ذكر تحريك السّاكن الثاني
5
اعلم أنّ تحريك الأول هو الأصل ومقتضى القياس، لأنّ الأول هو الذي منع من الوصول إلى الثاني فلا يعدل عنه إلّا لعلّة.
فمن ذلك تحريك الثاني في أين وكيف ومنذ، فإنه لو حرّك الأول في أين وكيف وهو الياء لانقلبت ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، لأنّ هذه الحركة لو وجدت لكانت لازمة لكونها حشوا، ولزم لسكون الألف تحريك النون لسكونها في الأصل، وسكون1234
الألف، فكان يلزم أن يتلوه تغيير بعد تغيير، فلذلك حرّك الثاني من أول الأمر، ولو حرّك الأول في «منذ» لذهب وزن الكلمة فلا نعلم هل هي من ساكن الوسط في الأصل أو متحركة.
ومن ذلك تحريك نون التثنية والجمع وهي الساكن الثاني في قولك: مسلمان ومسلمون، وحرّك فيها الثاني لامتناع تحريك الأول، أعني ألف مسلمان وواو مسلمون.
ومن ذلك تحريك الثاني إذا سكّنوا اللّام في الأمر من نحو: انطلق يا زيد، فيحركون الساكن الثاني بالفتح وهو قاف انطلق لالتقاء الساكنين، وهما اللّام والقاف من انطلق، لأنّ الأول سكّن تخفيفا لتوالي الحركات حملا على فخذ فإن طلق من انطلق مثل فخذ، فسكّنت اللّام كما سكّنت خاء فخذ وحركت القاف لالتقاء الساكنين، وحرّكت بالفتح، لأنّه أخفّ وأشبه بحركة ما قبل اللّام، أعني طاء انطلق ومن ذلك قول الشاعر: 1
عجبت لمولود وليس له أب … وذي ولد لم يلده 2 أبوان
أراد لم يلده فأسكن اللّام للضرورة تشبيها بكتف فالتقى ساكنان اللّام والدّال فحرّك الثاني بالفتح، وأراد بالمولود عيسى بن مريم، وبذي الولد آدم وبعده:
وذي شامة سوداء في حرّ وجهه … مجلّلة لا تنجلي لزمان
ويكمل في تسع وخمس شبابه … ويهرم في سبع مضت وثمان
يعني القمر/
ومن ذلك: ويتّقه في قراءة عاصم 3 وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ 4 بإسكان القاف
وكسر الهاء، كان أصله يتقي، حذفت الياء للجزم، ثمّ ألحقت هاء السكت صار يتّقه، ثم أسكنت القاف تشبيها لتقه بكتف ثمّ حركت هاء السكت وهي الساكن الثاني لالتقاء الساكنين (1)، قال ابن الحاجب: (2) وفيه تعسّف مع الاستغناء عنه، والأولى أن يقال إنّ الهاء ضمير عائد على اسم الله وسكنت القاف على ما ذكر بقي: ويتّقه من غير اجتماع ساكنين، ومن غير تحريك هاء السكت وإثباتها في الوصل.
ومن ذلك: «ردّ» في لغة بني تميم، وهي في لغة الحجاز اردد، فنقل بنو تميم حركة الدّال الأولى إلى الرّاء فسقطت همزة الوصل وسكّنت الدال الأولى لثقل حركتها، فأدغموها في الدال الثانية، فالتقى ساكنان الدّال الأولى المدغمة، والثانية الساكنة بفعل الأمر، فوجب تحريك الساكن الثاني لاجتماع الساكنين، لأنّهم لو حركوا الأول لبطل الإدغام وانتقض ما أرادوه من التخفيف بالإدغام فقالوا: ردّ، وقالوا في المعرب: لم يردّ، فالذين أدغموا دال ردّ، شبّهوه بالمعرب المنصوب والمرفوع نحو: لن يردّ وهو يردّ، فإنّه أدغم إجماعا، فشبّهوا المبنيّ والمجزوم بالمعرب فأدغموا لكن المعرب لا يجتمع فيه ساكنان لحركة الرفع والنصب، وأهل الحجاز كما قالوا في المني: اردد قالوا في المعرب: لم يردد، فلم يجتمع في لغتهم ساكنان (3).