الكناش في فني النحو والصرفذكر الكنايات المبنيّات

5 وهي سابع المبنيّات، والكناية من كنيت إذا سترت ومنه كنية الشّخص؛ سمّيت بذلك لكونها تستر اسمه 6 وتكون الكناية معربة نحو: فلان، ويسمّى الضمير مكنيّا أيضا، وليس ذلك بمراد هاهنا، وإنّما المراد الكنايات المبنيّة، وهي: كلّ لفظ مجمل يعبّر به عن مفصّل، ويكون إجماله إمّا لنسيانه أو لقصد إبهامه على السّامعين، بحيث لا يعلم معناه إلّا من يعرف ذلك التفصيل نحو: عندي كذا كذا درهما، فكذا كذا درهما، مجمل وله تفصيل من نحو: عشرين أو خمسين أو غير ذلك، وقد عبّر عنه بهذا اللفظ المجمل، أعني كذا كذا درهما، إمّا للنسيان أو للإبهام على السّامعين 7 وألفاظ الكنايات كم وكذا للعدد، وكيت وذيت للحديث وقد قيل: 8 إنّ كم الاستفهامية ليست من الكنايات، لأنّها وضعت للاستفهام عن العدد فلا تكون بهذا1234

الاعتبار من الكنايات وإلّا لزم أن يكون أين ومتى، كنايتين عن مكان وزمان مبهمين، لأنّ كم كما يفيد الاستفهام والعدد فكذلك أين يفيد الاستفهام والمكان 1، وقال السخاوي 2 في شرح المفصل ما معناه: إنّ كم الاستفهامية من الكنايات أيضا، قال: لأنّها في الاستفهام سؤال عن عدد مبهم فلا شيء من العدد إلّا ويصلح أن يكون جوابا، وبنيت الاستفهامية لتضمنها همزة الاستفهام، والخبريّة لكونها مثل الاستفهاميّة في الصيغة 3 وبني «كذا» لكونه منقولا عن مبنيّ لأنّ أصله «ذا» ودخلت عليه كاف التشبيه فبقي على ما كان عليه 4 وأما كيت وكيت وذيت وذيت، فكنايتان عن الحديث، وبنيا لكونهما واقعين موقع المبنيّ وهو الجملة 5 أعني الحديث الذي كني عنه بهما/.
ومميّزكم الاستفهامية 6 مفرد منصوب نحو: كم رجلا ضربت، لأنّ كم للعدد فجعل مميّزها كمميّز الأعداد المتوسطة أعني من أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولم يجعل كمميّز طرفي العدد أعني العشرة وما دونها والمائة وما فوقها، لئلا يلزم الترجيح بلا مرجّح، ويدخل «من» في مميّزها فيخفض نحو: كم من رجل ضربت، ومميّزكم الخبريّة مجرور مفرد، ومجموع كقولك: كم درهم وهبت، وكم دراهم وهبت، أما كونه مجرورا، فلأنّها للتكثير، والعدد الصريح الكثير، مميّزه مجرور كمائة وألف، وأما كونه مفردا، فلأنّ مميّز العدد الكثير كذلك، وأمّا كونه جاء مجموعا فلأنّ العدد الكثير، فيه ما ينبيء عن كميّته صريحا كالمائة والألف، ولما كان

هذا ليس مثله في التصريح جعل كأنّه نائب عن معنى التصريح 1 وتدخل «من» في مميّز الخبريّة كثيرا نحو قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها 2 ولكم الاستفهامية والخبريّة صدر الكلام 3 لكون الاستفهاميّة لإنشاء الاستفهام، والخبريّة لإنشاء التكثير، والكوفيون لا يوجبون لهما صدر اللام ويستشهدون بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ 4 ويزعمون أنّ كم فاعل يهد 5 والبصريون يتأولونه ويقفون على يهد لهم ويبتدئون بقوله: كم أهلكنا 6 لكن إن كان قبلهما مضاف أو حرف جرّ وجب تقديمه وكانا في موضع خفض كقولك: غلام كم رجلا ضربت، وبكم رجلا مررت، لأنّ المضاف وحرف الجرّ لا يتأخّر عن معموله، فلذلك اغتفر تقديمه على ماله صدر الكلام، ليتنزّل المضاف وحرف الجرّ منزلة الجزء من الكلمة، ويكون إعراب المضاف نحو الغلام في: غلام كم رجلا، كإعراب كم، ولذلك نصبت غلام كم رجلا ضربت، والاستفهاميّة والخبريّة كلاهما يقع مرفوعا ومنصوبا ومجرورا 7 أما جرّهما فبالمضاف أو حرف الجرّ حسبما تقدّم، وأمّا النصب فبما بعدهما من الفعل، إن كان متسلّطا عليهما، أي غير مشتغل بضميرهما أو متعلّق ضميرهما على حسب ما يقتضيه، أعني؛ إن اقتضى مفعولا به كان مفعولا به نحو: كم رجلا أو رجل ضربت، بنصب رجل مع الاستفهاميّة، وجرّه مع الخبريّة، وإن اقتضى مفعولا مطلقا كان مفعولا مطلقا نحو: كم ضربة وضربة ضربت، وإن اقتضى

ظرفا كان ظرفا نحو: كم يوما وكم يوم صمت، وأمّا الرفع فعلى أن يكونا مبتدأين أو خبرين، وذلك إذا لم يكن بعدهما فعل متسلّط عليهما ولا قبلهما اسم مضاف ولا حرف جرّ فيكونان حينئذ مجرّدين من العوامل اللفظيّة، فيتعيّن أن يكونا في موضع رفع على الابتداء أو على الخبر، ولا يكونان فاعلين لاقتضائهما صدر الكلام، والفاعل ليس له صدر الكلام، وأمّا تعينهما للابتداء دون الخبر أو للخبر دون الابتداء، فإذا وقعا غير ظرف تعيّنا للابتداء كقولك: كم رجلا إخوتك، وكم رجلا قام، وإن وقعا ظرفا تعيّنا للخبر، كقولك: كم يوما سفرك/ لأنك لو جعلت كم مبتدأ وهي للزمان تعذّر أن يكون خبرها السّفر كما يتعذّر ذلك في: متى سفرك، فيجب أن يقدّر السّفر ونحوه مبتدأ، ويكون ما تقدّم ظرفا في موضع رفع على الخبر 1. واعلم أنّ إعراب أسماء الاستفهام والشّرط نحو: من وما، استفهاميتين وشرطيّتين مثل إعراب كم فإن كان بعدهما فعل متسلّط عليهما كان محلّهما النصب نحو: من ضربت، ومن تضرب أضرب وإن كان قبلهما حرف جرّ أو اسم مضاف فمحلّهما الجرّ نحو: بمن مررت وبمن مررت أمرر، وغلام من ضربت، وغلام من تضرب أضربه، فإن لم يكن بعدهما فعل، شأنه ما ذكرناه، ولا قبلهما مضاف ولا حرف جرّ فهما في محلّ الرفع بالابتداء، نحو: من ضربته، ومن تضربه، أضربه وفي مميّزكم في مثل قول الفرزدق يهجو جريرا.
2 كم عمّة لك يا جرير وخالة … فدعاء قد حلبت عليّ عشاري

ثلاثة أوجه: نصب عمة، وجرّها، ورفعها، فالنصب بأن تكون كم للاستفهام والجرّ بأن تكون خبريّة، وكم مبتدأ في الصورتين، والرفع بأن تكون عمة مبتدأ نكرة موصوفة بقوله: لك، وقد حلبت، خبرها (1) وكم في هذا الوجه في محلّ النصب على أنّها مصدر أو ظرف، والتقدير كم حلبة أو حلبة عمة لك وخالة قد حلبت، أو كم وقت أو وقتا عمة لك وخالة قد حلبت، فالمميّز أعني حلبة أو وقت محذوف، ومحلّهما إمّا الجرّ على أنّ كم خبريّة، أو النصب على أنها استفهامية، وبعد ذلك عمة وهي نكرة موصوفة مرفوعة بالابتداء، وقد حلبت الخبر.
ويحذف المميّز (2) للعلم به نحو: كم مالك؟ في الاستفهاميّة أي: كم درهما مالك؟ وكم هنا، في محل الرفع على الابتداء، ونحو: كم ضربت في الخبريّة، أي كم ضربة أو مرة ضربت (3) وكم في محل النصب على المصدر أو الظّرف.

جارٍ التحميل