النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهاتصفحات 530-556
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المرتدين

صفحات 530-556
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زيد القيرواني
الكتاب
النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
المؤلف
أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت
الطبعة
الأولى، 1999 م
عدد الأجزاء
15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لأنه لم يكن مضمراً على الشتم وإنما تكلم على الغضب) 1. قال أبو بكر قال يحيى قال أبو إسحاق البرقي: قال أصبغ: لا يقتل لأنه إنما شتم الناس.
وذهب الحارث وغيره في مثل هذا إلى القتل.
وكل من شتم نبياً من الأنبياء قتل، وإن تاب لم يقبل منه إلا أن يكون ذمياً.
(قال) 2 وكذلك إن شتم غيره من الأنبياء أو ملكاً من الملائكة.
وروى عيسى عن ابن القاسم في الكتابي (والمجوسي) 3 الذي يقول: إن محمداً لم يرسل إلينا وإنما (أرسل إليكم، وإنما) 4 نبينا موسى أو عيسى أرسل إلينا ونحو هذا فلا شيء عليهم، لأن الله تبارك وتعالى أقرهم على مثل ذلك على أخذ الجزية.
وأما إن سبه فقال: ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء يقوله ونحو هذا، فهذا يقتل.
والمسلم إذا قال مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يقتل به.
ومن سماع ابن القاسم عن رجل نادى رجلاً باسمه فأجابه: لبيك اللهم لبيك؟ فإن كان جاهلاً أو قاله على وجه السفه فلا شيء عليه.
وقال سحنون في الرجل يقول عند التعجب من الشيء صلى الله عليه وسلم، قال ذلك مكروه، ولا ينبغي أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا على سمة الاحتساب ورجاء الثواب.
وروى عيسى عن ابن القاسم في نصراني قال ديننا (خير) من دينكم وإنما دينكم دين الحمير ونحو ذلك من القبيح، ومثل قول النصراني للمؤذن إذا قال أشهد أن محمداً رسول الله، قال: كذلك يضيعكم 5 الله قال: هذا

فيه الأدب الوجيع والسجن الطويل.
أما إن شتم النبي صلى الله عليه وسلم شتماً يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم.
قال مالك: يقول الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) 1. قال عيسى في الذي سمع ذمياً يشتم النبي صلى الله عليه وسلم فاغتاظ فقتله، فإن كان شتماً يجب به عليه القتل وثبت ذلك ببينة فلا شيء عليه، وإن لم يثبت ذلك عليه أو شتمه شتماً لا يلزمه به القتل فعليه نصف ديته، ويضرب مائة ويحبس سنة، وهذا في باب آخر قد كرر.
وقال مالك: ومن شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو ابن العاص، فأما إن قال إنهم كانوا على ضلال وكفر فإنه يقتل، ولو شتمهم بغير ذلك من مشاتمة الناس فلينكل نكالاً شديداً.
قال: وإن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي استتيب، فإن تاب وإلا قتل.
وفي كتاب ابن سحنون (قال سحنون) 2 وكتب إلى بعض أصحابنا: ومن كفر أحداً من الصحابة، كفر علياً أو عثمان أو غيره من الصحابة فأوجعه جلداً.
ورأيت في مسائل رويت عن سحنون من كتاب موسى: أن من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إنهم كانوا على ضلالة وكفر فإنه يقتل، ومن شتم غير هؤلاء من الصحابة بمثل هذا فعليه نكال شديد.
قيل فيمن قال أخطأ جبريل بالوحي، إنما كان النبي علي بن أبي طالب، قال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

باب (1)

في المتنبي والساحر ومن تنبأ من أهل الكتاب أو قال بعد نبيكم نبي

من العتبية 2 روى عيسى عن ابن القاسم، ورواه ابن حبيب عن أصبغ عنه فيمن تنبأ أنه يستتاب، أسر ذلك أو أعلنه.
وهو إذا دعا إلى ذلك سراً فقد أعلنه، فإن لم يتب قتل، وميراثه للمسلمين كالمرتد.
وكذلك في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم قال أصبغ في كتاب ابن سحنون ومن لم يعلن كفره حتى شهد به عليه (قتل) 3 ولم يستتب.
ومن كتاب ابن سحنون: وكتب سحنون إلى ابن عبد الحكم يسأل له أشهب عن اليهودي يزعم أنه نبي أو أنه رسول إلينا، أو قال: بعد نبيكم نبي، قال: إن كان معلناً بذلك استتيب إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل.
قال سحنون في العتبية 4: ومن تنبأ وزعم أنه يوحى إليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل.
قال ابن المواز: ومن قول مالك وأصحابه: أن الساحر كافر بالله، فإذا سحر هو بنفسه فإنه يقتل ولا يستتاب.
والسحر كفر.
قال الله تعالى (حكاية عن هاروت وماروت) 5 (إنما نحن فتنة فلا تكفر) 6.1

وقال مالك: هو كالزنديق إذا عمل السحر هو نفسه.
قال الله سبحانه: (ولقد علما لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) 1 وقد أمرت حفصة في جارية لها سحرتها أن تقتل فقتلت.
قال ابن عبد الحكم وأصبغ: هو كالزنديق ميراثه لورثته المسلمين، وإن كان للسحر أو الزندقة مظهراً استتيب فإن لم يتب قتل وكان ماله في بيت المال، ولا يصلى عليه بحال.
وأما الذي يسر ذلك إذا قتل فيرثه ورثته ولا آمرهم بالصلاة عليه، فإن فعلوا فهم أعلم.
قال مالك: ولا يقتل الساحر إن كان من أهل الذمة، إلا أن يكونوا أدخلوا بسحرهم ضرراً على المسلمين، فيكون نقضاً للعهد، فإن تاب فلا توبة له إلا الإسلام.
قال مالك وإن سحر بذلك أهل ملته 2 فليؤدب إلا أن يقتل أحداً فيقتل به.
قال سحنون في العتبية 3 في الساحر من أهل الذمة إذا عثر عليه فإنه يقتل إلا أن يسلم فيترك كمن سب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن كتاب ابن المواز قال: وإذا ذهب المسلم إلى من عمل له السحر فليؤدب أدباً موجعاً.
قال مالك من رواية ابن وهب قال: ويقتل الساحر إن كان مسلماً، سحر مسلماً أو ذمياً.
وإن كان الساحر ذمياً قتل إن آذى به مسلماً، وإن آذى ذمياً (أدب) 4 إلا أن يقتله فيقتل به.

قال: ومن أطعم رجلاً ما أذهب به عقله فليس هذا من السحر وليؤدب، ويطال سجنه.
وأما الذي يقطع لسان رجل أو يدخل السكاكين في جوف نفسه، فإن كان هذا سحراً قتل، وإن كان خلافه عوقب.
قال: والذي يسحر الرجل والمرأة حتى يتبع 1 أحدهما صاحبه: إن كان هذا من سحر قتل، وإن لم يكن من سحر أدب.
قال: ومن غلا في النجوم فيقول: فلان يقدم غداً أو يكسف القمر غداً فليزجر، فإن عاد أدب أدباً شديداً.
ولو علم ذلك أحد لعلمه الأنبياء.
وما علم النبي صلى الله عليه وسلم بالشاة المسمومة حتى أكل منها.
قال أشهب عن مالك في التي أطعمت إنساناً ملحاً أذهب عقله، فمرة فيفيق ومرة يذهب عقله فينبح ويرعد، وقالت لا أقدر على زواله عنه، قال هي محفوفة بكل سواء، أما القتل فلا أدري.
وقد كتبت هذا في باب المحاربين.
وقال: فيمن نصب نفسه إلى شيء من (علم) 2 الكهانة فيخبر بمن سرق متاعاً لرجل وموضعه ويخبره بما يجد في سفره، أو يطعم السارق الطعام ليخرج له السرقة، فليؤدب هؤلاء ويحبسوا حتى يتوبوا.
قال: والعبد المكاتب إذا سحر سيده قتل، ويلي ذلك منه السلطان إذا كان السحر الذي قال الله سبحانه.
قال أصبغ: فيكشف ذلك حتى تعرف حقيقته، ولا يحل لسيده ولا لغيره قتله.

وقد سحرت عائشة جاريتها واعترفت فلم تقتلها وباعتها ممن يسيء ملكها.
قال غيره: إنما فعلت ذلك عائشة حين كانت يجب عليها القتل عندها لو رفع ذلك إلى السلطان وصح عنده.
وإذا سحرت المدبرة أو المكاتبة فلم يرفع أمرها إلى السلطان، فليس لربها أن يبيعها لما فيها من عقد التدبير أو الكتابة، وليس له حلها، وليس لأحد ما لعائشة في ذلك.
قال محمد: والسحر كفر، فمن أسره وأظهر الإسلام فظهر عليه قتل وإن أظهره فكمن أظهر كفره.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: يضرب ضربة يفرق بها بين الحق والباطل.
وقتل ساحر في زمان زياد بن أبي سفيان كان يدخل حصاة في دماغه ليخرجها من فيه، ويأخذ الثوب فيخرقه ثم يأتي به على حاله ونحو هذا، وكتب عمر: أن اقتلوا (كل ساحر) 1 وفرقوا بين المجوسي وذوات المحارم في كتاب الله، وامنعوهم الزندقة.
ولم يكن عمر يأخذ الجزية من المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.
وقال ابن المسيب وابن شهاب: يقتل الساحر.
قيل لابن شهاب: فمن سحر من أهل الكتاب فلم يقتله.
وكذلك قال مالك، إلا أن يدخل بسحره على المسلمين ضرراً.

في منع الزكاة وترك الصلاة أو ترك فريضة من فرائض الله سبحانه

من العتبية 1 من رواية عيسى عن ابن القاسم عن مالك فيمن قال لا أصلي، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
ومن قال لا أتوضأ ولا أصلي فكذلك يستتاب، وكذلك إن قال لا أصوم رمضان.
وأما إن قال لا أؤدي الزكاة فلتؤخذ منه أحب أو كره.
ومن قال: لا أحج فأبعده الله ولا يجبر على ذلك.
قال أصبغ: ومن أقر أن الصلاة عليه مفروضة وقال: لا أصلي فإنه يقتل، وقاله عبد العزيز ابن أبي سلمة.
قال أصبغ: وإصراره على أن لا يصلي كالجحد بها وإن أقر بها.
(وبلغني أن ابن شهاب قال: إن خرج وقتها ولم يصل قتل.
وإن جحد الزكاة قتل، وإن أقر بها وأبى) 2 أن يؤديها أخذت منه كرهاً، ويضرب إن امتنع ودافع، فإن دافع في جماعة قوتل هو ومن معه، وقتل كل من دافع عنها، كفعل الصديق في أهل الردة إذ منعوا الزكاة.
ومن جحد الوضوء أو الغسل من الجنابة قتل، ومن أقر بذلك وقال لا أفعله قتل كالجاحد.
وكذلك إن قال لا أصوم.
ومن قال لا أوتر أدب أدباً وجيعاً حتى يصليها وأما ركعتا الفجر فلا، وهما أخف شئناً، والوتر سنة.
وقال موسى ابن معاوية عن معن بن عيسى قال: كتب إلى مالك في قوم بالمغرب يصلون ركعتين ويجحدون السنة ويقولون لا نجد إلا ركعتين، قال مالك: يستتابون فإن لم يتوبوا قتلوا.

قال ابن حبيب فيمن منع الزكاة وهو مقر بها فلتؤخذ منه كرهاً، ولا يخرجه ذلك من الإيمان.
وإن كذب بها فهو مرتد يستتاب ثلاثاً، ولا ينفعه إقراره بغيرها من الفرائض، أخذت منه كرهاً أو لم يؤخذ.
وإذا كان مانع الزكاة ممتنعاً من السلطان فلا يصل إليه، فهو بمنعه إياها كافر، كان بها مقراً أو جاحداً، وليجاهده السلطان حتى يأخذها منه كما فعل الصديق بالذين منعوا وقالوا: أخية الجزية ولم يطيبوا بها نفساً ورضوا بإقامة غيرها من الشرائع.
قال: ولا تسبى ذراريهم كذراري المرتدين.
وأما تارك الصلاة إذا أمره الإمام بها فقال: لا أصلي فليقتل ولا يؤخر إلى ما بينه وبين آخر وقتها، (وليقتل لوقته.) 1 قال: وهو بتركها كافر، تركها جاحداً أو مفرطاً أو مضيعاً أو متهاوناً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة 2. وكذلك أخوات الصلاة.
وأما من رفع إلى الإمام فقال: أنا أصلي تركه، فإن عاد إلى تركها فرفع إليه أمره بها فرجع فقال أنا أصلي فليعاقبه ويبالغ فيه بالضرب والسجن حتى تظهر توبته ولزومه الصلاة.
وإن قال عند إيقافه له: لا أصلي قتله وإن أقر بها ولم يستتب، ولا يؤخره عن وقت تلك الصلاة ساعة إلا ما بينه وبين آخر وقتها.
وكذلك من قال: لا أتوضأ ولا أغتسل من جنابة ولا أصوم رمضان، فليقتل ولا يؤخر ثلاثاً.

ولو عمل الشرائع كلها وزعم أن الله لم يفرضها استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل.
وكذلك إن قال: ليس الحج مفترضاً، وإن أقر بفرضه وقال لا أفعله ترك وقيل له: أبعده الله، وقاله كل مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، ورواه ابن القاسم ومطرف عن مالك مجملا بغير تلخيص.
وافتراق الحج من غيره لأن وقته واسع ما بينه وبين آخر عمره، إن أداه كان مؤدياً لفرضه، حتى إذا مات بعد هذا ولم يحج وقع عليه اسم الكفر.
وهذا الذي ذكرنا في الخمس شرائع التي بني عليها الإسلام.
كما جاء الأثر: الإيمان بالله والصلاة والزكاة والصوم والحج على المستطيع.
فمن ترك واحدة منهن كان كافراً، ومن ترك سواهن من الأوامر، أو ركب ما نهي عنه فذلك ذنب إن شاء الله غفره أو عاقبه عليه.
وهذا الذي قال ابن حبيب في تكفير من أقر بفرض الزكاة أو الصوم وتركه عمداً أو تهاوناً حتى زال الوقت إنه كافر، فقول انفرد به.
وقد أجمع الأئمة أنهم يصلون عليه، ويورث بالإسلام ويرث، ويدفن مع المسلمين.
وما ذكر من الحديث فلم يذكر في الحديث في تارك الصلاة هل هو جحد أو تفريط ولا فسر الكفر.
وفي إجماعهم على توبته والصلاة عليه ما يدل أنه لا يراد به الخروج من الإيمان كخروج المشرك بالله الجاحد له، والله أعلم.
وهذا قول الخوارج إلا من قال: لا أصلي فهذا قد رد ما دعا الله إليه عناداً.
وهذا كقول أهل الردة لا نؤدي الزكاة.
ومن رد على الله أمره أو على رسوله رداً مجرداً هكذا فلم يجب إلى دعوته، كما قال إبليس لا أسجد، فكان بذلك كافراً رجيماً وهو بخلاف من ترك ذلك تفريطاً وغرة ومعصية.
وروى مالك عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، وفي آخر الحديث ومن لم

يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة (1)، فهذا يبين معنى الديث الذي ذكر ابن حبيب، والله أعلم.

الحكم في القدرية والخوارج وأهل البدع

من كتاب ابن المواز، وهو لابن الماجشون مفسراً في كتاب ابن حبيب وغيره، قال مالك 2 في الحروري إذا لم يخرج على الإمام العدل فيدعو إلى بدعته أو يقتل أحداً لم نقتله.
فأما إن قتل أحداً على دينه ذلك أخرج على الإمام العدل فيستتاب، فإن تاب قبلت منه وإلا قتل.
وكذلك الجماعة منهم، ويقتل منهزمهم، ومن أسر منهم فللإمام قتله إن رأى ذلك، وإن انقطع الحرب استتابه، وإن لم ينقطع فله قلته.
وكذلك إن خاف لأهل ذلك الجمع دولة بسبب يخاف، وكذلك يجهز على جريحهم في هذا الوجه.
وأما إن كان أمر الإمام قد ظهر عليهم بيقين فلا يقتل وليستتب، فإن تاب قبل منه، وتسقط عنهم إذا تابوا الدماء والفروج والموال وكل ما فعلوا وإن كانوا أملياء، إلا من وجد ماله بعينه فليأخذه.
قال: وإن لم يرجع ولم يتب قتل.
وقال عبد الملك: لا يقتل، وما علم أنه ليس من أموالهم فليرد إلى أهله إن عرفوا، ويوقف ما بقي إلى أن يؤيس من طالبه ثم يتصدق به، سواء قتل في المعركة أو بعد ذلك.
وما كان معه من سلاح أو خيل أو معه من مال فهو لورثته ميراثاً (عنه) 3 وكذلك قال عبد الملك عن مالك.1

وإن أسر وترك حتى انقطع حربهم وخمدت ريحهم وزال عسكرهم، فلا يقتل الأسير، ويستتاب ويؤدب، يريد إن لم يتب.
وإن كانت حربهم قائمة فإن رأى الإمام قتل هذا الأسير لم أره خطأ، ويقتل المنهزم ولا يستتاب.
قال ابن المواز وقال مالك وأصحابه في القدرية إنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وهو قول عمر بن عبد العزيز.
قال بعض أصحاب مالك أظنه عن مالك، يستتاب الإباضية والقدرية، فإن تابوا وإلا قتلوا.
قال: والحرورية إذا كان الإمام عدلاً.
قال ابن القاسم: (وهذا) 1 يدل على أنهم إذا خرجوا على العدل (وأرادوا قتاله) 2 ودعوا إلى بدعتهم أن يقاتلوا.
وسئل (ابن) 3 عمير عن الحرورية فقال: أشر خلق الله عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين، فلا أحد أحق بالقتل والقتال منهم.
قال مالك: وتوبة القدري ترك ما عليه.
قال: فإن قتل فميراثه (لورثته) 4، أسر ذلك أو أعلنه.
قال مالك في القدرية والإباضية: لا يصلى عليهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى.
قال سحنون: يعني أدباً لهم، فإن طاعوا فيصلى عليهم.
قال ابن المواز: ومن قتل من الخوارج ممن استتيب فلم يتب فلا يصلى عليه الإمام، ويصلي عليه غيره من المسلمين، ويغسل ويكفن

ويرثه ورثته، وتعتد عنه امرأتهبالإحداد وتنفذ وصيته.
وكذلك قال سحنون في كتاب ابنه في جميع أهل الأهواء.
وقال أيضاً، يعني مالكاً، بترك الصلاة تأديباً لهم، ولا يخرجون من الإيمان ببدعتهم.
قيل: فقول مالك يستتاب أهل البدع؟ قال: أما من كان بين أظهرنا وفي جماعتنا فلا يقتل، وليضرب مرة بعد أخرى ويحبس، ونهى الناس عن مجالسته والسلام عليه تأديباً له.
وقد ضرب عمر صبيغ ونهى عن كلامه حتى حسنت توبته.
فأما من بان منهم عن الجماعة ودعوا إلى بدعتهم ومنعوا فريضة من الفرائض فليدعهم الإمام العدل إلى السنة والرجوع إلى الجماعة، فإن أبوا قاتلهم كما فعل الصديق بمن منع الزكاة، وكما فعل على بالحرورية ففارقوه وشهدوا عليه بالكفر، فلم يهجهم (حتى خرجوا ونزلوا بالنهروان فأقاموا شهراً فلم يهجهم) 1 حتى سفكوا الدماء وقطعوا الطريق فقاتلهم.
وقال عمر بن عبد العزيز: يستتابون، فإن لم يتوبوا قوتلوا على وجه البغي.
فمعنى قول عمر هذا وقول مالك إنما هو فيمن خرج وبن بداره فذلك قول عمر قوتلوا على وجه البغي (يعني قول عمر هذا وقول مالك) 2 أنهم خرجوا وبانوا عن سلطانه.
قال سحنون: ولا تعاد الصلاة خلف أهل البدع في وقت ولا غيره، وهو قول جمع أصحاب مالك.
أشهب والمغيرة وابن كنانةوغيرهم، وليس بكافر، وليس يخرجه دينه من الإيمان، ومن كفرهم ركب قول الحرورية في التكفير بالذنوب.

قال سحنون: وكتب إلى بعض أصحابنا، وهو لعبد الملك، في غير كتاب ابن سحنون: في المعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء: إن كل كافة استكفت 1 ودعت إلى بدعتها فليقاتلوا.
وكذلك كل كافة استكفت معصية أو منع حق فليقاتلهم الإمام حتى يظهر عليهم سلطان الحق ويقام فيهم.
وقد قاتلهم الصديق ولم يكفروا أول كفرهم أن منعوا الزكاة فقالتهم قتال من كفر، وقاتل على الخوارج.
وأما غير الكواف والجماعة، فمن في سلطانك من المعتزلة ممن تبرأ من علي وعثمان أو من احدهما، أو يظهر بدعة القدر أن الأمر إليه، وأنه ما شاء فعل، وأنه يريد أن يعصي والله يريد أن يطيع، فيكون ما أراد هو ولا يكون ما أراد الله، فاستتبه فإن تاب فأوجعه ضرباً فيما مضى.
وكذلك من كفر علياً أو عثمان أو أحداً من الصحابة فأوجعه جلداً.
وروي عن سحنون فيمن كفر الخلفاء الأربعة أن يقتل، ويؤدب في غيرهم.
وقد تقدم إيعاب هذا في باب متقدم.
قال سحنون، وهو لعبد الملك في كتاب ابن حبيب: ومن قام وحده من الخوارج وحكم فاعترض الناس فليفعل به ما يفعل بمن استكف من جماعتهم ما لم يوسروا فإذا أسروا (صاروا كمن تحت سلطاننا منهم في الحكم فيهم.
ومن قاتل من الأسارى ثم أسر) 2 فما دامت الحرب قائمة لم يظهر أحد الفريقين على الآخر فله حكم من في القتال، فللإمام قتله وله الكف عنه إن طمع في غير ذلك.

(قال: وكل ما حكموا من حكم الناس فليتعقب ذلك) 1 ويكشف وينظر فيه كالمبتدىء، فإذا رأى صواباً وشهوداً على أصل الحق يقبل مثلهم وأمراً بيناً أمضاه، ولا ينفذ ما وقع بشهادتهم، كان الحاكم منهم جائراً أو مجتهداً، ويصير كحكم من الناظر فيه ابتداءً.
قال سحنون: ومن وهم ببدعة واستوطأ ذلك عليه وعرف به فلا تقبل شهادته بين زائغ ومبتدع ولا جماعي، ولا على محق ولا على مبطل ولا بين أهل الأديان.
وأما غير معروف بذلك 2 ما لم يؤت عليه بأمر واضح فأجره مجرى غيره من قبول (من عدل) 3 عندك.
وهذا الذي ذكره سحنون كله لعبد الملك في كتاب ابن حبيب.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا ظفرنا بأحد ممن قاتل على تأويل القرآن وتاب فليس عليه مما هلك بيده من مال ورقيق وحيوان شيء، ولا عليه من قود ولا دية في نفس ولا جرح، ولا صداق في وطء حرة أو أمة.
وما وجد بيده من شيء يعرف بعينه أخذه ربه.
ولو أخذ لرجل ألف دينار فوجد معه ألف دينار فلا أدري ما العين وما يدريه أن هذا ماله بعينه.
قال مالك: وليس كالمحارب ولا السارق.
قال عطاء: إذا أخذوا فليقتل منهم من قتل، ويؤخذ المتاع ممن أخذ (المتاع) 4، ويسجن من بقي ولا يقتلون ولا يقطعون، ويسجنون حتى يتوبوا.

وكتب عمر بن عبد العزيز في خارجي خرج بخراسان وأشار بسيفه فأخذ: إن كان قتل قتل، وإن جرح جرح، وإلا سجن حتى يتوب وقربوا 1 أهله منه.
وقال الليث فيهم مثل قول مالك، وذكر ابن حبيب مثل هذا القول عن عطاء وعمر بن عبد العزيز.
قال ابن شهاب: ووقعت الفتنة وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون فلم يروا على من قاتل على تأويل القرآن قصاصاً في دم ولا حداً في وطء.
وكذلك فعل علي بن أبي طالب، وبهذا قال مالك، وقاله ابن القاسم.
وقال أصبغ: يقتل من قتل إن طلب ذلك وليه كاللص يتوب قبل يقدر عليه.
قال ابن حبيب: هذا خلاف لمالك وجميع أصحابه في أهل التأويل، ولا أعلم من قال مقالة أصبغ هذه، وهي خلاف ما تقدم من فعل علي والصحابة.
وذهب ابن حبيب إلى أن الخوارج الذين كفروا الناس بالذنوب كفار، وأنه يستتاب من ظهر عليه منهم أياماً ويسجن لذلك خرجوا أو لم يخرجوا إذا أظهروا ذلك.
ومن تاب ترك، إلا أن يكون لهم جماعة في موضع (يلجؤون إليه) 2 فلا يترك هذا وإن تاب، ويسجن (حتى) 3 تفترق جماعتهم خيفة أن يلحق بهم (قال ابن حبيب) 4 إنهم كفار ببدعتهم هذه (لأنهم سموا الزاني والسارق وأشباههم من أهل الذنوب كفاراً،) 5 والله جعل القطع على من سرق والحد على من زنى، فلو كان كافراً (لكان عليه القتل بذلك وأمر فيهم بالقتل، وقال في القاتل: (فمن عفي له من أخيه شيء) 6 ولو كان

كافراً) 1 ما جعله له أخاً.
ومن رد هنا من كتاب الله (فهو) 2 معاند كافر.
ولا يحل سبي ذراريهم (وهم على الإسلام حتى يبلغوا فيقولوا بقول من قتل منهم فيسلك سبيلهم) 3. وكذلك سائر فرق الخوارج من الإباضية والصفرية، وكذلك القدرية (والمعتزلة) 4. وكذلك يستتاب المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا علم (قال ابن حبيب) 5. وأما الشيعة فمن أحب منهم علياً ولم يقل على غيره من الصحابة فهذا ديننا، ومن غلا إلى بغض عثمان والبراءة منه فليؤدب أدباً وجيعاً، ومن زاد في غلوه منهم إلى بغض أبي بكر وعمر مع عثمان وشبههم فالعقوبة عليه أشد وتكرير ضربه وطول سجنه حتى يتوب ولا يبلغ به القتل إلا في سب نبي من الأنبياء عليهم السلام.
وأما من تجاوز منهم إلى الإلحاد فزعم أن علياً رفع ولم يمت وسينزل إلى الأرض وأنه دابة الأرض.
ومنهم من قال كان الوحي يأتيه ويعدد ذرية مفترضة طاعتهم، ونحو هذا من الإلحاد، فهو كفر، يستتاب قائله ويقتل إن لم يتب.
وذكر أن قوماً بالمغرب ادعوا نبياً سموه صالحاً وأظهر لهم كتاباً بلسان البربر، وقالوا: محمد نبي العرب، وأكلوا رمضان وصاموا رجباً واستحلوا تزويج تسع نسوة وشبه هذا، فهؤلاء مرتدون ويقتلون إن لم يتوبوا، ويجاهدون، ولا تسبى ذراريهم كالمرتدين وميراثهم للمسلمين.
وفي الباب الآخر ذكر من قال: إن الله لم يكلم موسى.6

وذكر ابن حبيب في كتاب آخر عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أنهم قالوا في أهل الأهواء من أهل البدع كلها: القدرية والإباضية والحرورية (والمرجئة) وجميع أهل الأهواء إنهم على الإسلام متماسكين به، إلا إنهم ابتدعوا وحرفوا كتاب الله وتأولوه على غير تأويله، إنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، وأن من قتل منهم أو مات على ذلك فميراثه لورثته من المسلمين.

باب (1)

في قتل أهل العصبية والعداوة من المسلمين

من كتاب ابن سحنون قال سحنون: قال الله سبحانه: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) إلى قوله (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) 2. قال من لقينا من العلماء: معنى ذلك إذا خرج بعضهم على بعض بغياً ورغبة عن حكم الإسلام على العصبية فسقاً وخلوعاً، فليدعهم الإمام ومن معه إلى الرجوع إلى التحاكم وإلى التناصف عند حاكم من حكام المسلمين، فإن فعلوا قبل منهم، وإن أبت الطائفتان أو إحداهما قاتل الإمام من أبى وحلت دماؤهم حتى يقهروا، فإن تحققت الهزيمة عليهم وظهر الإمام عليهم ظهوراً بيناً وأيس من عودتهم فلا يقتل منهزموهم ولا يدفف على جريحهم.
وإن لم تستحق الهزيمة ولم يومن رجوعهم فلا بأس بقتل جريحهم ومنهزموهم، ولا بأس أن يقتل الرجل في القتال أخاه وقرابته مبارزة وجده1

لأبيه وأمه، فأما الأب وحده فلا أحب قتله على التعمد مبارزة أو غيرها.
وكذلك الأب الكافر مثل الخارجي.
وقال أصبغ: يقتل فيها أباه وأخاه.
قالا: ولا تصاب أموالهم ولا حريمهم، وإذا أصيب منهم أسير فلا يقتل، ويؤدب ويسجن حتى يتوب.
وإن ثبت عليه أنه قتل أحداً فلقتل به بخلاف أهل الأهواء الذين قاتلوا على التأويل.
ولا ينبغي للإمام والمسلمين أن يقفوا عن الخروج إلى أها المعصية وأهل البغي حتى يردوهم إلى الحق وحكم الإسلام، فإذا قام بذلك من نصيب الحق ووجه العمل فيه ولم يكن تلفيفاً ولا هجماً بغير سنة ولا تحفظ.
قال عبد الملك: والخوارج إذا أسر منهم أسير والحرب قد انقطعت فلا يقتل، وينهى عن بدعته ويؤدب كمبتدع في غير جماعة (وتقبل توبته من تاب 1 وإن كانت الحرب قائمة فللإمام قتل أميرهم أو جماعة) 2 في قبضته إذا خاف أن يكون عليه دبره أو أحس ضعفاً أو خشية عورة علمها.
وعلى هذا يجري ذلك في التدفف على الجريح واتباع المنهزم حسب ما يرى من ذلك، وليست هزيمتهم توبة، وإنما هو إلى ما يرى من الظهور البين أو غيره، وقال سحنون مثل قوله.
وقال: سمعت أصحابنا يقولون: لا يقتل منهم أهل المعصية إذا كانت الحال ما ذكرت ويقتل منهزم الخوارج بكل حال.
وكل ما جرى في هذا الباب عن سحنون وعبد الملك فقد ذكره ابن حبيب عن عبد الملك.
(وقد جرى في باب متقدم ذكر قتال أهل النائرة والعداوة بخلاف المحاربين واللصوص، وهو بخلاف حكم أهل الأهواء والتأويل.
وقد بينا كل شيء من ذلك) 3.

قال ابن حبيب: وإذا بغت قبيلة على قبيلة فقاتلتها حمية وعصبية وفخراً بالأنساب وغيرها من النائرة، فعلى الإمام أن يكفهم ويفرق جمعهم، فإن لم يقدر فليخرج إليهم، وعلى الناس الخروج معه لذلك، فإذا نزل بقربهم راسلهم وسمع حجة كل فريق، فإن ظهر له أن إحداهما ظالمة للأخرى باغية عليها، أمرها بالكف والانصراف، فإن أطاعته وانصرفتا، فلكل فريق طلب الفريق الآخر بما جرى بينهم في ذلك من دم ومال، ولا يهدر شيء من ذلك، بخلاف ما كان على تأويل القرآن، فإن أبت الطائفة الباغية أن تنصرف عن المبغي عليها قاتلها معها ومن معه من المسلمين.
وإن تبين للإمام العدل أن الطائفتين باغيتان أمرهما بالتفرق والانصراف، فعلتا وإلا جاهدهما بمن معه من المسلمين.
وهذا معنى الآية التي ذكر الله تعالى في الفئة الباغية.
(قال ابن حبيب: ونادى منادي على ابن أبي طالب في بعض من حاربه أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير.
ثم كان موطن آخر في غيرهم فأمر باتباع المدبر وقتل الأسير والإجهاز على الجريح، فعوتب في ذلك فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها، والأولون لم تكن لهم فئة.
قال عبد الملك: وما أصاب الإمام من عسكر أهل البغي من كراع وسلاح، فإن كانت لهم فئة قائمة فلا بأس أن يستعين به الإمام ومن معه على قتالهم إن احتاجوا إليه، فإن زالت الحرب رده إلى أهله.
وما سوى الكراع والسلاح فيوقف حتى يرد إلى أهله.
ولا يستعان بشيء منه، وإن لم تكن لهم فئة قائمة رد ذلك كله من سلاح وغيره إليهم أو إلى أهلهم.
(وكذلك قال ابن الماجشون وأصبغ في أهل العصبية والحرورية) 1 وكذلك فعل على بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال: وقد أصاب الإمام من امرأة على رأيهم أو عبد أو ذمي أسيراً وكانوا يقاتلون، فإن لم تكن لهم فئة قائمة أطلقهم، وإن كانت لهم فئة قائمة أمر بحبسهم حتى يزول الحرب.
وإن بذل له أهل البغي مالاً حتى يتأخر عنهم أياماً أو أشهراً حتى ينظروا في أمرهم، فلا يحل أن يأخذ شيئاً منهم، وله أن يؤخرهم إلى مدة سألوه ما لم يكونوا يقاتلون فيها أحداً أو يفسدون فلا يؤخرهم حينئذ.
وإذا وضعت الحرب أوزارها، فإن كان أهل البغي ممن خرج على تأويل القرآن من الخوارج وضع عنهم كل ما أصابوا إلا ما وجد من مال يعرف بعينه فيأخذه ربه 1. وأما أهل المعصية أو أهل خلاف لسلطانهم بغياً، يريد بلا تأويل، حكم في ذلك كله بالقود والقصاص ورد المال، قائماً كان أو فائتاً، قاله ابن الماجشون وأصبغ.
وإن قاتل معه أهل ذمة وضع عنهم مثل ما وضع عن المتأولين الذين أعانوا، وردوا إلى ذمتهم، وإن كانوا أهل عصبية وخلاف للإمام العدل فهو نقض لعهدهم موجب لاستحلالهم، وإن كان السلطان غير عدل وخافوا جوره واستعانوا بأهل الذمة فليس ذلك نقضاً لعهد أهل الذمة.
ولا قود في الجراح في هؤلاء، وما أصابهم في دفعهم عن أنفسهم فهدر، إلا أن تكون منهم غارة وعياثة وفساد على غير وجه دفاع ظلم ولا امتناع فيلزمهم فيه القود (والقصاص) 2 ورد المال.
وكذلك قال مالك في أهل الذمة يخرجون عن ظلم ظلموا به، فلا يقاتلوا إلا أن يخرجوا فساداً وعياثة فليجاهدوا ويصيروا فيئاً، وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وغيرهم.

وإن كان الإمام عدلاً وحارب من خرج عليه وامتنعوا، فما أصاب منهم فهو موضوع، وإن لم يكن من أهل العدل فما أصيب منهم في حربه ففيه القصاص ورد الأموال.
وإن امتنع أهل البغي، وكانوا أهل بصائر وتأويل أو عصبية، عن الإمام العدل فله فيهم من رمي المجانيق، وقطع الميرة والماء عنهم، وإرسال الماء عليهم ليغرقهم، مثلما له في الكفار وإن كان فيهم النساء والذرية، ولا يرميهم بالنار إلا أن لا يكون فيهم نساء ولا ذرية فله ذلك، إلا أن يكون فيهم من لا يرى رأيهم ويكره بغيهم، وخيف أن يكون فيهم، فلا يفعل فيهم شيئاً مما ذكرنا.
وكذلك لو كان مع المشركين أسارى مسلمون، وقاله مالك وأصحابه.
وإن سأل أهل البغي الإمام العدل تأخيرهم شهراً وأعطوا رهاناً وأخذوا منه رهاناً فغدروا وقتلوا الرهان فلا يقتل الإمام رهنهم وليحبسهم، فإذا هلك أهل البغي تركهم، إلا أن يكونوا أهل بدعة فليستتبهم.
وكذلك لو جرى مثل هذا بيننا وبين الروم فقتلوا من عندهم رهناً، لا ينبغي أن نقتل نحن رهنهم.
وكذلك فعل معاوية، إلا أن ابن الماجشون قال: يسترقهم الإمام ولا يردهم إليهم.
وإذا قاتل مع أهل البغي النساء بالسلاح، فلأهل العدل قتلهن في القتال.
وإن لم يكن قتالهن إلا بالتحريض ورمي الحجارة فلا يقتلن إلا أن يكن قتلن أحداً بذلك فيقتلن.
وإذا أسرن وقد كن يقاتلن قتال الرجال لم يقتلن إلا أن يكن قد قتلن، يريد في غير أهل التأويل.
قال: وسبيل من قتله أهل البغي من أهل العدل سبيل الشهداء، ومن قتل من أهل البغي تركوا، ومن أراد الصلاة عليهم من أهلهم فإن لم يكن لهم من يلي ذلك أمر الإمام بمواراتهم بغير صلاة.
وعلى أصل سحنون يصلى عليهم.
واختلف فيمن قتل من أهل العدل في ترك الصلاة عليه كالشهيد.

ويكره أن يبعث برؤوس أهل البغي وغيرهم من العدو إلى الآفاق، وهو مثلة لم يكن يفعله السلف.
ومن قتل أباه من أهل البغي أو أخاه لم يحرم عليه ميراثه.
ويكره له قتل أبيه منهم في القتال من غير تحريم، إلا أن يكون أبوه قصد إليه ليقتله، فلا بأس أن يدافعه الابن بالقتال إن لم يجد حودا عنه بلا هزيمة ولا وهن يدخل على أصحابه.
وأباح أصبغ أن يقصد أخاه بالقتل وينتهز فرصته وغفلته.
وإذا حملت على أحد منهم فقال: تبت وألقى السلاح فدعه.
ولو قال: كف ولعلي أبايعك وألقي السلاح (فكف عنه.
وإن قال كف فإني على دينك ولم يلق السلاح) 1 فلا تدعه ولا تعجل بالقتل حتى يتبين ما أراد لأنه على دينك بالإسلام وقد ابتدع، فإن عاجلك فاقتله إلا أن يلقي السلاح.
ولو أن أهل البغي صالحوا المشركين ثم غدروهم فسبوهم لم يجز لنا شراؤهم، ولو أن أهل البغي ألجأوا المسلمين إلى دخول أرض الحرب لم يجز لهم أن يعينوا المشركين عليهم.
ولو استعانوا بهم المشركون على قتال عدو لهم لم ينبغ أن يعينوهم، إلا أن يغير عليهم بعض أهل الشرك ويسبوهم فيخاف المسلمون على أنفسهم من ذلك، فلا بأس أن يقاتلوا حينئذ مع الذين هم معهم.
وكذلك لو كان أهل البغي غزوا المشركين وسبوهم حتى خلصوا إلى من عندهم من المسلمين، فلهم دفعهم عن أنفسهم.
ولو أن المشركين سبوا أهل البغي وذراريهم وبالمستأمنين من المسلمين قوة على اسنقاذ السبي منهم، فعليهم أن يقاتلوهم على خلاص الذراري، ولا يوفى لهم بالعهد في مثل هذا، كما لا يعطي العهد عليه.
وقاله كله ابن الماجشون وأصبغ.

ولو أن طائفتين من أهل البغي اقتتلتا ولا طاقة لأهل العدل على طائفة واحدة منهما فلا ينضموا إلى إحداهما فيقاتلوا معها الأخرى.
قال: والخارج وحده في المصر كالجماعة، خرج بسلاح أو بعصى أو حجر إن كان على البصيرة.
وإذا سبى أهل البغي قوماً مشركين وادعهم أهل العدل لم يجز لنا شراؤهم منهم 1، ولو استعان أهل البغي بالحربيين على قتال أهل العدل فظفر أهل العدل بهم حل لهم قتل أهل الحرب.
ولو أغار أولئك على أهل العدل فظفر أهل العدل بهم حل لهم قتلهم وسبيهم، لأنهم نكثوا.
ولو دخل حربي بأمان فمات وله ابن حربي وابن ذمي فماله لابنه الحربي.
ولو أن الميت ذمي فماه لابنه الذمي.
ذكر القدر والأسماء والصفات والاستواء على العرش وذكر ترك الجدال ومجانبة أهل البدع من العتبية 2 قال سحنون: أخبرني بعض أصحاب مالك أن رجلاً قال لمالك: يا أبا عبد الله مسألة، فسكت عنه، ثم عاوده فسكت، ثم سأله فرفع إليه رأسه فقال له: (الرحمن على العرش استوى) 3 كيف استواؤه؟ فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول.
ولا أراك إلا امرأ سوء، أخرجوه.

قال أصبغ قال ابن القاسم: ومن قال اله لم يكلم موسى فليستتب، فإن تاب وإلا قتل.
ولا ينبغي لأحد أن يصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، ولا يشبهب كذلك بشيء وليقل: له يدان كما وصف به نفسه، وله وجه كما وصف به نفسه.
تقف عندما في الكتاب، لأن اله سبحانه لا مثل له ولا شبيه له ولا نظير له، ولا يروي أحد مثل هذه الأحاديث.
(مثل إن الله خلق آدم على صورته، ونحو ذلك من الأحاديث.
وأعظم مالك أن يتحدث أحد بمثل هذه الأحاديث) 1 أو يرددها.
ومن سماع ابن القاسم قال مالك 2: أشد ىية على أهل (الاختلاف من أهل) 3 الأهواء قوله سبحانه: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) 4 وتأويلها على أهل الأهواء.
وروى بن حبيب عن أسد عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا أمامة الباهلي تأولها في الخوارج، قال: كانوا مؤمنين فخرجوا من الإيمان، وقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القاسم قال مالك: كان ها هنا رجل يقول: ما بقي دين إلا دخلت فيه، يعني أهل الأهواء، فلم أر شيئاً مستقيماً، يعني بذلك فرق الإسلام، فقال رجل: أنا أخبرك لم ذلك، لأنك لا تتقي الله، يقول الله سبحانه (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) 5.

قال سحنون: بلغني أن القاسم ابن محمد قال له ذلك 1. قال مالك فيما يحتج على أهل القدر قال الله سبحانه (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني) 2، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر السفل، يعني أهل الأهواء.
ومن سماع أشهب قال مالك: القدرية قوم سوء فلا تخالطوهم 3 ولا تصلوا وراءهم، وإن جامعتموهم في ثغر فأخرجوهم منه 4. قال سحنون قال ابن غانم في كراهية مجالسة أهل الأهواء: أرأيت من قعد إلى سارق وفي كمه بضاعة أما يحرز منه ليلاً يغتاله؟ فالدين أولى.
وعمن ينازع القدري في ذلك ثم يأتيه القدري فيأخذ يده ويتنصل إليه، فإن جاء تاركاً لذلك نازعاً عنه فليكلمه، وإلا فهو في سعة من ترك كلامه.
وهذا المعنى وشبهه كثير منه في جامع مختصر المدونة وسنذكره في كتاب جامع نفرده لكتاب النوادر إن شاء الله تعالى.

جامع لمعان مختلفة

وعلاج الجان

من العتبية 1 من سماع ابن القاسم: سئل مالك عن طريق بخراسان يقطع فيها قوم من أهل الكفر على المستضعف من المسافرين والمسلمين، أترى هذا مرابطاً؟ قال: نعم، أرى أن يحرس ذلك الموضع وكأنه رآه مرابطاً.
قال محمد بن عبد الحكم ابن الحسن قال ابن وهب عن المسلم له أم نصرانية عمياء تريد منه المسير بها إلى الكنيسة فلا بأس عليه بذلك حتى يبلغها، ولا يدخل هو الكنيسة.
قيل: فيعطيها النفقة لعيدها؟ قال: أما في طعامها وشرابها فنعم، ولا يعطيها ما تعطي في الكنيسة.
وروى أشهب (وابن نافع) 2 عن مالك: وسئل عن رجل به لمم، فقيل له إن شئت أن نقتل صاحبك قتلناه، فقال له بعض من عندنا لا تفعل، واصبر واتق الله، وقال له بعضهم: اقتله فإنما هو مثل اللص يعرض لك يريد مالك فاقتله، فقال: إن أعظمهم جرماً الذي مثله باللص.
قيل له: فما رأيك؟ قال: لا علم لي بهذا، هذا من الطب 3. والله تعالى المستعان وعليه توكلت وإليه أنيب.

تم كتاب المرتدين وبتمامه تم جميع كتاب النوادر للشيخ الإمام العالم العلامة أبي محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مستقره ومأواه آمين آمين آمين يا رب العالمين 1.

فصول الكتاب · 83 فصل · 666 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات · 666 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الصوم
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب زكاة الماشية والحَبِّ والفطر
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب السبق والرمى
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الضحاياكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح
كتاب الاستبراء
كتاب العدة
كتاب الرضاع
كتاب طلاق السنة
كتاب الشروط والتمليك والتخيير في النكاحكتاب الخياركتاب المفقودكتاب الخلع والحكمين والرجعة في الخلعكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف
كتاب البيوع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب الجعل والإجارة
كتاب تضمين الصناعكتاب الرواحل والدواتكتاب أكرية الدور والأرضينكتاب الصلح
كتاب الوكالات والبضائع
كتاب القراض
كتاب المساقاةكتاب الشركةكتاب المزراعةكتاب المغارسة
كتاب آداب القضاء
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات الثاني
كتاب الشهادات الثالث
كتاب الدعوى والبينات
كتاب الإقرار
كتاب
كتاب الحمالة والحوالة
كتاب الرهون
كتاب الإكراه
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطة والضوال والإباق
كتاب الأراضي والشعاري وأحياء الموات
كتاب القضاء في الكلإ والآباركتاب القضاء في نفي الضرركتاب الأرحيةكتاب القضاء في البنيان
كتاب الشفعة
كتاب القَسْمِ
كتاب الوصايا
كتاب الحُبُس السُّنَّة
كتاب الصدقات والهبات
كتاب هبة الثواب
كتاب العتق
كتاب المُدبَّركتاب الخدمة
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الاستلحاق والإقرار بالنسب
كتاب الولاء
كتاب الجنايات
كتاب الجراح
كتاب الحدود في الزني
كتاب الأشربة
كتاب القذف
كتاب القطع في السرقة
كتاب القطع في السرقة
كتاب المحاربين
كتاب المرتدين
جارٍ التحميل