الكناش في فني النحو والصرفذكر التأكيد

5 وهو لفظيّ ومعنويّ، فاللفظيّ أن يكرّر اللفظ الأوّل بعينه وهو جار في الاسم والفعل والحرف، والجملة، نحو: زيد زيد، وضرب ضرب وإلى إلى، والله أكبر الله أكبر، والمعنويّ: تابع يقرّر أمر المتبوع في النسبة أو الشمول، فبقوله: يقرر أمر المتبوع، خرج العطف بالحرف والبدل، وبقوله: في النسبة، خرج النّعت وعطف البيان، فإنّهما يقرّران أمر المتبوع لكن لا في النّسبة 6 ومثال التأكيد الذي يقرر أمر المتبوع في النسبة قولك: جاءني زيد نفسه، وما أشبهه، والذي يقرّره في الشمول، نحو: جاء القوم كلّهم، وللمعنويّ ألفاظ معدودة، وهي: نفسه وعينه وكلاهما وكلتاهما، وكلّ وأجمع وأكتع وأبصع وأبضع، وهي تالية لأجمع، لأنّها لا تتقدّم عليه لكونها توابع له، خلافا لابن كيسان 7 فإنّه جوّز الابتداء بكلّ واحد منها 8 والنفس/ والعين مختلفة صيغهما، ويأتي الضمير معهما لمن هما له تقول: زيد نفسه والزيدان نفساهما وأنفسهما وهو الأكثر، والزيدون أنفسهم وهند نفسها والهندان نفساهما أو أنفسهما وهو الأكثر 9 كما في المذكّر، والهندات أنفسهنّ ولا يجري1234

كلا، إلّا على المثنّى خاصّة كما أنّ كلّه لا يجري إلّا على غير المثنّى، وكذلك أجمع وما بعده يقع تأكيدا لغير المثنّى، سواء كان مفردا أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا كما سنمثله، وليس في صيغتي كلا وكلتا اختلاف بل الاختلاف في الضمير الذي أضيفتا إليه فإنّهما يضافان إلى ضمير من هما له كقولك: كلاهما كلتاهما، والباقي من ألفاظ التأكيد لغير المثنّى باختلاف الضمير نحو: كلّها وكلّه وكلّهم وكلّهنّ وباختلاف الصيغ في الباقي 1 كما سنذكره.
واعلم أنّ أجمع لا ينصرف للتعريف ووزن الفعل، وجمعاء لا ينصرف للتأنيث ولزوم التأنيث، وأجمع وبابه يختلف باختلاف الصيغ لا بضمير، فإنّه لا يضاف تقول: اشتريت العبد كلّه أجمع أكتع أبتع أبصع، وجاءني القوم كلّهم أجمعون أكتعون أبتعون أبصعون واشتريت الجارية كلّها جمعاء كتعاء بتعاء بصعاء، وجاءتني النسوة كلّهنّ كتع بتع بصع، وأجمعون يختصّ بالمذكرين العقلاء ولا يؤكّد بكلّ وأجمع وبابه إلّا ذو أجزاء يصحّ افتراقها حسا أو حكما 2، لأنّها وضعت لمعنى الشمول، نحو: جاءني القوم كلّهم، لأنّ للقوم أجزاء ولكن يصحّ افتراقها حسا وهي: زيد وعمرو وغيرهم فإن لم يكن للشيء أجزاء أو كان له أجزاء ولكن لا يصح افتراقها حسا ولا حكما لم يجز تأكيده بكل وأجمع، لأنّهما للشمول كما تقدّم، فيصحّ قولك: اشتريت العبد كلّه، لأنّ أجزاءه يصحّ افتراقها حكما لأنّه يجوز أن يكون المشترى نصف العبد، أو أقلّ أو أكثر 3 ولم يصحّ: قام زيد أو جاء زيد كلّه والمراد بالشمول ما يشمل الشيء أي ما يحيط به، وقد استعملت حروف كل في معنى الشمول كثيرا فمنه: الإكليل لاحاطته بالرأس، والكلال لإحاطة التّعب بالبدن 4 وغير ذلك، وإذا أكّد بالنفس والعين ضمير متصل مرفوع فلا بدّ أن يفصل بينهما بضمير منفصل مطابق للمؤكّد 5

كقولك: ضربت أنت نفسك، فالضمير المرفوع المتصل المؤكّد هو التاء في ضربت، والمنفصل المطابق للمؤكّد هو أنت، وكذلك المضمر المتكلّم ضربت أنا نفسي وبابه، والمضمر الغائب نحو ضرب هو نفسه وجاءا هما أنفسهما، وجاؤوا هم أنفسهم وبابه، وإنّما وجب تأكيده بمنفصل لكون المرفوع المتصل كالجزء، فكرهوا أن يؤكّدوا ما هو كجزء الكلمة بالمستقل فأتوا بالضمير المنفصل ليجري المستقلّ على المستقلّ وما سوى المرفوع المتصل وهو المنصوب المتصل والمجرور المتصل، والمرفوع غير المتصل يؤكّد بغير شريطة 1 كقولك: ضربتك نفسك ومررت بك نفسك، وأنت/ نفسك فعلت، وغير النفس والعين يؤكّد به من غير شريطة كقولك: جاؤوا كلّهم وخرجوا أجمعون إلى آخرها، واختصّ النفس والعين بذلك لكونهما يستعملان مستقلّين دون غيرهما وألفاظ التأكيد المعنويّ كلّها معارف، لأنّها توكيد للمعرفة، وتعريفها من قبيل تعريف علم الجنس، ولمّا كانت ألفاظ التوكيد معارف، لم يجوّز البصريون أن تؤكّد غير المعرفة 2 لئلّا يؤدي إلى الجمع بين متنافيين، لأنّ مدلول النكرة غير معيّن، ومدلول المعرفة معيّن، والكوفيون أجازوا تأكيد النكرة بشرط أن تكون محدودة 3 قالوا: لأنّها حينئذ تشابه المعرفة من حيث إنّها معلومة ممتازة، واستشهدوا بقول الشاعر: 4 قد صرّت البكرة يوما أجمعا فأكّد يوما وهو نكرة بأجمع، والبصريون يؤولون ذلك وشبهه لخروجه عن القياس واستعمال الفصحاء 5.

جارٍ التحميل