ذكر الفاء الناصبة للفعل
6 أمّا الفاء فتنصب الفعل باضمار أن بشرطين: أحدهما: أن يكون ما قبلها سببا لما بعدها، والثاني: أن يكون قبلها أحد الأمور الستة وهي: الأمر والنهي والنفي12345
والاستفهام والتمني والعرض 1 ولذلك ارتفع يغضب في قولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، لفوات أحد الأمور الستة وإن كانت الفاء فيه للسبب، وأمّا قول الشّاعر 2.
سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا
فأجري الكلام الموجب مجرى أحد الأمور الستة لضرورة الشعر.
واعلم أنّ الفعل الذي بعد الفاء في تقدير المصدر، وهو معطوف بالفاء فوجب أن يجعل ما قبله في تقدير المصدر لئلا يلزم عطف الاسم على الفعل، فمثال الأمر:
أكرمني فأكرمك أي ليكن منك إكرام فإكرام مني، ومثال النهي قوله تعالى:
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي 3 أي لا يكن منكم طغيان فحلول غضب مني، ومثال النفي: ما تأتينا فتحدّثنا 4 أي لا إتيان منك فلا حديث، ومثال الاستفهام قوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 5 أي هل حصول شفعاء فشفاعة لنا، ومثال التمني قوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً 6 أي ليت لي 7 كونا معهم ففوزا عظيما لي، ومثال العرض: ألا تزورنا فنكرمك، أي ألا يكون زيارة منك فإكرام منا.
واعلم أنّ الفاء كما تنصب بإضمار أن بعد الأمور الستة كما ذكرناه فكذلك تنصب بعد الدعاء والتحضيض، مثال الدّعاء: اللهمّ ارزقني بعيرا فأحجّ عليه، ومثال
التحضيض قوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ (1) لأنّ لولا هنا حرف تحضيض مثل هلا أي هلّا تأخير منك فتصدّق مني، وقد يرفع ما بعد الفاء إمّا على العطف كقوله تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (2) وإمّا على القطع كقول الشّاعر: (3)
ألم تسأل (4) الرّبع القواء فينطق …...
أي فهو ينطق، لأنه لم يجعل السؤال سببا للنطق بل جعله ينطق مع قطع النّظر عن السؤال، وللفاء بعد النفي معنيان:
أحدهما: ما تقدّم أعني مثال النفي وهو: ما تأتينا فتحدثنا أي لا إتيان فلا حديث/ لأنه إذا انتفى السّبب وهو الإتيان انتفى المسبّب وهو الحديث.
والثاني: أن يكون بانتفاء أحد الأجزاء وهو نفي الحديث وإن وقع الإتيان فكأنه يقول: كلّما أتيتني لم تحدثني أي لا يجتمع الإتيان والحديث، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم، «لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم» (5) أي لا يجتمع على أحد موت ثلاثة من الولد ومسّ النار وهو مغاير للمعنى الأول قطعا (6).