معرفة السنن والآثارصفحات 97-127

معرفة السنن والآثار

  • عَلَم: البيهقي، أبو بكر
  • الكتاب: معرفة السنن والآثار
  • المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)
  • المحقق: عبد المعطي أمين قلعجيالناشرون: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي - باكستان)، دار قتيبة (دمشق -بيروت)، دار الوعي (حلب - دمشق)، دار الوفاء (المنصورة - القاهرة)
  • الطبعة: الأولى، 1412هـ - 1991م
  • عدد الأجزاء: 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَهُوَ حَسْبِي وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ 1 - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّافِعِيُّ , بِقَرَاءَتِي عَلَيْهِ بِدِمِشْقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا

الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْخَوَارِيُّ بِقَرَاءَتِي عَلَيْهِ بِنَيْسَابُورَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ , قِرَاءَةً عَلَيْهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ الْمُطَّلِبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ

إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،

وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَعَثَهُ بِكِتَابٍ عَزِيزٍ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ

2 - فَهَدَى بِكِتَابِهِ ثُمَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة: النحل، آية رقم: 44].

3 - وَقَالَ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [سورة: النحل، آية رقم: 89]

4 - وَفَرَضَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [سورة: الأحزاب، آية رقم: 36].

5 - فَاعْلَمْ أَنَّ مَعْصِيَتَهُ فِي تَرْكِ أَمْرِهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعَهُ،

6 - ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ﴾ [سورة: الأنعام، آية رقم: 106].

7 - وَقَالَ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة: المائدة، آية رقم: 49].

8 - وَقَالَ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.

9 - وَقَالَ: وَلَيْسَ يُؤْمَرُ أَحَدٌ أَنْ يَحْكُمَ بِحَقٍّ إِلَّا وَقَدْ أُعْلِمَ الْحَقَّ، وَلَا يَكُونُ الْحَقُّ مَعْلُومًا إِلَّا عَنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً

10 - وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأَحَدٍ نَازِلَةٌ إِلَّا وَالْكِتَابُ يَدُلُّ عَلَيْهَا نَصًّا أَوْ جُمْلَةً،

11 - فَالنَّصُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَأَحَلَّ نَصًّا، حَرَّمَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُنَّ فِي الْآيَةِ، وَأَبَاحَ مَنْ سِوَاهُنَّ،

12 - وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالْفَوَاحِشَ مَا ظَهْرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ،

13 - وَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ فَقَالَ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة: المائدة، آية رقم: 6].

14 - فَكَانَ مُكْتَفِيًا بِالتَّنْزِيلِ فِي هَذَا عَنِ الِاسْتِدْلَالِ فِيمَا نَزَلَ فِيهِ مَعَ أَشْبَاهٍ لَهُ.

15 - قَالَ: وَالْجُمَلُ مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ الصَّلَاةُ، وَعَدَدُهَا، وَوَقْتُهَا، وَالْعَمَلُ فِيهَا، وَكَيْفَ الزَّكَاةُ وَفِي أَيِّ الْمَالِ هِيَ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ هِيَ، وَكَمْ قَدْرُهَا، وَبَيَّنَ كَيْفَ الْحَجُّ، وَالْعَمَلُ فِيهِ وَمَا يَدْخُلُ بِهِ فِيهِ وَمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْهُ،

16 - فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقَالُ لِهَذَا كَمَا قِيلَ لِلْأَوَّلِ قُبِلَ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ قِيلَ: نَعَمْ، قُبِلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِكَلَامِهِ جُمْلَةً، وَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّ اللَّهَ فَرَضَ طَاعَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة: الحشر، آية رقم: 7]، وَقَالَ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة: النساء، آية رقم: 80].
مَعَ مَا فَرَضَ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

17 - فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَحْيٍ؟ قِيلَ: اللَّهُ أَعْلَمُ

18 - قَالَ الشَّافِعَيُّ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، أَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عِنْدَهُ كِتَابًا مِنَ الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ، وَمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَدَقَةٍ وَعُقُولٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ.

19 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقِيلَ: لَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا بِوَحْيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمِنَ الْوَحْيِ مَا يُتْلَى، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَحْيًا إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْتَنُّ بِهِ

20 - قَالَ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ قَدْ أَلْقَى فِي رَوْعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»

21 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ قِيلَ مَا لَمْ يُتْلَ بِهِ قَرْآنًا فَإِنَّمَا أَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي رَوْعِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ وَحْيًا إِلَيْهِ،

22 - وَقَدْ قِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمَّا شَهِدَ لَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَنْ يَسُنَّ،

23 - وَأَيُّهُمَا كَانَ فَقَدْ أَلْزَمَهُ اللَّهُ خَلْقَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمُ الْخِيَرَةَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِيمَا سَنَّ وَفَرَضَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ.

24 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ حَدَّثَهُمْ قَالَ

: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: وَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دِينِهِ وَفَرْضِهِ وَكِتَابِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَبَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ عَلَمًا لِدِينِهِ بِمَا افْتَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ وَحَرَّمَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَبَانَ مِنْ فَضِيلَتِهِ بِمَا قَرَنَ مِنَ الْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ

25 - فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 171]،

26 - وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62]

27 - فَجَعَلَ كَمَالَ ابْتِدَاءِ الْإِيمَانِ الَّذِي مَا سِوَاهُ تَبَعٌ لَهُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ ثُمَّ بِرَسُولِهِ

28 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] قَالَ: لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ

29 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ وَحْيِهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] مَعَ آيٍ سِوَاهَا ذَكَرَ فِيهِنَّ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

30 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَذَكَرَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ

فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: الْحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

31 - وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]

32 - فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أُولُو الْأَمْرِ أُمَرَاءُ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَهَكَذَا أُخْبِرْنَا

33 - وَهُوَ يُشْبِهُ مَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ حَوْلَ مَكَّةَ فِي الْعَرَبِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ إِمَارَةً، وَكَانَتْ تَأْنَفُ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضُهَا بَعْضًا طَاعَةَ الْإِمَارَةِ، فَلَمَّا دَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطَّاعَةِ لَمْ تَكُنْ تَرَى ذَلِكَ يَصْلُحُ لِغَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُمِرُوا أَنْ يُطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا طَاعَةً مُطْلَقَةً، بَلْ طَاعَةً مُسْتَثْنَاةً فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
فَقَالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: 59] يَعْنِي إِنِ اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ، يَعْنِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - هُمْ وَأُمَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِطَاعَتِهِمْ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] يَعْنِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - إِلَى مَا قَالَ اللَّهُ وَالرَّسُولُ،

34 - ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ طَاعَةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاعَتُهُ فَقَالَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

.

35 - قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا بَلَغَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي أَرْضٍ فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لِلزُّبَيْرِ

36 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحَ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ»، قَالَ: فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ»، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]

أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،

37 - وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: وَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ كَانَ لَهُ فِيهِ سَعَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

38 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا الْقَضَاءُ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ

،

39 - وَاحْتَجَّ أَيْضًا فِي فَرْضِ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]

40 - وَذَكَرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَاتُ

41 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: وَكَانَ فَرْضُهُ عَلَى مَنْ عَايَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاحِدًا فِي أَنَّ عَلَى كُلٍّ طَاعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ غَابَ عَنْ رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِالْخَبَرِ عَنْهُ،

42 - قَالَ: وَالْخَبَرُ عَنْهُ خَبَرَانِ: خَبَرُ عَامَّةٍ عَنْ عَامَّةٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُمَلِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَأْتُوا بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَيُؤْتُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا مَا لَا يُسَعُ جَهْلُهُ.
وَخَبَرُ خَاصَّةٍ فِي خَاصِّ الْأَحْكَامِ لَمْ تُكَلَّفْهُ الْعَامَّةُ، وَلَمْ يَأْتِ أَكْثَرُهُ كَمَا جَاءَ الْأَوَّلُ، وَكُلِّفَ عِلْمَ ذَلِكَ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ لِلْقِيَامِ بِهِ دُونَ الْعَامَّةِ، وَسَاقَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

الْحُجَّةُ فِي تَثْبِيتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ

43 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ لِي قَائِلٌ: اذْكُرِ الْحُجَّةَ فِي تَثْبِيتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِنَصِّ خَبَرٍ أَوْ دِلَالَةٍ فِيهِ أَوْ إِجْمَاعٍ

44 - قُلْتُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَائِهِمْ "

45 - قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اسْتِمَاعِ مَقَالَتِهِ وَحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا امْرَأً يُؤَدِّيهَا، وَالِامْرُؤُ وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ إِلَّا مَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهِ عَلَى مَنْ أُدِّيَ إِلَيْهِ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ،

46 - قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ رَوَاهُ هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَالَ فِيهِ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ».

47 - وَبِمَعْنَاهُ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

،

48 - وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: «أَلَا لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغَهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ»،

49 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْكُمْ»

50 - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ فِي آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا أَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ

أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ "

51 - قَالَ سُفْيَانُ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ مُرْسَلًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ

52 - قالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي هَذَا تَثْبِيتُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْلَامِهِمْ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ نَصَّ حُكْمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

53 - قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَسْتَلْقِي عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ حَلَالًا فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ حَرَامًا فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ أَكْلُ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ، وَلَا ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ

54 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ النَّاسُ مُسْتَقْبِلِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ حَوَّلَهُمُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَأَتَى أَهْلَ قُبَاءٍ آتٍ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا، وَأَنَّ الْقِبْلَةَ حُوِّلَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةَ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَجَمَاعَةً كَانُوا يَشْرَبُونَ شَرَابَ فَضِيخٍ وَبُسْرٍ وَلَمْ يُحَرَّمْ

يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ شَيْءٌ، فَأَتَاهُمْ آتٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَأَمَرُوا أَنَسًا بِكَسْرِ جِرَارِ شَرَابِهِمْ،

55 - وَذَلِكَ لَا أَشُكُّ أَنَّهُمْ لَا يُحْدِثُونَ مِثْلَ هَذَا إِلَّا ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ،

56 - وَيُشْبِهُ أَنْ لَوْ كَانَ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ وَهُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

57 - وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي وَجْهِ الدَّلِيلِ مِنْهُ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تُعْلِمَ امْرَأَةً أَنْ تُعْلِمَ زَوْجَهَا أَنَّ قُبْلَتَهَا وَهُوَ صَائِمٌ لَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ

.

58 - وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحُجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِ بِخَبَرِهَا إِذَا صَدَّقَهَا لَمْ يَأْمُرْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِهِ،

59 - وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا،

60 - وَفِي ذَلِكَ إِفَاتَةُ نَفْسِهَا بِاعْتِرَافِهَا عِنْدَ أُنَيْسٍ، وَهُوَ وَاحِدٌ،

61 - وَأَمَرَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَدْ سَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَهُ أَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ، وَقَدْ يُحْدِثُ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ،

62 - وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ أَنْ يَقْتُلَ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ الْهُذَلِيَّ فَقَتَلَهُ، وَمِنْ سُنَّتِهِ لَوْ أَسْلَمَ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ،

63 - فَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي مَعَانِي وُلَاتِهِ وَهُمْ وَاحِدٌ وَاحِدٌ يَمْضُونَ الْحُكْمَ بِأَخْبَارِهِمْ،

64 - وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَّالَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَرُسُلَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا بَعَثَ عُمَّالَهُ لِيُخْبِرُوا النَّاسَ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ وَيَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَيُعْطُوهُمْ مَا لَهُمْ، وَيُقِيمُوا عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ

، وَيُنَفِّذُوا فِيهِمُ الْأَحْكَامَ، وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهِمْ إِذْ كَانُوا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَجَّهَهُمْ إِلَيْهَا أَهْلَ صِدْقٍ عِنْدَهُمْ لَمَا بَعَثَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

65 - وَسَاقَ الْكَلَامَ فِي بَعْثِ أَبِي بَكْرٍ وَالِيًا عَلَى الْحَجِّ، وَبَعَثَ عَلِيًّا بِأَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَبَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ:

66 - فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ مُعَاذٌ وَأُمَرَاءُ سَرَايَاهُ مَحْجُوجٌ بِخَبَرِهِمْ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،

67 - وَإِنْ زَعَمَ أَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ فَقَدْ أَعْظَمَ الْقَوْلَ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا أَنْكَرَ خَبَرِ الْعَامَّةِ عَمَّنْ وَصَفْتَ، وَصَارَ إِلَى طَرْحِ خَبَرِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ،

68 - وَبَسَطَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي هَذَا

69 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: هَذَا عِنْدِي كَمَا وَصَفْتَ فَتَجِدُ حُجَّةً عَلَى مَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَأَنَا قُلْتُهُ، وَمَا خَالَفَهُ فَلَمْ أَقُلْهُ»

70 - قَالَ الشَّافِعِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: مَا رَوَى هَذَا أَحَدٌ يُثْبَتُ حَدِيثُهُ فِي شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، فَيُقَالُ لَنَا: قَدْ ثَبَتُّمْ حَدِيثَ مَنْ رَوَى هَذَا فِي شَيْءٍ،

71 - قَالَ: وَهَذِهِ أَيْضًا رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، وَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ مِثْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي شَيْءٍ

72 - وَكَأَنَّهُ أَرَادَ

مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ

أَبِي عَمْرٍو فِي كِتَابِ السِّيَرِ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَعَا الْيَهُودَ فَسَأَلَهُمْ فَحَدَّثُوهُ حَتَّى كَذَبُوا عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ عَنِّي»

74 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ يُخَالِفُ الْحَدِيثُ الْقُرْآنَ وَلَكِنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ مَعْنَى مَا أَرَادَ خَاصًّا وَعَامًّا وَنَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، ثُمَّ يُلْزِمُ النَّاسَ مَا سَنَّ بِفَرْضِ اللَّهِ، فَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَنِ اللَّهِ قَبِلَ.

75 - قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَجْهُولِ حَدِيثَ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْ حَالِهِ مَا يَثْبُتُ بِهِ خَبَرُهُ

،

76 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ كُلِّهَا ضَعِيفٌ، قَدْ بَيَّنْتُ ضَعْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ

77 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ؛ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ، وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ»

78 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا مُنْقَطِعٌ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَفَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَمَسَّكُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ ثُمَّ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ثُمَّ عَنْ دَلَالَتِهِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ إِنْ كَانَ قَالَهُ: «لَا يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ بِمَوْضِعِ الْقُدْوَةِ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ خَوَاصٌّ أُبِيحَ لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يُبَحْ لِلنَّاسِ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى النَّاسِ.
فَقَالَ: «لَا يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الَّذِي لِي أَوْ عَلَيَّ دُونَهُمْ»

79 - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، فَكَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ قَدِ اتَّبَعَهُ، فَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَحْيٌ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ فِي الْوَحْيِ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ فِيهِ، فَمَنْ قَبِلَ عَنْهُ فَإِنَّمَا قَبِلَ بِفَرْضِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ

80 - قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ أَخَذَ بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ.

81 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي حُكْمِهِ بِدِيَةِ الْأَصَابِعِ مُخْتَلِفَةً؛ لِاخْتِلَافِهَا فِي الْمَنَافِعِ وَالْجَمَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ تُرِكَ حِينَ وُجِدَ فِي كِتَابِ

آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ»

82 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ.

83 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ عُمَرَ فِي الْجَنِينِ، وَقَبُولَهُ خَبَرَ حَمَلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ، وَقَوْلَهُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا

84 - وَرَوَى أَيْضًا حَدِيثَ عُمَرَ فِي جِزْيَةِ الْمَجُوسِ وَقَبُولَهُ خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي ذَلِكَ.

85 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ فِي مَوْضِعِهَا مِنَ الْكِتَابِ

86 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ عَنْ خَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ

87 - قَالَ الشَّافِعِيُّ يَعْنِي حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَبَلَغَهُ وُقُوعُ الطَّاعُونِ بِهَا

88 - قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: وَالْخَبَرُ فِيمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَرَجَعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ،

89 - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيَّ، عَنْ مَالِكٍ،

90 - ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكٍ فَذَكَرَاهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ وَأَرْدَفَاهُ بِحَدِيثِ سَالِمٍ،

91 - وَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَا: إِنَّ عُمَرَ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغَ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ

92 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ طَلَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ مُخْبِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا آخَرَ غَيْرَهُ،

93 - قِيلَ لَهُ: إِنَّ قَبُولَ عُمَرَ خَبَرَ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَعَ مُخْبِرٍ مُخْبِرًا غَيْرَهُ إِلَّا اسْتِظْهَارًا، لَا أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ مَرَّةً وَلَا تَقُومُ أُخْرَى، وَقَدْ يَسْتَظْهِرُ الْحَاكِمُ فَيَسْأَلُ الرَّجُلَ قَدْ شَهِدَ لَهُ عِنْدَهُ الشَّاهِدَانِ الْعَدْلَانِ زِيَادَةَ شُهُودٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِلَ الشَّاهِدَيْنِ، وَإِنْ فَعَلَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ،

94 - أَوْ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ جَهِلَ الْمُخْبِرَ، وَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ مَنْ جَهِلَهُ، وَكَذَلِكَ لَا نَقْبَلُ خَبَرَ مِنْ جَهِلْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ نَعْرِفْهُ بِالصِّدْقِ وَعَمَلِ الْخَيْرِ.

95 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِلَى أَيِّ الْمَعَانِي ذَهَبَ عُمَرُ عِنْدَكُمْ؟

96 - قُلْنَا: أَمَّا فِي خَبَرِ أَبِي مُوسَى فَإِلَى الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى ثِقَةٌ أَمِينٌ عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،

97 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟

98 - قُلْنَا: قَدْ رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

،

99 - قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: وَالْحَدِيثُ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَهُوَ أَنَّهُ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ فَشَهِدَ لَهُ بِهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - وَقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ،

100 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَوْصُولًا فِي حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدٌ

101 - وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يَقُولُ ذَلِكَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ

جارٍ التحميل