الكناش في فني النحو والصرفذكر اللّامات

2 قد أكثر النحاة في ذكر اللّامات حتّى صنّف بعضهم فيها كتابا 3 وقد أثبتنا من أوصافها ما اخترنا إثباته، فنقول: إنّ اللّام تجيء في الاستعمال على عدّة وجوه: أحدها: لام الجرّ ويقال لها: لام الإضافة 4 وهي وإن كان تقدّم ذكرها في حروف الجرّ لكن إعادتها هنا لا يخلو من زيادة فائدة، ولام الإضافة ضروب منها:/ لام الملك كالمال لزيد، ولام الاستحقاق كالحمد لله والفضل والمنة له؛ لأنّ هذه الأحوال ليست مما تتملّك وإنما تستحقّ 5 واللّام التي بمعنى إلى كقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ 6، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ 7 واللّام التي بمعنى على كسقط 8 لوجهه وكقوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً 9 واللام التي بمعنى مع كقول متمّم 10:1

فلمّا تفرّقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا واللّام التي بمعنى بعد كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ 1 أي بعد دلوكها وك «صوموا لرؤيته» 2 أي بعد رؤيته، واللّام التي بمعنى من كسمعت لزيد صياحا أي منه، واللّام التي بمعنى في كقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ 3 أي فيه، واللّام التي للتعليل 4 بمعنى من أجل كقولك: جئتك للسمن واللبن، وكقوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ 5 أي من أجل حبّ الخير، ولام التعدية، كنصحت له، ولام التعجب كلله درّه أي لله ما يجيء منه بمنزلة درّ الناقة، وكقول الأعشى 6: شباب وشيب وافتقار وثروة … فلله هذا الدّهر كيف تردّدا ولام التبيين وهي التي تكون بعد المصادر المنصوبة كبعدا له وسقيا له ورعيا له، وويلا له، فإنه لو لاها لم يعلم المدعو له من المدعوّ عليه، فإن قلت: ويل لزيد، كانت لام الاستحاق ك وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ 7 واللّام الداخلة بين المضاف والمضاف إليه لتوكيد الإضافة مثل: يا ويح لزيد، ولام الاستغاثة ولام كي، ولام الجحود وقد تقدمت، واللّام التي بمعنى «أن» 8 وتشبه لام كي كقوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ 9 ولا تكون هذه اللام إلّا بعد «أمرت أو أردت»، ولام العاقبة

ويسمّيها الكوفيون لام الصيرورة 1 وهي تشبه لام كي أيضا كقول سابق البربري: 2 أموالنا لذوي الميراث نجمعها … ودورنا لخراب الدّهر نبنيها وكقول الآخر: 3 هم سمّنوا كلبا ليأكل بعضهم … ولو أخذوا بالحزم ما سمّنوا الكلبا كأنه فعل ليكون عاقبة الفعل هذا 4. ثانيها: لام التعريف: 5 وإنما لم تعمل مع أنّها مختصّة بالأسماء، لأنّها تصير مع ما دخلت عليه كبعض أجزائه، وهي ضروب منها: لام تعريف الجنس، ولام العهد وتفترقان، أنك تريد بالتي للجنس استغراق الجنس، وبالتي للعهد شيئا واحدا معهودا لك ولمن تخاطبه وقد تقدّم ذكرهما 6 واللام التي تكون عوضا من ياءي النسب كاليهود والمجوس فدخول اللّام عليهما إنما هو عوض عن ياء النسبة 7 لأنّ الأصل يهوديّون ومجوسيّون، واللام التي بمعنى الذي وقد تقدم ذكرها 8 واللّام الزائدة كقول الشاعر 9:

أما ودماء لا تزال كأنّها … على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما فالألف واللام/ في قوله: وبالنّسر زائدتان لأن نسرا مثل زيد وعمرو، قال الله تعالى: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً 1 فاللام زائدة لأنّ نسرا مثل زيد، وأما اللام في مثل: الحارث والحسين والحسن، فقال الخليل: 2 دخلت لتجعل الاسم لشيء بعينه، لأنّ الأصل أن يقال: رجل حارث والمعرّف عند الخليل الألف واللّام 3 مثل قد وهل، وقال: وأصل همزتها القطع وإنما وصلت لكثرة الاستعمال ويدلّ على ذلك ثبوتها مع حرف الاستفهام 4 وفي قولهم: يا ألله، وقال سيبويه: اللّام وحدها حرف التعريف وإنما جيء بالهمزة ليتوصل بها إلى النطق بالساكن كما زيدت في ابن 5، وقد مال أبو العلاء المعري 6 إلى قول الخليل في قوله 7: وخلّين مقرونين لمّا تعاونا … أزالا قصيّا في المحلّ بعيدا وينفيهما إن أحدث الدّهر دولة … كما جعلاه في الديار طريدا وسمّى التنوين قصيا لأنه يكون في آخر الاسم، والألف واللّام في أوله أي أنهما يطردان التنوين فإذا زال التعريف عاد التنوين ونفاهما.
ثالثها: لام جواب القسم: ك: والله لأفعلنّ، والله لزيد قائم، وو الله لزيد أفضل من عمرو وقد تقدّم ذكرها 8. رابعها: اللام الموطئة للقسم: وهي ما تدخل على الشرط بعد تقدّم القسم

عليه، إيذانا من أول الأمر بأنّ الجواب له لا للشّرط كقولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنّك، فاللّام في لأكرمنك هي جواب القسم، وفي لئن هي الموطئة، وهي زائدة ومؤكدة ومشعرة باستقبال اليمين ويجوز إسقاطها لأنها زائدة 1. خامسها: لام جواب لو ولولا 2: كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 3 وكقوله وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ 4 ودخولها لتأكيد ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى، ويجوز حذفها كقوله تعالى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً 5 ويجوز حذف الجواب أصلا كقولك: لو كان لي مال، وتسكت، أي: لأنفقت وفعلت 6. سادسها: لام الأمر 7 نحو: ليفعل زيد، وهي مكسورة ويجوز تسكينها عند واو العطف وفائه كقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي 8 وهي تدخل على المأمور الغائب، لأنك إذا خاطبت المأمور استغنيت عن اللّام بقولك: اذهب وقم، وقد تدخل على المخاطب كما قرئ 9 فبذلك فلتفرحوا 10 وقد جاء حذفها في ضرورة الشعر نحو 11:

محمّد تفد نفسك كلّ نفس … إذا ما خفت من أمر تبالا أي لتفد نفسك، وقد منع بعضهم 1 من ذلك ولم يجوزه في ضرورة الشعر أيضا.
سابعها: لام الابتداء: 2 وهي مفتوحة كقولك: 3 لزيد منطلق، وتدخل على الاسم والفعل المضارع كقوله تعالى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً 4، وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ 5 وتدخل على المقسم به كقولك: لعمرك لأقومنّ، والخبر محذوف أي لعمرك قسمي، وهذه اللّام تعلّق الفعل عن العمل وتؤكد مضمون الجملة وليست بلام القسم، وإن شابهتها لأنّك إذا قلت: لزيد قائم فإنما قصدت تحقيق خبرك من غير يمين، فأما إذا صحبتها إحدى النونين فهي لام القسم، ذكر القسم قبلها أو لم يذكر كقولك: لأقومنّ ولتخرجنّ يا زيد 6. ثامنها: اللام الفارقة: 7 وتسمّى أيضا لام الفصل، ويسميها الكوفيون لام إلّا 8 كقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ 9 ونحو: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 10 وإن هذه هي المخففة من الثقيلة وسميت الفارقة لأنها تفرق بين «إن» التي بمعنى «ما» نحو قوله تعالى: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا 11 وبين «إن» - الأشموني، 4/ 5. والتبال: سوء العاقبة والهلاك.

المخففة من الثقيلة، لأنك لو لم تأت باللّام الفارقة وقلت: إن زيد ذاهب، وأردت المخففة من الثقيلة لم يكن بينها وبين قولك: إن زيد ذاهب وأنت تريد: ما زيد ذاهب فرق، فإذا قلت: إن زيد لذاهب تعينت أنها المخففة ولم يحتمل أن تكون التي بمعنى «ما».

جارٍ التحميل