الكناش في فني النحو والصرفذكر فعل التعجّب

5 فعل التعجّب ما وضع لإنشاء التعجّب فلا يدخل فيه مثل: تعجّبت وعجبت لأنّه خبر وليس بإنشاء للتعجّب، والتعجّب انفعال النفس عند رؤية ما خفي سببه 6 وخرج عن نظائره، ومن هنا يعلم أنّ الله تعالى لا يصدر منه التعجّب لفقد الانفعال، وما جاء في التنزيل على صيغة التعجّب، فبالنّظر إلى المخاطب كقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ 7 وفعل التعجّب غير متصرّف، لأنّه لمّا تضمّن معنى الإنشاء أشبه الحرف فمنع من التصرّف كما قيل في عسى.
وللتعجب صيغتان؛ إحداهما: ما أفعله، والثانية: أفعل به نحو: ما أحسنه1234

وأحسن به، فما أحسنه هي الأصل وهي جملة اسميّة لأنّها مصدّرة بالاسم وهو ما، وأحسن به معدول عنها وهي جملة فعليّة وأحسن بزيد، ليس بأمر بل هو عند سيبويه خبر بلفظ الأمر 1 وجاء الخبر بلفظ الأمر كما جاء الأمر بلفظ الخبر في نحو قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 2 وكما جاء الدّعاء بلفظ الخبر في قولك: رحمك الله، ويدلّ على أن قولك: أكرم بزيد، ليس بأمر، دخول التصديق فيه وخلو الفعل من الضمير الذي يلحق فعل الأمر في المثنّى والمجموع نحو: أحسنا وأحسنوا، فإنه لا يقال: أحسنا بزيد، ولا أحسنوا بزيد، ولا يبنى فعلا التعجّب إلّا مما يبنى منه أفعل التفضيل 3 لكون كلّ/ واحد منهما للمبالغة فلا يبنيان إلّا من فعل ثلاثيّ ليس بلون ولا عيب 4 ويتوصّل في الممتنع بمثل ما يتوصّل به إلى التفضيل فيقال: ما أشد استخراجه واشدد باستخراجه، كما قالوا في التفضيل: زيد أشدّ استخراجا من عمرو، وكذلك تقول: ما أشدّ حمرته وما أقبح عوره، وقد شذّ نحو: ما أعطاه وما أولاه للمعروف، وما أفقره وما أكرمه، وقيل 5: إنه مردود من الرباعي إلى أصله الثلاثي؛ أي من عطا يعطو، ومن ولي يلي، ومن فقر وكرم، ولا يبنى فعل التعجّب إلّا للفاعل دون المفعول نحو قولهم: ما أبغضه إليّ وأحبّه وأشغله، ولا يتصرّف في صيغتي فعل التعجّب بتقديم ولا تأخير ولا فصل 6 لكونهما غير متصرفين فلا يقال: ما زيدا أحسن ولا زيدا ما أحسن، ولا يقال أيضا: بزيد أحسن ولا ما أحسن اليوم زيدا، وأجاز المازني الفصل بالظرف لما سمع من العرب: ما أحسن بالرجل أن يصدق 7 ففصل بين أحسن ومعموله بالجار والمجرور، و «ما»

في ما أفعله مبتدأ نكرة بمعنى شيء عند سيبويه والخليل وأصله شيء أحسن زيدا 1 والجملة أعني أحسن زيدا في محل الرفع بأنه خبره، وهو مثل: شرّ أهرّ ذاناب 2 حسبما تقدّم في موضعه 3 والأخفش يرى 4: أنّ «ما» في: ما أفعله موصولة والجملة التي بعدها صلتها، والصلة مع الموصول في محلّ الرفع بأنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: الذي أحسن زيدا شيء 5 ومذهب سيبويه في: أكرم بزيد أنّ الجارّ والمجرور أعني بزيد في موضع رفع بأنه فاعل أكرم؛ فلا ضمير فيه، والباء زائدة في الفاعل كقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 6 فجعل فعل الأمر أعني: أكرم بزيد، بمعنى الماضي أي: أكرم زيد بمعنى صار ذا كرم، وفي هذا المذهب شذوذان أحدهما: استعمال الأمر بمعنى الماضي، والثاني: زيادة الباء في الفاعل 7، ومذهب الأخفش أنّ بزيد في أكرم بزيد مفعول به 8 وهو المتعجّب منه، فعلى هذا يكون أفعل أمرا لا خبرا 9 فيكون فيه ضمير مرفوع بأنه فاعله يعود إلى المخاطب أي أنه أمر لكلّ مخاطب بأن يجعل زيدا كريما أي بأن يصفه بالكرم هذا أصله ثم أجري مجرى الأمثال فلم يغير عن لفظ الواحد تقول: يا رجل ويا رجلان ويا رجال أحسن - الفراء والجرمي وأبو علي والمازني.
وانظر الهمع، 2/ 91 وحاشية الخضري، 2/ 41.

بزيد، والباء على هذا الوجه إمّا زائدة، وإما للتعديّة، فعلى تقدير أنّها زائدة تكون الهمزة للتعدية والباء زائدة مثل: ألقي بيده، وعلى تقدير أنّها للتعدية تكون الهمزة للصيرورة مثل قولهم: أغدّ البعير، ثم جيء بالباء لتعدية الفعل فصار ما كان فاعلا مفعولا وعلى التقديرين، زيد في أكرم بزيد مفعول لأكرم وأكرم متعدّ إليه إمّا بالهمزة وتكون الباء زائدة، وإمّا بالباء وتكون الهمزة للصيرورة لا للتعدية 1 ومعنى فعل التعجّب معنى قائم برأسه/ متميز عن غيره وهو أنّ ذلك الوصف على أبلغ ما يكون، وأنّه نهاية وغاية وزائد على نظرائه نادر في بابه، وإذا قلت: ما كان أحسن زيدا فقد زيدت كان إيذانا بأنّ التعجّب واقع فيما مضى 2 كما زيد مستقبل كان ليؤذن بالتعجّب في المستقبل، إذا كان في الحال الحاضرة دليل عليه كقولهم: ما يكون أطول هذا الصبيّ، فإن قيل: كيف جاز ما كان أحسن زيدا، وأحسن فعل ماض فكيف دخل كان عليه، فالجواب: أنّ فعل التعجّب لمّا منع عن التصرّف كان ماضيه كلا ماضي، لأنه لمّا لم يتصرّف ولزم طريقة واحدة أشبه الأسماء ولذلك صغّر في نحو: 3 يا ما أميلح غزلانا عرضن لنا 4 وقد قالوا: ما أصبح أبردها، وأمسى أدفأها، وهو شاذّ عند أكثر النّحاة 5 والضمير في أصبح وأمسى للغداة والعشيّة، وإذا قلت: ما أحسن ما كان زيد، رفعت

زيدا بكان وهي التامّة والتقدير: ما أحسن كون زيد، وأجاز المبرّد: ما أحسن ما كان زيدا بالنّصب على تقدير: ما أحسن الرجل الذي كان زيدا (1).

جارٍ التحميل