الفصل الثاني في الوقف
8 وهو قطع الكلمة عمّا بعدها لفظا أو تقديرا، ويشترك فيه الاسم والفعل والحرف، وفي الوقف على ما هو متحرك في الوصل لغات: منها: الإسكان الصريح في كلّ حال كقولك: هذا بكر ورأيت بكر ومررت ببكر1234567
لأنه لمّا وجب الابتداء بالمتحرك اختير الوقف بالسكون ليخالف الانتهاء الابتداء، وإن اجتمع ساكنان فإنه يجوز في الوقف الجمع بين ساكنين لأنّ الوقف يوفّر على الحرف الموقوف عليه الصوت فيجري ذلك له مجرى تحريكه كما جرى المدّ مجرى الحركة، وليس كذلك الوصل ألا ترى أنّك إذا قلت: بكر في حال الوقف وجدت في الراء من التكرير وزيادة الصوت ما لا تجده في حال الوصل 1.
ومنها: الإشمام وهو ضمّ الشفتين بعد الإسكان على صورتهما إذا لفظت بالضمّة، فذلك 2 هو الدلالة على الأشمام، والغرض الفرق بين ما هو متحرك في الوصل - وإنّما سكّن في الوقف - وبين ما هو ساكن في كلّ حال، ويختصّ الإشمام بالمرفوع والمضموم 3 لأنّه هو الذي يمكن فيه أن يجعل العضو على صورة الضمّة، دون المنصوب والمجرور.
ومنها: الرّوم وهو أن تروم التحريك 4 والغرض به هو الغرض بالإشمام إلّا أنه أتمّ في البيان، والقرّاء لا يرومون حركة المنصوب لخفّة النطق بها، ولا المنصوب المنوّن للوقوف عليه بالألف ولكن يرومون ما سواهما 5 وإذا رمت الحركة فهي موجودة فلم تحتج 6 إلى دليل عليها.
ومنها: التضعيف، وهو تشديد الحرف الذي تقف عليه نحو: يا فرجّ بتشديد الجيم والغرض به الإعلام بأنّ هذا الحرف متحرك في الوصل، ويختصّ التضعيف بكلّ كلمة آخرها حرف صحيح قبله متحرك، فإن كان قبله ساكن لم يصحّ التضعيف، لاستلزامه الجمع بين ثلاثة سواكن، وكذا إن كان آخره همزة لم يضعّف وكذا حرف العلّة لا يضعّف لثقلهما 7 وكذا المنصوب المنوّن لا يضعّف للوقوف عليه بالألف،
فأمّا ما لا ينون فيضعّف نحو: رأيت أحمدّ، فحينئذ قد اشترك في التضعيف المرفوع والمجرور والمنصوب غير المنون/ وقد جعلوا لهذه الأربعة علامات فعلامة الإسكان الخاء، والإشمام نقطة، والروم خطّ بين يدي الحرف، والتضعيف الشين 1.
ومنها: أن تقف على المنصوب المنوّن حال النصب بالألف وفي الرفع والجرّ بالإسكان.
ومنها: الوقف على المرفوع بالواو، والمنصوب بالألف، والمجرور بياء سواء فيه المنون وغيره تقول: رأيت أحمدا ومررت بأحمدي وجاءني أحمدو 2.
ومنها: تحويل ضمّة الحرف الموقوف عليه وكسرته على السّاكن قبله دون الفتحة في غير الهمزة كما سيأتي حكمها، فتقول: هذا بكر ومررت ببكر ورأيت بكرا، فتبدل من التنوين في حال النصب ألفا، ويشترط لهذه اللغة أن يكون ما قبل الآخر ساكنا صحيحا كسكون كاف بكر، وأن لا تخرج الكلمة بالتحويل إلى ما لا نظير له فلا يقال: هذا عدل لعدم فعل بكسر فاء الفعل، وضمّ عينه ولا مررت بقفل لعدم فعل أعني ضمّ الفاء وكسر العين، وأجازه الأخفش متمسكا بدئل اسم قبيلة 3، ويشترط أيضا أن لا يكون مثل: ثوب وزيد، فلا يقال: ثوب وزيد لثقل الضمّ والكسر على الواو والياء، ويشترط أيضا أن تكون الحركة حركة إعراب غالبا فلا يقال: من قبل ومن بعد، لأنّ الحرص إنّما هو على معرفة حركة الإعراب لا على حركة البناء، ويجري ذلك في المعرّف باللّام أيضا فتقول: هذا البكر ومررت بالبكر، قال الشّاعر: 4
قد نصر الله وسعد في القصر
وقال: 1
أنا جرير كنيتي أبو عمر … أضرب بالسيف وسعد في القصر
أراد أبو عمرو: فحوّل كسرة الراء إلى الميم، وكذلك حوّل كسرة راء القصر إلى الصاد، وأما في حال النّصب فلا تحوّل، لأنّ أصله أن يظهر إعرابه في الوقف إذا كان منونا، ولكن لمّا زال التنوين للّام كان التنوين كأنّه موجود فيه فتقول على هذه اللغة: رأيت البكر بفتح الراء كأنك قلت: رأيت بكرا وقد حوّلت الحركة في نحو: لم أضربه وهند ضربته 2 وكان ينبغي أن لا تحوّل لأنّ حركة الهاء فيها ليست بحركة إعراب، ولكن لما سكنت الهاء خفيت وزادها خفاء الساكن قبلها، فلذلك حولت حركتها إلى ما قبلها قال زياد الأعجم: 3
عجبت والدّهر كثير عجبه … من عنزيّ سبّني لم أضربه
كان لم أضربه 4 فسكّن الهاء وحوّل حركتها إلى الساكن الذي قبلها وهو الباء صار: لم أضربه.
فأمّا ما آخره همزة 5 إذا وقفت عليها في هذه اللغة فتحوّل حركاتها الثلاث الضمّة والكسرة والفتحة أيضا إلى ما قبلها وذلك لخفاء الهمزة والحرص على بيانها فتقول في الخبء بالهمز وسكون الباء: هذا الخبؤ ورأيت الخبأ ومررت بالخبئ بتسكين الهمزة وتحريك الباء بالضّمّ/ والفتح والكسر، وكذلك تقول في البطء بسكون الطاء: هذا البطؤ ورأيت البطأ ومررت بالبطئ فتسكن الهمزة وتحرك الطاء
بالضمّ والفتح والكسر، وكذلك تقول: هذا الرّدؤ ورأيت الرّدأ ومررت بالرّدئ، وجوّزوا الرّدؤ وشبهه على وزن فعل بكسر الفاء وضمّ العين، وإن لم يكن في الكلام فعل، كلّ ذلك لما قلنا من الحرص على بيان الهمزة لخفائها، ومنهم من يقول: هذا الرّدئ فيكسرون الدّال اتباعا للكسرة التي قبلها (1) ويقول: من البطؤ فيضمون الطاء إتباعا للضمّة التي قبلها كراهة الانتقال من ضمّ إلى كسر وبالعكس.
ومن لغات الوقف على المهموز (2) أن يبدلوا من الهمزة حرف لين سواء تحرك ما قبلها نحو: الكلأ أو سكن نحو: الخبء وسواء كان فاء الكلمة مفتوحا، أو مضموما، أو مكسورا، فيقولون: هذا الكلو والخبو والبطو والرّدو - ورأيت الكلا والخبا والبطا والرّدا، ومررت بالكلي والخبي والبطي والرّدي، ومنهم من يقول: هذا الرّدي بالياء في الأحوال الثلاث وهذا البطو بالواو في الأحوال الثلاث على إتباع حركة ما قبل الهمزة حركة فاء الفعل، وأهل الحجاز يقولون في الكلأ وأكمؤ وأهنئ مهموزة: الكلا بالألف وأكمو بالواو وأهني بالياء في الأحوال الثلاث (3)، لأنّ الهمزة سكّنت للوقف فقلبت على حسب ما قبلها، فقلبت في كلأ ألفا كما قلبت في رأس ألفا، وفي أكمؤ واوا كما قلبت في جؤنه، وفي أهني ياء كما قلبت في ذئب (4) وأكمؤ جمع قلّة لكمء (5) أحد الكمأة التي تؤكل وجمع الكثرة كمأة، وقد جاء الكمء للمفرد بغير هاء، والكمأة بالهاء للجمع على خلاف القياس والهنيء العطاء يقال: هنأته أهنؤه هناء أي أعطيته (6).