نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 205-247

هذه نماذج عفو الخاطر، وبادي الرأي، ولكنها كافية ناطقة بتكذيب هذه المقولة التي تزعم (العزلة بين القيادة السياسية والقيادية الفكرية).
إن العزل ولا أقول العزلة أو الإنعزال لم يكن إلا في القرنين الماضيين: القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين.
وهما فيما يزعمون عصر النهضة، لم يعزل العلماء والأئمة عن قيادة الأمة إلا في هذين القرنين، حين بدأ التغريب في الفكر والثقافة والقوانين... ولذلك حديث يطول.
ولكني أحببت أن أقول: إن انشغال إمام الحرمين بالسياسة الشرعية فكراً وتنظيراً، ثم ممارسة وعملاً إنما هو شأن كل أئمة الإسلام.
نجد هذا في ثنايا كتبهم، وفي طيات أقوالهم، وبين فتاويهم وخلال قضاياهم وأحكامهم.
كما نجده فيما أفرده طائفة كبيرة منهم من بحوث وكتب مستقلة في السياسة، لم تظفر بعدُ هذه الكتب بمن يعتني بها تحقيقاً وتعليقاً، وطبعاً ونشراً.
وكان من هذه الكتب كتاب إمام الحرمين: (غياث الأمم في التياث الظلم) المشهور بالغياثي وهو من أجلّ كتب الفكر السياسي الإسلامي، ولم يعرف وينشر إلا من نحو عشرين عاماً، وقدّر الله لنا شرفَ القيام بهذا العمل.
لقد عرف الدارسون والباحثون كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي وشغلوا به منذ قرنٍ تقريباً.
والسبب في ذلك هو انشغال المستشرقين به، حيث نشروه وترجموه، وكأننا لا نعرف قيمة علمائنا ولا نعترف بهم إلا إذا نوّه بهم المستشرقون!!، على حين يرى إمام الحرمين - في نقده للأحكام السلطانية.. أنه ليس خالصاً للسياسة الشرعية.
وما زال المجال واسعاً أمام دراسة (الغياثي) والمقارنة بينه وبين (الأحكام السلطانية).
ولعلّ أحسن وأصدق تقييم لكتاب (الغياثي) ما كتبه العلامة المحقق المرحوم السيد أحمد صقر إذ قال: " يعتبر هذا الكتاب من أجلّ كتب إمام الحرمين قدراً من حيث الموضوع وطريقة العرض، ودقة الأداء، وهو كتاب فريد في بابه، لم

ينسج ناسج على منواله، ولم يخض خائض في تياره، قد تنوّق مؤلفه في رصفه، واتخذ الرمز والإشارة سبيلاً إلى التعبير عن مضمونه الخطير، واتخذ أبحاثه العلمية ذريعة إلى عرضه الأصيل من الكتاب... ثم تفضيل مؤلِّفه على علماء عصره، وأنه يفوقهم بالبحث العميق، والاستنتاج الدقيق، وفهم أسرار الشريعة على نحو لم يسبقه إليه سابق".
ثم قال: " وكتاب الغياثي هو الكتاب الذي فيه لُمَع وإشارات وتلويحات تكشف عن أخلاق كاتبه، وهو في أمسّ الحاجة إلى دراسة واعية متأنية، تضاف إلى الدراسة الجيدة التي كتبها عنه محققه " ا. هـ. وأقول: إن هذا الكتاب يحوي نظريات ومبادىء سياسية تشمل سياسة الدولة بجوانبها المختلفة: الرئاسة، والوزارة، والأمن، والثقافة، والجيش، والضرائب... إلخ.
وكل ذلك في حاجة إلى دراسة فاحصة متأنية من أهل الاختصاص في كل جانب من هذه الجوانب تستخرج مكنونه وتدرك سرّه، لنعرف قدره ومكانه في الفكر السياسي الإسلامي.
ثم يشهد لعناية الإمام بهذا الجانب، واهتمامه به، وقصده إليه، أنه كان يأخذ على الفقهاء عدم اعتنائهم به، فقد جاء في كتابه (نهاية المطلب) قوله "... والشريعة بحاجة إلى أحكام الإيالات، وليس للفقهاء اعتناءٌ بها " (11/ 378) وأحكام الإيالات هي أحكام السياسة الشرعية كما هو معروف.
5 - علم الكلام: هذا هو العلم الذي اشتهر به إمام الحرمين وعرف به أكثر من غيره من علومه، وحظي هذا الجانب بأكبر عناية، فنشرت كتبه في هذا الفن، واعتني بها مبكراً، قبل أن ينشر له كتاب آخر -حاشا الورقات في أصول الفقه- نشر الإرشاد في سنة 1938 م نشره (لوسيان) في باريس، ثم نشر في القاهرة سنة 1984 م، نشره الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، ثم علق عليه هلموت كلوبفر - القاهرة 1955 م.

ثم نشُرت العقيدة النظامية، نشرها العلامة محمد زاهد الكوثري سنة 1948 م، ثم أعيد نشرها سنة 1978 م. ثم نشُر الشامل سنة 1959 م في أنقره، نشره هلموت كلوبفر، ثم أعيد نشره سنة 1969 م نشره علي سامي النشار وآخرون.
ثم نشر لمع الأدلة وشفاء الغليل فيما وقع في التوراة والإنجيل من التحريف والتبديل سنة 1968 م نشرهما معاً في غلافٍ واحد الأب آلار ميشال بدار المشرق ببيروت.
ونشرت الدكتورة فوقية حسين محمود لمع الأدلة سنة 1965 م بالقاهرة وأعيد نشر الشفاء أيضاً سنة 1979 م. هكذا رأينا العناية مصروفة كلها إلى كتبه الكلامية نشراً وتحقيقاً، ولم ير شيء من كتبه الأصولية والفقهية النورَ إلا منذ سنة 1980 م، حيث خرج (البرهان في أصول الفقه) ثم خرج (الغياثي) و (التلخيص) و (المجتهدين) حتى وإن حُقَِّقت بعض هذه الكتب قبل ذلك مثل البرهان الذي انتهينا من تحقيقه سنة 1975 م، والغياثي الذي انتهينا منه سنة 1976 م، فلم تتيسر الطباعة والنشر إلا بعد هاتيك السنين.
وإذا كان هذا في جانب العناية بالكتب وتحقيقها، فقد كان كذلك في جانب الدراسات، والندوات، والمحاضرات، ففي نحو سنة 1946 م قدم الشيخ علي جبر أطروحته للدكتوراة بعنوان: (إمام الحرمين باني المدرسة الأشعرية الحديثة) إلى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
وفي سنة 1965 م نشرت الدكتورة فوقية حسين محمود بحثاً بعنوان (الجويني إمام الحرمين) كان عمدته وخلاصته التعريف بمنزلة الإمام في علم الكلام، وما تميز به وجدد فيه.
وكذلك كانت الدراسات في مقدمة كتبه الكلامية تنحو هذا المنحى، سواء ما كتبه الدكتور محمد يوسف موسى، أو الدكتور علي سامي النشار، أو المستشرق هلموت كلويفر، أو الأب ميشال آلار، أو غيرهم.
ثم قُدمت أطروحة بعنوان (منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة) إلى كلية الدعوة

وأصول الدين بجامعة أم القرى للدكتور أحمد بن عبد اللطيف.
هذا هو مكانه في علم الكلام، وهذه هي مؤلفاته في هذا العلم -مع أنه لم يكن علمه الأول، كما أشرنا من قبل- وقد ذكر السبكي " أن المغاربة - حصل لهم بعض التحامل على الإمام، مع اعترافهم بعلوّ قدره، واقتصارهم -لا سيما في علم الكلام- على كتبه، ونهيهم عن كتب غيره " (1). هكذا اندفع إمام الحرمين يخوض تيار علم الكلام، مدافعاً عن دين الله ذاباً عن عقائد أهل السنة، يقمع أهل الزيغ والضلال والتعطيل، والتجبسيم والتمثيل.

موقف إمام الحرمين من علم الكلام

: إن المتتبع لآراء أئمة علم الكلام، كالأشعري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي وغيرهم، يجد أنه مع انشغالهم بعلم الكلام، وركوبهم سفائنه، وجدّهم واجتهادهم فيه، وتشقيقهم وتفصيلهم لقضاياه ومسائله، وتركهم المؤلفات المتعددة، التي تقرأ وتدرس للآن، يجدهم مع ذلك ينهَوْن عن علم الكلام، ويعلنون كراهيتهم للاشتغال به، ويدعون إلى منهج السلف في العقيدة يدعون إلى ذلك صراحة، لا رمزاً.
عرف هذا عن هؤلاء الأعلام، وكان التفسير الذي شاع لدى الدارسين والباحثين أن هذا تطورٌ في الرأي والفكر، فهم قد عادوا عن علم الكلام، ورجعوا عن منهجه، ونهَوْا عن التعلق به، وأكثروا الزراية عليه.
وكان هذا آخرَ ما استقر عليه رأيهم، هذا هو التفسير السائد المعروف لدى الباحثين والدارسين والعلماء المعاصرين.
ولكن يلوح لي أن المسألة ليست قضية تطور أو رجوع، وإنما دخل هؤلاء الأئمة ميدان علم الكلام، وهم على كره لذلك الأمر، فكانوا يخوضون فيه مضطرين، من أجل المنافحة عن دين الله ضد هؤلاء الذين لا يعرفون إلا هذه المناهج، وهذه القضايا التي أخذوها عن اليونان، فرأى هؤلاء الأئمة أن يُحسنوا هذه الطرائق،1

ويتعلموا هذه الأساليب، ليعرفوا كيف ينقضونها على رؤوس أصحابها، وليدفعوهم بنفس أسلحتهم، ويهدموا بناءهم بنفس طرائقهم.
فالأئمة -أو على الأقل إمام الحرمين فيما أقدِّر- كانوا دائماً على ذكر ووعي بأساليب القرآن، يدعون إليها ويرغبون فيها، ولكنهم في الوقت نفسه درسوا أساليب اليونان (علم الكلام) وتمرسوا بها، ليدفعوا بها شبه المبطلين.
والدليل على ذلك أن إمام الحرمين مبكراً في صدر حياته، نجد له لمعاً وإشارات، تسخر من علم الكلام والمتكلمين، في الوقت الذي كان مشتغلاً به أشد الاشتغال.
وقد أشرت من قبل إلى سخريته من المتكلمين وكراهيته لعلم الكلام في خطبة كتابه (الغياثي) وفي كتابه (البرهان).
والعقيدة النظامية التي قيل إنه رجع فيها إلى مذهب السلف متقدمة قطعاً عن الغياثي، وعن البرهان، فقد ذكر (النظامي) في خطبة الغياثي مصرحاً أن الغياثي جاء وفاءً بوعدٍ قطعه في (النظامي)، ثم هو ذكر الغياثي في البرهان.
فإذا كان النظامي -ومنه أخذت العقيدة النظامية- قد أهدي إلى نظام الملك، ذلك الوزير العالم ناصر السنة، الذي تولى الوزارة سنة 455 هـ، فمعنى ذلك أن إمام الحرمين قال ما قاله في العقيدة النظامية من دعوة صريحة إلى مذهب السلف قبل نحو 460 هـ أي قبل وفاة إمام الحرمين بنحو ثمانية عشر عاماً.
فإذا عرفنا أنه توفي رضي الله عنه عن تسع وخمسين سنة، وأنه لم يعرف له مؤلف قبل وفاة والده سنة 438 هـ، حين أُقعد للتدريس مكانه، وعُد ذلك من نوادر النبوغ المبكر، إذاً تقع العقيدة النظامية في منتصف عمره العلمي - إن صح هذا التعبير، وليس في أواخر أيامه.
وقد يفصل في هذه القضية ويقطع كل شغب ما جاء في كتابنا هذا وهو من أواخر تآليفه حيث يوضح بما لا يدع مجالاً للتأويل نظرته إلى علم الكلام وأنه علم ضروري لقمع المبتدعة، ولو عاد الناس لصفو العقيدة ما كان لنا به حاجة، وهذا نصّ عبارته:

" ولو قيل: العلم المترجم بالكلام هل يُستلحق بفرائض الكفايات؟ قلنا: لو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الإسلام، لكنا نقول: لا يجب التشاغل بالكلام، وقد كنا ننتهي إلى النهي عن الاشتغال به، والآن قد ثارت الآراء، واضطربت الأهواء، ولا سبيل إلى ترك البدع، فلا ينتظم الإعراض عن الناس يتهالكون على الردى، فحق على طلبة العلم أن يُعِدّوا عتاد الدعوة إلى المسلك الحق والذريعة التامة إلى حل الشُّبه، ولما مسّت الحاجة إلى إثبات الحشر والنشر على المنكرين، وإلى الرد على عبدة الأصنام، [صار من فروض الكفايات الاحتواء] على صيغ الحجاج، وإبداء منهاجه.
ولا شك أن هذه الآراء الفاسدة لو بُلي الناس بها، لأقام الشرع حجاج الحق من منابعها.
فإذاً علم التوحيد من أهم ما يطلب في زماننا هذا، وإن استمكن الإنسان من ردّ الخلق إلى ما كانوا عليه أولاً، فهو المطلوب وهيهات، فهو أبعد من رجوع اللبن إلى الضرع في مستقر العادة " (نهاية المطلب: 17/ 417). وأتمنى أن يَنْهد أحد الباحثين لهذه المهمة، فيقرأ مؤلفات الإمام كلها قراءة متأنية ويحصي كل إشاراته إلى علم الكلام ونظرته إليه، كما يحصي كل إشاراته إلى منهج السلف ودعوته إليه، وأكاد أجزم بصحة قولي هذا: " لم يكن هناك ندم ولا رجوع، وإنما كان علم الكلام هو الأسنة التي لم يكن للمضطر حيلة إلا ركوبها ". والله أعلم... ... 6 - علم الحديث.
7 - علم اللغة والنحو.
8 - علوم الأدب والبلاغة.
9 - علم الحساب والجبر والمقابلة.
هذه من العلوم التي ضرب فيها إمام الحرمين بحظ وافر، عرفنا ذلك من ترجمته والفنون التي حذقها، وشيوخه في كلٍّ منها، كما رأينا أثرها في مصنفاته ومؤلفاته.

وإنما لم نفرد كلاً منها بحديثٍ لأمرين: أ- أنه لم يصنف فيها مؤلفات وكتباً.
ب- إيثاراً للإيجاز والاختصار.
ولكن الذي نريد أن نعود إليه ونبسط القول فيه هو علمه بالحديث، فقد ظُلم في هذا الجانب ظلماً بيناً 1، وقيل عنه: " إنه لا يُعتمد عليه في هذا الشأن " 2 وقيل عنه: " إنه كان لا يدري الحديث لا متناً ولا إسناداً كما يليق به " 3 وقيل عنه: "... كان قليل المعرفة بالآثار النبوية، ولعله لم يطالع الموطأ بحال، حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له علم بالصحيحين: البخاري، ومسلم، ولا سنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، لم يكن له بهذه السنن علمٌ أصلاً، فكيف بالموطأ ونحوه... وإنما كان عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني " 4...، وقيل عنه: " إنه عديم المراجعة لكتب الحديث المشهورة، فضلاً عن غيرها " 5. هذا فيض من غيض قيل في هذا الصدد.
ولقد تتبعت كثيراً، من هذه العبارات، وعايشت المؤلفات التي وردت فيها طويلاً، حتى أحسست روحَها، وشممت أنفاسَها، وسمعت حسّها وجرسَها، مثلما وزنتُ هذه الأقوال وراجعت دليلها وحجتها، فتأكد لي أن مصدر هذا أمران: أحدهما: أن بعض القائلين ينقل عن بعض، حتى يفشو الكلام، ويصبح بالتكرار والاستفاضة من المسلمات والبديهيات التي لا تحتاج إلى دليل.
الثاني: أن بعضاً آخر من أصحاب هذه الأقوال عنده نوع تحامل على إمام الحرمين، يبعث على ذلك التحامل اختلافٌ في المذهب، والمنهج، وبخاصة في المذهب الكلامي.

وقد تجمع لي قدرٌ صالح من الأدلة القاطعة التي تنفي هذا الكلام، وترد هذا الاتهام، وتثبت علم الإمام بالحديث رواية ودراية، وإن كنا لا نطمع أن نثبت أنه من الحفاظ المحدّثين، ولا هو ادعى لنفسه ذلك، رضي الله عنه.
وحين يتم هذا البحث -إن شاء الله- بالمنهج العلمي السليم والأدلة الموثقة، سنرى أن هذه المسلمة -عدم علم إمام الحرمين بالحديث- مثل كثير من المسلمات في حياتنا الفكرية والثقافية في حاجة إلى مراجعة علمية، تقوم على دراسة نصوص أئمتنا وقراءتها، واستخراج الأحكام عليهم من واقع أعمالهم، لا من قول بعضهم في بعض.
ونسأل الله أن يعيننا على إخراج هذا البحث قريباً.
...

ثانياً: كتبه آثاره:

لم تقف جهود الإمام في سبيل الدفاع عن الدين والسنة عند مناظراته ودروسه، ومواعظه وخطبه، بل خلّف مصنفات كثيرة في معارف متنوعة: شملت الكلام، وأصول الفقه، والخلاف، والجدل، والفقه، والتفسير، والخطب والمواعظ.
وقد بلغت هذه المؤلفات من التنوع والكثرة حداً جعل السبكي 1 يستدل بها على وجود الكرامات، حُسبت أعداد الأوراق التي احتوت عليها كتبه ومؤلفاته، وقسمت على أيام عمره وساعاته، مع ما كان يلقيه من الدروس، ويحضره من مجالس التذكير، فوجد أن عمره لا يفي بذلك!! وقد بلغ عدد ما تحققنا من نسبته إليه أكثر من أربعين عنواناً، ومنها ما هو موجود ومنها ما هو مفقود، وقد أفردنا لذلك فصلاً في كتابنا (إمام الحرمين: حياته وعصره-آثاره وفكره) كما أشرنا إلى كثير منها أثناء حديثنا عن علومه، ونكتفي الآن بسرد أشهرها سرداً مجرداً، فمنها: في علوم أصول الفقه: التلخيص، والبرهان، والتحفة، والورقات.

في علم الفقه: نهاية المطلب في دراية المذهب، ومختصر النهاية، والرسالة النظامية في الأركان الإسلامية.
في علم الخلاف والجدل: الأساليب، والغنية، غنية المسترشدين 1، والعُمد، والدرة المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية، والكافية في الجدل.
في السياسة الشرعية: الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم).
في علم الكلام: الشامل، والإرشاد، واللمع، وشفاء الغليل، والعقيدة النظامية، وقصيدة على غرار قصيدة ابن سينا في النفس، لم يذكرها أحد ممّن ترجموا له، ولكنها وقعت لنا في غير مظانها، أثناء بحثنا عن مؤلفات الإمام في مكتبات العالم، وله أيضاً مسائل الإمام عبد الحق الصقلي وأجوبتها 2. وله كتاب (في التكفير والتبرؤ) هكذا قال: " لنا مجموع في التكفير والتبرؤ فليتأمله طالبه " 3 ولكن لم نعرف عنوانه.
ولا موضوعه، وإن كان بعلم الكلام أشبه.
كتاب في النفس: قال عنه في العقيدة النظامية 4: " إنه يقع في نحو ألف ورقة " ولسنا ندري عنوانه ولا حقيقة موضوعه.
تفسير القرآن الكريم: ذكره السيوطي في مقدمة الإتقان: (1/ 21) 5،

وحاجي خليفة في كشف الظنون (1/ 443) وطاش كبري زاده في مفتاح السعادة (2/ 110) ...

ثالثاً: منهجه في مؤلفاته:

من الطبيعي أن تتنوع المناهج بحسب موضوع كل مؤلف، ولكننا نستطيع أن نشير إلى سمات عامة نجدها في كل مؤلفاته، منها: 1 - الاقتصار على الجديد، وعدم الاكتفاء بحكاية كلام السابقين، وترداد مذاهبهم بدون إضافة أي جديد، أو استثمار ذلك في توليد معنى، أو ابتداع مبنى، فهو لا يدوّن في مصنفاته إلا الجديد الذي " لم يسبق إليه، ولم يزحم عليه " فإذا كان لا بد من حكاية أقوال السابقين، كان ذلك " في معرض التذرع إلى موضوعه، وفى إيجاز، وأحال كل شيء على محله وفنه ". ويصرح بذلك قائلاً: "... ولو ذهبت أذكر المقالات، وأستقصمها، وأنسبها إلى قائليها وأعزيها 1، لخفت خصلتين: إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي الأبية وتحتويها، وهي سرد فصول من كلام المتقدمين مقول، وهذا عندي يتنزل منزلة الاختزال والانتحال، والتشبع بعلوم الأوائل، والإغارة على مصنفات الأفاضل" (الغياثي: فقرة 242). فانظر أيّ نفورٍ من هذا: اختزال -انتحال- إغارة.
ثم يرسم المنهج لمن يريد أن يؤلف، وهو يعني نفسَه، فيقول: " حق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفاً، وجمعاً وترصيفاً، أن يجعل مضمون كتابه أمراً لا يلفى في مجموع، وغرضاً لا يصادف في تصنيف ". 2 - تحديد الغرض والغاية التي يتغياها من كل مؤلّف، وبعبارة أخرى تحرير

المقصود وتخليصه مما يختلط به، جاء في مفتتح البرهان قوله: " حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم أن يحيط، بالمقصود منه، وبالموادّ التي يستمد منها ذلك الفن، وبحقيقته وحدّه إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحد، وإن عسر، فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم ". وهذا مجرد لمعة مما في مؤلفاته.
3 - تحديد معاني الألفاظ والمصطلحات التي تستخدم في مخاوضاته ومناقشاته، وعرضه لآرائه، يظهر هذا واضحاً في مقدمات كتبه: مثل الإرشاد، ولمع الأدلة، والبرهان، والكافية.
4 - عرض آراء المخالفين وأدلتهم كاملة بكل أمانة ووضوح، ثم مناقشتها ودفعها، وقد رأينا أثر هذا في تلميذه حجة الإسلام الغزالي، الذي قيل: إنه عرض آراء المتفلسفة قبل أن يبين (تهافتها) بأحسن مما عرضها بها أصحابها.
5 - التحرر من كل فكرة سابقة قبل البحث، وعدم التعصب لمذهبٍ بعينه، اسمعه يقول: " وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها، ويقضي العجب منها، ويتنبه لسبب اختلاف الآراء فيها، وبجعل جزاءنا منه دعوة بخير " 1. وأوضح من هذا قوله: "... وحقنا أن نُحكِّم الأصول فيما نأتي ونذر، ولا نخرج بمسلك الحقائق ذباً عن مذهب " 2. 6 - الدقة في الترتيب والتقسيم والتبويب، حتى تجد المسائل يأخذ بعضها بحُجز بعض، ويترتبه بعضها على بعض في تسلسل منطقي بديع، يعمد إلى ذلك عمداً، وينبه إليه في ثنايا كتابه من آن لآخر، مثل قوله: " ونحن الآن نجدد العهد بترتيب يشمل على ما مضى من الكتاب، وعلى ما سيأتي منه، حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب أبواب الكتاب، فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم القطعية " 3

هكذا.
يجدد العهد بالترتيب، لأنه من أظهر الأعوان على درك مضمون الكتاب.
وهذا الاهتمام بالترتيب والتبويب رأيناه أيضاً عند تلميذه حجة الإسلام الغزالي غايةً في الوضوح، والدقة، حتى تفوق فيه على شيخه.
7 - التمييز بين المظنون والمقطوع، وبين ما يكفي فيه غلبة الظن، وما لا بد فيه من القطع، ويعلن أن منشأ الاختلاف في الرأي، وأن الزلل والخطأ في الفكر هو الخلط بين المقطوع والمظنون، ولذا نراه يقدم بين يدي كل قضية يعرضها، التمييزَ بين القطعيات والظنيات، فيقول عن " الخبط والتخليط والإفراط والتفريط " في قضايا الإمامة: " والسبب الظاهر في ذلك، أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن، ويمزجون عَقْدهم باتباع الهوى، ويمرحون في تعاليل النفوس والمنى ". ثم يقول: " ونحن بتوفيق الله نذكر معتبراً يتميز به موضع القطع من محل الظن " 1. ولا يفوته رضي الله عنه أن يؤكد قيمة هذا الأساس من أسس المنهج؛ فيقول: " ومن وفقه الله تعالى للوقوف على هذه الأسطر، واتخذها في المعْوِصات مآبه ومثابه، لم يعتَصْ عليه مُعضل، ولم يخْف عليه مشكل، وسرد المقصود على موجب الصواب بأجمعه، ووضع كل معلوم ومظنون في موضعه وموقعه " 2. ويقول في ختام أحد الفصول مؤكداً التزامه بهذا المنهج: " فقد نجز الفصل، مختوماً على التقدير بالمقطوع به في مقصوده، مثنى مما هو من فن المجتهدات، وقبيل المظنونات " 3. ولا يملّ من تأكيد هذا المعنى، والالتزام بهذا المنهج، فيقول في مفتتح الفصل الذى ختمه بالعبارة السابقة: " فنجري على الترتيب المقدّم والملتزم، ونبدأ بالمقطوع به " 4.

ولو ذهبنا نتتبع الإشارات والتأكيدات لضرورة الالتزام بهذا المنهج، لأعيانا الحصر والعد، وضاقت الأوراق، وكلّت الأقلام.
8 - الإيجاز والميل إلى الاقتصاد في غير مقصود الكتاب: هذه السمة من سمات المنهج كالتي قبلها، لم نصل إليها بالملاحظة والاستقراء لمؤلفاته وآثاره فحسب، ولكنه يعلن عنها صراحة، ويؤكد التزامه بها بوضوح فيقول: "... على أني آتي فيها بالعجائب والآيات، وأشير بالمرامز إلى منتهى الغايات، وأوثر الأيجاز والتقليل، مع تحصيل شفاء الغليل، واختيار الإيجاز على التطويل، بعد وضوح ما عليه التعويل " 1. ويقول عندما يقتضيه الموضوع البسطَ والإطالة: " وعلى المنتهي إلى هذا الموضع أن يقبل في هذه الإطالة عذري، ويحسِّن أمري " هكذا يعتذر إلى قارئه حينما شعر أنه خالف منهجه في التزام الإيجاز، فيمهد عذره قائلاً: " فقد انجرّ الكلام إلى غائلة، ومعاصة هائلة، لا يدركها أولو الآراء الفائلة، والوجه عندي قبض الكلام فيما لا يتعلق بالمقصود والمرام، وبسطه على أبلغ وجه في التمام فيما يتعلق بأحكام الإمام، وفيها الاتساق والانتظام " 2. ويكرر هذا المعنى نفسَه قائلاً: " فالوجه البسط في مقصود الكتاب، وإيثار القبض فيما ليس من موضوعه، وإحالة الاستقصاء في كل شيء على محله وفنِّه " 3. هكذا حينما تُعوص المشكلة، وتغمض المسألة، لا يتردّد في البسط والتفصيل، أما عندما يتضح المقصود والمعمود، فيجب قبض الكلام وإيثار الإيجاز.
9 - تأصيل المسائل والقضايا: يعمل دائماً على تقديم أصل للمسألة ووضع ضابط لها، ثم يبدأ في مناقشات

الجزئيات والفرعيات في ضوء الأصل الذي أَصَّله.
فمن ذلك قوله عند افتتاح الفصل الخاص بالتعديل والجرح: " ونقدم على غرضنا أصلاً هو مرجوع الكتاب وأصل الباب " 1 وقوله في موضع سابق: " وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة، قكل تفصيل رجع إلى الأصل، فهو جارٍ على السييل المطلوب، وكل ما لم نجد مستنداً فيه، ومتعلقه تخييل ظن، فهو مُطرح " 2. 10 - التحري والتدقيق في النقل عن الأئمة السابقين: هذا مما يتبجح به بعض المعاصرين، ويسميه (التوثيق)، ويظنه من بدْع هذا العصر، ولكنه موجود أصيل في تراث أمتنا، وله مكانه ومكانته، وإمام الحرمين يضرب المثل في ذلك.
ويعلِّمنا إياه، فيقول: " وحكى القاضي عن العراقيين طريقة أخرى، لم أطلع عليها مع بحثي عنها ". فهو ينسب الطريقة (الرأي) إلى صاحبه، ثم يبين مصدره، وعمن أخذه، ثم يبحث عن صواب النقل حينما يتشكك في صدور هذا الرأي عن المنقول عنه، ويعلن أنه لم يطلع على هذا الرأي للعراقيين (المنقول عنهم) مع طول بحثه.
ثم يؤكد خطأ هذا الرأي عنده، فيقول: " ولا شك أن ما حكاه غلط " وهنا غاية الدقة في العبارة: " إن ما حكاه غلط " ولم يقل: أخطأ العراقيون؛ لأنه غير واثق من صحة النقل، فيقول بعد العبارة السابقة مباشرة: " لكني أخشى أن يكون الناقل غالطاً " وتشككه هذا ليس شيئاًً بالهوى والتشهي إنما هو مبني على معرفته بالمنقول عنه، وبحدود المسألة، وقيمة الرأي المنقول، ولذلك يقول: " فلا يستجيز المصير إلى ما حكاه عن العراقيين من أحاط بأطراف الكلام في أحكام هذه المعاملة " أي أن من عرف أطراف الكلام، أي الشادي المبتدىء لا يمكن عقلاً أن يصير إلى هذا الرأي ويقول به.
جاء هذا في (نهاية المطلب) عند الكلام عن إحدى مسائل القراض.

هذه أهم سمات وملامح منهج إمام الحرمين في مصنفاته بصفةٍ عامة وسنفرد فصلاً لملامح شخصيته وسمات منهجه في كتابه هذا بخاصة.
...

رابعاً: تلاميذه:

يظهر أثر إمام الحرمين رضي الله عنه في مجال آخر، حيث لمع اسمُه في تاريخ الفقه الإسلامي بصفته أستاذاً ومعلِّماً، وهذه منزلة لا تتاح لكل عالم، فقد يكون الرجل فقيهاً باحثاً يترك أعظمَ المؤلفات، ولكن لا يكون له في تربية الفقهاء وتخريج المتفقة شأن، ولم يكن إمام الحرمين من هؤلاء، فقد تولى التدريسَ وهو في نحو العشرين من عمره، فما إن استحصدت خبرته، ونضِجت معارفُه، وذاع صِيتُه، حتى صارت حلقته كعبة يشد إليها الرحال طالبو الفقه من أنحاء العالم الإسلامي، وحين تربع على عرش المدرسة النظامية بنيسابور التي بناها (نظام الملك) باسمه، صارت نظامية نيسابور ميدان بحث ومناظرة، تخرج فيها على يد إمام الحرمين من الأئمة ما تزدهي بهم نيسابور، ويزهو بهم الفقه الإسلامي إلى اليوم.
ولو رحنا نعد هؤلاء الأعلام الذين ذكرت الكتب أنهم تفقهوا بإمام الحرمين -وناهيك بمن لم تذكر- لطال بنا الكلام، ولاستعصى علينا الحصر والإحصاء، ألم يقولوا: إنهم كانوا عند وفاته نحو أربعمائة تلميذ، ولذلك يكفي أن نذكر منهم: حجة الإسلام الغزالي، والكيا الهراسي، والخَوافي 1، والباخرزي، وعبد الغافر الفارسي، وقالوا عنه: أورثته صحبة إمام الحرمين فناً من الفصاحة، وأكسبته إياه سهراً حُمد صباحُه.
ومنهم: الإمام أبو نصر، عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم القشيري.
ومنهم: هاشم بن علي بن إسحاق بن القاسم الأبيوردي، وغانم الموشيلي، وعبد الكريم بن محمد الدامغاني، وعبد الجبار بن محمد بن أبي صالح المؤذن،

وأبو عبد الله الفُراوي، وأبو المظفر الأبيوردي، وأبو الفضل الماهياني، وسعد بن عبد الرحمن الأستراباذي.
ومما يذكر في هذا المجال أن إمام الحرمين كان أستاذاً بصيراً بتلاميذه، يُحسن رعايَتهم ويشجعُهم، ويسعَد بنباهتهم ونبوغِهم، وقد وردت عنه كلماتٌ تدل على أستاذيةٍ ماهرة حاذقة، فقد كان الغزالي والكيا الهراسي والخَوافي أنداداً، وتناظروا يوما أمامه، فقال موازناً بينهم: " التحقيق للخَوافي، والجزئيات للغزالي، والبيان للكيا " وقال مرة أخرى: " الغزالي بحر مغدق، والكيا أسد محدق، والخَوافي نار تحرق " (1). ...

خامساً: أثره:

لقد كان إمام الحرمين رائداً مجدداً مجتهداً في أكثر من فن: في الفقه، في الأصول، في علم الخلاف والجدل، في السياسة الشرعية، في علم الكلام، كان له الأثر والريادة والقيادة بما جدد واجتهد، في هذه الفنون التي تحدثنا عنها، وعن دوره فيها آنفا، وكان له الأثر بما خلّف من مؤلفات ظلت تحمل علمه وفكره على كرّ العصور والدهور، وكانت زاداً، ومرجعاً، وموئلاً لمن جاء بعده، واقتفى أثره، رأينا أثر هذه المؤلفات، في آثار كثير من الأئمة، وبخاصة أنجب تلاميذه حجة الإسلام الغزالي، فمؤلفاته تحمل فكر شيخه وعلم إمامه، وأحياناً بألفاظ إمامه وعباراته نفسها.
ولقد عقدنا الباب الرابع من كتابنا (فقه إمام الحرمين-خصائصه-أثره ومنزلته) بعنوان (منزلة إمام الحرمين) وجاء في نحو مائة صفحة، فلتراجعه إن شئت، ولا داعي للتكرار والإعادة هنا.
...1

الفصل الرابع تعريف بنهاية المطلب، ومنزلته بين كتب المذهب

تعريفٌ بنهاية المطلب ومنزلته بين كتب المذهب

تمهيد

لما استوى علم الفقه على سوقه، واستقامت مناهج الأئمة، ودوّنت المذاهب المتبوعة، وصار لكل إمام تلاميذ ورواة يحملون علمه، ويروون نصوصه، انتشرت هذه النصوص، وصار الفقهاءُ أتباعُ كل إمام يلتزمون نصوصه، ويجعلونها أساس استنباطهم وبحثهم، وموضعَ تفصيلهم وتفريعهم.
وكان مختصر المزني الذي جمع نصوص الشافعي من أوفر الكتب حظَّاً وقبولاً لدى علماء الشافعية وأئمة المذهب، فقد شرحه منذ فجر التأليف في المذهب جمعٌ من الأئمة منهم: ابن سريج المتوفى 306 هـ أبو إسحاق المروزي المتوفى 340 هـ أبو علي الطبري المتوفى 350 هـ القاضي أبو حامد المرورُّوذي المتوفى 362 هـ القاضي أبو الحسن الجوري المتوفى بعد 300 هـ الشيخ أبو علي السنجي المتوفى 427 وقيل 430 هـ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني المتوفى 418 هـ القاضي أبو علي البندنيجي المتوفى 425 هـ القاضي أبو الطيب الطبري المتوفى 450 هـ

الشيخ أبو بكر الصيدلاني المتوفى 327 هـ قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي المتوفى 450 هـ وفي هذا المضمار جرى إمام الحرمين أيضاً، فنسج على منوال هؤلاء الأئمة، وشرح مختصر المزني بكتابنا هذا.
(نهاية المطلب في دراية المذهب) وننبه هنا أن المراد بالشرح ليس حل الألفاظ، وبيان غوامض التراكيب، وإنما الشرح الذي رأيناه -في الحاوي للماوردي، وفي النهاية لإمام الحرمين- هو جعل نصّ الشافعي أصلاً تُستنبط منه الأحكام، وحوله يدور التبويب والتفصيل، والمسائل والفروع.
ولذا وجدنا إمام الحرمين يقول في مقدمة (النهاية): " وسأجري على أبواب (المختصر) ومسائلها جهدي، ولا أعتني بالكلام على ألفاظ (السواد) 1، فقد تناهى في إيضاحها الأئمة الماضون، ولكني أنسب النصوص التي نقلها المزني إليه، وأتعرض لشرح مايتعلق بالفقه منها -إن شاء الله تعالى- وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ كريب منقاس، ذكرتُ ندوره وانقياسه... ". ... ولم يذع وينتشر من هذه الشروح -فيما نقدِّر- سوى اثنين: (الحاوي) للماوردي، و (نهاية المطلب) لإمام الحرمين، ولكن الذي كان له التأثير الأكبر، وصار عليه المعوّل، هو (نهاية المطلب)، فعنه ومنه وحده -تقريباً- كان أَخْذُ الأئمة واستمدادهم، بل شاع بينهم القول: " منذ صنف الإمام كتابه (نهاية المطلب) لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام " 2.

تحرير المذهب

: وبيان ذلك أن تحرير المذهب الشافعي انتهى إلى الإمامين: الرافعي، أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن الفضل، القزويني المتوفى 624 هـ، والإمام النووي، محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف المتوفى سنة 676 هـ فإليهما يرجع الفضل في تحرير المذهب وتنقيحه، وهما العمدة في معرفة ما هو من المذهب، وتمييزه مما ليس منه، فهما شيخا المذهب في لسان من بعدهما من طبقات المذهب، فحيث قيل: (الشيخان) فهما الرافعي والنووي، وإليهما ينتهي الاجتهاد؛ فالراجح ما رجحاه، والمَفْتِيُّ به ما اعتمداه؛ ولم يخرُج مَنْ بعدهما على قولهما، حتى شاع بين المتأخرين قول ابن حجر الهيتمي: "... ومن جوّز اعتماد المفتي ما يراه في كتابٍ فيه تفصيل لا بدّ منه -ودل عليه كلام النووي في المجموع 1 وغيره- وهو أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتمد شيء منها إلا بعد مزيد الفحص والتحرّي، حتى يغلب على الظن أنه المذهب، ولا يغتر بتتابع كتب متعددة على حكم واحد؛ فإن هذه الكثرة قد تنتهي إلى واحد: ألا ترى أن أصحاب القفال أو الشيخ أبي حامد مع كثرتهم لا يفرّعون ويؤصلون إلا على طريقته غالباً، وإن خالفت سائر الأصحاب، فتعين سبرُ كتبهم.
هذا كله في حكمٍ لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما -وإلا فالذي أطبق عليه محققو المتأخرين- ولم تزل مشايخنا يوصون به، وينقلونه عن مشايخهم، وهم عمن قبلهم، وهكذا -أن المعتمد ما اتفق عليه الشيخان الرافعي والنووي، فإن اختلفا، فالنووي، فإن وجد للرافعي ترجيح دونه فالرافعي-" ا. هـ بنصه 2. وهذا كلام واضح مُبينٌ دالٌّ على أن تحرير المذهب، وتمييز ما هو منه عما سواه انتهى إلى الإمامين الرافعي والنووي.

وإذا نظرنا إلى علمهما نجده -في جملته- يرجع إلى كلام الإمام، أي إلى كتابه " نهاية المطلب ". وبيان ذلك أن فقه إمام الحرمين في (نهاية المطلب) حازه تلميذه (الغزالي) في كتابه (البسيط)، ثم اختصره إلى (الوسيط) ثم اختصر الوسيط في مجلدٍ لطيف سماه (الوجيز) واشتغل الإمام الرافعي (بالوجيز)، فشرحه شرحين: مختصراً لم يسمّه، ومطوّلاً سماه (العزيز) واشتهر (بالشرح الكبير)، كما اختصر الوجيز في مختصرٍ سمّاه (المحرر) 1. ثم جاء الإمام النووي فاختصر الشرح الكبير في كتابه (روضة الطالبين)، كما اختصر المحرر إلى (المنهاج).
وبعد الإمامين الرافعي والنووي بدأ طور الاستقرار في المذهب، وكان فقههما -ممثلاً في (روضة الطالبين) و (المنهاج) - هو المعتمد، وعليه المدار، فتتابع رجال المذهب على (الروضة) و (المنهاج) شرحاً، واختصاراً، ونظماً، وحواشي، ومضى الحال على ذلك قروناً، حتى استقر المذهب عند شيخي المتأخرين: ابن حجر الهيتمي (974 هـ)، والرملي (1004 هـ) الأول في (تحفته) والثاني في (نهايته)، وكلاهما شرح على (المنهاج) للنووي 2 وصار الاعتماد عليهما، ولا يفتى إلا بقولهما.
ويصور هذا التسلسل الدكتور محمد إبراهيم أحمد علي بقوله: "وهذا الاعتماد على كتب ابن حجر (يعني الهيتمي) والرملي ينبغي ألاّ يصرف نظر الباحث عن الحقيقة العلمية وراء ذلك، وهي أن كتب ابن حجر والرملي إنما هي حلقة في سلسلة ذهبية من كتب أكابر العلماء الشافعية، تمتد عبر القرون، حتى تصل إلى مؤسس المذهب (الإمام الشافعي): فالتحفة والنهاية كلاهما شرح لمنهاج الطالبين.
ومنهاج الطالبين مختصر النووي من المحرر.
والمحرر مختصر الرافعي من الوجيز.
والوجيز مختصر

من الوسيط.
والوسيط مختصر من البسيط والبسيط مختصر من (نهاية المطلب) ونهاية المطلب شرح لنصوص الشافعي التي جمعها (مختصر المزني) " (1). وتعبير ابن حجر الهيتمي -الذي تناقلته الكتب عنه- يوحي بأن " اشتغال الناس بكلام الإمام -منذ صنف (النهاية) - دون سواه " كان أمراً مقرراً شائعاً، ذائعاً، بالغاً: حدّ الاستفاضة، ولذلك لم ينسبه إلى أحد، ولم يروه عن راوٍ، كما هو نهج العلماء، وإنما قال: " وقولهم إنه منذ صنف الإمام كتابه (النهاية)... لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام " (2) فأنت تراه يقول: (وقولهم) هكذا، بدون تحديد القائل، وضمير الجمع هنا عائد على علماء الشافعية وأئمتهم، كأنهم تكلموا بذلك جميعاً، واتفقوا عليه.
...

نهاية المطلب وتحرير المذهب

: ولعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا: (إن نهاية المطلب) كانت الخطوة الأولى المبكرة في تحرير المذهب، قبل الرافعي والنووي، يشهد لذلك ما يأتي: قولُ الإمام في خطبته: "... وأبتهل إليه سبحانه في تيسير ما هممت بافتتاحه من تهذيب مذهب الإمام المطَّلبي الشافعي رضي الله عنه، يحوي تقريرَ القواعد وتحريرَ الضوابط، والمعاقد في تعليل الأصول، وتبيين مآخذ الفروع، وترتيب المفصّل منها والمجموع" فهو يؤكد أن عمله هذا تهذيبٌ لمذهب الإمام، وتقرير للقواعد.
ثم زاد هذا الأمر إيضاحاً، فقال: "وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجه غريب منقاس ذكرتُ ندورَه وانقياسه، وإن انضمَّ إلى ندوره ضعف القياس، نبهت عليه بأن أذكر الصواب قائلاً: "المذهب كذا" فهو يذكر خلاف الأصحاب، والوجوه المعتمدة في المذهب، منبهاً إلى ما يخرج بندوره وضعف قياسه عن المذهب.12

ثم تابع التأكيد لهذا المنهج قائلاً: " وإن جرت مسألة لم يبلغني فيها مذهب الأئمة، خرّجتها على القواعد، وذكرت مسالك الاحتمال فيها على مبلغ علمي وفهمي ". فهو يؤكد أن المسائل التي لا يجد فيها حكماً لأئمة المذهب سيخرّجها على (القواعد) أي قواعد المذهب.
ويشهد لما نحاوله -من إثبات أن هذا الكتاب كان أسبقَ في تحرير المذهب- الاسمُ الذي اختاره له الإمام (نهاية المطلب في دراية المذهب)، فهو اسم معمودٌ مقصودٌ لأداء معنىً وتحقيق غاية، صرح بذلك الإمام قائلاً: " وقد استقرّ رأي على تلقيبه بما يشعر بمضمونه، فليشتهر بـ (نهاية المطلب في دراية المذهب) فمضمونه: (علم المذهب درايةً).
... ثم من يطالع (النهاية) يجد الإمامَ التزمَ بما وعد به من (تهذيب مذهب الإمام المطلبي) فحينما ينقل وجوه الأصحاب، ويكون فيها ما لا يمكن تخريجه على أصول الشافعي ينبه على ذلك، ويميز ما ليس من المذهب عما هو منه، بل قد ينقدح عنده هو وجهٌ يخالف المذهب، فيعرضه، ويقرره، ولكنه يقول معقباً: " والمذهب كذا ". وهاك بعض نماذج وأمثلة مما جاء في (النهاية): قال في كتاب الزكاة عند الحديث عن زكاة الحلي: " وهذا الذي ذكرته إشكال ابتديته، وليس قاعدةً للمذهب، فحقٌ على من يعتني بجمع المذهب أن يعتمد ما يصح نقله، ويستعمل فكره في تعليله جهده، حتى يكون نظره تبعاً لمنقوله، فأما أن يستتبع المذهَب، فهذا قصد لوضع مذهب " ا. هـ بنصه.
فهو يضع الضابط لتحرير المذهب، وهذا الضابط يقوم أولاً على التأكد من صحة النص المنقول عن الإمام الشافعي، وثانياً أن يكون الجهد في التخريج والتعليل والاستنباط (تبعاً لمنقوله) أي ملتزماً به، أما أن يجعل المذهب تابعاً لاجتهاده، وتعليله، " فهذا قصدٌ لوضع مذهب " أي ابتداع مذهب غير المذهب الشافعي، هذا منهجه في نهاية المطلب.

ولكنه مع هذا لا يمنع من إبداء وجوه الاحتمال والإشكال، فيصرح بذلك قائلاً بعد هذا مباشرة: " نعم بعد النقل يحسن إبداء الإشكال، وذكر وجوه الاحتمال في الرأي، لا ليُعتقد مذهباً، ولكن لينتفع الناظر فيها بالتدرب في مسالك الفقه " ا. هـ بنصه.
فهو إن عرض في كتابه لوجوهٍ من الاحتمال والإشكال، فذلك للتدرّب في مسالك الفقه، لا أن تُعتقد مذهباً.
وعندما تعرض لعلة الربا في الأصناف الستة وأشار إلى طرفٍ من الخلاف، تجده يكف نفسه عن الاسترسال في ذلك قائلاً: " ولا يليق التعرّض للاختلاف بهذا الكتاب المقصور على بيان مذهب الشافعي وأصحابه، فالوجه الاقتصار على هذا المذهب " ا. هـ وفي كتاب الغصب في مسألة إيجاب المثل مع اختلاف الأمكنة وأثره في ذلك، كمن غصب ماءً من مسافرٍ في صحراء، تجده يقول: " وحكينا عن شيخنا إيجاب المثل مع اختلاف الأمكنة من غير تفصيل.
وهذا منقاس، لكني لست أثق به؛ فإني لم أره في شيء من الطرق، وسبيلي فيما أنفرد بنقله إذا لم أجده في عين طريقة أن أتوقف، ولا أخلي الكتاب عن ذكره " ا. هـ. فهو أولاً يردّ قولَ والده، ثم يعلق أنه لا يثق بنقله، مع أنه يعترف بأنه منقاس، وذلك تطبيق للضابط الذي ذكرناه سابقاً، فهو لا يلتزم إلا باعتماد ما رآه في عين طريقة، أي من طرق نقل المذهب، فلا ينسب إلى المذهب إلا ما يتحقق نقله، (فالمذهب نقلٌ)، أما ما لم يتحقق نقله، فهو لا يخلي الكتاب عن ذكره، ولكنه لا يعدّه من المذهب.
وإذا كان المنقول ظاهر الشذوذ والبعد عن المذهب، لا يتردد في دفعه، ولو كان عن والده، ويحمل ذلك على خطأ الناقل أو المستمع، جاء في كتاب الزكاة عند الكلام عن أخذ المعيبة في الزكاة قوله: " وما حكيته عن شيخي من التسوية بين الضحايا والزكاة في هذه العيوب غير معدود من المذهب، وإنما هفوة من الناقل، أو المستمع " ا. هـ.

وفي كتاب الصلاة عند الكلام عن اشتراط الطهارة في البدن يعرض لمسألة وصل العظم المنكسر بعظم نجس، فيقول: "... ولولا أن المذهب نقلٌ، وإلا لكان القياس، بل القواعد الكلية تقتضي أن أقول: لا يُنزع [أي العظم النجس] عند الخوف، وجهاً واحداً، ولا عند الاكتساء بالجلد، وحصول الستر والبطون، وكان لا يبقى احتمال إلا في صورةٍ، ألا وهي إذا أمكن الوصل بعظم طاهر، واعتمد الوصل بالنجس واعتدى، فهل ينزع والحالة هذه؟ الظاهر أنه لا ينزع مع الخوف، وفيه احتمال بسبب تفريطه، وتسببه إلى هذا... " ا. هـ. وهذا كلام مبين غاية البيَان، بالغٌ النهاية في إثبات ما نحاوله.
وفي كتاب الحجر قال عند الكلام على نفقة المحجور عليه بالإفلاس وزوجه وأقاربه الذين تلزم المفلس نفقتهم، قال: " وفي القلب من نفقة الأقارب مخالجة ظاهرة، ولكن المذهب نقلٌ، ونحن لا نذكر وجهاً إلا عن نقل صريح، أو أخْذٍ من رمز وفحوى في كلام الأصحاب، ولم أر فيما حكيته شيئاًً ". وكان قد ذكر قبل ذلك بسطورٍ ما نصه: " الحاكم قبل تفرقة مال المفلس ينفق عليه، وعلى من تلزمه نفقته من زوجاته وأقاربه الذين يستحقون إنفاقه عليهم.... " ثم قال: "وكان لا يمتنع أن يُلحَقَ في حقوقهم بالفقير الذي لا مال له، ولكن أجمع الأصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب بما نقلناه" ا. هـ فهو نقل إجماع الأصحاب على النفقة على الأقارب، ولكنه في صدره منه شيء، فلم ير نقلاً صريحاً، ولا مرامز إلى شيء من هذا.
ويعرض صوراً لما يقطع القدوة في صلاة الجماعة وما لا يقطعها، وفي إحداها يميل إلى ما يخالف المذهب، أو بالتحديد يرى احتمالاً آخراً مقابلاً للمذهب، فيعبر عن ذلك قائلاً: "فلو قيل: ينقطع حكم القدوة، لم يكن بعيداً عن القياس، ولكن لم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب، والمذهب نقلٌ، وأنا لا أعتمد قط احتمالاً إلا إذا

وجدت رمزاً وتشبيباً لبعض النقلة، فإذا وضح ذلك، عدنا إلى البناء على ما هو المذهب" ا. هـ ثم نراه في هذا الكتاب لا يُعنى بذكر الخلاف المذهبي، وحيثما تطرّق الكلام إلى مسألة خلافية أحال على (مجموعاته-أي كتبه-في الخلاف)، وإذا ذكر المذهبَ المخالف في مسألة -وما أكثر ما فعل- فهو لا يذكر الخلاف لذاته، فليس هذا معمودَه ولا مقصوده، وإنما الكتاب موضوع لبيان مذهبنا وحفظه وتأصيله، نبه على ذلك مراراً بأجلى بيان، من مثل قوله في باب نكاح المشركات تعقيباً على إحدى المسائل: " ونذكر أصول مذهب أبي حنيفة، والغرض من ذكرها أن يكون تقييداً لمذهبنا في الحفظ؛ فإن الشيء قد يحفظ بذكر ضده " ا. هـ ومن عنايته بتحرير المذهب أنه يكرر الضابط الذي وضعه لتحرير المذهب، وأشرنا إليه قبلاً، بنفس الألفاظ تقريباً، فيقول: " وحق من يريد الاعتناء بالمذهب أن يفهم ما قيل، ويتثبت في النقل، ثم يحيط بالمشكلات، ويستمسك بها في نصرة قولٍ على قول " ا. هـ (قال هذا في كتاب النكاح في مسألة ما إذا أصدق نسوة في عقد واحد صداقاً واحداً).
هكذا: الفهم لما قيل.
التثبت في النقل الإحاطة بالمشكلات في التفريع.
الاستمساك بها في نصرة قولٍ على قولٍ.
فملاك الأمر -كما ترى- قولُ إمام المذهب، ونصوصُه، والتثبتُ من صحة النقل وحسنُ الفهم لها، والتفريعُ عليها، وقد تؤدي المشكلات التي تظهر في التفريع إلى نصرة قولٍ على قول، وترجح صحة نقله.
ولأنه التزم بيان المذهب وتحريره، فهو يورد الوجوه كلها، قويها وضعيفها، ويبذل أقصى الإمكان في توجيهها، عبّر عن ذلك مراراً، من مثل قوله في كتاب

الطهارة: " ومما يجب الاعتناء به أن الوجه البالغ في الضعف -إذا كان مشهوراً- فيتعين ذكر متعلّق له على حسب الإمكان ". وقوله في كتاب الصلاة: " وإذا عسر عليّ في فصلٍ تخريج المذهب المنقول على قياسٍ أو ربطه بخبر، فأقصى ما أقدر عليه استيعاب وجه الإشكال، وإيضاح أقصى الإمكان في الجواب عن توجيه الاعتراضات " 1. ويصرح بأنه ملتزم بذكر المذهب والإحاطة به، فيعتذر عن ذكر الجليات التي قد يقول قائل: لا مجال لمثلها في مثل هذا الكتاب، فيقول: " ولكني أضطر إلى ذكر الجليات؛ إذ التزمت نظم مذهب جامع ". ومن هذا الباب أيضاً -أعني تأصيل المذهب وتحريره- فحصُه تخريجات المزني وقوله عنها: " والذي أراه أن يُلحق مذهب المزني في جميع المسائل بالمذهب؛ فإنه ما انحاز عن الشافعي في أصلٍ يتعلق الكلام فيه بقاطع، وإذا لم يفارق الشافعيَّ في أصوله، فتخريجاته خارجة على قاعدة إمامه، فإن كان لتخريج مُخرِّج التحاقٌ بالمذهب، فأَوْلاها تخريج المزني لعلو منصبه في الفقه، وتلقّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه، وإنما لم يُلحق الأصحابُ مذهبَه في هذه المسألة 2 بالمذهب، لأن من صيغة تخريجه أن يقول: قياس مذهب الشافعي كذا وكذا.
وإذا انفرد بمذهب، استعمل لفظة تشعر بانحيازه، وقد قال في هذه المسألة -لما حكى جواب الشافعي-: " ليس هذا عندي بشيء " واندفع في توجيه ما رآه " ا. هـ بنصه فهو يعرف للمزني حقه، ويقر بعلوّ منصبه، ويفضل تخريجاته التي التزم فيها أصول الشافعي على تخريجات غيره، ويجعلها الأَوْلى بالالتحاق بالمذهب، أما التي

لا يلتزم فيه أصول الشافعي، فهي ليست من المذهب، مع علوّ منصب صاحبها.
والذي نلفت النظر إليه تنبّه إمام الحرمين، وتنبيهه لصيغة المزني وعباراته، ومتى تدل على التزامٍ بأصول المذهب، ومتى تدل على الخروج عليها.
وقد نرى للإمام في كتابه هذا اجتهاداً يخالف فيه المذهب، أو يزيده وجهاً، ولكنه يحرص دائماً على أن يميزه عن المذهب بتعبيرٍ واضح، لا احتمال فيه، من مثل قوله: " كنت أودّ لو قال قائل من أئمة المذهب بكذا ". بل قد يختار مذهباً مخالفاً، ويعلل لاختياره، ويستدلّ له، ولكنه دائماً يميز اختياره عن المذهب، مثال ذلك: حينما يعرض لرأي الشافعي في الزكاة، وأنه لا يجوز إخراج البدل، وأن الزكاة تخرج من المال الذي تجب فيه الزكاة، فمن كان ماله ذهباً لا يخرج عنه فضة، وهكذا، نجده يشير إلى رأي مالك وقوله: بأن الوَرِق يجزىء عن الذهب، والذهب يجزىء عن الوَرِق، فنراه يعلن ميله لرأي مالك صراحة، فيقول: " وهذا فيه قرب ". ثم يعلل لرأي مالك ويوجهه، فيقول: " إن الماشية إن قدّرت نامية، واعتُقد فيها اختصاص، فلا اختصاص لأحد النقدين عن الثاني بشيء ". ومع هذا فالحرص واضح على عدم عدّ ذلك من المذهب.
ونكتفي بهذه النماذج -وما أكثرها في تضاعيف الكتاب- فهي كافية بالغة الدلالة، ونخوض في وجهٍ آخر يبين منزلة كتابنا هذا في بناء المذهب.
...

المذهب الكبير

: ويؤكد منزلة كتابنا هذا ومكانته في تحرير المذهب وبنائه أنه عُرف باسم (المذهب الكبير) وصار عَلَماً عليه، يشهد لذلك ما ذكره ابن الصلاح في (أدب الفتوى) قال: حدثني أحد المفتين بخراسان أيام مقامي بها عن بعض مشايخه، أن

الإمام

أحمد الخَوافي قال للغزالي في مسألةٍ أفتى فيها: لقد أخطأت، فقال الغزالي: من أين والمسألة ليست مسطورة؟

فقال الخَوافي: بلى، في (المذهب الكبير).
فقال الغزالي: ليست فيه.
قال ابن الصلاح: ولم تكن في الموضع الذي يليق بها، فأخرجها له الخوافي من موضعٍ أجراها فيه المصنف استشهاداً... الخ الحكاية".
ا. هـ وعقب على هذه الحكاية ابنُ الصلاح قائلاً: " والمذهب الكبير هو نهاية المطلب تأليف الشيخ أبي المعالي الجويني " (1). وجاء في مشكل الوسيط قول ابن الصلاح: " وقوله -أي الغزالي- " المذهب البسيط " عبارة خراسانية، ويسمون (نهاية المطلب) المذهب الكبير، أي كتاب (المذهب البسيط)، والله أعلم " (2) ا. هـ وقال السبكي في ترجمة عبد الجبار بن محمد الخُواري ت 536 هـ: " تفقه على إمام الحرمين، وعلَّق المذهب عليه وبرع فيه، وكان سريع القلم، نسخ بخطه (المذهب الكبير) للجويني أكثر من عشرين مرة، وكان يكتبه ويبيعه، قلتُ (السبكي): المذهب الكبير هو (نهاية المطلب) " (3) ا. هـ وشيوع هذا الاسم (المذهب الكبير) وتسمية (النهاية) به لا يحتاج إلى دليل أكثر من هذا، فهو شائع ذائع، يعرفه كل من له إلفٌ بأمهات كتب المذهب.
...

الإمام

: يطلق لقب (الإمام) مطلقاً بدون تقييد في كتب الشافعية، ويراد به إمام الحرمين، وهذا الإطلاق مبكرٌ جداً، فقد رأيناه عند البغوي المتوفى سنة 516 هـ، فهل لهذا الإطلاق علاقة بما قام به من تحرير المذهب في كتابه هذا (نهاية المطلب)؟؟ أكاد أجزم بهذا؛ فلم تكن هذه الألقاب تطلق هزلاً، وإذا كان لقب (الإمام) إذا123

أطلق عند رجال أي مذهب، فمعناه مؤسس المذهب، فلا شك أن إمام الحرمين ما صار (الإمام) بعد الإمام الشافعي إلا لأن كتابه صار معتمد المذهب ومرجوعه، فهذه (إمامته للمذهب).
وإطلاق هذا اللقب على إمام الحرمين من الشيوع بحيث لا يحتاج إلى إثبات وتدليل.
وقد كان شيوع هذا اللقب مبكراً جدّاً؛ فالبغوي المتوفى 516 هـ عن ثمانين عاماً -فقد ولد سنة 436 هـ- ويكاد يكون معاصراً لإمام الحرمين؛ فقد كانت سنُه فوق الأربعين يوم وفاته، وجدناه يقول في (شرح السنة) عند الكلام عن حديث: " مطل الغني ظلم ": "... قال الإمام: فيه دليل على أنه يجوز لصاحب الحق التشديد على المديون المليء بالقول" 1. وبلغ شيوع هذا اللقب حَدّاً صار به علماً على إمام الحرمين، فبين يديّ كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم المتوفى سنة 642 هـ، وقد ورد فيه ذكر إمام الحرمين، والنقل عنه والاستشهاد بكلامه نحو مائتي مرة معظمها بلفظ الإمام، على سبيل المثال جاء في ص 484: " قال الإمام: وهذا عندي خطأ... " وفي ذات الصفحة يقول: "قال الإمام: والمسألة محتملة مع ما ذكرناه" وفي الصفحة التالية 485 يقول: " قلت أنا: هذا الخلاف بين الإمام والصيدلاني " وفي ذات الصفحة يقول: " وظاهر فحوى كلام الإمام... " فهذه أربع مرات متتالية في صفحتين متتاليتين مما يشهد بأن ذلك اللقب صار (علماً) على إمام الحرمين.
ونجد ابن الصلاح المتوفى سنة 643 هـ -مع تحامله على إمام الحرمين لما بين المحدّثين والمتكلمين- في كتابه (مشكل الوسيط) جعل هذا اللقب (الإمام) علماً على إمام الحرمين، كرر ذلك في كتابه مراراً، في ثنايا تعقبه لمؤلف (الوسيط) أبي حامد الغزالي، وشيخه إمام الحرمين.
وكذلك نجد العلائي، خليل بن كيْكلدي المتوفى سنة 761 هـ يحكي في كتابه (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) كلام إمام الحرمين في تعريف الحديث

المرسل، ثم يعقب على ذلك قائلاً: " هذا كلام الإمام في البرهان " 1. وفي أول كتاب العلم -باب فضل العلم- من فتح الباري يطالعنا قول ابن حجر: " وقد أنكر ابن العربي في شرح الترمذي على من تصدّى لتعريف العلم، وقال: هو أَبْين من أن يبيّن " قلت: وهذه طريقة الغزالي وشيخه الإمام أن العلم لا يحد لوضوحه أو لعسره 2 " وفي (المنثور) 3 نجد قول الزركشي: "وقال الإمام في (الغياثي): أهم المطالب في الفقه التدزب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهو الذي يسمى فقه النفس" 4. وتجد الزركشي أيضاً في إعلام الساجد بأحكام المساجد يعرض لحكام الصلاة على سطح الكعبة والخلاف في ذلك، ويحكي رأي إمام الحرمين قائلاً: " وقال الإمام: لا شك أنه يجزئه في السطح 5 " وجاء مثل ذلك في مواضع أخرى، على سبيل المثال: ص 95، 99 6 ونجده كذلك في (خبايا الزوايا) يذكره بالإمام مطلقاً في مواضع كثيرة: (انظر مثلاً: ص 59، 85، 96، 159، 197 7).

أما شيخا المذهب الرافعي والنووي نجد هذا الإطلاق شائعاً في كتبهما، وبخاصة الشرح الكبير، والمجموع شرح المهذب، وروضة الطالبين، وبلغ شيوع هذا الإطلاق حدّاً لا يحتاج معه إلى إيراد نماذج، وذكر أمثلة، ومواضع وأرقام صفحات، فحيثما قلبت في هذه الكتب تجده أمامك.
وكذلك تجد هذا الإطلاق في مؤلفات السبكي التقيّ، والسبكي التاج.
كما تجد هذا أيضاً عند الخطيب الشربيني في الإقناع، وفي النهاية لولي الدين البصير، وتتابع على هذا أئمة الشافعية في كتبهم وشروحهم وحواشيهم.
وما ذكرناه مجرد أمثلة فقط.
فحيثما وجدت لقب (الإمام) مطلقاً -في كتب مَنْ بعد إمام الحرمين- فاعلم أنه إمام الحرمين، وحذارِ أن تظن أنه الإمام الشافعي.
ومن أوهام الخواصّ في هذا الباب أن مصحح روضة الطالبين 1 -على فضله- قرأ قول النووي: 1/ 215: " قلت لم يجزم الإمام بأنه يكون على ذلك الخلاف، بل قال: في هذا تردد عندي "، فظن خطأً أن هذا الإطلاق يعني أن المقصود هو الإمام الشافعي، وواضح أن مثل هذا لا يكون من كلام الشافعي، فراجَعَ الشرحَ الكبير الذي هو أصل الروضة، وراجعَ المجموع، فوجد العبارة فيهما منسوبةً لإمام الحرمين، فغيّر عبارة النووي حتى صارت: " لم يجزم إمام الحرمين... " وقال في الهامش: " في الأصل (الإمام) وقد صوّبتها من المجموع للنووي، والشرح الكبير للرافعي " ا. هـ. والواقع أنه خطّأ الصواب، وأتى مكانه بمرادافٍ؛ فالإمام هو إمام الحرمين بعينه.
وهذا الوهم إلى هنا أمره محتمل غير خطير، ولكن تُرى ماذا فعل المحقق الكريم بما رآه من عشرات المرات للفظ الإمام، ولم يجد تصريحاً في مصدرٍ آخر بأن = ومما يسجل هنا أن الزركشي كان دقيقاً في استعمال هذا اللقب، فقد رأيناه في كتبه الفقهية يطلق على إمام الحرمين لقب (الإمام) مطلقاً، وأما في البرهان في علوم القرآن فاحتاط للأمر فذكر إمام الحرمين في كل موضع ورد فيه بهذا الاسم (إمام الحرمين) أو يقول: الجويني.

المقصود إمام الحرمين؟!! هل فسرها بأنها الإمام الشافعي؟ أم بأي إمام؟ إن هذا الوهم وأمثاله لو لم يتدارك، لقلب الموازين، وغيّر وبدّل، وسمى الأشياء بغير أسمائها، وذلك لعمري خلل عظيم.

عُدنا للحديث عن منزلة الإمام.
ولعل من أعظم الأدلة على شيوع وذيوع هذا اللقب (الإمام) وإطلاقه على إمامنا أنه انتقل إلى لسان أئمة المذاهب المخالفة، وتردد في كتبهم، فقد وجدنا صاحب مسلّم الثبوت (ابن عبد الشكور) المتوفى 1119هـ -عند الحديث عن تعبد النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وهل كان متعبداً بشرعٍ، أو بغير شرع- يقول: " ونفاه المالكية، وجمهور المتكلمين: فالمعتزلة قالوا: التعبد بشرعٍ مستحيل، وأهل الحق: غير واقع، وعليه القاضي، وتوقف الإمام 1 والغزالي " 2. وعند الحديث عن تعدد العلة وتعليل الحكم بأكثر من علة، يقول: " والإمام قال: يجوز التعدد عقلاً ويمتنع شرعاً " 3. والأبلغ من ذلك دلالة أن يذيع تلقيب الإمام بهذا حتى ينتقل إلى لسان أئمة فنون أخرى غير الفقه والأصول، والعلوم الشرعية كلها، فنجده عند أئمة اللغة، وفي كتبهم، فها هو ابن هشام في كتابه الفذ (مغني اللبيب) عند الحديث عن (الواو) ومعانيها يقول: " ونقل (الإمام) في (البرهان) عن بعض الحنفية أن الواو للجمع " 4. ...

ولم يكن لقب (الإمام) وإطلاقه عليه بغير تقييد هو وحده الذي عظّم به الشافعية إمام الحرمين، فأنت واجدٌ في كتبهم تعظيم الإمام شائعاً بأكثر من لقب، سواء وافقوه أو خالفوه، ويكفي أن نشير إلى نموذج يسير من ذلك، فها هو النووي يحكي كلامه في مسألة من مسائل المياه، فيقول: "قال إمام الحرمين، وهو عمدة المذهب... " 1. وعندما يردّ قوله ويخالفه يقول: "ومن أظرف العجائب قول إمام الحرمين هذا مع علو مرتبته، ونفوذه في العلوم مطلقاً 2 ". فمع هذا الرّدّ لقول الإمام إلا أنه لم يسعه إلا الإقرار بعلوّ مرتبته، ونفوذه في العلوم مطلقاً.
أما السبكي، فيسميه: "لسان المذهب ولسان الشريعة"، ونص عبارته: " مسألة: اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه أن تَرْك الاستفصال في حكاية الأحوال، مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذا وإن لم أجده مسطوراً في نصوصه، فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي رضي الله عنه 3 ". ولم يكن هذا -أيضاً- عند علماء الشافعية وأئمتهم، بل رأيناه عند المخالفين، بل أشدهم خلافاً، فقد وجدنا ملا علي القاري، وهو أحد أقطاب الحنفية، وأحد مجددي القرن الحادي عشر، شيخ الإسلام ببلد الله الحرام، وجدناه وقد ألف رسالة في الرد على إمام الحرمين في كتابه (مغيث الخلق 4، قال في مقدّمة هذه الرسالة 5 عن إمام الحرمين: " لا شك أن مدار أصول الشافعية، وفروعهم عليه " فمع أن المقام مقام

تعصب مذهبي، وردٌ ومحاجة وخصومة، إلا أن منزلة إمام الحرمين لم تغب عن بال صاحب الرسالة، رضي الله عنه وعن إمامنا، وكل الأئمة الأبرار.
ومن أئمة المذهب المالكي نجد الإمام ابن العربي يسمي إمام الحرمين (رأس التحقيق)، ومن عجب أنه يقول هذا في ثنايا ردّه على الإمام واختلافه معه.
(انظر المسألة كاملة في أحكام القرآن: 1/ 374). ثم نذكِّر بأن حديثنا هذا هو حديث عن (النهاية) ومنزلتها، فالإمام إنما بلغ هذه المنزلة، واستحق هذه المكانة، وتحلّى بهذه الألقاب لكونه صاحب (النهاية)، ونقرّب ذلك بقولنا: إذا كانوا يقولون: إن الأسلوب هو الرجل، فلم لا نقول نحن هنا: " إن الكتاب هو الرجل ". ... ومن جانب آخر حفظت لنا (النهاية) نصوصاً أصيلة لأئمة كبار، لم تصل إلينا مؤلفاتهم للآن، وتعتبر في عداد المفقود الذي ضاع من تراث أمتتا، مثل مؤلفات ابن سُريج، وابن الحداد، وأبي علي السنجي، والقفال، وصاحب التقريب وغيرهم، احتفظت لنا (النهاية) بكثير من هذه النصوص، بل أهمها، أعني ما هو موضع المناقشة والاستشهاد، أو المخالفة والردّ من أقوال الأئمة الأعلام.
... بقي أن نعرض لقضية اتصال كتب الغزالي (بنهاية المطلب) وابتناؤها عليها، ومع أن ذلك معروف يتردد بوضوح في كتب المذهب الشافعي، ولا يحتاج منا إلى إثبات، ولكن الذي يدعونا إلى ذلك، أن علماً من أعلام الفقه في عصرنا، وهو من الأثبات الذين يعتد برأيهم، ويستمع لقولهم، ناقش في ذلك ذات يوم قائلاً: " إنه رجع إلى (وسيط الغزالي)، فلم يشعر بأن الغزالي يعتمد على إمام الحرمين، أو ينقل عنه ". ومن أجل ذلك نقول: إن مما يؤكد ذلك، ويشهد به أدلةٌ وشواهد، لا تقع تحت حصر وعدٍّ منها: إن ذلك شاع وذاع عن الغزالي حتى أُوخذ به، وعيب عليه، كما نقله طاش

كبري زاده، بعد أن ترجم له وعدّد مناقبه ومؤلفاته 1 - قال: " ومع هذا الفضل الغزير لم يسلم من قيل وقال، حتى خوطب بأنك ما عملت شيئاًً: أخذت الفقه من كلام شيخك، يعني إمام الحرمين في (نهاية المطلب) والتسمية لكتبك من الواحدي 2 " ا. هـ وبلغ من ذيوع ذلك القول أن الزركلي جزم به في الأعلام، فقال في ترجمة الواحدي، بعد أن عدد أسماء كتبه: " أخذ الغزالي هذه الأسماء وسمى بها تصانيفه ". وقد ذكر هذه العبارة الصفدي في الوافي، وزاد عليها: " ويقال: إن (نهاية المطلب) لإمام الحرمين، كانت زُبر حديد، فجعلها الغزالي زُبر خشب " 3. إن النووي في المجموع أكثر نقلاً عن (النهاية) وإمام الحرمين، وإذا ذكر الغزالي، أو كتابه البسيط، يذكره تبعاً لإمام الحرمين، ونهاية المطلب، وعباراته عن ذلك غالباً -بل دائماً- " اختاره الإمام، والغزالي في البسيط ". إن ابن الصلاح والنووي في تعقباتهما للغزالي -في مشكل الوسيط والتنقيح- يقولان -غالباً- وهذا أخذه عن شيخه في (النهاية) وكأنهما يورّكان بالخطأ على إمام الحرمين، ويحمّلانه خطأ الغزالي فيما تعقباه فيه.
ومما يشهد، بل يؤكد اختصار (البسيط) (للنهاية) ما قاله النووي في المجموع: 1/ 146، وسلك إمام الحرمين طريقاً جامعاً مبسوطاً في هذه المسألة، ثم " اختصره الغزالي في البسيط "، فقال:... وذكر عبارة الغزالي، وعند مقارنتها بعبارة النهاية وجدنا الاختصار واضحاً جلياً.
وأكثر دلالة، وأوضح عبارة قول ابن الصلاح، وهو يتعقب الغزالي في واحدة

من مسائل الوسيط: " وهذا مشكل غير مذكور في (البسيط) وأصله وهو (النهاية 1) ". وقوله في موضع آخر: " كذا وقع في (الوسيط) و (البسيط) وفي أصلهما (نهاية المطلب 2) " فهذا نصٌّ في القضية.
وتستطيع أن ترى هذا بعينك إذا وضعت (النهاية) و (البسيط) بين يديك، ونظرت المسألة الواحدة فيهما، فعلى سبيل المثال لو عرضنا مسألة من مسائل النذر، وهي قوله: " لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان ". لو عرضنا هذه المسألة بحروفها في نهاية المطلب، وكذلك بحروفها في (البسيط)، لوجدنا التأثر واضحاً تماماً، لا يحتاج إلى تعليق، فما قدم به الإمام للمسألة من تأصيل قدم به الغزالي بنفس الألفاظ تقريباً، ثم في عرض صور المسألة وتفريعاتها تجد الترتيب هو هو 3. وبعد أن كتبنا هذا، ورتبناه، حصلنا على صورة غير مبتورة للجزء الأول من مخطوط (البسيط)، فوجدنا الغزالي يقول في خطبة الكتاب: ".... وجعلته حاوياً لجميع الطرق، ومذاهب الفرق القديمة والجديدة، والأوجه القريبة والبعيدة، ومشتملاً على جميع ما اشتمل عليه مجموع إمامي إمام الحرمين أبي المعالي قدس الله روحه " وبهذا "قطعت جهيزة قول كل خطيب".
ومع كل ذلك نقول: إننا لا نريد أن نثبت أن الغزالي مجرد ناقلٍ لفقه إمام الحرمين -حاشاه-، فلم يأخذ النهاية عفواً صفواً، وكيف يصح هذا في عقل عاقل، والغزالي هو من هو، إن عمل الغزالي في إعادة صياغة (النهاية)، وترتيبه المسائل والفصول ترتيباً منطقياً، وبناء بعضها على بعض، ليس عملاً هيناً، بل يحتاج إلى عقلٍ

واعٍ وفكر ثاقب، وذهن متوقد، وقدرة على الإحاطة الشاملة الكاملة بالأبواب والفصول، وإدراك ضوابطها، ومعاقدها، ومفاصلها.
ثم إن الغزالي له مع ذلك زياداته، واختياراته.
فالقول بأنه اختصر (النهاية) في (البسيط) لا يقدح في منزلته، ولا ينال من علو منصبه، وارتفاع مرتبته.
... ونوجز ما قلناه عن منزلة النهاية ومكانتها فيما يأتي:

  • إن الإمام حدد الغاية التي يتغياها من تأليفها بقوله: إنه أرادها تهذيباً للمذهب، وسماها اسماً يشعر بمضمونها.
  • ثم التزم ذلك منهجا له على طول الكتاب، يذكِّر به، ويجدد العهد بالتزامه من حين لآخر.
  • وقد عرف رجال المذهب ذلك، فسمَّوْها (المذهب الكبير).
  • وبها عرفوا قدر مؤلفها، فسمَّوْه (الإمام) مطلقاً.
  • ثم قد حفظت لنا نصوصاً لأئمة كبار لم نعرف عنها شيئاًً للآن.
  • وعليها بنيت كتب المذهب، حتى استفاض بين أئمته القول: " منذ ألف الإمام كتابه (نهاية المطلب) لم يشتغل الناس بغير كلامه ".

الفصل الخامس

وفيه مبحثان.
المبحث الأول - من ملامح منهج إمام الحرمين وصفاته.
المبحث الثاني - أسلوب إمام الحرمين.

المبحث الأول: من ملامح منهج إمام الحرمين وصفاته على ضوء (نهاية المطلب)

لا بدّ من منهج جديد للحكم على المذاهب والرجال: نقدم بين يدي هذا الفصل من مقدمات النهاية دعوةً إلى منهج جديد للحكم على المذاهب والرجال، والتأريخ للعلوم، والفنون، والمذاهب.
هذا المنهج يجب أن يقوم على قراءة النصوص وتحليلها، ودراستها وفهمها، ولا نكتفي بنقل ما يقوله السابقون بعضهم في بعض، فلم يعد مقبولاً أن نردّد ما يقوله الأشاعرة عن المعتزلة، والمعتزلة عن الأشاعرة، ولا ما يقوله الشافعية عن الأحناف، والأحناف عن الشافعية مثلاً؛ فمعظم هذه أحكام مطلقة يردّدها لاحق عن سابق، حتى تصبح من كثرة الترداد، والتناقل حقائق ثابتة، ومسلمات بدهية، ومقدمات ضرورية؛ على حين لو قمنا بدراسة النصوص الأصلية لكل جماعة أو مذهب، لوجدنا أن كثيراً من هذه المسلّمات لا ثبات لها.
على سبيل المثال وجدنا معظم الأصوليين -في مبحث الحكم- يقولون: " لا حاكم إلا الله، خلافا للمعتزلة؛ فإنهم يحكمون العقل ". وعندما قمنا بتتبع نصوص المعتزلة في كتبهم الأصيلة لم نجد هذا صحيحاً بهذا الإطلاق، وإنما هذا قول المعتزلة قبل ورود الشرع، أما بعد ورود الشرع، فلا حكم إلا لله، ولا يوجد مسلم يقول بغير هذا.
وعلى ذلك تخرج هذه المسألة من علم أصول الفقه إلى علم أصول: الدين 1.

جارٍ التحميل