القسم الأول في حدّ الخطّ وما جاء منه على الأصل المقرر
فنقول: أمّا الخطّ 2 فهو تصوير اللّفظ المقصود تصويره بحروف هجائه، كما إذا قيل: اكتب زيدا، فإنّما تكتب مسمّى الزاي والياء والدّال وهو هذه الصورة أعني زيد لأنّ الصورة هي مسمّى هذه الحروف، فإذا قيل: اكتب شعرا مع قرينة لفظه كتبت صورته وإلّا ما ينطلق عليه الشّعر 3 وكذلك إذا قيل: اكتب جيم عين فاء راء فإن قصد تصوير مسمّى هذه الحروف فإنّما تكتب جعفر، وإن قصد تصوير أسماء حروف جعفر دون مسمّاها كتبت جيم عين فاء راء، ولذلك خطّأ الخليل 4 لمّا سألهم كيف تنطقون بالجيم من جعفر فقالوا: جيم، فقال: إنّما نطقتم باسم المسؤول عنه لا بالمسؤول عنه والجواب: جه، لأنّه مسمّى الجيم، فإن سمّي بحرف الهجاء مسمّى آخر كما لو سمّي رجل أو السورة بياسين جاز أن تكتب على صورة أسماء الحروف نحو: ياسين وجاز أن تكتب على صورة مسمّى
الحروف نحو: يس.
والأصل 5 في كلّ كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها، وهو أصل معتبر في الكتابة والخطّ مبنيّ عليه.1
فمما كتب على الأصل المذكور نحو: ره زيدا، وقه زيدا بالهاء، لأنّك إذا وقفت قلت: ره وقه بالهاء.
ومنه: 1 أنّهم كتبوا ما الاستفهامية في قولك: مه أنت ومجيء مه جئت بالهاء لأنّه يوقف عليه بالهاء بخلاف «ما» في حتّام وإلام وعلام؟ فإنّه لا يكتب بالهاء إلّا إذا قصد الوقوف عليها بالهاء كما سيذكر وإنما لم تكتب «ما» بالهاء في حتّام لشدة الاتّصال بحرف الجرّ فصارت «ما» كأنها جزء مما قبلها، ويدلّ على ذلك أنّ الياء في حتّام وإلام وعلام كتبت ألفا مع ما الاستفهامية المجرورة المذكورة لأنّ هذه الألف في الوسط حينئذ.
ومنه: 2 أنهم كتبوا من ما وعن ما: ممّ 3 وعمّ، بغير نون لشدّة الاتصال بالحرف فإنّ قصد في «ما» الاستفهاميّة المجرورة بحتّى وأخواتها أن يوقف عليها بالهاء كتبت الهاء متصلة مع ميم ما، وجاز حينئذ أن لا ترجع الياء في باب حتّى ولا النون في من وعن، بل تبقى الألف ثابتة مع الهاء كما كانت في حتّام بغير هاء لعدم الاعتداد بالهاء كقولك: حتّامه وإلامه وعلامه وممّه وعمّه، وجاز أن يعتدّ بالهاء فترجع الألف إلى أصلها في حتّى وإلى وعلى، وتثبت النون في من وعن فنقول على ذلك: حتّى مه وإلى مه وعلى مه وممّن مه وعمّن مه 4.
ومنه: 5 أنّهم كتبوا أنا زيد بالألف لأنّه يوقف على أنا بالألف ومن قال: أنه في الوقف كتبه أنه زيد بالهاء، وكذلك كتب قوله تعالى: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ 6 بالألف فيمن وقف على أنا بالألف، والهاء فيمن وقف بالهاء، إذ أصله لكن/ أنا هو الله، فحذفت الهمزة وأدغمت نون لكن في نون أنا بقي لكنّا 7.
ومنه 1: أنّهم كتبوا تاء التأنيث في نحو: رحمة هاء فيمن وقف بالهاء وكتبت تاء فيمن وقف عليها بالتاء، بخلاف أخت وبنت وباب قائمات وباب قامت هند، فإنّ ذلك إنّما يكتب بالتاء للوقف على الجميع بالتاء، إلّا في لغة رديئة يقول أهلها: قائماه بالهاء في الوقف على قائمات 2.
ومنه: 3 أنّهم كتبوا المنوّن المنصوب ألفا لأنّ الوقف عليه كذلك نحو: رأيت زيدا، وكتب المرفوع والمجرور بالحذف نحو: جاءني زيد ومررت بزيد، لأنّ الوقوف عليه كذلك، ومن وقف على المرفوع والمجرور بالواو والياء كتبهما بالواو والياء.
ومنه: أنهم كتبوا إذن بالألف على الأكثر 4 وكتبها بعضهم نونا توهما منه أنّ الألف التي يوقف عليها بدلا من النون التي في الأصل.
ومنه: 5 أنّهم كتبوا نحو: اضربا، بالألف على الأكثر، لأنّه إذا وقف على نون التأكيد الخفيفة في نحو: اضربن قلبت ألفا كقولك: اضربا ومن كتبها نونا ألحقها باضربن بضمّ لام الفعل، وكان قياس اضربن التي بضمّ اللّام أن تكتب بواو وألف نحو: اضربوا، لأنّ الوقوف عليها كذلك، وأن تكتب اضربن بكسر اللام بياء نحو اضربي، وهل تضربن بضمّ اللام؛ بواو ونون، وهو غير هذه النون أعني نون الإعراب نحو: هل تضربون، وهل تضربن بكسر اللّام؛ بياء ونون الإعراب نحو: هل تضربين لأنّ الوقف عليها كلها كذلك، أعني بحذف نون التأكيد، وردّ ما كان قد حذف لأجلها وهو نون الإعراب حسبما تقدّم في نون التأكيد 6 لأنّ الأصل في كتبة كلّ كلمة أن - لإجراء الوصل مجرى الوقف، والباقون بحذفها وصلا وإثباتها وقفا على حدّ أنا يوسف.
الإتحاف، 350 وشرح الجاربردي ومعه حاشية ابن جماعة، 1/ 373.
تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها، لكن تركوا هذا الأصل في نون التأكيد، وكتبوا ذلك على لفظه لأنّه لو كتب على هذا الأصل لعسر تبيّن التأكيد ولم يدرك أصلا، لأنّه على هذه الصورة عند عدم إرادة التأكيد، وإنما يقع اللّبس المذكور في غير اضربن للمفرد المذكر، ولذلك كتب بالوجهين أعني بالألف وبالنون نحو: اضربا واضربن، أما من كتب اضربن بالنون فلأنّ النون الخفيفة التي فيه مثل النون في باقي أخوته، وأمّا من كتبه على الأصل بالألف فلفوات الأمرين المانعين لأنّه يتبيّن التأكيد بكتابة النون ألفا ولا يعسر حينئذ تبيّن هذا الأصل (1). ومنه: (2) أنّهم كتبوا باب قاض رفعا وجرا بغير ياء لأنّ التنوين مراد، وباب القاضي، بالياء على الأفصح فيهما، لأنّ الوقف عليهما كذلك في الأفصح، ومن وقف عليهما بياء فيلزمه أن يكتبهما بياء، ومن وقف عليهما بحذف الياء يلزمه أن يكتبهما بغير ياء (3). ومنه: (4) أنّهم كتبوا الحرف في نحو: بزيد وكزيد ولزيد متصلا، لأنّه لا يوقف على حرف الجرّ، فصار مع الاسم الذي بعده كالجزء منه، كما كتبوا الكاف ونحوها في مثل: منك ومنكم وضربكم متصلا، لأنّه لا يبتدأ بهذه الكاف (5).