الكناش في فني النحو والصرففصل (9) وإذا اجتمع القسم والشّرط وتقدّم القسم على الشّرط

فصل (9) وإذا اجتمع القسم والشّرط وتقدّم القسم على الشّرط

نحو: والله إن أتيتني لأكرمتك كان الجواب للقسم دون الشّرط، ووجب أن يكون فعل الشّرط ماضيا كما في المثال المذكور أعني: أتيتني، فلو أجبت الشرط دون القسم وقلت: والله إن أتيتني/ أكرمك، كان رديئا، وإنّما أجيب القسم دون الشرط لأنّ الشرط جاء معترضا بين القسم وجوابه، والمعترض في حكم العدم، فألغي جوابه لذلك وإنّما لزم أن يكون فعل الشرط ماضيا لفظا كما ذكرنا أو معنى نحو: والله إن لم تكرمني لأكرمنّك،123456789

لأنّ حرف الشرط لمّا بطل عمله في الجواب الذي هو لأكرمنّك لكونه جوابا للقسم، طلب أن يكون فعل الشرط ماضيا حتّى لا يظهر لحرف الشرط فيه عمل لئلا يكون العامل في الجزاء القسم، والعامل في الشرط حرف الشرط فيختلف العامل في الشرط والجزاء وهو غير جائز، فلذلك التزم أن يكون فعل الشرط ماضيا، لأنّ الماضي لا يظهر فيه عمل لحرف الشرط ولا لغيره.
وإن توسّط القسم وتقدّم عليه إمّا شرط أو غير شرط، والشرط مؤخّر عن القسم، جاز اعتبار القسم وإلغاؤه لإمكان ذلك، فمثال تقدّم الشرط والقسم معترض قولك: إن تكرمني فوالله لأكرمنّك، فيجوز اعتبار القسم لإمكان الوفاء بجواب الشرط وجواب القسم، لأنّ الشرط إنّما يجاب في مثل ذلك بالفاء ولا يمتنع دخولها على القسم، فأمكن جواب الأمرين على ما تقتضيه أبوابهما 1، ويجوز إلغاء القسم بأن يجعل معترضا فيتعيّن الجواب للشرط كقولك: إن تكرمني والله أكرمك، ومثال تقدّم غير الشرط على القسم والشرط مؤخّر عن القسم قولك: أنا والله إن تكرمني أكرمك، فيجوز أن تعتبر القسم وتقول: أنا والله إن أكرمتني لأكرمنّك فتجعل الشرط معترضا، فيتعيّن الجواب للقسم، ويكون القسم وجوابه والشرط خبر المبتدأ، ويجوز أن تجعل القسم معترضا وتقول: أنا والله إن تكرمني أكرمك، فيتعيّن الجواب للشرط ويكون الشرط وجوابه والقسم خبرا للمبتدأ، وإذا كان القسم مقدّرا قبل الشرط ولم يكن ملفوظا به فهو كالملفوظ به في كون الجواب للقسم لفظا كقوله تعالى: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ 2 وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 3 فإنّ تقديره: والله إن قوتلتم، وإن أطعتموهم، فإنه لولا تقدير القسم قبل الشرط لوجب دخول الفاء على: إنكم لمشركون 4.

وأمّا أمّا الشرطية 1 فحرف شرط ولذلك لزمتها الفاء، وتستعمل لتفصيل أمور في نفس المتكلّم، إلّا أنهم لم يلتزموا ذكر المتعدد بل قد يذكر الجميع نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ 2 وقد يذكر واحد ويترك غيره نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ 3 ولم يذكر بعدها أمّا أخرى، لكونه معلوما من الأوّل 4 ومن ذلك قول القائل: أمّا أنا فقد فعلت كذا، ويسكت، وكان الواجب في «أما» أن يليها الفعل لكونها حرف شرط لكن التزموا حذف الفعل معها وجعلوا الواقع بعدها عوضا من الفعل المحذوف نحو: أمّا زيد فمنطلق، فزيد قد وقع قبل الفاء وبعد أمّا، ليكون عوضا من الفعل المحذوف، لأنّ الاسم الواقع، بعد أمّا هو المقصود دون الفعل وأصله أن يكون/ بعد الفاء، لأنّ معناه، مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فوقعت أمّا موقع مهما، وزيد موضع الفعل المحذوف، أعني «يكن» فصار أما زيد فمنطلق، وحينئذ، إمّا أن يكون الاسم الذي بعد أمّا مرفوعا أو منصوبا، فإن كان مرفوعا فهو مبتدأ خبره ما بعد الفاء نحو: أمّا زيد فمنطلق، وإن كان منصوبا نحو: أمّا زيدا فأنا مكرم، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ 5 فالأصحّ أنّ العامل فيه ما بعد الفاء لاقتضاء ما بعد الفاء إياه، ولأنّه قدّم على عامله ليكون عوضا عن الفعل المحذوف، لأنّ التقدير: إن أردت بيان من تعلّق به إكرامي فأنا مكرم زيدا، وإن أردت بيان من تعلّق به النهي عن القهر مني، والنهي عن النهر مني؛ فلا تقهر اليتيم ولا تنهر السائل 6، وكذا إذا كان المنصوب الذي بعد أما ظرفا نحو: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، فيوم الجمعة معمول لمنطلق، لأنّ التقدير إن أردت بيان زمان وقع فيه انطلاق زيد فزيد منطلق يوم

الجمعة، وقد ظهر - ممّا قلنا - أنّ أصل المنصوب أن يكون بعد الفاء وقدّم على عامله ليكون عوضا عن الفعل المحذوف (1). وبعضهم منع أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها كما هو مذهب البصريين (2) وذهبوا إلى أنّ العامل في الاسم الذي بعد أمّا إنّما هو الفعل المحذوف المقدّر بعد أمّا، فإذا قلت: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، كأنك قلت: مهما تذكر يوم الجمعة فزيد منطلق، ومهما تذكر اليتيم فلا تقهر، ومهما تذكر السائل فلا تنهر.
وقال قوم: (3) إن جاز تقديم الاسم المنصوب بعد أمّا على جواب أمّا نحو: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، فهو معمول بما في حيّز الفاء، لأنّ يوم الجمعة يجوز أن يكون ظرفا لمنطلق ومتقدّما عليه، وإن لم يجز تقديمه نحو: أمّا زيدا فإني مكرم، فالعامل فيه الفعل المحذوف المقدّر أعني: مهما تذكر زيدا فإني مكرمه، لامتناع أن يعمل ما بعد إن فيما قبلها (4).

جارٍ التحميل