ذكر الظروف المبنيّة
4
وهي ثامن المبنيّات، والظرف يكون معربا كما تقدّم في المنصوبات 5 ومبنيا وهو المراد هاهنا، والبناء في الظروف إمّا بقطعها عن الإضافة كما سنمثل، وإمّا بالإضافة إلى غير المتمكّن كيومئذ، وشرط بناء ما قطع عن الإضافة أن يكون المضاف إليه مرادا، فإن قطع ولم يكن المضاف إليه مرادا أعرب.
نحو قوله: 6123
فساغ لي الشّراب وكنت قبلا … أكاد أغصّ بالماء الفرات
فأعرب قبلا، ونصبه على الظّرف، لأنّ المضاف إليه غير مقدّر فيه، وبنيت الظروف المقطوعة لافتقارها إلى المنويّ كافتقار الحرف إلى الغير، وبنيت على الضم، لأنّ ذلك لا يوهم إعرابا، لأنّ الضمّ لا يدخلها مضافة، ومثال الظروف المقطوعة المبنيّة على الضمّ، فوق وتحت وقبل وبعد وما أشبهها من الظروف المبهمة نحو: أمام ووراء وخلف وأسفل وأول في قولك: ابدأ بهذا أوّل وتسمّى هذه الظروف الغايات، لأنّها لمّا قطعت عن الإضافة جرت مجرى بعض الكلمة وصارت حدودا وغايات ينتهى إليها 1 وأجري مجراها/ غير وحسب في قولك: لا غير وليس غير، فلما قطع عن الإضافة غير وحسب بنيا على الضّمّ، وإن لم يكونا ظرفين لكون المضاف إليه منويا فيهما، فإن أضيفا أعربا.
ومن الظروف المبنيّة «حيث» وبنيت لافتقارها إلى جملة تبيّن معناها كافتقار الموصول إلى الصلة، وبنيت على الضمّ تشبيها بقبل وبعد 2، وقد جاء فيها الفتح والكسر 3 وتستعار للزمان 4 كقوله: 5
للفتى عقل يعيش به … حيث تهدي ساقه قدمه
أي مدّة حياته، ولا تضاف إلّا إلى الجملة، وشذّ إضافتها إلى المفرد، نحو قول الشاعر: 6
… أما ترى حيث سهيل طالعا
بنصب حيث لأنّ الموجب لبنائها قد زال 1 وجرّ سهيل بإضافتها إليه ونصب طالعا حالا من حيث.
ومنها: إذا الشرطية 2 وإنّما بنيت لتضمّنها معنى حرف الشرط 3 ولا يجازى بها في غير الشعر، ولا يقع بعدها إلّا الجملة الفعليّة غالبا 4، إمّا ظاهرة نحو: إذا جاء زيد فأكرمه، أو مقدّرة نحو قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ 5 أي إذا انشقّت السّماء انشقّت، وقد تتجرّد عن معنى الشّرط وتبقى للزّمان فقط 6 كقوله تعالى:
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى 7 إذ التقدير أقسم بالليل حاصلا في وقت غشيانه.
ومنها: إذا التي للمفاجأة نحو: خرجت فإذا السبع، أي فاجأت زمان وجود السبع 8، وقد تقع جوابا للشرط كالفاء لما بين التعقيب والمفاجأة من المناسبة كقول تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 9 أي فهم يقنطون، وهي ظرف معمول لما دلّ عليه من معنى فاجأت، ويلزم المبتدأ بعدها غالبا، لأنّه لا بدّ من إضافتها إلى جملة، فإنّك إذا قلت: خرجت فإذا زيد، فزيد مبتدأ وخبره محذوف أي فإذا زيد مفاجئ، فحذف لدلالة المعنى عليه.
- 2/ 254 وشرح الشواهد، 2/ 254.
ومنها: إذ 1، وهي للزمان الماضي 2 وعلّة بنائها ما قيل في إذا الشرطيّة ولا يختصّ بجملة معيّنة كما اختصّت إذا بالجملة الفعليّة بل يقع بعد «إذ» الجملتان؛ الفعليّة والاسميّة نحو: جئتك إذ قام زيد، وإذ زيد قائم، وإذ زيد يقوم، ولم يستفصحوا: إذ زيد قام 3 لأنّ إذ لما مضى من الزّمان وقام فعل ماض، فكان الأولى ألّا يفصل بينهما، لأنّها تطلب الفعل، إذا وجدته في الخبر كما تطلبه الهمزة في قولك: أزيدا لقيته بخلاف إذ زيد يقوم، لأنّ يقوم مضارع للاسم، لأنّه مثل: زيد قائم، فيحتمل فيه ذلك بخلاف قام لكونه غير مضارع للاسم، وقد تكون «إذ» للمفاجأة 4 كإذا وعليه قوله: 5 ... … فبينما العسر إذ دارت مياسير ومنها: أين وأنّى 6 وهما للمكان سواء كانا للاستفهام أو للشّرط نحو: أين زيد، وأين تكن أكن، وأنّى تقعد أقعد، وبنيا لتضمّنهما حرف الاستفهام أو حرف الشّرط، وقد استعملت أنّى للزمان والحال كمتى وكيف 7. ومنها: متى وهي ظرف زمان 8 في الاستفهام والشّرط، نحو: متى القتال ومتى تأتني أكرمك، والفرق/ بينها وبين إذا، أنّ متى للزّمان المبهم، وإذا للمعيّن.
ومنها: أيّان، وهي ظرف زمان كمتى في الاستفهام كقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ 1.
ومنها: كيف، لزمان الحال 2 تقول: كيف زيد أي على أيّ حال هو، ولا يجازى بها في الأفصح 3 وإن دخلت ما عليها فتقول: كيف ما تكون أكون، وقد جازى بها الكوفيون مع ما، واختاره الزّجاجي 4 في الجمل 5 فتقول: كيفما تكن أكن.
ومن الظروف المبنيّة مذ ومنذ 6 وهما بمعنيين:
أحدهما: بمعنى أوّل المدّة فيليهما المفرد المعرفة، وهو الزمان الذي يصلح أن يكون جوابا لمتى ليدلّ على أول المدّة الذي هو المطلوب، كقولك: متى كان ابتداء رؤية زيد، فتقول في الجواب: منذ أو مذ يوم الجمعة، لأنّ جواب متى بتعيين الوقت، فلذلك وليهما المفرد المعرفة أعني قولك: مذ يوم الجمعة وشبهه.
والثاني: أن يكونا بمعنى جميع المدّة، فيليهما المقصود بالعدد لبيان جميع المدّة التي هي المقصودة، وهي الزمان الذي يصلح أن يكون جوابا لكم، نحو:
ما رأيته مذ أو منذ يومان، وبنيا لشبههما بمن لأنّهما لابتداء الغاية في الزمان كما أنّ من الابتداء لغاية في المكان 7 وقد يقع بعدهما أن أو الفعل أو المصدر نحو:
ما رأيته مذ أن سافر، أو مذ أنّه سافر، أو مذ سافر أو مذ سفره، فيجب تقدير زمان مضاف إلى كلّ واحد ممّا ذكر، فيكون تقدير ذلك، ما رأيته مذ زمان أن سافر ومذ زمان سافر ومذ زمان سفره، ووجب ذلك لأنّ منذ ومذ لابتداء غاية الزّمان، فإذا
وليهما غيره وجب تقديره ليتوفّر عليهما ما يقتضيانه من الزّمان، ومذ ومنذ في هذه الصور المذكورة مبتدأ وما بعدهما خبرهما 1 وهما معرفتان، لأنّهما في تأويل الإضافة لأنّهما بمعنى أوّل المدّة أو بمعنى جميع المدّة خلافا للزّجاج، فإنّهما عنده خبران، والمبتدأ ما بعدهما أي يوم الجمعة أول المدة، ويومان جميع تلك المدّة 2.
ومنها: لدى 3 وهي من الظروف المبنيّة، وفيها ثماني لغات 4 أربع مع ثبوت النون، وأربع مع حذفها، فالأربع التي مع ثبوت النون، لدن بفتح اللام والدال، ولدن بفتح اللام وضم الدال، ولدن بفتح اللام وسكون الدال، ولدن بضم اللام وسكون الدال، والأربع التي مع حذف النون لد بفتح اللام وسكون الدّال، ولد بضم اللّام وسكون الدال، ولد بفتح اللّام وضمّ الدّال، ولدى بفتح اللّام وفتح الدّال، وإنّما بنيت لأنّ وضع لد ولد وضع الحرف، وأجريت بقية اللغات مجراها 5 ومعناها أخصّ من معنى عند، لأنّك تقول: عندي كذا، لما كان في حوزك سواء حضرك أو لم يحضرك، ولدى لما حضرك ولم يتجاوزك.
وحكمها أن يجرّ بها على الإضافة، فتجرّ ما تضاف إليه، نحو: المال لدى زيد، لكن نصب العرب بلدن غدوة خاصة 6 كأنّهم شبّهوا نونها بالتنوين فنصبوا بها غدوة كما نصبوا زيتا في قولهم: رطل زيتا 7 قال الشاعر: 8
لدن غدوة حتّى أروح وصحبتي … عصاة على التّاهين شمّ المناخر
بنصب غدوة.
ومنها:/ قطّ، وهي للماضي المنفي 1 تقول: ما فعلته قطّ، ولا تقول:
ما أفعله قطّ، وهي من القطّ الذي هو القطع، لأنّ الماضي منقطع من المستقبل، وبنيت لأنّ من لغاتها قط بتخفيف الطّاء وهو وضع الحروف 2 وأجريت أختها المشدّدة الطاء مجراها.
ومنها: عوض، وهي ظرف للزمان المستقبل المنفي، تقول: لا أفعله عوض أي أبدا إلّا أنّ أبدا يستعمل في النفي والإثبات، وعوض تختصّ بالنفي، وبنيت لقطعها عن الإضافة إذ المعنى عوض العائضين كدهر الدّاهرين 3.
ومنها: أمس، وبنيت لتضمّنها معنى لام التعريف لأنّها بمعنى الأمس، وبنو تميم يمنعونها الصّرف 4.
والظروف المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها على الفتح 5 ويجوز إعرابها كقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 6 بفتح يوم ورفعه في السّبعة 7 وكذلك الظرف المضاف إلى إذ، نحو قوله تعالى: لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ 8 بفتح ميم يوم وجرّه في السبعة 9 وكذلك يجوز بناء غير ومثل على الفتح إذا أضيفا إلى ما أو إلى أن المخفّفة أو المشدّدة 10، كقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 11
برفع مثل وفتحه في السبعة (1). وقال الشاعر: (2) لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت … حمامة في غصون ذات أو قال بفتح غير مع أنّها فاعل يمنع (3)، لإضافتها إلى أن المصدرية وتقول: قيامي مثل ما أنّك تقوم، وهو فاضل غير أنّك أفضل منه، بفتح مثل وغير مع جواز رفعهما فقد جاز بناء غير ومثل على الفتح تشبيها بالظروف المضافة وجاز إعرابهما لأنّهما يستحقّان الإعراب.