ذكر أنّ أصل هذه الحركة أن تكون بالكسر
4 اعلم أنّ الأصل فيما حرّك من الساكنين أن يكون بالكسر لما بين الكسر123 - وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ويتّقه جزما بكسر القاف وقرأ حفص عن عاصم ويتّقه ساكنة مكسورة بغير ياء الكشف، 2/ 140 والسبعة، 457/ 458 والاتحاف، 35.
والسكون من المؤاخاة من حيث اختصاص كلّ واحد منهما بقبيل من المعربات، لأنّ الجزم في الفعل نظير الجرّ في الاسم، فلذلك جعل الكسر عوضا عن السكون عند الحاجة إلى الحركة ولا يعدل عن تحريكه بالكسر إلى الضمّ أو الفتح إلّا لمعارض يقتضي ذلك جوازا أو وجوبا، والجواز قد يكون على السواء، وقد يكون الأصل أولى، وقد يكون المعدول إليه أولى، أما الجواز على السواء فهو أن يكون ما بعد الساكن الثاني ضمة أصلية لفظا أو تقديرا في نفس الكلمة الثانية التي الساكن الثاني فيها، فمثال الضمّة الأصلية لفظا، قوله تعالى: وَقالَتِ اخْرُجْ 1 سقطت همزة الوصل فالتقى ساكنان الأول تاء قالت والثاني خاء اخرج، وبعد الثاني الراء وهي مضمومة لفظا ضمّة أصلية فاستوى في تاء قالت الأمران أمّا الضمّ فلئلا يخرجوا من كسرة إلى ضمّة لازمة ولم يتعدوا بالساكن حاجزا، وأمّا الكسر فعلى الأصل 2. ومن ذلك أيضا ما قرئ في هاتين الآيتين فالأولى: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ 3 والثانية إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها 4 فإنه قرئ: وعذابن اركض، وعيونن ادخلوها بتحريك نون تنوين عذاب ونون تنوين عيون بالضمّ لالتقاء الساكنين، وهما التنوين/ المذكور وراء اركض ودال ادخلوها، واستوى في تحريك التنوين الأمران؛ أعني الضمّ والكسر، أما الضمّ فلاتباع ضمّة كاف اركض وخاء ادخلوها، وأمّا الكسر فعلى الأصل 5 ومثال الضمّة الأصلية تقديرا ضمّة زاي
اغزي يا هند، لأنّ الأصل اغزوي مثل اخرجي فاستثقلوا كسرة الواو فحذفوها فالتقى ساكنان الواو والياء فأسقطوا الواو لالتقاء الساكنين، وأبدلوا من ضمّة الزاي التي كانت قبل الواو كسرة لتصحّ الياء بعدها، لأنّها لو بقيت لانقلبت الياء واوا، فضمّة زاي اغزي أصلية تقديرا 1 فإذا اتّصل بها كلمة من قبلها، آخرها ساكن فتسقط همزة الوصل ويستوي في تحريك الساكن الأول الضمّ والكسر كقولك: قالت اغزي بتحريك تاء قالت بالضمّ والكسر لما قلنا فلو وجدت ضمّة في نفس الكلمة الثانية لكنّها ضمّة غير أصلية لم يستو الأمران مثل أَنِ امْشُوا 2 وإِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ 3 فإنّ ضمّة شين امشوا ليست أصلية لأنّ الأصل: امشيوا بكسر الشين وضمّ الياء فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان الياء والواو فحذفت الياء وأبدل من كسرة الشين ضمّة لتصحّ الواو وكذلك ضمّة راء امرؤ لزوالها في النصب والجرّ كقولك: رأيت امرأ ومررت بامرئ، ولو وجدت ضمّة بعد السّاكن الثاني لكن لا في الكلمة الثانية، وإن كانت أصلية لم يكن تحريك أحد الساكنين بالضمّ والكسر على السّواء مثل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ 4 فإن ضمّة الحاء وإن كانت أصلية بعد السّاكن الثاني، ولكن ليست في الكلمة الثانية، لأنّ حرف التعريف كلمة مستقلة فالضمّة التي بعده في كلمة أخرى لا في الثانية، لأنّ الثانية هي لام التعريف، وليس فيها ضمّة فلا يستوي فيه الأمران وإنما استوى الضمّ والكسر فيما تقدّم ولم يلزم الضم كما لزم في همزة الوصل في نحو: اخرج واقتل، لأنّ همزة الوصل مع الضمّة في كلمة واحدة، وليس ما ذكرناه مع هذه الضمة في كلمة واحدة فافترقا.
ومما حرّك على خلاف الأصل قوله تعالى: مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي 5 فإنّه - 2/ 153 عن الضم «وهذا كله عربي قد قرئ».
قريء في الشاذ «مريبن الذي» بتحريك نون مريب بالفتح هربا من توالي الكسرات.
وأما الذي تحريكه على الأصل أولى فهو الأكثر فيما حرّك لالتقاء الساكنين.
ومنه واو لو فإنّ تحريكها بالكسر أولى، نحو قوله تعالى: لَوِ اسْتَطَعْنا 1 لما سنذكره الآن، وأمّا الذي تحريكه على خلاف الأصل أولى فمنه ضمّ واو الضمير كما تقدّم من نحو: اخشوا الله اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ 2 وإنما كان الضمّ أولى للفرق بين واو الضمير وبين واو «لو» فإنّ الواو المفتوح ما قبلها إن كانت ضميرا ولقيت ساكنا بعدها مثل وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ 3 فتحريكها بالضمّ أولى، وإن كانت حرفا من نفس الكلمة نحو واو «لو» فتحريكها بالكسر أولى في مثل لَوِ اسْتَطَعْنا 4 وإنما تخصّص ما هو اسم بالضمّ دون/ الحرف لأنّ الواو التي هي اسم أعني واو الضمير قد سقط من قبلها حرف مضموم، لأنّ الأصل في لا تنسوا، لا تنسيوا، وفي اخشوا اخشيوا وفي ارموا ارميوا وكذلك جميع ما يأتي من هذا الباب، فلما تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثمّ حذفت لسكونها وسكون واو ضمير الجمع، فلمّا احتاجوا إلى تحريك هذه الواو حرّكوها بالحركة المحذوفة، وهي ضمّة وكانت أولى من حركة غريبة 5 وأمّا الواو التي هي حرف وهي من نفس الكلمة نحو واو «لو» فحركت على الأصل في التقاء الساكنين 6 واعلم أنّه جاء كسر واو الضمير تشبيها لها بواو «لو»، وضمّ واو «لو» تشبيها لها بواو الضمير، لكون كلّ منهما واوا ساكنة قبلها فتحة، وللنحاة مثل ذلك في جعلهم كلّ قبيل مشبها بالآخر، كإجازاتهم الجرّ في الضارب الرجل تشبيها بالحسن الوجه، وإجازتهم النصب في الحسن الوجه تشبيها بالضارب الرجل.
ومنه 7 ردّ وشدّ ومدّ، فالأولى تحريك الساكن الثاني بالضم للاتباع، لأنّ عمل
اللسان في جهة واحدة أخفّ، فلذلك حركوا الساكن الثاني بحركة ما قبل الساكن الأول، وحرّك الثاني لالتقاء الساكنين، وهما الدّال الأولى المسكّنة للادغام، والدال الثانية الساكنة للأمر، ومنهم من يحرّك ذلك كلّه بالكسر على الأصل فيقول: ردّ ولم يردّ بالكسر ومنهم من يفتح فيقول: ردّ ولم يردّ بالفتح طلبا للخفّة هذا إذا لم يتصل به ما يقتضي خلاف ذلك نحو: يا زيد ردّ القوم، فالأكثر فيه الكسر، لأنه مثل: اضرب القوم مع جواز الضمّ والفتح أيضا، وإنما لم يجب في ردّ القوم الكسر كما وجب في اضرب القوم للإدغام، وينشد بيت جرير 1: فغضّ الطّرف إنّك من نمير …... على الأوجه الثلاثة، وكذلك ذم في قول الشّاعر: 2 ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى … والعيش بعد أولئك الأيّام وأمّا ما عدل به عن الأصل وجوبا: فمنه: ردّ وشبهها إذا اتصل بها ألف الضمير فتقول: ردّها وعضّها ونحوهما بفتح ما قبل الهاء وجوبا وذلك لخفاء الهاء حتى كأن الدال في ردّها أو الضاد في عضّها قد وليت الألف 3 ومنه: ردّه وعضّه إذا اتّصل به واو، ولذلك حرّك الساكن الثاني في ردّه بالضمّ لمناسبة الواو المتصلة بالهاء لخفاء الهاء حتى كأنها لم تحجز، وليس ضمّ ردّه بقوة فتح ردّها 4، وكذلك وقع الخلاف - وعتي «وانظر المقتضب، 1/ 184 وشرح المفصل، 9/ 128.
في ردّه وشبهه فجوّز فتحه قوم ومنعه الأكثر وغلّطوا ثعلبا (1) في جواز الفتح أعني دال ردّه (2). ومنه: من مع لام التعريف (3) نحو: من الرجل بفتح نون من وجوبا والتزموا الفتح لكثرة وقوع من مع لام التعريف طلبا للخفّة، وقد جاء الكسر على الأصل فقالوا: من الرّجل بكسر النون وهو ضعيف وهو بعكس من ابنك لأنّ كسر نون من في قول: من ابنك هو الفصيح، لأنّه على الأصل، وقد جاء فيه الفتح، وهو أضعف فقالوا من ابنك مثل/ من الرجل، فأمّا نون عن فعلى الأصل في الموضعين فتقول: عن الرّجل، وعن ابنك بالكسر فيهما ليس إلّا (4). ومنه: هلمّ يا هؤلاء (5) بتحريك الساكن الثاني وهي ميم هلمّ المدغم فيها بالفتح وجوبا في لغة أهل الحجاز، وأمّا أهل نجد فيقولون: هلمّوا وهلمّي (6) على ما سبق في موضعه.