ذكر وجوب حذف الفعل
3 ويجب حذف الفعل الناصب للمفعول المطلق، وذلك على ضربين: الأول: سماعي، وهو مصادر كثر استعمالها فحذفت أفعالها تخفيفا/ نحو: حمدا وشكرا وسقيا ورعيا، فإنه 4 لو كان ذكر الفعل مع المصدر جائزا لوقع، ولو وقع لنقل ولمّا لم ينقل دلّ على أنّه لم يقع، ولمّا لم يقع دلّ على أنّه غير جائز 5 والثاني: قياسي في أبواب: 6 منها: أن يكون المصدر مثبتا بعد نفي، أو معنى نفي، داخل على اسم بشرط ألّا يصحّ أن يكون خبرا عن الاسم المتقدّم نحو: ما زيد إلّا سيرا، فإذا وجد ذلك، وجب حذف الفعل لحصول القرينة على خصوص الفعل، ووقوع لفظ إلّا أو ما يقوم مقامها في موضع الفعل المحذوف، ومعلوم أنّ سيرا مصدر مثبت بعد نفي، ولا يصحّ أن يكون خبرا عن الاسم المتقدم الذي هو زيد، ومثال الواقع بعد معنى النفي: إنّما أنت سيرا لأنّ معناه ما أنت إلّا سيرا، واحترز بقوله: مثبت عن مثل: ما زيد سيرا، وبقوله: بعد نفي، عن زيد سيرا، وبقوله: لا يصحّ أن يكون خبرا، عن نحو: ما سيري إلّا سير 7.12
ومنها: أن يقع المفعول المطلق مكرّرا في موضع خبر عن اسم ولم يصلح أن يكون خبرا عنه، نحو: زيد سيرا سيرا والتقدير يسير سيرا، ومعلوم أنّ سيرا لا يصلح أن يكون خبرا عن زيد فالقرينة حاصلة والمصدر الأوّل لفظ التزم موضع الفعل المحذوف 1.
ومنها: أن تتقدّم جملة لها آثار وتذكر الآثار بلفظ المصدر 2 كقوله تعالى:
فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 3 فشدّوا الوثاق، جملة متقدّمة لها في الوجود آثار، وهي المنّ والفداء والاسترقاق والقتل، فإذا ذكر 4 هذه الآثار وجب حذف الفعل لأنّ الجملة تدلّ على آثارها، وقد وقع لفظها في موضع الفعل فوجب حذفه 5.
ومنها: أن يقع المفعول المطلق للتشبيه بعد جملة مشتملة على اسم بمعنى المفعول المطلق، وعلى صاحب ذلك الاسم كقولك: لزيد صوت صوت حمار 6 واحترز بقوله: للتشبيه عن مثل: لزيد صوت صوت حسن، فإنّ الثاني مرفوع على البدل 7 واحترز بقوله: بعد جملة، عن مثل: الصوت صوت حمار، وبقوله:
مشتملة على اسم بمعنى المفعول المطلق، عن نحو: مررت بزيد فإذا له ضرب صوت حمار، فإنّ الضّرب ليس بمعنى الصوت.
وبصاحب الاسم عن مثل: في الدار صوت صوت حمار، ووجب حذف الفعل لأنّ في الكلام قرينة تدلّ عليه، والجملة لفظ التزم موضعه 8 وتقديره: مررت فإذا هو يصوّت صوت حمار.
ومنها: 9 أن يقع المفعول المطلق مضمون جملة لا احتمال لتلك الجملة غير
ذلك المفعول المطلق، أو يقع المفعول المطلق مضمون جملة لها احتمال غير ذلك المفعول المطلق.
فمثال الأول: له عليّ ألف درهم اعترافا، فله عليّ ألف درهم جملة لا احتمال لها غير الاعتراف ويسمّى هذا القسم توكيدا لنفسه، لأنّه يؤكّد مضمون الجملة الذي/ هو عين الاعتراف 1 ومثال الثاني: زيد قائم حقّا، فحقّا وقع مضمون زيد قائم، وهو يحتمل أن يكون حقا وغير حقّ، فحقّا أكّد أحد احتماليه، ويسمّى هذا القسم توكيدا لغيره، وحقّا منصوب بفعل مضمر، والتقدير أحقّ ذلك حقّا، قال الزجاج: 2 ولا يجوز تقديم حقّا، كقولك: حقّا زيد قائم، قال فإن وسّطته فقلت: زيد حقّا قائم، جاز وذلك لأنّك لما ذكرت الكلام الذي يجوز أن تكون فيه شاكّا، وأن تكون متيقنا، جاز لك حينئذ أن تضمر اللّفظ الدّال على أحد الأمرين وهو أحقّ حقّا 3 ولم يذكر سيبويه امتناع تقديمه 4 ومن التأكيد لغيره قولهم: قد فعل ذلك البتّة، قال سيبويه 5 ولا يستعمل إلّا بالألف واللام، وهو من بتّ كذا يبتّه إذا قطعه.
ومنها: أن يقع المفعول المطلق مثنّى للتكثير، ومن أحكامه أنّه لا يستعمل إلّا مضافا غالبا نحو: لبّيك وسعديك ودواليك وهذاذيك إذا كانت التثنية لغرض تأكيد الكثرة لا لقصد التثنية المحقّقة 6، أمّا لو قصدت التثنية من غير نظر إلى الكثرة نحو قوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ 7 لم يجب حذف الفعل، ومما جاء مثنّى قولهم: حذ اريك أي احذر حذرا بعد حذر، وحواليك، ومعناه الإحاطة من جميع الجهات وقد
استعملوا واحده فقالوا: حوالك، ومنه: حنانيك أي تحنّنا بعد تحنّن، قال طرفة: 1 أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض ولبّيك وسعديك لا يفرد فيهما الواحد لأنّهما وضعا بلفظ التثنية للتكثير، ولم يستعمل منهما مفرد، ولبّيك مأخوذ من ألبّ على كذا، إذا داوم عليه 2 فكأنّه قال: دواما على طاعتك مرّة بعد مرّة، وسعديك معناه مساعدة لك بعد مساعدة، فقام لبّيك وسعديك مقام دواما ومساعدة، وإذا قال الملبّي: لبّيك اللهمّ وسعديك فمعناه دواما على طاعتك ومتابعة لأمرك فهذا منصوب بفعل من معناه، لا من لفظه بخلاف سقيا ورعيا وبخلاف حنانيك أيضا، فإنّ الفعل يمكن تقديره من لفظه نحو: تحنّن أي ارحم وهذا مما يقوّي إفراده 3 ودواليك من المداولة قال الشّاعر: 4 إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله … دواليك حتّى كلّنا غير لابس وهو في موضع الحال، أي متداولين، وهذا ذيك: معناه السّرعة ويقال ذلك في الضّرب 5 قال الشّاعر: 6
ضربا هذا ذيك وطعنا وخضا أي هذّا بعد هذّ من كلّ وجه أي إسراعا بعد إسراع، وهذّ في القراءة وغيرها أي أسرع.