ذكر البدل على المحل
ّ 4 إذا تعذّر البدل على اللفظ أبدل على المحلّ: والمذكور هنا لذلك ثلاثة أمثلة: أحدها: ما جاءني من أحد إلّا زيد، فيجوز نصب زيد على الاستثناء ورفعه على البدل من محل أحد، لأنّ محلّه الرفع بأنه فاعل جاءني، ويمتنع البدل من لفظه، لأنه123
لو أبدل من لفظه كان التقدير: جاءني من زيد، فتزاد من في الإثبات وهو غير جائز عند سيبويه 1.
ثانيها: لا أحد في الدار إلّا زيد، ولا إله إلّا الله بالرفع على البدل من المحلّ 2 ولا يجوز النّصب على البدل من لفظ أحد وإله خلافا للزجاج، وإنّما تعيّن البدل من المحلّ دون اللفظ، لأنّ العامل لفظا لمّا كان لا - وهي إنّما تعمل للنفي/ وما بعد إلّا إذا وقع في سياق النفي كان مثبتا، والبدل في حكم تكرير العامل فلو قدّرت بعد إلّا، لزم الجمع بين المتناقضين، لأنّ «لا» تقتضي نفي ما بعدها و «إلّا» تقتضي إثباته.
ثالثها: ما زيد شيئا إلّا شيء لا يعبأ به، فلا يجوز نصب شيء الثاني على البدل من لفظ شيئا الأول الذي هو خبر ما، إذ يبقى التقدير: ما زيد إلّا شيئا، فيلزم تقدير ما عاملة بعد إلّا وهي لا تعمل بعدها لانتقاض النفي، فيتعذّر البدل على اللفظ، فيجب حمله على المحل، ومحلّه رفع في الأصل قبل دخول ما بخلاف ليس فإنه يجب النصب في مثل قولك: ليس زيد إلّا شيئا لا يعبأ به، لأنّ ليس إنما عملت للفعليّة لا للنفي، فهي مثل: ما كان زيد إلّا قائما، وأما - ما ولا - فإنّهما إنما عملا للنفي، فإذا انتقض بنحو «إلّا»، بطل عملهما، فلذلك وجب النصب في قولك: ليس زيد إلّا قائما وامتنع النصب في: ما زيد إلّا قائما 3.
والمستثنى بغير وسوى وسواء لا يكون إلّا مخفوضا 4 لأنّه مضاف إليه، وكذلك حاشا على الأكثر 5 وقلّ
النصب بها نحو: اللهمّ اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وابن الأصبغ 6. لأنّه حرف جرّ غالبا، ومنهم من ينصب بحاشا على أنه
فعل 1 بمعنى جانب بعضهم زيدا، أي: فاعل من الحشا وهو الجانب 2 وسوى بكسر السين وضمّها مع القصر وبفتحها مع المدّ ظرف مكان عند سيبويه 3 وإعرابها النّصب على الظرفيّة، فتقول: جاء القوم سوى زيد، ومعناه جاء القوم مكان زيد، وقال قوم حكمها حكم غير 4 وعليه قوله: 5
ولم يبق سوى العدوا … ن دنّاهم كما دانوا
فسوى فاعل لم يبق، أي: لم يبق غير العدوان 6 [ومما يذكر مع أدوات الاستثناء لا سيّما، وإن لم تكن في الحقيقة أداة استثناء لأنّ الاستثناء يثبت للمستثنى حكما 7 ضدّ حكم المستثنى منه وليست لا سيّما كذلك، لأنّها تثبت للثاني حكم الأول بطريق الزيادة 8 فإذا قلت: أحسن إليّ القوم لا سيّما زيد، كان في الكلام إيذان بأنّ زيدا كان أوفر القوم إحسانا، ووجه ذكرها مع أدوات الاستثناء أنّ ما بعدها يخالف ما قبلها في الإخراج من المساواة إلى الترجيح بإثبات الزيادة له، وكان حكمه غير حكم الأول، واعلم أنّ لا سيّما ثلاث كلمات، وهنّ: لا، وسيّ، وما.
أما «لا»، فعند أكثر النحويين هي التي لنفي الجنس 9 وأما «سيّ» بكسر السين فهو المثل 10
وأما «ما»، فقيل هي حرف زائد، وقيل: هي اسم بمعنى الذي 1 فإذا قلنا: إنّ لا في لا سيّما هي التي لنفي الجنس، كانت سيّ إمّا نكرة مبنية معها على الفتح، أو معربة منصوبة مضافة إلى زيد مثلا، وما زائدة، والخبر محذوف أي حاصل أو موجود، والتقدير: لا مثل زيد موجود، ويجوز في الاسم الواقع بعد لا سيّما الرفع والنّصب والجرّ، لكنّ الجرّ هو الكثير، والرّفع قليل والنّصب أقلّ 2.
وقد روي بالوجوه الثلاثة قول امرئ القيس: 3
ألا ربّ يوم لك منهنّ صالح … ولا سيّما يوم بدارة جلجل 4
فالجرّ على أن تكون ما زائدة والاسم مجرور بإضافة سي إليه، والتقدير: لا مثل يوم، والرّفع على أن تكون ما موصولة مجرورة بإضافة سيّ إليها، والاسم بعدها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لا مثل الذي هو يوم بدارة جلجل.
وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب، لأنّها صلة الموصول والنّصب على وجهين:
الأول: أن يكون منصوبا بفعل محذوف، وما زائدة أي لا مثل أعني يوما.
والثاني: على أن تجعل لا سيّما بمنزلة إلّا فينتصب ما بعدها وهذا ضعيف، لما بيّنّا من كونها ليست بمنزلة إلّا في
صدر هذا الكلام، ويجوز تخفيف لا سيّما، ويجوز أيضا حذف لا منها للعلم بها 5 كقولك: أكرمه النّاس سيّما زيد] 6.