الفصل الأول اسمه وأسرته وإمارته على مدينة حماة
هو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي بن السلطان الملك المظفر تقي الدين أبي الفتح محمود بن السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبي المعالي محمد بن السلطان الملك المظفر تقي الدين أبي الخطاب عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شادي 1.
وواضح من هذا النسب الرفيع أن أبا الفداء ينتمي إلى الأسرة الأيوبية التي حكمت الشام ومصر وتاريخها أشهر من أن يعرّف.
وتجمع المصادر التي ترجمت له على أن مولده كان في دمشق في شهر جمادي الأولى سنة 672 هـ لأن أهله كانوا قد غادروا حماة إلى دمشق خوفا من التتار 2.
وأشار أبو الفداء في كتابه المختصر إلى بعض الأخبار التي تلقي الضوء على
أحوال أسرته فذكر أن أباه الملك الأفضل علي بن الملك المظفر محمود بقي يشارك أخاه صاحب حماة الملك المنصور أحمد في معاركه وفتوحاته ضد الصليبيين 1 حتى توفي بدمشق سنة 692 هـ 2 وأنّ والدته كانت على قدم كبير من العبادة والتقوى وتوفيت سنة 728 هـ 3 وأنّ له أخوين هما أسد الدين عمر، وبدر الدين حسن الذي توفي سنة 726 هـ 4 وأنّ أبا الفداء رزق ولدا أسماه محمدا سنة 712 هـ 5 وذكر ابن الوردي أنّ محمدا استلم الملك بعد وفاة أبيه وعمره عشرون عاما وأنّه توفي سنة 742 هـ 6. والعجيب حقا أنّ كتب التراجم لم تحدثنا الكثير عن طفولة أبي الفداء ونشأته الأولى - مع كونه سليل ملوك وملكا بعد ذلك - سوى نصّها على أنه كان أميرا بدمشق من جملة أمرائها 7 في حين ذكر أبو الفداء أيضا ما يدلنا على أنه بدأ حياته العسكرية مبكرا؛ فقد شارك عمّه وأباه في معاركهما ضد الصليبيين وفتح معهما قلعة المرقب وكان عمره اثنتي عشرة سنة 8. وتجمع المصادر - مبيّنة كيف تولّى السلطنة على حماة - على أن أبا الفداء «خدم الملك الناصر - محمد بن قلاوون - لمّا كان بالكرك وبالغ في ذلك فوعده بحماة
ووفّى له بذلك وأعطاه حماة بعد أن أمّر أسندمر - الذي كان أميرا عليها - على حلب بعد موت نائبها قبجق - وجعله صاحبها، سلطانا يفعل فيها ما يختار من إقطاع وغيره ليس لأحد من الدولة بمصر من نائب ووزير معه فيها حكم، اللهم إلّا إن جرّد عسكر من مصر والشام جرّد منها؛ وأركبه في القاهرة سنة 720 هـ بشعار الملك وأبّهة السلطنة، ومشى الأمراء والناس في خدمته حتى الأمير سيف الدين أرغون، ولقبه الملك الصالح، ثم بعد قليل لقبه الملك المؤيّد 1 وعاد أبو الفداء إلى حماه بعد أن جهّزه السلطان بسائر ما يحتاج إليه 2. وقد صوّرت لنا المصادر أيضا تلك المنزلة الرفيعة والمكانة السامية التي نالها أبو الفداء لدى الملك الناصر، فقد تقدّم الملك الناصر إلى نوابه: «بأن يكتب إليه - يقبّل الأرض وهذا لفظ يختصّ - كما يقول الشوكاني، بالسلطان الأعظم 3 - وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله يكتب إليه: يقبّل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيّدي العمادي، وفي العنوان صاحب حماة، ويكتب السلطان إليه (أخوه محمد بن قلاوون) أعزّ الله أيضا المقام الشريف العالي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي بلا مولوي: 4 وكان تاريخ التقليد في الثامن عشر من جمادى الأولى سنة 710 هـ 5. وقد قابل أبو الفداء هذا الإكرام والتعظيم بالوفاء والولاء، فكان يتوجه «إلى مصر في كلّ سنة بأنواع من الخيل والرقيق والجواهر وسائر الأصناف الغريبة» 6. وبقي أبو الفداء ملكا على حماة حتى توفي فجأة في الثالث والعشرين من
المحرّم سنة 732 هـ 1 عن ستين سنة إلا ثلاثة أشهر وأياما.
ودفن ضحوة عند والديه بظاهر حماة 2 وقد رثاه جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها: 3
ما للندى لا يلبّي صوت داعيه... أظنّ أنّ ابن شاد قام ناعيه
ما للرجاء قد استدّت مذاهبه... ما للزمان قد اسودت نواحيه
نعى المؤيّد ناعيه فيا أسفا... للغيث كيف غدت عنّا غواديه