الكناش في فني النحو والصرفذكر الأمور الثلاثة التي لا يستعمل أفعل إلّا بأحدها

ذكر الأمور الثلاثة التي لا يستعمل أفعل إلّا بأحدها

6 لا يستعمل أفعل التفضيل إلّا مضافا، أو بمن، أو باللّام كقولك: زيد أفضل القوم، وزيد أفضل من عمرو، وقد يحذف من 7 إذا كان معلوما كقولهم: الله أكبر، أي من كلّ كبير 8 وأمّا استعماله باللام فنحو: زيد الأفضل 9 وإنّما وجب ذلك لأنّ الغرض بوضعه الزيادة على المفضّل عليه وذلك، لا يتأتّى إلّا بأحد هذه الثلاثة، أمّا12345

من والإضافة، فظاهر، لأنّ المفضّل عليه مذكور معهما، وأمّا اللام فلأنّها تفيد تعريف المعهود على الصّفة التي هو عليها، وهي تلك الزيادة، فتدخل الزيادة في المعهود 1 واعلم أنّه لا يجوز اجتماع اثنين من هذه الثلاثة فلا يقال: زيد الأفضل من عمرو وأمّا قول الأعشى: 2 ولست بالأكثر منهم حصى … وإنّما العزّة للكاثر فمؤول بأنّ المراد بقوله: منهم؛ من بينهم، وإذا أضيف أفعل التفضيل فله معنيان: 3 الأول: وهو ما حدّ باعتباره أن يقصد به الزيادة على من أضيف إليه 4، فيشترط أن يكون المفضّل داخلا في جملة من أضيف إليه، أعني أن يشترك المفضّل والمفضّل عليه فيما اشتقّ منه أفعل ليتميز بالتفضيل نحو: زيد أفضل الناس، وقد توهّم بعضهم 5 امتناع ذلك، لأنّ زيدا مفضّل على من أضيف إليه أفضل، ومن جملة الناس زيد، فيلزم تفضيل زيد على نفسه، وليس بجيّد، لأنّ لأفعل جهتين، الأولى: ثبوت أصل المعنى للمفضّل والمفضّل عليه، والجهة الثانية: ثبوت الزيادة في ذلك المعنى للمفضّل، فزيد إنّما ذكر في الناس للتشريك معهم في أصل الفضل المشترك فيه، لأنّه مشارك للمفضّل عليه في أصل الصفة، ولم يشاركه المفضّل عليه في أصل

الزيادة، فهو مفضّل عليهم باعتبار الزيادة على أصل الفضل 1. والمعنى الثاني: 2 أن يقصد به زيادة مطلقة أي غير مقيّدة 3 بأصل مشترك فيه، بل هو زائد على من أضيف إليه/ مجموع تلك الصّفة، أي هو منفرد بها، ويضاف للتوضيح لا للتفضيل، أي ليتضح أنّ الصفة مخصوصة به دون المضاف إليهم، كما يضاف ما لا تفضيل فيه نحو حسن قريش 4 وإذا أضيف أفعل التفضيل بالمعنى الأوّل وهو أن يقصد به الزيادة على من أضيف إليه، يمتنع: يوسف أحسن إخوته، لأنّ شرط هذه الإضافة أن يكون المفضّل بعضا من المفضّل عليه ويوسف ليس هو بعض إخوته، فيمتنع كما امتنع: زيد أفضل الحجارة، لأنّه ليس منها بخلاف الياقوت أفضل الحجارة، والتحقيق أن يقال: إنّ يوسف خرج حينئذ عن الحسن بإضافة إخوته إلى ضميره، إذ القاعدة أنّ المعنى إذا قصد ثبوته للمضاف عند الإضافة خرج المضاف إليه عن ذلك المعنى، بدليل قولهم: جاءني إخوة يوسف، فإنّ يوسف خرج عن المجيء الذي قصد ثبوته للإخوة، لكن يجوز يوسف أحسن إخوته إذا أضيف أفعل التفضيل بالمعنى الثاني وهو أن يقصد بإضافته الزيادة من غير نظر إلى أصل مشترك كما ذكرنا 5. أعني أن يضاف للتوضيح لا للتفضيل فقولك: يوسف أحسن إخوته، معناه حسن إخوته مثل: حسن قريش، ومنه قولهم لنصيب 6 «أنت أشعر أهل بلدتك» أي شاعرهم، لأنّ نصيبا كان حبشيّا ولم يعلم في الحبش شاعر سواه، ومنه قولهم: النّاقص والأشجّ أعدلا بني مروان» أي عادلا بني مروان 7 واعلم

أنه يجوز في أفعل إذا أضيف بالمعنى الأول الإفراد والمطابقة 1 مثال الإفراد قولك: الزيدان والزيدون أفضل القوم بإفراد أفضل 2 ومنه قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ 3 فأفرد أحرص مع أنّ المفعول الأول لتجدنّهم جمع، ووجهه؛ أنّ أفعل هنا لمّا كان بعضا من المضاف إليه أشبه لفظة بعض، وبعض لا يثنّى ولا يجمع نحو قولك: الزيدون بعض القوم 4 وأمّا المطابقة فنحو: زيد أفضل القوم، والزيدان أفضلا القوم، والزيدون أفاضل القوم، ومنه قوله تعالى: أَكابِرَ مُجْرِمِيها 5 وكذلك هند، وإنّما جازت المطابقة فيه لأنّ الإضافة تشبه 6 المعرّف باللام من جهة اختصاص كلّ منهما 7 بالأسماء، فحمل المضاف في المطابقة على المعرّف بالّلام، والمعرّف بالّلام يلزم فيه المطابقة، فجازت المطابقة والإفراد في المضاف لما ذكرنا.
وأما المضاف بالمعنى الثاني والمعرّف باللام فلا بدّ فيهما من المطابقة 8 وإنّما وجبت المطابقة فيهما لتجرّد أفعل عن شبه الفعل بتجرّده عن من المعديّة له إلى المذكور بعده فلمّا خرج أفعل عن شبه الفعل باستغنائه عن تعدية من، وجب فيه ما يجب في سائر الصفات من المطابقة لموصوفه 9 ومثال المطابقة في المعرّف باللام: زيد الأفضل والزيدان الأفضلان، والزيدون الأفضلون، وهند الفضلى، والهندان الفضليان والهندات الفضل.
وأمّا إن أتى ما يضاف إليه أفعل التفضيل نكرة نحو: زيد أفضل رجل، فيطابق - عمر بن عبد العزيز بن مروان سمي بذلك لشجة أصابته بضرب الدابة، حاشية الصبان، 3/ 49 وانظر شرح الكافية، 2/ 216 والمختصر، 2/ 217.

بين النكرة والمفضّل نحو قولك: زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون/ أفضل رجال وهند كزيد، كأنّ جنس العدد المفضّل عليه وهو الرجل في مثالنا هذا، قد قسّم رجلا رجلا ورجلين رجلين ورجالا رجالا، ثم فضّل ذلك على مطابقه 1. واختيار ابن الحاجب أن المفضّل عليه في هذه الصور محذوف وهو الجنس العامّ 2 ويكون التقدير في زيد أفضل رجل: زيد أفضل رجل من جميع الرّجال، وفي الزيدون أفضل رجال، الزيدون أفضل رجال من جميع الرجال.
واختيار ابن مالك 3 أنّ المفضّل عليه مذكور، وهو النكرة المضاف أفعل إليها والتقدير: زيد أفضل من كلّ رجل قيس فضله بفضله، فحذفت من وكلّ وأضيف أفعل إلى ما كان مضافا إليه كل 4. واعلم أنّ إضافة أفعل التفضيل عند الأكثرين لا تفيد تعريفا في نحو قولك: أفضل القوم، وهو اختيار أبي على الفارسي بل هي إضافة لفظيّة في تقدير الانفصال، وقال بعضهم: إنّها تفيد التعريف كسائر المضافات إلى المعارف، وهو اختيار البصريين فتكون إضافة معنويّة وقال بعضهم: ما أضيف والتقدير فيه معنى اللّام فهو معرفة، وما أضيف والتقدير فيه معنى من فهو نكرة وهو مذهب الكوفيين 5 والحقّ أنه إن أضيف إلى معموله نحو: ما رأيت رجلا أحسن الكحل في عينه من عين زيد، فهي إضافة لفظيّة لا تفيد التعريف، وإن لم يضف إلى معموله نحو: زيد أفضل القوم، فهي إضافة معنويّة تفيد التعريف لأنّه من باب إضافة الصفة إلى غير معمولها نحو: مصارع مصر.

جارٍ التحميل