؛ لأمرين: الأول: أن هذه المنطقة: الجزيرة العربية، بحجازها ويمنها، وعراقها، وشامها، كانت هي مركز الدولة الإسلامية، التي كان فيها عُظْم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان، وحمل فقههم وعلمهم من التابعين.
الثاني: أن الدولة الإسلامية ظلت حتى أوائل القرن الثاني الهجري، أو قرب منتصفه دولة مركزية تحت إدارة واحدة، وقيادة واحدة تخضع للحكم المباشر، الذي كانت هذه المنطقة مقرّاً له، ومن هنا كان التأثير العلمي والفكري لها وحدها إلى أن نمت وترعرعت مراكز علمية أخرى فيما استُقبل من الزمان.
خصائص الفقه في هذا الدور

  • نتيجة لما تقدم من تغير في تكوين المجتمع وتوزع أهل الفتيا على الأمصار، وما جدَّ من عوامل أخرى، تميز هذا الدورُ من التشريع بمميزات أهمها: كانت مصادر الفقه كما هي في الدور السابق: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم الرأي، وكانوا يأخذون بإجماع الصحابة إن وجد، فإن اختلف الصحابة، اختاروا من أقوالهم، وغالباً يأخذ كلُّ تابعي رأيَ شيخه من الصحابة 1.

عُني رجال هذا الدور من الصحابة والتابعين بجمع السنة التي رويت عن كبار الصحابة.
وكذلك عُنوا بجمع تلك الثروة الهائلة من فتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قول الصحابة عندهم حجة، كما أشرنا آنفاً.
كان لهم ولا شك دور هام في الاجتهاد فيما يجد من شؤون هذا المجتمع المتوثب من حولهم، مما لم يرد فيه نص أو فتوى من الصحابة 1.

  • وكنا قد أشرنا إلى أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يتحرج، ولا يُقدم على الفتوى كعبد الله بن عمر، ومنهم من كان يفتي برأيه ويتوسع في ذلك كعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود.
    وكان ذلك نواة لاختلاف الاتجاه بين التابعين، " فقد اتضح الفرق بين المنهاجين، واتسعت الفرجة بينهما: فمنهم من كان يُفتي برأيه غيرَ متوقف إذا لم يجد نصاً، ولا فتوى صحابي، ومنهم من لا ينطلق في الاجتهاد إن لم يجد ما يعتمد عليه من السنة أو القرآن الكريم " 2. وكان اتساع الهوة بين المنهاجين نتيجة ظروف المجتمع التي أشرنا إليها، فقد رأى أهل الرأي أن أمر الحديث قد اتسع، ودخل مجاله من لا يخشى في الله إلاًّ ولا ذمة، فبعد أن كان الرجل تعروه رِعدة وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 3، أصبح الوضع والكذب وسيلة للدفاع عن الفِرق والأهواء 4. رأى أهلُ الرأي ذلك، فخافوا من أن يُزيَّف عليهم حديث، فكان اعتمادهم على الرأي أكثرَ من بحثهم عن الحديث.

ورأى أصحاب الحديث الفتنَ والأهواء، فخافوا، وتورعوا عن أن يقولوا برأيهم حتى لا تؤوَّل هذه الآراء، أو يُقتدى بهم؛ فجعلوا كلَّ همهم البحثَ عن الحديث، والاعتصامَ به في مُدْلَهَمِّ الفتن.
ومن هنا ظهر أخص ما يميز هذا الدور وأعني به وجودَ نوعين من الفقه: فقه الرأي، وكان بالعراق، وفقه الأثر، وكان بالحجاز (1).

  • وقد كان هذا العصر الأساسَ للازدهار الفقهي في العصر التالي، حيث بدأ تدوين السنة وتدوين الفقه، كما تحددت مناهج الفقه وطرقه.

عصر الأئمة المجتهدين

(من أوائل القرن الثاني الهجري إلى ما بعد منتصف القرن الثالث).
نستطيع أن نحدد أبرز ملامح المجتمع على النحو التالي 2: هدأت الفتوحات، وبلغت الدولة أقصى اتساعها.
بدأ الرخاء يلقي ظلاله الوارفة على أقطار الدولة الإسلامية.
تم الامتزاج بين العرب والموالي، حيث تعرب هؤلاء، وشاركوا العرب في سياسة الدولة، وتبليغ الرسالة، بل فاقوهم في كثير 3 من الأحيان.
بدأ تَمَثُّل الحضارت القديمة التي حملها أبناؤها من الموالي، والتي تُرجمت علومها وفلسفتها إلى العربية؛ فحيث الهدوء والرخاء والفراغ من الفتح كان المجال مفتوحاً، والفرصة متاحة لتناول ثمار تلك الحضارات، وإعادة تشكيلها وهضمها.
تطورت الحياة العقلية وارتقت وازدهرت، وانتشرت حلقات الدرس والبحث، وأقبلت الأكباد الظامئة على الارتواء من العلم.
ما قلناه لا يتنافى مع ما حدث من انقلاب العباسيين على الأمويين في تلك1

الفترة، وما كان من ثورات هنا أو هناك، فهذه الفترة تزيد على مائة وخمسين سنة، فلا ينقض ما قلناه حدوث قلاقل في شهور أو سنة أو سنتين، فى هذا الجانب من الدولة أو ذاك.

  • كان من الطبيعي أن يواكب هذا الاستقرار والاتساع الحضاري، وهذا الرقي والنهوض الفكري والعقلي، كان من الطييعي أن يواكب ذلك ازدهارٌ في الفقه وعلوم الشريعة، وقد تمثل هذا الازدهار 1 في: ازدياد حفاظ القرآن، والعناية بأدائه ورواية قراءاته، فقد كان هذا العصر هو العصر الذي استقرت فيه القراءة عند القراء السبعة.
    تدوين السنة؛ فقد كان هذا عصراً مجيداً للسنة؛ حيث أخذ رواتها يتنبهون إلى وجوب تصنيفها بحسب الموضوع، وظهر من رجال السنة طبقة بعد طبقة، قامت الطبقة الأولى بتدوين السنة مختلطة بفتاوى الصحابة كالموطأ للإمام مالك، وقامت الطبقة الثانية بتدوين الحديث وحده، فألفوا ما عرف بالمسانيد، وأشهرها: مسند أحمد بن حنبل.
    ثم جاءت الطبقة الثالثة فأتمت عمل الطبقتين السابقتين؛ إذ قامت بنقد ما وجدته أمامها من أحاديث، كما ينقد الصيرفي الدنانير؛ فكان من ذلك الكتب الصحاح، وأشهرها: البخاري (ت 256 هـ)، ومسلم (ت 261 هـ). كما ظهر علمُ الرجال الذي يبحث في حال الرواة وجرحهم وتعديلهم.
    كما ظهر في هذا العصر تدوين علم أصول الفقه لأول مرة، وكان إمام الأصوليين وواضع أساس هذا العلم هو الإمام الشافعي.
    ظهور المصطلحات الفقهية، وكان ذلك نتيجة طبيعية لظهور النشاط الفقهي والخلاف بين الأئمة، وتدوين أصول الفقه.
    تفريع المسائل، فقد كان الفقه قبل هذا الدور يغلب عليه الاقتصار على إبداء

الحكم فيما وقع فعلاً، أما في هذا الدور فقد توسع الفقهاء في تصور المسائل وفرضها ووضع الأحكام لها 1.

  • وكنا قد أشرنا من قبل إلى ظهور مدرستين في الفقه: مدرسة الأثر بالمدينة، ومدرسة الرأي بالعراق، وفي هذا العصر ازداد التمايز بين المدرستين، واتضحت مناهجهما، حتى صار يطلق على العراقيين أهل الرأي.
  • وأحب أن أؤكد هنا أن هذا الكلام على إطلاقه بعيدٌ عن الواقع، بل هو من الأحكام العامة التي شاعت، وفُهمت على غير حقيقتها، وأخذت أكبر من حجمها، ذلك أن العراق لم يكن به فقهُ الرأي فقط، بل كان فيه الرأي مع الحديث، وكان في المدينة أيضاً الرأي بجوار الحديث، ألم تَر أنه كان بين فقهاء المدينة والمفتين بها (ربيعة الرأي).
    و"كان أهل الحديث يعيبون أهلَ الرأي بأنهم يتركون بعض الأحاديث لأقيستهم، وهذا من الخطأ عليهم، ولم نر فيهم من يقدم قياساً على سنة ثبتت عنده، إلا أن منهم من لم يُرْوَ له الأثر في الحادثة، أو روي له، ولم يثق بسنده، فأفتى بالرأي، فربما كان ما أفتى به مخالفاً لسنة لم تكن بمعلومة له، أو عُلمت، ولكنه لم يثق بروايتها" 2. فالقول بأن هؤلاء أهل رأي وهؤلاء أهل أثر بهذا الإطلاق وهذا التعميم، يوحي بما ليس مقصوداً، ويفهم منه غيرُ ما وقع.
    روى سفيان بن عيينة 3 مناظرة بين أبي حنيفة إمامِ أهل الرأي 4 والأوزاعي 5 من أئمة الحديث، وكيف اختلفوا في القول برفع اليدين عند الركوع، وكل منهما في هذه

المناظرة يحاول أن يثبت رأيه بأن الحديث الذي يعتمده أثبتُ من حديث صاحبه وأوثق، وقد انتصر أبو حنيفة صاحبُ الرأي في إثبات أن معتمده من الحديث أقوى من معتمد الأوزاعي صاحبِ الحديث.
وقد أورد هذه المناظرةَ الشيخُ الخُضري وعلق عليها قائلاً: " وهذه المحاورة بدون أن نناقش أقوالها تدل على ما كان لكل فريق عند الآخر، وتدل على أن الجميع واقفون عند حد السنة متى وثقوا بها من روايتها " 1. فالفرق إذاً بين المدرستين فرقٌ في مقدار الأخذ بالرأي، حيث يكثر منه أهل العراق، ولا يكثر منه أهل المدينة، وفرق في نوع الرأي، حيث كان أهل العراق يسيرون في أكثر رأيهم على منهاج القياس، فتبع ذلك أن كثرت التفريعات الفقهية في العراق، والإفتاء فيما لم يقع لاختبار الأقيسة، وذلك ما يسمى بالفقة التقديري 2. ولم يوجد هذا النوع من الفقه في المدينة؛ لأن الأساس كان المصلحة، وهي لا تتحقق إلا في الوقائع؛ فلا يجيء فيها الفرض والتقدير.
هذا الكلام كتبناه وقررناه منذ نحو أربعين عاماً في مقدمات كتابنا (فقه إمام الحرمين).
وعندما جاءت المناسبة لإعادته هنا نظرنا فيه، وفيما كُتب في هذه المسألة، وجدنا أن ما قلناه قد ذكره بوضوح أتم شيخُنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة - ومن عجب أن ما قاله الشيخ لم يشع ولم نره في الأبحاث والدراسات، وظل كل من كتب في تاريخ الفقه ومقدماته يقررون أنه نشأ مدرستان: مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، مع أن كتاب الشيخ الذي قال فيه ذلك شائع متداول، منذ سنة 1948 م، وهو كتابه بعنوان (الإمام الشافعي) فقد جاء فيه ما نصه 3: "يجب أن نشير إلى أنه قال بعض كتاب الفقه في هذا المقام إنه ظهر مدرستان للفقه

استقامت كل واحدة على منهج واحد معين، وأن الفقهاء كانوا إلا قليلاً يسيرون على منهج إحدى المدرستين لا يخالفونه إلى نهج الأخرى، إحدى المدرستين مدرسة الحديث وكانت بالمدينة، والثانية مدرسة الرأي وكانت بالعراق.
وعندي أن المدارس لا تتميز بالرأي والحديث، بل تتميز بمنهاج من تلقوا عنهم وطريقة الرأي، وكثرة فتاوى الصحابة وقلتها، ومن المقرر أن الفقهاء السبعة الذين كانوا أساتذة الفقه الحجازي قد كان لهم رأي كثير".
انتهى بنصه.
وهذا كلامٌ واضح مبين، ينطق بأن الشيخ لا يرى لهذه التسمية وجهاً، فليس هناك مدرسة حديث ومدرسة رأي، وإنما الخلاف بين مدرسة العراق ومدرسة المدينة هو في منهج الاستدلال وطريقة الرأي.
بل رفض شيخنا أبو زهرة مجردَ افتراض أن هناك من يقدم رأيه على الحديث الشريف، حيث قال: " ولا يصح أن نفرض بأي صورة من صور الفروض أنهم يصدقون بنسبة الحديث، ويقدمون فهمهم في الإسلام على قول صحيح النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك كلامُ قوم بور، ظهروا في هذا الأيام، وظهر أمثالهم من قبل في أهل الأهواء والبدع والمنحرفين، ومحال أن يكون ذلك من أئمة الإسلام الأعلام الذين فتحوا عيون الفقه، وعبَّدوا مشاربه " 1. اهـ وينبغي أن نشير هنا إلى تلك العبارة التي تتقاذفها الألسن، في مقام السخرية والاستهزاء، والاتهام بالتعصب الأعمى، تلك العبارة التي تُروَى عن أحد الأئمة متعصباً لمذهبه، فيقول: " كل ما كان من آيةٍ أو حديث بخلاف ما عليه أصحابنا، فهو إما مؤول أو منسوخ ". لقد سمعنا هذه العبارة ممن هم في مقعد الأساتذة يعلموننا إياها دليلاً على استمكان التعصب الذي يُعمي صاحبَه، فينصر رأي مذهبه على الآية والحديث، حيث يجعل (الرأي) أولاً، ويخضع الآية والحديث له ثانياً.

هكذا، سمعنا هذه العبارة بهذا التفسير، ونحن نحبو في أول طريق الطلب، هكذا قرئت لنا، وظلت تقرأ حتى أيامنا هذه، يحملها (الأساتذة) جيلاً عن جيل، ويلقنونها لتلاميذهم، بهذا المعنى، ودليلاً على التعصب وإفساده للحياة الفقهية.
ولما قدر الله لنا صحبة أئمتنا والتلمذة لهم، والعيشَ في كنفهم، والاطلاعَ على شيء من أخبارهم، ومعرفة طرفٍ من أخلاقهم، بدأت أتململ حينما أسمع باحثاً مرموقًا يحكي هذه العبارة -بهذا الفهم- في قاعة المؤتمرات والندوات أمام عشرات العلماء، ومئات الطلاب، ورحتُ أقرأ هذه العبارة قراءة أخرى عكس ما تُقرأ وتتردد عليه، رحتُ أقرأ هذه العبارة في ضوء معرفتي المتواضعة بتاريخ أئمتنا، وأخلاقهم، وورعهم.
وأحببتُ قبل أن أصرح بهذه القراءة، وأُعلي بها صوتي، أن أعرف أولاً من صاحبها؛ لأرى مكانته ومنزلته فى الفقه، وقبل ذلك أعرف طرفاً من سيرته، فإذا بي أجد صاحب هذه العبارة هو: الإمام الجليل، أبو الحسن الكرخي، شيخ الحتفية في عصره، وهو عبيد الله بن حسن بن دلال، توفي عن ثمانين سنة في شعبان سنة 340. أما سيرته، فقد ذكر كل من ترجم له: " أنه كان قانعاً متعففاً، صبوراً على الفقر، عزوفاً عما بأيدي الناس، فقد كان من العلماء العباد الزهاد، كان صوّاماً قواماً، ذا تهجدٍ وتألّه، وزهدٍ تام ". ذكره بهذا أربعة ممن ترجموا له من مخالفيه في المذهب، وهم الخطيب البغدادي الشافعي الشديد على الأحناف، المتوفى سنة 463 هـ، والإمام الذهبي السلفي المتشدد، المتوفى 648 هـ، والإمام ابن كثير، السلفي الشافعي المتوفى سنة 674 هـ، وابن العماد الحنبلي، المتوفى سنة 1089 هـ 1.

كما أيد الخطيب، والذهبي، وابن كثير، ورعه وزهده، وصدقه مع الله، وأنه مستجاب الدعاء، بقصة أوردها الثلاثة بألفاظٍ واحدة تقريباً، وألفاظها عند الذهبي: قال: حدثني أبو القاسم الصيمري قال: حدثني أبو القاسم بنُ علانَ الواسطي، قال: لما أصابَ أبا الحسن الكرخي الفالجُ فى آخر عمره، حضرته، وحضر أصحابه: أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، والشيخ مقل، ولا ينبغي أن نبذله للناس، فكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان، فأحس الشيخ بما هم فيه، فبكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن يحمل إليه شيء، ثم جاء من سيف الدولة عشرة آلاف درهم، فتُصدِّق بها عنه".
لما عرفتُ هذا.
عرفت صاحب العبارة وسيرته، قلت: سبحان الله!! هذا العالم العابد الزاهد، مستجاب الدعاء، الذي لم يتعلق من دنيا الناس بشيء، كيف تُقرأ عبارته هذه القراءة؟؟ فتأكد لي صحة قراءتي لهذا القول، فقد صح عندي، ولا يصح في العقل غيره - أن الإمام أبا الحسن الكرخي يقول: ما كان لنا ولشيوخنا أن نخالف أمر الله، فنترك الآية أو الحديث إلى الرأي، فإذا وجدت شيئاً من هذا، فاعلم أنه ترجح عندنا صرفه عن ظاهره بدليلٍ، أو تأكد عندنا أنه منسوخ، أو أن الحديث لم يصح، ومعاذ الله أن نترك الآية والحديث لرأينا.
هكذا قرأنا هذه العبارة، ولا يصح غيرُ هذه القراءة في ضوء العصر الذي قيلت فيه، وفي ضوء المعرفة بصاحبها وسيرته.
أما أن تقرأ هذه العبارة تلك القراءة الشائنة، فذلك أثر من آثار ثقافة شوهاء نحو تاريخنا بشقيه السياسي والفكري.
وكم أتمنى أن يعثر باحث على أول من ردّد هذه العبارة، وقرأها هذه القراءة، فإني أشم فيها ذَفَر المستشرقين، وقمامة أفكارهم.
ويؤكد صحة قراءتي ما قاله شيخنا الإمام أبو زهرة حين قال: "ونحب أن نُقرر هنا

أنه في حال الأخذ بالرأي عند من يأخذون به في مقابل الحديث، لا يُعدّ الحديث صحيحَ النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنهم ينكرون هذه النسبة، ويعتبرون الخبر المروي شاذاً في متنه، إذ أنه يخالف القواعد المقررة الثابتة المأخوذة من مقاصد الشريعة العامة، ونصوصها الخاصة" 1. نعود إلى ملامح العصر فنقول: كان طبيعياً أن يصطبغ الفقه في كل إقليم بصبغة تختلف عن غيره من الأقاليم نتيجة لاختلاف الأعراف والتقاليد والظروف، ولذلك كثرت رحلات الفقهاء من إقليم إلى آخر للتعرف على ما عند الفقهاء الآخرين والاستفادة بفقههم.
...

  • ونحب أن نؤكد هنا أن تسمية هذا العصر بعصر الأئمة المجتهدين، فيها شيء كثير من التجوّز، وذلك من ناحيتين: أ- أن كل ما كان من فتاوى الصحابة والتابعين في القرن السابق، إنما هو اجتهاد لا شك في ذلك، فكل المفتين الذين ذكرنا أسماءهم آنفاً -وغيرهم- كانوا أئمة مجتهدين.
    ب- أن الاجتهاد لم ينقطع -على الأصح- طوال هذه القرون، بل هو فرضٌ واجب في كل عصر، على حدّ تعبير السيوطي في عنوان رسالته: (الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصرٍ فرض) وإنما سوغ هذا الإطلاق، وتسميةَ هذا العصر بعصر الأئمة المجتهدين عدةُ أمور: أ- أن هذا العصر هو الذي وُضعت فيه مناهج الاجتهاد، وضوابطه، وصار لها ألقابٌ، وأسماء، ومصطلحات، كما تمايزت فيه مناهج الأئمة بعضها عن بعض.
    ب- أنه العصر الذي دوّن فيه الفقه بصفته فناً مبوّباً مفصلاً، مستقلاً عن غيره من الفنون.

ج- أنه العصر الذي أنجب الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة التي استمرت دون غيرها من مذاهب الأئمة الذين لم تدوّن مذاهبهم -وما أكثرهم- أو التي دوّنت، ولم يقم بها أتباعها؛ فنسيت.

  • لقد حفظ لنا تاريخُ الفقه أسماء لثلاثة عشر إماماً مجتهداً دوّنت مذاهبهم، وعُمل بها، بقي منها المذاهب الأربعة المعروفة، ونُسي باقيها، بمعنى أنه لم يتيسر لهم من الأتباع من ينشر علمهم، وبقي حبيساً في بطون الكتب، من أشهر هؤلاء: الإمام الأَوْزاعي، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ولد سنة 88 هـ وتوفي سنة 157 هـ. والإمام الليث بن سعد، الذي قال فيه الشافعي: كان الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به ت 175 هـ. والإمام داود الظاهري، داود بن علي بن خلف الأصبهاني، المعروف بالظاهري، كان تلميذاً للشافعي 1، ومن أشد المدافعين عن مذهبه، والداعين إليه، ثم استقل بمنهجه وأصوله ومذهبه، وألف كثيراً من الكتب، في الفقه، وفي الأصول، وقد استمر مذهبه شائعاً متبعاً، ثم اضمحل في منتصف القرن الخامس، ولد داود بالكوفة سنة 202 هـ، وتوفي سنة 270 هـ. والإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، كان شافعياً في أول أمره، ثم استقل بمذهبه، وقد ترك لنا ثروة علمية هائلة، في الفقه، والأصول والخلاف، والتفسير، والحديث، والتاريخ، ولد سنة 224 هـ، وتوفي سنة 310 هـ. وعدوا من هؤلاء أيضاً: الحسن البصري ت 110هـ، وسفيان الثوري ت 161 هـ، وسفيان بن عيينة.
    ت 198 هـ، وإسحاق بن راهويه ت 238 هـ، وأبو ثور.
    ت 240 هـ.
  • وقد خلف لنا هذا الدور ثروة فقهية طائلة، حيث ضبطت الأصول، وتمهدت الفروع، وأصبح الإلمام بجزئيات الفقه وكلياته لا يحتاج إلى كبير عناء.
    وكانت الكتب التي خلفوها -وما زالت- زاد الفقهاء وإمامَهم.

الفصل الثاني المذهب الشافعي: من التأسيس إلى الاستقرار، مع شيء من مصطلحاته

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول - الإمام الشافعي.

المبحث الثاني - حملة الفقه عن الإمام الشافعي.
المبحث الثالث - مرحلة تحرير المذهب.
المبحث الرابع - من مصطلحات المذهب.

المبحث الأول: الإمام الشافعي

لا أريد هنا أن أكتب ترجمة للإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، فقد ترجم له كثيرون قديماً وحديثاً تراجمَ مطولة، وموجزة، وهي متاحة ميسورة، مَدَّ اليد لمن يطلبها، ولا أريد أن أقع فيما تبّرم به إمام الحرمين، وحذَّر منه حين قال: " ومعظم المتلقبين بالتصنيف في هذا الزمان السخيف يكتفون بتبويب أبواب، وترتيب كتاب، متضمنه كلامُ مَنْ مضى، وعلوم من تصرّم وانقضى" 1، وأملي أن ألتزم نُصحه ومنهجه، فقد قال: " حقٌّ على من تتقاضاه قريحته تصنيفاً، وجمعاً وترصيفاً أن يجعل مضمون كتابه أمراً لا يُلفى في مجموع، وغرضاً لا يصادف في تصنيف " 2. ومن هنا سأحاول أن أشير إلى معنىً ظهر لي أثناء مراجعتي وتأملي لتراجم الإمام الشافعي التي أفاد وأجاد في كتابتها السابقون واللاحقون، وعسى أن يوفقني الله في الإبانة والتعبير عن هذا المعنى الذي أدركته.
إن المتأمل في حياة الإمام الشافعي يستطيع أن يرى أن الأقدار قد هيأت للشافعي، وهيأت الشافعيَّ، قد هيأت للشافعي البيئة بعنصريها الزمان والمكان، وساقته المقادير بوقائعَ ومواقفَ أو ساقتها له.
فقد ولد الشافعي في سنة 150 هـ، فكانت نشأته وحياته في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، حيث كان العصر -كما رسمنا ملامحه فيما سلف- عصرَ رخاء وسَعة، واستقرار وعمران، ومن الناحية الفكرية كان التدوين قد بدأ، وشاعت الكتابة، وكان العلم قد استبحر، وتنوعت فنونه، وأخذت مناهج كل فن تتضح وتتمايز، فبدأ تدوينُ السنة، وتدوين الفقه، وتدوين القراءات، واللغة، وغيرها، وبدأت حلقات العلم، ومجالس المناظرة.

وقد نقول: إن الفقه كان أسبق كل هذه الفنون نضوجاً، فكان الإمام أبو حنيفة، وتلاميذه قد ملؤوا العراق علماً سارت به الركبان إلى الآفاق، وارتحل الناس إليه من كل فجّ، وفي المدينة كان مالك إمام دار الهجرة، قد علا ذكره، وانتشر علمه، وأخذ يُرسي قواعدَ منهج جديد، ومذهب يغاير مذهب أهل العراق، وأخذت الدنيا تموج بالعلم.
في هذا الزمان جاء الشافعي.
وأما المكان، فقد اتسعت مساحته، وترامت أطرافه فيما بين فلسطين، ومكة المكرمة، ومضارب هُذيل بالبادية، والمدينة المنورة، واليمن، ثم بغداد، ثم مكة، ثم بغداد، ثم مكة، فبغداد، فمصر.
قدَّرتْ أمُّ الشافعي -كما تقول الروايات- أنها تنتقل بابنها الطفل القرشي المطلبي من غزة إلى مكة المكرمة، حفاظاً على نسبه الشريف، حيث ينشأ بين من يعرفه من قومه وعشيرته، ولكن الأقدار أرادت هذا الانتقال لأمرٍ أكبر، ولشأن أعظم، فقد نشأ هذا الطفل، فوجد حوله حلقات العلم تملأ الحرم الشريف: الفقهاء، والقراء، والمحدِّثون، والمفسرون.
ووجد نفسه بين عرب أَقْحاح، يعرفون للسان العربي مكانته، ويَرَوْن اللحنَ هُجنة تُزري بصاحبها، فدفعته نفسُه الأبية إلى أن يلحق بالبادية، يلازم هُذيلاً -من أفصح قبائل العرب- يظعن بظعنهم، ويقيم بإقامتهم، ويحفظ الأشعار، ويستوعب اللغة، ويقول هو عن ذلك: " خرجت عن مكة، فلازمت هذيلاً بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة، جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب، والأخبار " ا. هـ طالت إقامته بالبادية حتى بلغت -في رواية عند ابن كثير- عشرَ سنوات، فاستقام لسانه، واستعصى على اللحن، حتى قال فيه معاصره ابنُ هشام صاحبُ السيرة: " الشافعي تؤخذ منه اللغة " 1، ويكفيك دليلاً على هذا أمران: أ- أن الأصمعي -وهو مَنْ هو في مجال اللغة- يجلس بين يديه يُصحح عليه أشعار الهُذليين.

ب- والأمر الثاني أن تنظر في كتبه، وبخاصة (الرسالة) بخط الربيع، التي أخرجها العلامة الشيخ أحمد شاكر محافظاً على لغة الشافعي، منبهاً على أن ما يخالف معهودنا من النحو واللغة إنما هو صحيح فصيح، وإن جهله مَنْ جهله.
[ودَعْ عنك العبثَ الذي قام به محققو عصرنا الأشاوس بنص الرسالة، بدعوى تصويب الأخطاء اللغوية، حتى تجرّأ بعضهم على الشيخ شاكر، وسخر منه، لاستمساكه -فيما زعم- بالأخطاء التي في نسخة الربيع!!! أي والله!!! تصوَّر!!! سبحان الله!!! وهو وحده المستعان على كل بَلِيّة].

اشتغال الشافعي بالفقه

أتقن الشافعي اللغة، وشغل بها، وبروايتها، وبرواية الأدب والأشعار، ولكن قيض الله له من يَلْفته إلى ميدان آخر: إلى الفقه والحديث؛ فقد لقيه مسلم بن خالد الزنجي شيخ الحرم ومفتي مكة وهو خارج يطلب النحو، فدار بينهما حوار حكاه الشافعي بقوله: " قال لي: يا فتى من أين أنت؟ قلتُ: من أهل مكة.
قال: وأين منزلك بها؟ قلتُ: بِشعب الخَيْف.
قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف.
قال: بخٍ بخٍ؛ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة؛ ألا جعلت فهمك هذا في الفقه، فكان أحسن بك " وُيروى أن الذي وجهه إلى الفقه آخرُ غيرُ مسلم بن خالد، ولا مانع أن يكون هذا قد تكرر من أكثر من شخص.
كان الشافعي قد حفظ القرآن الكريم قبل أن يخرج إلى البادية، فيضيف إليه الإحاطة بلغة العرب وآدابها وأشعارها؛ فيصبح بهذا محيطاً بكتاب الله لفظاً ومعنىً، ولذا ما إن استجاب لتوجيه من وجهه، وجلس في حلقات الفقه والحديث حتى ظهرت مواهبه، فلم يمض كثير وقت حتى استحق الإمامة في الدين، فقد أجازه شيخ الحرم، مسلمُ بنُ خالد بالإفتاء، وكانت سنه نحو الخامسة عشرة!!! ولا عجب في هذا، فالفتى قد عرف كتاب الله نصاً حينما حفظه عن ظهر قلب، وقد أحاط به استنباطاً حين حفظ اللغة، ووعى أشعارها وآدابها، وعرف تصرُّفَ العرب في لغتها، وهذه كانت أدوات الصحابة رضوان الله عليهم في فتاواهم، وقد رأينا الشافعي الإمام، وهو يُنظِّر لأصول الفقه، ويضع ضوابط الاجتهاد وشروطه يكتفي بهذا؛ فيقول:

" من عرف كتاب الله نصاً واستنباطاً، استحق الإمامةَ في الدين " (1) وقد علق إمام الحرمين على عبارة الشافعي هذه، قائلاً: " جمع الإمامُ المطّلبي الشافعي رضي الله عنه الصفات اللازمة في المجتهدين في هذه الكلمة الوجيزة... وكل التفاصيل التي قدمناها مندرجة تحت هذه الكلم " (2). قد يفُهم من هذه الروايات التي نصح فيها الناصحون الشافعي بالاشتغال بالفقه بأن ذلك كان بعد السنوات العشر التي قضاها في البادية، ولكن هذا غير صحيح؛ فقد صحت روايات عن الشافعي أنه قال عن اشتغاله باللغة، وإقامته بالبادية: " ما أردتُ بهذا إلا الاستعانة على الفقه ". والذي لا يصح في العقل غيره أن الشافعي ما كان منقطعاً في البادية هذه السنوات العشر انقطاعاً متصلاً، بل كان يرواح بين الإقامة في مكة والارتحال إلى البادية، بل إن الروايات التي رُويت عن نُصحه بالاشتغال بالفقه توحي بأن ذلك كان أثناء اشتغاله باللغة والتردّد على البادية.
فالمراحل متداخلة، وليست متتابعة، وعلى هذا يمكن أن تُفهم هذه الروايات، فهو قد خرج أولاً إلى البادية لطلب اللغة، ولما اشتغل بالفقه -استجابةً لنصح الناصحين- وجد أن اللغة أَلْزم للفقه، فزاد اشتغاله بها، والارتحال من أجلها، وصح ما روي من قوله: " إنه ما أراد باللغة والشعر إلا الاستعانة على الفقه ". فتكون السنوات العشر، أو الإحدى عشرة، قبل رحيله إلى الإمام مالك بالمدينة قد كانت بين حلقات الفقه، والارتحال إلى البادية.
(جاء إلى مكة وهو ابن عامين ورحل إلى مالك وهو ابن ثلاثة عشر عاماً).

مدرسة مكة

كانت مكةُ إذاً مراحَ طفولة الشافعي، ومربعَ صباه، ودار نشأته، ومجلى نبوغه، ففيها حفظ القرآن الكريم، وأتمه وهو بعدُ غضّ الإهاب طري العود، وفي البادية من12

حولها أخذ اللغة، وحفظ الشعر، وأحاط بالأخبار، وعرف الأنساب، وحذَق الرميَ، وفي مجالس علمها تلقى السنَّة عن أعلامها، والفقهَ عن شيوخها وأئمتها، كل ذلك في نحو عشر سنوات مباركات أو أكثر منها قليلاً، كان يراوح فيها بين الإقامة للارتواء من حلق العلم، والارتحال لارتضاع اللغة من نبعها الصافي بالبادية.
وكانت مكة تمثل بين مراكز العلم والفقه مدرسة متميزة، ذات خصائص ومنهج خاص بها، قال ذلك -بحق- شيخنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة، قال: " تتميز بأنها تُعنى بتفسير القرآن، وتعرّف أسباب نزوله، ورواية تفسيره، وتفهم القرآن على ضوء ذلك، وفي ضوء لغة العرب، وبعض عاداتهم (1) " فهي مدرسة ابن عباس التي اتخذها مقاماً له.
" وكانت المماثلة في الجملة قائمة بين ابن عباس والشافعي: فالشافعي كان فصيح البيان، كما كان ابن عباس من قبل، وكان يُعنى بعلم القرآن كما عُني ابن عباس وأجاد، وكان يعنى بالشعر كما يعنى بالفقه كما فعل ابن عباس، ثم كان يحضر دروسه طالبو القرآن، وطالبو الحديث، وطالبو الفقه، ورواة الشعر والعربيه، كما كان الشأن مع ابن عباس.
فهل كان الشافعي يجعل من ابن عباس مَثلَه الكامل ويترسم خطاه؟ أيّاً كان الأمر، فمن المؤكد أن الشافعي بإقامته في مكة ودراسته بها قد استفاد علماً لم يكن بالعراق ولا بالمدينة، وهو الأخذ بطريقة ابن عباس في العناية بدراسة القرآن، والعناية بمجمله ومفصله، ومطلقه، ومقيده، وخاصه وعامّه؛ حتى خرج بفقهٍ جديد، غير ما في العراق وما في المدينة " (2).

الرحلة إلى الإمام مالك

بعد أن أحاط الشافعي بعلم شيوخه في مكة المكرمة من المحدثين والفقهاء، وبلغ بينهم من المنزلة ما بلغ تاقت نفسه للهجرة إلى المدينة؛ فقد كانت شهرة مالك قد طبقت الآفاق، وسارت بها الركبان، وسواء كانت رحلته إلى مالك بنصحٍ وتوجيهٍ، أو بباعث شخصي خاص به -وهذا ما نرجحه- فقد أحب أن ينظر في الموطأ قبل أن يلقى12

مالكاً، وتُجمع الروايات على أنه استعار الموطأ وحفظه عن ظهر قلب، وتحدد بعض الروايات أنه حفظه في تسع ليالٍ.
ولم يشأ -وهو الشريف النسيب- أن يلقى مالكاً الذي يتحدث الناس بمهابته ومكانته من غير أن يحمل كتاباً من والي مكة، فحمل الكتاب إلى والي المدينة، الذي صحبه إلى باب مالك، في قصة لسنا لتفصيلها ولا لإيجازها، ولكن الذي يعنينا منها أن الذي شفع عند مالك، وقدّم الشافعي له -بحق- هو علم الشافعي: قراءته للموطأ ظاهراً، وليس كتاب الوالي.
ذلك أن مالكاً رضي الله عنه نظر إلى الشافعي، ورأى حداثة سنه، فقال له: تجيء الغد، والتْمس من يقرأ لك، فقال له الشافعي: أنا أقرأ ظاهراً.
فلما كان الغد جلس الشافعي بين يدي مالك، فقرأ ظاهراً والكتاب في يده، كما روى عن هذا اللقاء العلمي الأول، يقول: قرأت قدراً ثم تهيبت مالكاً، فأمسكت، فأشار: زِدْ، وكلما هبتُه وأمسكت يقول: يا فتى زِدْ، أعجبه حسنُ قراءتي وإعرابي.
جلس الشافعي إلى مالك، وقرأ عليه الموطأ في أيامٍ يسيرة، ثم لزمه يتفقه علمه، ويدارسه المسائل، ويتأمل منهجه في الفتوى والاستنباط.
وقد تنبأ له مالك بأنه سيكون ذا شأن فقال له: " يا غلام، إن الله ألقى في قلبك نوراً، فلا تطفئه بالمعصية "!! لزم الشافعي مالكاً، وحاز فقهه، ولكن في كم من السنين؟ وكم سنة دامت هذه الصحبة؟ أكثر الروايات أنه لزمه حتى وفاته في سنة 179 هـ، وعلى هذا يكون بقاؤه في المدينة ستة عشر عاماً؛ فقد رحل إليها وسنه ثلاثة عشر عاماً، أي في سنة 163 هـ باتفاق.
ويقول الشيخ زاهد الكوثري -في تعليقاته على ترجمة ابن عبد البر للشافعي في الانتقاء-: إنه رحل إلى اليمن وسنه سبعة عشر عاماً، وعلى ذلك تكون صحبته لمالك وبقاؤه في المدينة أربع سنوات فقط، يستدل على ذلك بأن الشافعي يروي عن مالك -في غير الموطأ- بثلاث وسائط فأكثر.
وتكاد تجمع الروايات على أن مسلم بن خالد أجازه بالفتوى في سن خمسة عشر، وكان ذلك في مكة بالطبع؛ فيكون بقاؤه في المدينة مدة سنتين فقط.

والذي نقوله للجمع بين هذه الروايات -وهو صحيح إن شاء الله-: إن صحبة الشافعي لمالك استمرت حتى وفاته فعلاً، أي لمدة ستة عشر عاماً، ولكنها لم تكن إقامة دائمة متصلة بالمدينة، بل كان يقيم بالمدينة ما شاء الله أن يقيم، ثم يعود إلى مكة فيقيم بها ما شاء الله أن يقيم، ثم يرحل إلى المدينة، " بل ربما إلى غيرها من البلاد والأمصار الإسلامية، يستفيد في هذه الرحلات ما يستفيده المسافر الأريب من علمٍ بأحوال الناس وأخبارهم، وشؤون اجتماعهم، فلم تكن ملازمته لمالك رضي الله عنه بمانعة من سفره واختباراته " على حد تعبير شيخنا الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن الشافعي.
ولكن الذي لا يصح مع هذا هو قول العلامة الكوثري: " إنه انتقل إلى اليمن وسنه سبعة عشر عاماً؛ فالانتقال إلى اليمن، والانشغال بالولاية، مع بعد الشقة يقطع صحبته لمالك التي تضافرت الروايات أنها استمرت حتى وفاة مالك سنة 179 هـ هذا أولاً، وثانياً - المتفق عليه أن انتقاله إلى اليمن كان ليتولى (ولاية)، فهل يصح أن يكون ذلك وسنه سبعة عشر عاماً؟؟ وأما الاستدلال بأنه يروي عن مالك بثلاثة وسائط فأكثر، فمع قوة هذا الاستدلال، فلا ينهض دليلاً على أن الشافعي انتقل إلى اليمن وسنه سبعة عشر عاماً، فالجهة مُنْفكّة -كما يقول المناطقة- ولا ينهض دليلاً على انقطاع تلمذة الشافعي لمالك ومدارسته له، فلم لا يكون انصراف الشافعي مع مالك إلى مدارسة الفقه وطرق الاستنباط، أما الأخبار والآثار، فكان يحصلها من تلاميذ مالك، ثم إن الشافعي الْتقى بفقه مالك وأخبار مالك مرة ثانية حينما انتقل إلى مصر، وكان بها أعلام تلاميذ مالك، فسمع منهم ودارسهم، فمن هنا كانت الوسائط.
ثم نحن قد أثبتنا أن اتصاله بمالك والتلمذة له -مع أنها دامت حتى وفاته- إلا أنها كانت منقطعة تتخللها رحلات عن المدينة إلى مكة أو غيرها، فمن هنا كان الأخذ عن مالك بالوسائط.

الرحلة إلى اليمن

بعد وفاة الإمام مالك، واستقرار الشافعي بمكة، وكان قد حاز فقه مدرسة المدينة، وأحاط بمنهجها، وضم ذلك إلى ما تلقاه عن شيوخ مكة ومدرستها، وصار من أعلام

الفقهاء، بعد ذلك آن له أن يدخل ميداناً آخر، فتطلعت نفسه إلى عمل يسدّ به خَلَّتَه، ويدفع حاجته، وفي زيارةٍ لوالي اليمن إلى مكة كلّمه بعض القرشيين في شأن الشافعي؛ فصحبه معه، وهناك ولاه على نجران، وفي هذا العمل ظهرت مواهب الشافعي، وذكاؤه وخبرته بالناس، ونبله وشرف نسبه، إلى علمه وفقهه، فذاع في الناس ذكره، وشاع عدله، ثم إنه في نجران رأى تطبيقاً عملياً لأحكام الجزية وقضايا نصارى نجران.
ومضى الحال على ذلك نحو خمس سنوات، والأمور توحي بالاستقرار والاستمرار، ولكن فوجىء الشافعي بتهمة غليظة!! اتهم بمناهضة الدولة، والانضمام إلى العلويين الذين يدبرون للانقلاب على أبناء عمهم العباسيين، وتلك تهمة عقوبتها حزُّ الرؤوس.
أما لماذا اتهم؟ فتفصل الروايات أسباب ذلك الاتهام، وخلاصته ترجع إلى الاستقامة الكاملة، والحرص على العدل الكامل، ففي كل زمانٍ ومكان يحاول المحاولون أن يأكلوا بالولاة، يميلونهم حيث يشاؤون، فمن استعصى عليهم، فله الوشاية، والسعاية.
أما لماذا كانت هذه التهمة بالذات، فالشافعي مأثور عنه، وثابت في شعره وأقواله حبُّ آل البيت، يصرح بذلك ويتمدّح به، فوجد الساعون الوشاة في هذا ما يرشحه لهذه التهمة، وأنها أليق شيء به.

الشافعي يحمل إلى بغداد

تتفق الروايات على أن الشافعي حمل إلى بغداد في سنة 184 هـ، ولكنها تختلف في أنه حمل من اليمن أم من مكة، ويمكن الجمع بينها بأنه اتهم باليمن، ثم حمل من مكة أثناء تردّده عليها لزيارة أهله.
حُمل الشافعي متهماً إلى بغداد هو ومَنْ معه من (المتآمرين) التسعة، وتصف الروايات المصير الذي كان ينتظره، حيث أدخلوا على الرشيد وبين يديه النِّطْع والسيف، وتستطيع أن ترى معي الآن الشافعيَّ الأبي الحسيب النسيب وهو يدخل على الرشيد عالي الهامة، مرفوع القامة، مُدِلاًّ بعلمه، واثقاً بذكائه، شامخاً بمواهبه،

مطمئناً لبراءته، فيروع الرشيدَ مرآه، ويعجب بمخايله، فيفسح له ليلقي بحجته، فيؤخذ ببلاغته وبراعته، ويدرك أنه من أهل العلم - فقد كان الخلفاء حتى ذلك العصر ممن يشتغلون بالعلم، ويدارسون أهله، ويحضرون مناظراتهم، ويحكمون بينهم.
ترك الرشيد القضيةَ، وخاض مع (المتهم) في ضروب من العلم، فوقع في قلبه، وكان محمد بن الحسن حاضراً، فقال لمحمد بن الحسن: خذه إليك حتى أنظر في أمره، ووصله بخمسين ألفاً، فرقها الشافعي على مَنْ بباب الخليفة، قبل أن يبرح.
ويلوح لي أن (قرار الاتهام) كان أحدَ الأسباب التي لفتت نظر الرشيد إلى الشافعي، وجعلت اللقاء يجري على هذه الصورة، فقد روَوْا أن مَنْ رفع أَمْر الشافعي إلى الرشيد قال في (عريضة الاتهام): " إن فيهم رجلاً من ولد شافع المطلبي يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه ". المهم أن الشافعي نجا من القتل الذي سيق له!! والأهم أنه وجد نفسه في نفس اللحظة في معية محمد بن الحسن، ينزل عليه، ضيفاً في بيته!! سبحان من له الأمر والتدبير!! ماذا لو لم يذهب الشافعي إلى اليمن؟ وماذا لو ذهب إلى اليمن ولم يُقَيَّض له الحاسد الواشي ليتهمه؟ من كان سينقل الشافعي من اليمن إلى العراق؟ ومن كان سيصرف الشافعي عن العمل بالولايات والإدارات؟ إنها الأقدار.
هيأت للشافعي أن ينتقل إلى العراق، وأن يلقى محمدَ بنَ الحسن، وأن يكون ذلك في سن النضج واستحصاد الخبرة.
أقبل الشافعي على حلقة محمد بن الحسن، يأخذ، ويدوّن، ويدارس، ويناقش، ويناظر.
لم يناظر محمد بن الحسن في أول الأمر، وإنما كان يناقش تلاميذه بعد أن ينصرف عن الحلقة، ولما علم بذلك محمد بن الحسن دعاه لمناظرته، فتردّد الشافعي حياءً وتقديراً لمنزلة محمد وسنّه، ولكن محمد بن الحسن أصرّ؛ فكانت بينهما

مناظرات، ملأت أخبارها بغداد، وشهد هارون الرشيد بعضَها، وأُعجب بالشافعي.
ظل الشافعي بالعراق، يدرس، ويسمع، ويناظر حتى أتقن طريقة العراقيين، وجمع علمهم إلى ما جمعه من علم مالك ومدرسة المدينة، وإلى ما حصله قبلاً من مدرسة مكة، وإلى ما تلقاه من علماء اليمن.
وكانت إقامته في العراق في هذا القَدْمة نحو عامين، حمل فيهما من علم محمد بن الحسن وحده وِقْر بعير، ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه.
وقيل: إن إقامته ببغداد كانت خمس سنوات، وأنه لم يغادرها إلا بعد وفاة محمد بن الحسن في عام 189 هـ.

عودٌ إلى مكة

عاد الشافعي إلى مكة، وطالت إقامته بها نحو تسع سنوات، كانت هذه الفترة من أخصب الفترات في حياة الشافعي، فقد عاد إلى مكة بعد أن استوعب علم هاتيك البلاد والأمصار التي زارها، ومناهج هذه المدارس التي جلس إلى شيوخها، فكانت هذه الفترة فترة التأمل والنقد، وكانت مكة أنسب الأماكن لهذه التأمل والاختبار، فهي بعيدة عن ضجيج بغداد ومناظراتها، ومصارعة المذاهب والتيارات التي تموج بها، ثم فيها الاستقرار في كنف الأهل والعشيرة، والأنس ببيت الله الحرام.
ثم هي مثابة العلماء يفدون إليها في كل موسم، فيلقاهم، ويفيد ما عندهم، ويختبر ما عنده.
في هذه السنوات التسع عكف الشافعي على وضع مقاييس وقواعد يرجع إليها عند الاختلاف، فأخذ يبحث في القرآن الكريم: ناسخه ومنسوخه، والعام والخاص، وطرق الدلالة، وفي السنة ومنزلتها من الكتاب، وصحيحها وسقيمها، وكيف تستنبط الأحكام إذا لم يكن قرآن وسنة، وضوابط الاجتهاد، و.... ومن هنا بدأ استقلال الشافعي بمذهبٍ أو بمنهج خاص 1.

إلى بغداد طواعية

رحل الشافعي إلى بغداد طواعية هذه المرة، فلماذا؟ وما الذي دعاه إلى الانتقال إلى بغداد؟ كان الشافعي في القَدْمة الأولى قد حصَّل علم أهل العراق، وأحاط بما عند فقهائهم، وعرف مناهجهم، وخصائص مذهبهم، وسمع ما عندهم من آثار وأخبار، فلأيّ أمرٍ يعود الآن؟ لم يعد الشافعي هذه المرة ليأخذ من العراق، وإنما عاد ليعطي، كان الشافعي قد رأى بعينيه مكانة بغداد وسعة سوق العلم، وكثرة مجالسها وحلقاتها، وأنها تموج بأفواج العلماء من كل حدب وصوب، فقد كانت حاضرة الدّولة، بل حاضرة الدنيا، فمن أراد أن يعلن جديداً، أو يُذيع مذهباً، أو ينشر رأياً، فلن يجد أعلى من منابر بغداد.
من أجل هذا قصد الشافعي بغداد -هذه المرة- ليقرر مذهباً جديداً، وفقهاً جديداً، لا هو بالفقه المالكي الذي حصَّله على مالك وعلماء المدينة، ولا بالفقه الحنفي الذي حمله عن محمد بن الحسن وعلماء العراق.
دخل الشافعي بغداد هذه المرة ليكون صاحب حلقة يدرِّس ويقرر، لا ليسمع ويتلقى، دخل الشافعي المسجد الكبير في بغداد واتخذ مجلسه في صدر حلقته، وكان في المسجد عشرات الحلقات، انفض أكثرها، واتسعت حلقة الشافعي، ورفع به أصحاب الحديث رؤوسهم، وأطلقوا على الشافعي.
(ناصر الحديث) 1. في بغداد هذه المرة أظهر الشافعي مذهبه، ووضع كتبه، ووضع ضوابط مذهبه: وضع كتبه التي عرفت بالمذهب القديم، ووضع ضوابط مذهبه في (الرسالة) التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي.
وكان بقاؤه في بغداد مدة سنتين، إذ جاءها سنة 195 هـ وغادرها سنة 197 هـ.

عود إلى مكة، فبغداد ثالثةً، فمصر (97 - 98 - 99)

عاد الشافعي إلى مكة بعد أن أرسى قواعد مذهبه في العراق، وترك وراءه كتبه وتلاميذه يحملون علمه، وينشرون مذهبه.
ويلوح لي أن عودته إلى مكة لم تكن للإقامة والاستقرار، فقد كان وراءه عملٌ في بغداد لم ينضج بعد، وفيما أقدر أن عودته إلى مكة كانت للبّر بآله وقومه وعشيرته ولشهود الموسم.
ولذا نراه يشد الرحال عائداً إلى بغداد في سنه 98 هـ ولكنه لم يتلبّث بها إلا قليلاً حتى غادرها إلى مصر.
فما الذي أزعجه عن بغداد فلم يُلق عصا الترحال بها؟ لم تذكر روايات المترجمين للشافعي سبباً مقنعاً لذلك، وأقرب تعليل ما قاله شيخنا الشيخ محمد أبو زهرة، من أنه حين عاد إلى بغداد وجد وجهها قد تغير، فقد انتهى عهد الأمين بن هارون الرشيد، وبدأ عهد المأمون، ورأى الشافعي غلبة العنصر الفارسي على الدولة؛ فقد كان الفرس جيشَ المأمون الذي حارب به أخاه الأمين، وقضى عليه.
أدرك الشافعي ذلك، ورأى المأمون يقرب المعتزلة -وإن لم يكن قد ظهر خطر ذلك بعد- فلم ينشرح صدره للإقامة ببغداد.

الشافعي في مصر

تغير وجه بغداد؛ فلم تطب الإقامة بها، فلماذا اختار مصر؟ ولماذا لم يرجع إلى مكة؟ نذكّر بما هيأته الأقدار للشافعي، فقد ذكر ياقوت في معجم الأدباء أن الشافعي لقي ببغداد الوالي العباسي على مصر، فدعاه إلى مصر، وطلب أن يصحبه إليها، وقبل دعوته واختار الذهاب إلى مصر.

وعلى هذا يكون الشافعي قد استقر على ترك بغداد لما رأى من تغير وجهها، ولما استشعره -بفراسته- من ظهور أمر المعتزلة، فجاءته دعوة والي مصر لتحدد الجهة التي يترك بغداد إليها، وليست الدعوة -فيما نقدر- صالحةً وحدها لتغيير قراره بالبقاء في بغداد، وإنما جاءته وهو يهم بالرحيل عن بغداد لتحدد وجهته التي ينتقل إليها، ولا مانع أن نقول: إنها أيضاً صادفت رغبة في نفس الشافعي الذي كان يرى في الانتقال والترحال معرفةً وخبرة بالحياة والناس، وإحاطة بما عند من يلقاهم من العلماء والقراء والمحدثين.
ومعروف مشهور أقوال الإمام الشافعي في مدح السفر وتعديد فوائده.

فقه الشافعي في مصر

نزل الشافعي بمصر، فوجد حياة تموج بالفقه والفقهاء، وجد فقه الإمام الليث، وفقه الإمام الأوزاعي، وفقه الإمام أبي حنيفة، وفقه الإمام مالك.
وعلى عادة أئمتنا -قديماً- رضوان الله عليهم، كانوا يرون أن الاحتفال بمن يقدم إليهم من العلماء لا يكون إلا بعقد مجالس العلم، والاستماع إلى ما عنده، وعَرْض ما عندهم، ويتبع ذلك المُدارسة والمناظرة، كل ذلك طلباً للحق، وتحصيلاً للفوائد والفرائد.
اطلع الشافعي على ما عند علماء مصر، واتخذ حلقته في جامع عمرو بالفسطاط، وأقبل عليه الفقهاء يسمعون ويدارسون، حتى انحاز إليه الكثير من أتباع مالك وأبي حنيفة، بل من رؤوسهم مَنْ صار من أخص تلاميذ الشافعي مثل: عبد الله بن عبد الحكم، ومحمد ابنه، والبويطي، والمزني، فقد كانوا يقولون بقول مالك قبلاً.
استقر الشافعي في مصر نحو خمس سنوات فقط، ولكنها كانت سنوات مباركات؛ فإذا أحصينا ما ألفه الشافعي وأملاه من كتب، وما قعد له من دروس ومواعظ، وما عقد من مناظرات... إذا أحصينا ذلك، وجدنا أن الزمن الذي قضاه

في مصر لا يمكن أن يسع ذلك في العرف والعادة، ومن هنا عُدَّ هذا من الكرامات.
طابت الإقامة للشافعي بمصر، ولكن لم تطل، فقد وافاه الأجل المحتوم ليلة الجمعة بعد المغرب، ودفن بعد العصر من يوم الجمعة آخر يوم من شهر رجب سنة 204 هـ. ... ونعود، فنذكر بأننا لا نقدم ترجمة للشافعي وإنما ننبه إلى معنىً لاحظناه أثناء قراءاتنا لتراجم الإمام الشافعي، وهو ما هيأته الأقدار للشافعي، وهيأت الأقدار الشافعي به، ونلخص ذلك فنقول: لقد هيأت الأقدار للشافعي أمّاً تعرف قيمة شرف النسب ومنزلته، فتنتقل بابنها إلى مكة، وهناك يعرف قيمة العربية وفصاحة اللسان، فيطلب اللغة في البادية، وهيأت له من يوجهه إلى الفقه، فيجعل اللغة وعلوم العربية والشعر والأدب في سبيل الفقه، وهيأت له شيوخاً في مكة ورثوا فقه ابن عباس، وهيأت له التلمذة على مالك خاصة وفقهاء المدينة ومحدِّثيها بعامة، وقدر الله أن ينشأ فقيراً، فلو كان ذا مالٍ وفير، ربما كان اشتغاله بتثميره، ونشأته في الوفرة والدعة غيرت مجرى حياته.
وأوضح ما تراه من ذلك هو رحلته -من أجل العمل والارتزاق منه- إلى اليمن، وإتهامه بسبب هذا العمل وحمله قسراً إلى بغداد ليضرب عنقه، وتَهْيئة محمد بن الحسن ليكون في مجلس الخليفة ساعة مثوله بين يديه، فيجتمع له أمران في لحظة واحدة، نجاته من السيف بمساعدة من محمد بن الحسن، ثم لقاؤه واتصاله بمحمد بن الحسن وعلم محمد بن الحسن!!! فيحمل علمه وعلم العراقيين عامة.
ثم يعود إلى مكة، ويتردد بينها وبين العراق، ولكن تهيىء له الأقدار من الأحداث ما يزهده في العراق، ومن يدعوه إلى مصر، فيلقى فيها من العلم والعلماء، والأخبار والأحداث 1، ما يجعله يُخرج للدنيا هذا العلم الذي ملأ سمع الزمان، وانتقل إلى كل مكان.
هذا ما هيأته الأقدار للشافعي.

أما ما هيأت الأقدار الشافعيَّ به، فقد وهبه الله حافظةً لاقطة، وذاكرة واعية، وذكاءً نادراً؛ وعقلاً صافياً، وقلباً تقياً نقياً، وجناناً ثابتاً، ولساناً فصيحاً مبيناً، وخُلقاًَ رصياً.
كان الشافعي أحد عباقرة الدنيا، وواحداً من نوادر الموهوبين الذين قلّما ترى الدنيا مثلهم، وحسبك أن تعلم أنه لما أراد أن يقصد مالكاً من مكة أحب أن ينظر في الموطأ قبَل أن يلقى مالكاً، يقول: " استعرت الموطأ، فحفظته في تسع ليالٍ " ولما لقي مالكاً قرأه عليه ظاهراً من حفظه، وكانت سنه يومئذ ثلاث عشرة سنة.
وما أصدق ما قاله له الإمام مالك: "إن الله ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بالمعصية".
نعم ألقى الله!! وهَبَ الله!! وصدق الإمام مالك، فبهذا النور الذي هيأته به الأقدار، وألقته في قلبه أجازه شيخ الحرم مسلم بنُ خالد الزنجي بالإفتاء، وهو ابن خمسَ عشرة سنة!! تأمل!! يُفتي في حرم الله، في البلد الأمين وهو ابن خمس عشرة سنة، ومكة يومئذ مثابة العلماء والفقهاء.
ثم تأمل!! لقد ملأ الشافعي طباق الأرض علماً، وملأ سمع الدنيا، وخلف كل هذا العلم، مع رحيله المبكر: في الرابعة والخمسين من عمره!! وكيف لو عاش إلى الرابعة والثمانين!! ... هذا هو إمامنا الشافعي رضي الله عنه، لم نقصد أن نترجم له، وإنما أردنا أن نتأمل مواقف وأحداثاً في سيرته، تظهر فيها حكمة الله جل وعلا، وما يختاره ويهيئه سبحانه لمن يرثون نبيه، فيحملون أمانته، ويبلغون رسالته.

شيوخ الإمام الشافعي

ذكر أصحاب التراجم شيوخاً مباشرين للإمام الشافعي وعّدوا منهم عشرين شيخاً خمسة منهم في مكة، وستة في المدينة، وأربعة في اليمن، وخمسة في العراق.

ولسنا نريد أن نترجم لهم، وإنما نريد أن نعرّف بهم فقط، أو بالتحديد أن نضبط أسماءهم، ونوضحها كاملة، فقد ذكرت مختصرة في الشكل رقم (1). شيوخه في مكة: 1 - سفيان بن عيينة، أبو محمد سفيان بن أبي عمران، أصله من أهل الكوفة، ورحل واستوطن مكة.
ت 198 هـ 2 - مسلم بن خالد بن مسلم بن سعيد (الزنجي) أصله من أهل الشام، وكان أبيض مشرباً بحُمرة؛ فسمي (الزنجي) من باب الأضداد.
ت 180 هـ 3 - داود بن عبد الرحمن العطار، كان أبوه نصرانياً من أهل الشام، فخرج منها ونزل مكة، وولد له أولاد فأسلموا، فكان -مع كفره- يعلمهم القرآن والفقه، ويحثهم على ملازمة أهل الخير، ونبغ منهم داود هذا، وقد ولد سنة 100 هـ، وتوفي 174 هـ 4 - ابن أبي رَوَّاد (بفتح الراء وتشديد الواو المفتوحة) هو عبد المجيد بن عبد العزيز الأزدي مولى المهلّب أبو عبد الحميد، المكي، ت 206 هـ. 5 - سعيد بن سالم القداح، أبو عثمان، المكي، خراساني الأصل، ويقال: كوفي، سكن مكة توفي قبل سنة 200 هـ. شيوخه في المدينة: 6 - مالك بن أنس (وكفى).
ت 179 هـ 7 - عبد العزيز الدرَاوَرْدي، عبد العزيز بن محمد بن أبي عُبيد الدرَاوَرْدي، أبو محمد، المدني، مولى جهينة، وأصله من دَرَاوَرْد قرية بخراسان، ولد بالمدينة ونشأ بها، وبها عاش، وبها توفي سنة 187 هـ 8 - عبد الله الصائغ، وهو عبد الله بن نافع، الصائغ المخزومي، مولاهم، أبو محمد، المدني، ت 206 هـ 9 - إبراهيم بن محمد، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، الأسلمي ويكنى أبا إسحاق، مولى لأسلم؛ توفي بالمدينة سنة 184 هـ

10 - إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق، المدني ت 183 هـ. 11 - ابن أبي فُدَيْك (مصغراً) وهو محمد بن إسماعيل بن مسلم، واسمه دينار الديلي، مولاهم، وكنيته أبو إسماعيل، المدني ت 200 هـ شيوخه في اليمن: 12 - أبو أيوب، مطرِّف بن مازن، الكناني، مولاهم، قاضي صنعاء.
ت 191 هـ 13 - هشام بن يوسف، الصنعاني، أبو عبد الرحمن، قاضي صنعاء.
ت 197 هـ 14 - عمرو بن أبي سلمة، التنِّيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، روى عن الأوزاعي.
ت 214 هـ 15 - يحيى بن حسان بن حيان التِّنيسي البكري، أبو زكريا البصري.
ت 208 هـ شيوخه في العراق: 16 - وكيع بن الجراح بن مليح، الرُّؤَاسي، أبو سفيان، الكوفي، الحافظ.
ت 197 هـ 17 - أبو أسامة الكوفي، وهو حماد بن أسامة بن زيد القرشي، مولاهم، أبو أسامة الكوفي.
ت 201 هـ 18 - محمد بن الحسن.
ت 189 هـ 19 - إسماعيل بن عُليّة البصري، وهو إسماعيل بن إبراهيم، بن سهم، بن مِقْسَم الأسدي، أسد خزيمة، مولاهم، الإمام، أبو بشر، البصري، أصله كوفي، وعُلية أمه، وكان يكره أن ينسب إليها.
ت 193 هـ ويلتبس بابن عُلية الآخر (ابنه) إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، وكنيته: أبو إسحاق، فالأب ثقة إمام، قالوا فيه: " ريحانة الفقهاء " والآخر جهمي " مذاهبه عند أهل السنة مهجورة ". ت 218 هـ 20 - عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن عُبيد الله بن الحكم بن أبي العاص، الثقفي، أبو محمد، البصري.
ت 194 هـ

المبحث الثاني: حملة الفقه عن الإمام الشافعي

1 لقد حظي بالجلوس إلى الشافعي والأخذ عنه خلائق لا يحصون عدّاً، ولكن اشتهر بالنقل عنه، وحَمْلِ علمه عشرةٌ: أربعة منهم نقلوا المذهب القديم الذي أملاه بالعراق، وهؤلاء هم: 1 - الزعفراني، أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح البغدادي الزعفراني، سُمع يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ عليَّ منذ خمسين سنة.
ت 260 هـ 2 - أحمد بن حنبل، أعرف من أن يعرّف، ولد سنة 164 هـ وتوفي 241 هـ 3 - أبو ثور، إبراهيم بن خالد بن اليمان، الكلبي البغدادي، تبع الشافعي، وحمل فقهه، وأقرأ كتبه، وكان له مع ذلك اجتهاداته التي استقلّ بها، حتى عُدَّ من الأئمة أصحاب المذاهب.
ت 240 هـ 4 - الكرابيسي، أبو علي الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي، جمع بين الفقه والحديث، أخذ الفقه عنه خلق كثير.
ت 245 هـ أما رواة المذهب الجديد، فهم ستة: 1 - البويطي، أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي المصري، نُسب إلى بويط من صعيد مصر، وهو أكبر أصحاب الشافعي المصريين، وله المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي رضي الله عنه، ولما اختصره قرأه على الشافعي بحضرة الربيع، فلهذا يُروى عن الربيع أيضاً، وكان الشافعي يعتمد البويطي في الفتيا، واستخلفه على أصحابه بعد موته.
وكانت وفاته ببغداد سنة 232 هـ

الشكل الثاني: يبين سلسلة التفقه عن الشافعي إلى ما قبل ظهور طريقتي الخراسانيين والعراقيين من الطبقة الأولى: (الذين جالسوا الشافعي وسمعوا عنه) اشتهر بالنقل عنه عشرة من كبار الصحابة: أ- رواة المذهب القديم 1 - الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني (ت 260 هـ) 2 - ابن حنبل (ت 241 هـ) 3 - أبو ثور (ت 240 هـ) 4 - أبو علي الكرايسي (سنة 245 هـ)

ب- رواة المذهب الجديد 1 - البويطي (ت 231 هـ) 2 - حرملة (ت 243) 3 - الربيع الجيزي (ت 256 هـ) 4 - المزني (سنة 264 هـ) 5 - الربيع (ت 270 هـ) 6 - يونس بن عبد الأعلى (سنة 264 هـ)

من الطبقة الثانية: 1 - إبراهيم البلدي (نحو 299 هـ) 2 - أحمد بن بنت الشافعي (ت 295 هـ) 3 - أحمد بن سيار (ت 268 هـ) 4 - الأنماطي (ت 288 هـ) 5 - داود بن علي (ت 290 هـ) 6 - عبدان (ت 293 هـ) 7 - محمد بن نصر المروزي (ت 294 هـ)

من الطبقة الثالثة: 1 - أبو أحمد الجرجاني (ت 365 هـ) 2 - أبو إسحاق المروزي تفقه بابن سريج (ت 340 هـ) 3 - الاصطخري فقيه العر اق (ت 328 هـ) 4 - أبو بكر الإسماعيلي (ت 371 هـ) 5 - أبو بكر الصبغي (ت 342 هـ) 6 - أبو بكر الصيرفي تفقه بابن سريج (ت 330 هـ) 7 - أبو بكر الفارسي تفقه بابن سريج وقيل باصحاب الشافعي (ت 305 وقيل 350 هـ) 8 - أبو بكر المحمودي المروزي (ت بعد 300 هـ) 9 - أبو بكر النيسابوري ابن خزيمة (ت 311 هـ) 10 - ابن الحداد تفقه بابي إسحاق (ت 345 هـ) 11 - ابن حَزبويه البغدادي (ت 319 هـ) 12 - أبو الحسن الجوري (ت بعد 300 هـ) 13 - أبو حفص ابن الوكيل البابشامي (ت بعد 300 هـ) 14 - الخِضري شيخ القفال (نحو 373 هـ) 15 - ابن خيران تفقه بالأنماطي (ت 320 هـ) 16 - زاهر السرخسي تفقه بأبي إسحاق (ت 389 هـ) 17 - الزبيري أبو عبد الله صاحب الكافي (ت 317 هـ) 18 - أبو زرعة الدمشقي الثقفي (ت 302 هـ) 19 - أبو زيد المروزي شيخ القفال (ت 371 هـ) 20 - ابن سريج تفقه بالأنماطي (ت 306 هـ) 21 - سهل الصعلوكي (ت 404) 22 - الشيخ أبو حامد الاصفراييني (ت 406) 23 - القاضي أبو حامد المرورّوذي (ت 362) 24 - صاحب التقريب: القاسم بن محمد الشاشي (ت نحو 339 هـ) 25 - صاحب التلخيص: ابن القاص تفقه بابن سريج (ت 335 هـ) 26 - أبو الطيب بن سلمة (ت 308 هـ) 27 - أبو علي الطبري تفقه بابن أبي هريرة (ت 350 هـ) 28 - أبو علي بن أبي هريرة تفقه بابن سريج وأبي إسحاق (ت 345 هـ) 29 - أبو عوانة (ت 336 هـ) 30 - أبو القاسم الصيمري تخرج به الماوردي (ت 386 هـ) 31 - القفال الكبير (ت 365 هـ) 32 - الماسَرجسي أبو الحسن (ت 384 هـ) 33 - ابن المنذر (ت 319 هـ) 34 - أبو يحى البلخي (ت 330 هـ)  نجمة يعني أنه مذكور في (نهاية المطلب)

2 - حَرْملة بن يحيى بن عبد الله بن حَرْملة بن عمران بن قُراد، التُّجِيبي: نسبة إلى قبيلة تُجِيب: بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم وسكون الياء.
وقولهم: قال حرملة، معناه قال الشافعي في الكتاب الذي نقله عنه حرملة، فسُمّي الكتاب باسم راويه مجازاً.
روي عن الخطابي أنه قال: إن أصحاب الشافعي المتقدمين يعتمدون روايات المزني، والربيع المرادي عن الشافعي ما لا يعتمدون حرملة والربيع الجيزي، ت 243 هـ 3 - الربيع الجيزي، أبو محمد، الربيع بن سليمان بن داود، الأزدي، مولاهم، المصري، الأعرج، وقيل: ابن الأعرج، والجيزي نسبة إلى الجيزة تقع قبالة القاهرة على الجانب الغربي من النيل، كان فقيها صالحاً، وعلى طول صحبته للشافعي كان قليل الرواية عنه، وإنما روى عن عبد الله بن عبد الحكم كثيراً، وعن ابن وهب.
ت 256 هـ 4 - المزني، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، المزني، المصري، الإمام الجليل ناصر المذهب، كان معظماً بين أصحاب الشافعي، وكان جبلَ علمٍ، مناظراً محجاجاً، زاهداً مجتهداً، صنف كتباً كثيرةً: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق، وكتاب العقارب، وكتاب نهاية الاختصار، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه.
ومختصره أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا، وأخذ عنه خلائق من علماء خراسان والعراق والشام، توفي بمصر سنة 264 هـ 5 - يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان، أبو موسى، الصَّدَفي، المصري، الفقيه المقرىء، قرأ القرآن على ورش وغيره، وأقرأ الناس، روى عنه مسلم والنسائي وأبو عوانة، والنيسابوري، صاحب الشافعي، وأحد رواة مذهبه الجديد، وانتهت إليه رياسة العلم بمصر، وهو من المكثرين في الرواية عن

الشافعي والملازمين له، كان كثير الورع، متين الدين، توقي بمصر سنة 264 هـ ودفن في مقابر الصدقة.
6 - الربيع المرادي، أبو محمد، الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، المرادى، مولاهم، المؤذن، المصري، راوي اكثر كتب الشافعي، وقال الشافعي في حقه: " الربيع راويتي " وقال: "ما أخذ مني أحد ما أخذ الربيع" وهو أثبت أصحاب الشافعي في الرواية عنه؛ حتى لو تعارض هو وأبو إبراهيم المزني، لقدم الأصحاب روايته، مع علو قدر أبي إبراهيم علماً وديناً، وجلالة، وموافقة ما رواه للقواعد، وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه من الآفاق، وكانت وفاته بمصر سنة 270 هـ

بقية ممن جالسوا الشافعي

: وممن جالسوا الشافعي وأخذوا عنه -غير هؤلاء العشرة الأشهر ذكراً وأثراً- ترجم السبكي وغيره لعشراتٍ منهم، نذكر بعضهم؛ تبعاً لشهرتهم، ولدوران ذكرهم في الكتب، فمن هؤلاء: 1 - ابن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، أبو سعيد، الأزدي، مولاهم، البصري، اللؤلؤي، إمام أهل الحديث في عصره، وهو الذي سأل الشافعي أن يضع له بعض ضوابط في الاستنباط للأحكام، فألف الشافعي الرسالة، وحملها إليه الحارث بن سريج، النقال.
ت بالبصرة 198 هـ 2 - الأصمعي عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، إمام اللغة والأدب والأخبار، ت 216 هـ 3 - الحُمَيْدي، أبو بكر، عبد الله بن الزبير بن عيسى، القرشي، الأسدي، المكي، أبو بكر الحميدي نسبة إلى حُمَيد بن زهير بن الحارث بن أسد، محدّث مكة ومفتيها، قال الحاكم: هو لأهل الحجاز في السنة كأحمد بن حنبل لأهل العراق.
ت 219 هـ

4 - أبو عُبيد، القاسم بن سلاّم، الإمام الجليل، الأديب الفقيه المحدث، صاحب التصانيف الكثيرة، صاحب كتاب الأموال، وغريب الحديث، تفقه على الشافعي، وناظره في معنى (القُرء) هل هو الطهر أو الحيض، إلى أن رجع كل منهما إلى ما قاله صاحبه، وهي مناظرة مشهورة تروى في كتب الفقه.
ت 224 هـ 5 - ابن مِقلاص، الإمام، أبو على عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مقلاص، الخزاعي، مولاهم، المصري الفقيه، كان فقيها زاهداً.
ت 234 هـ 6 - قَحْزَم بنُ عبد الله بن قَحْزَم، أبو حنيفة، الأسواني، آخر من صحب الشافعي موتاً، قال ابن عبد البر: روى عنه كثيراً من كتبه، وكان مفتياً، وأصله من قبط مصر، قالوا: ما أخمل ذكرَه إلا إقامتُه بأسوان، بأقصى صعيد مصر.
ت 271 هـ 7 - أخت المزني، كانت تحضر مجلس الشافعي، نقل عنها الرافعي في زكاة المعدن، فإنه صح أن الحول فيه لا يشترط، ثم قال: وفيه قول: "أنه يشترط، نقله البويطي"، إنما رواه المزني في المختصر عمن يثق به عن الشافعي، واختاره، وذكر بعض الشارحين أن أخته روت له ذلك، فلم يحب تسميتها.
...

انتشار المذهب وشيوعه في الآفاق

ثم توالى حملة الفقه طبقة بعد طبقة، كل طبقة عن سابقتها، ولم يكونوا سواء في حَمْل المذهب ونشره، فمنهم المقلّ في التأليف ومنهم المكثر، ومنهم النَّظََّار الذي يُعنى بعلم الخلاف، ومنهم الذي يهتم بالتدريس والتعليم، ومنهم من برع في الأصول والتخريج على نصوص الشافعي، وهم أصحاب الوجوه في المذهب، بل منهم من وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق، وقد عُني كثير من الأئمة بالترجمة لعلماء المذهب، والتعريف بهم، فيما عرف بكتب (الطبقات)، وتنوعت طرقهم في التقسيم على الطبقات، ومفهوم الطبقة، كما تنوعت في البسط والإيجاز، وسنشير إلى طرفٍ من ذلك فيما يأتي.

حول طبقات علماء المذهب

: ترجم مؤلفو كتب الطبقات لعلماء المذهب وأعلامه، وهم يقسمونهم ويرتبونهم على طبقات زمنية، فمنهم من جعل أهل كل مائة سنة طبقة، كالسبكي، ومنهم من جعل كل عشرين سنة طبقة، كابن قاضي شُهبة، ومنهم من جعل كل خمسين سنة طبقة، كابن كثير، ثم عاد فقسم كل طبقة خمس مراتب، كل مرتبة عشر سنين، فيما عدا الطبقة الثالثة فقد جعلها مرتبتين، وكلَّ مرتبة خمساً وعشرين سنة، وكذلك الطبقة الرابعة جعلها مرتبتين، لكن جعل الأولى عشرين سنة، والثانية ثلاثين سنة.
وجعل كل خمسين طبقة ابن هداية الله الحسيني (ت 1014 هـ). المهم أن الترتيب على السنين هو السائد والملتزم لدى الجميع عادةً، لكن هناك من رتب على الألفبائية مثل ابن الصلاح، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات (إذا عُدّ من كتب الطبقات).
لكن ابن الملقن في طبقاته (العِقد المُذْهَب في طبقات حملة المذهب) انفرد بأمرٍ لم أره عند غيره من أصحاب كتب الطبقات، فقد قسم كلَّ حملة المذهب بدءاً من تلاميذ الإمام الشافعي إلى المعاصرين له -أي لابن الملقن- إلى طبقتين فقط، بمفهومٍ آخر ومعيارٍ آخر غير المعيار الزمني؛ ذلك أنه عَنَى بالطبقة هنا المنزلة والمكانة، والأثرَ في المذهب، فالطبقة الأولى عنده ومثلها الثانية كل منهما تبدأ بتلاميذ الشافعي والآخذين عنه، وصولاً إلى أوائل القرن الثامن، حيث انتهى بطبقاته، قبل أن يُلحقهما بمَنْ عاصَرهم من العلماء، وسماهم الطبقة الثالثة.
فالفرق إذاً بين الطبقتين ليس السبق الزمني، وإنما هو المنزلة والمكانة.
وقد سمى الطبقة الأولى "طبقة أصحاب الوجوه ومن داناهم، وعددهم يُنيف على الخمسمائة".
وقال عن الطبقة الثانية: " نذكر فيها جماعات دون أصحاب الوجوه ومن داناهم، وعددهم يُنيف على سبعمائة ". ثم قسم الطبقة الأولى إلى أربع وثلاثين طبقة، يرتب كلاً منها على حروف

المعجم، وأما الطبقة الثانية فقد قسمها إلى ست وثلاثين طبقة كذلك.
ويؤكد أنه عَنَى بالطبقة المكانة والمنزلة قولُه عن الطبقة الثانية (دون أصحاب الوجوه ومن داناهم) وقولُه في أول الذيل الذي صنعه لطبقاته: "رتبتُه على حروف المعجم، لا على السِّير".
وصنيعُ ابن الملقن هذا في حاجة إلى دراسةٍ لمعرفة المعايير التي قدّم بها من قدم وأخَّر بها من أخَّر، ولنرى هل التزم المعيار الزمني داخل الطبقات الفرعية، أم راعى المنزلة والمكانة، ولنُحصي من قدَّمهم، وندرس أحوالهم، ولماذا قدمهم.
نقول ذلك لما هو معروف من منزلة ابن الملقن ومكانته، فنظره في رجال المذهب وتصنيفه لهم يستحق كل اهتمام ودراسة، فعسى أن يَنْهَد أحدٌ من شباب الباحثين لهذا الأمر، كما يجعل من غرضه إعادة إخراج طبقات ابن الملقن، فقد خرجت في طبعة لا خير فيها، كثيرة التصحيف والتحريف والتشويش، تمثل أبشع صورة للعبث بالتراث.
هذا، وقد رأينا العلاّمة أحمد بك الحسيني في الجزء الأول من مقدمته الضافية لكتابه (مرشد الأنام لبّر أم الإمام) 1 يستخدم عبارة ابن الملقن، فعند ذكره " من انتسب إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه من حين تدوين مذهبه إلى وقتنا هذا " قال: "ولنتكلم عليهم في فصول: (الفصل الأول: في سرد أسماء أصحابه الآخذين عنه ومَنْ بعدهم من أصحاب الوجوه ومن داناهم) ولكنه اختلف عن ابن الملقن في أمور: 1 - قسمهم إلى طبقات متبعاً تقسيم السبكي على المئات: كل مائة طبقة.
2 - انتهى بهم إلى آخر الطبقة التاسعة (الذين توفوا فيما بين التسعمائة والألف)، ولم يذكر ممن توفي أوائل القرن الحادي عشر إلا الشمس الرملي، وعبد العزيز

الزمزمي، وقال: " هؤلاء هم أصحاب الوجوه، وأصحاب المصنفات المعتبرة في المذهب ". 3 - أنه لم يجعل مَنْ دونهم طبقةً خاصة، بل سردهم في الفصل الثاني ضمن ذكره للمنتسبين للشافعي جميعاً.
4 - أنه لم يجعل أحداً ممن سمع الشافعي وجالسه، وكذا كل من تُوفي قبل الثلثمائة، لم يجعل أحداً من هؤلاء دون أصحاب الوجوه ومن داناهم.
5 - أنه نص على أصحاب الوجوه بأعيانهم، وميزهم عمن (داناهم) وهو يسردهم معاً.
6 - وقف بأصحاب الوجوه عند سنة 740 هـ وهي السنة التي توفي فيها آخر أصحاب الوجوه أبو خلف الطبري.
... هذا وقد تصفحنا عدداً من كتب الطبقات: 1 - طبقات العبادي المتوفى 458 هـ 2 - طبقات الشيرازي المتوفى 476 هـ 3 - طبقات ابن الصلاح ت 643 هـ 4 - طبقات السبكي المتوفى 771 هـ 5 - طبقات الإسنوي المتوفى سنة 772 هـ 6 - طبقات ابن كثير 1 776 هـ 7 - طبقات ابن قاضي شهبة 851 هـ 8 - طبقات ابن هداية الله ت 1014 هـ فلم نجد أحداً من هؤلاء يُعنَى بتمييز أصحاب الوجوه، وإثبات هذه الصفة لهم عناية النووي، ويبدو أن الاتفاق على حصر أصحاب الوجوه غير ممكن؛ فهذا يقتضي

نَخْل فقه كل واحد من هؤلاء، ومعرفة ما خرّجه من وجوه لم يُسبق بها.

ومع ذلك هناك اتفاق على عددٍ ليس بالقليل بأنهم

من أصحاب الوجوه

. الإمام النووي هو الأكثر عناية بهذا الشأن والذي تأكد لي بعد طول البحث والتقصي في المؤلفات التي تؤرخ للمذهب ورجاله، أن النووي كان أكثر عناية والتفاتاً إلى تمييز أصحاب الوجوه عن غيرهم، والنصِّ عليهم في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات).
والنووي هو أهل هذا الشأن؛ فجهده وجهاده في الفقه -مع الرافعي- هو تحرير المذهب، أي تنقيحه، وتحديد ما يصح أن ينسب إلى الشافعي، ويسمى مذهباً له، وتمييزه عن غيره من تخريجات، واجتهادات لمجتهدي المذهب على طول القرون التي سبقت عصره.
(وسيأتي مزيد إيضاح لهذه القضية).
ولذا كان حاضراً في ذهنه، ماثلاً أمام عينه منزلة أعلام المذهب وأئمته في هذا الشأن، فحيثما ذكر واحداً منهم ميزه من هذه الجهة، وقال: " من أصحاب الوجوه ". وهذا يؤكد ما قلناه من قبل: إن الإحاطة بجميع أصحاب الوجوه غير ميسورة، فالنووي لم يترجم في تهذيبه لجميع رجال المذهب، فهناك كثير من أصحاب الوجوه غير المذكورين في (تهذيب الأسماء واللغات).
وسنعرّف ببعض أصحاب الوجوه فيما يأتي: من أصحاب الوجوه سنعرّف في الصفحات الآتية بالمشهورين من أصحاب الوجوه ممن نصَّ عليهم النووي في تهذيبه، وابن كثير، وابن قاضي شهبة في طبقاتهما، وكذلك أحمد بك الحسيني، وابن سُميط العلوي، وسنقتصر على من له ذكر في كتابنا هذا (نهاية المطلب)، وسنرتبهم على تاريخ الوفاة الأسبق فالأسبق، فمنهم:

جارٍ التحميل