كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله سبحانه لمن فر يوم بدر النار.
ثم كانت أحد , فقال جل وعز: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان , إلى قوله: ولقد عفا الله عنهم).
ثم كانت حنين , فقال فيمن تولى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم , إلى قوله: ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) , فنزل العفو فيمن تولى بعد يوم بدر.
ومن كتاب ابن المواز , قال: لا يجوز الفرار من المثلين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة , كما قال الله سبحانه.
ولم فئتهم إذا كان على خوف التهلكة والضعف عن قتالهم , وقاله عبد الملك عن مالك.
قال ابن المواز: وإنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه , وربما تكوؤن سرية دون سرية , فتنحاز المتقدمة إلى من خلفها ممن يليها , ثم تنحاز إذا جاءهما أكثر من مثليهما إلى من يليهما حتى يبلغ الانحياز إلى الجيش الأعظم وواليهم الأكبر , وقاله عبد الملك , والله أعلم بما يخرج من سخطه.
وقال عن مالك: لا يجوز الانحياز إلا عن خوف بين وعن جيش مستطلع وضعف من السلطان , فأما عن أمر متناصف في الغلبة لهم طمع فلا.
ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم.
قال: ولهم سعة أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة وأكثر من أضعاف كثيرة , وهم يجدون مصرفاً عنهم.
قلت: فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا؟ قال: وأحب إلي أن ينصرفوا عنهم إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً , فإن لم يجدوا (فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا.
فمن احتسب نفسه على الله فهو شهيد.
ومن ثبت حتى قتل وهو يجد) منصرفاً وقد علم أنه إن ثبت قتل , فإنه يرجى له أفضل الشهادة , وإنما الشهادة لمن أيقن
[3/ 51]
بالموت قبل أن يموت , فاحتسب كما قال عمر.
وروى أشهب عن مالك الكراهية لذلك , ثم ذكر الرواية.
وذكر العتبي قال: أشهب عن مالك في الرجل يحمل وحده على الجيش , قال: اخاف أن يكون ألقى بيده إلى التهلكة وليس ذلك سواء من كان في الجيش الكثيف , فيحمل وحده على الجيش , وآخر خلف خلفه أصحابه بأرض الروم أخطأوه , فهو يخاف الأسر فيحمل عليهم , فهذا خفيف.
والأول مضطر , ويختلف إن حمل احتساباً بنفسه , وآخر يريد السمعة والشجاعة.
قال عمر: والشهيد من احتسب نفسه قال عنه أشهب في الجيش بأرض العدو يصاح فيهم: السلاح , فيأخذ الرجل سلاحه , ثم يتوجه فيلقى جيشهم: فلا بأس أن ينحاز راجعاً إلى أصحابه.
ومن كتاب ابن سحنون: قال عقبة بن عامر: الفرار الأعظم من الزحف الفرار إذا التقت الفئتان.
قال عطاء: من فر من مراماة من حصن , فلا بأس عليه ما لم يفر من الزحف , وللواحد أن يفر من الثلاثة , وقاله ابن عباس.
قال سحنون: لا يفر من المثلين ولهم أن يفروا الواحد من الثلاثة والمائة من ثلثمائة.
وإذا دهمهم من العدو الأمر الذي لا فراق معه فلهم الفرار ولهم أن يقاتلوهم.
وقال في قول الله تعالى " ومن يولهم يومئذ دبره " , الآية , إنه إنما كان ذلك في يوم بدر خاصة.
قال محمد: لأنه لم يكن لهم فئة غير النبي صلى الله عليه وسلم.
قال إسماعيل بن موسى: أول ما أمر النبي عليه السلام بالقتال , كان من فر عنه فر إلى غير فئة.
فأما اليوم فحيثما فر فإلى فئة يفر.
[3/ 52]
وقال أهل العراق: لا يفر اثنا عشر ألفاً من العدو وإن كثروا , لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.
قال سحنون: لا أعرف هذا , ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفروا.
وقد كان المسلمون يوم اليرموك ثلاثين ألفاً والعدو مائة الف , فرأى أبو عبيدة وخالد القتال.
وقال غيرهم من الصحابة كثير ننحاز إلى فئة ويشاور أمير المؤمنين , ثم عزم أبو عبيدة على القتال.
قيل لمالك: أسمعت أن عمر قال: أنا فئة لكل مسلم؟ قال: قد سمعته ولكن لا أحب أن يتحرفوا إلى فئتهم إلا عن هلكة وضعف.
قال مالك في السرية القليلة يلقون أضعافهم فلهم الانحياز إلى عسكرهم.
قال عنه علي: إن عملوا أنهم لا ينكون العدو لقلتهم فلينحازوا ولا يلقوهم فيستأسد العدو إذا قتلوهم.
وذكر قول عبد الملك الذي ذكره ابن حبيب أول الباب , وحكاه ابن المواز وأجاز قول عبد الملك في ذلك كله واستحسنه.
ومن كتاب ابن حبيب: ولا باس أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة وعلى الجيش إذا كان لله وكانت فيه شجاعة وقوة , وليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة , فلا يفعل ذلك لغير الله ولا يفعله الضعيف إن كان لله سبحانه , قال القاسم بن محمد والقاسم بن مخيمرة: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على عشرة آلاف إذا كانت به عليهم قوة , وليس من الإلقاء إلى التهلكة , وإنما ذلك ترك الإنفاق والجهاد في سبيل الله.
وقال أبو أيوب الأنصاري: نزلت حين أردنا أن نقيم في أموالنا نصلحها وندع الجهاد بعد ما نصر الله نبيه وظهر الإسلام , فأنزل الله هذا.
ومن كتاب ابن المواز: وقال أشهب في قوم نفروا في طلب عدو فأدركهم واحد من المسلمين أيحمل عليهم؟ قال: إن احتسب ولم يرد الفخر فذلك حسن , وإلا فلينصرف إلى أصحابه أو يتكعكع إليهم.
وقال عن مالك في رجل لقي من العدو عشرة أو أكثر أيقاتلهم أو ينصرف إلى عسكره إذا أمكنه؟ قال:
[3/ 53]
ذلك واسع , وأحب إلي أن ينصرف إن لم تكن به قوة على قتالهم.
قال محمد: ومن أحاط به العدو وهو وحده , وهو يدعى إلى الأسر , فله أن يقاتل وله أن يستأسر.
ومن كتاب ابن حبيب ومن كتاب ابن سحنون , رواه ابن وهب عن ربيعة: وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم: أيخرجون فيقاتلونهم أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً أو يقتلوا؟ قال: بل يخرجون للقتال أحب إلي.
قال في كتاب ابن سحنون: وإن بلغ بهم الجوع والعطش مبلغاً لا قوة بهم على القتال , فإن طمعوا أن في الأسر نجاة ومفاداة وقد عرف ذلك من العدو في غيرهم , فليخرجوا إليهم , وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً وعطشاً.
قال ابن القاسم: ولا يحل للناس إن فر إمامهم أن يفروا من مثلي عددهم.
قال ابن القاسم: ومن فر من الزحف وفراره من مثلين لم تقبل شهادته إلا أن يتوب وتظهر توبته.
وذكر مسالة المركب يرمي بالنار فيلقي الرجل نفسه في الماء: فإن أيقن بالغرق إذا فعل ذلك فلا يفعل.
وإن طمع بنجاة فذلك له.
وكذلك سمعت الفقهاء.
وقال عن ربيعة: إن أيقن أنه يلقي نفسه إلى ما فيه قتله فلا يجوز له.
وإن رجا النجاة فذلك له.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا.
في المبارزة وقتل الرجل ذا محارمه
وذكر الحرب خدعة , والقتال في الشهر الحرام
من كتاب ابن المواز روى أشهب عن مالك: سئل عن الرجل بين الصفين يدعو إلى المبارزة وقال: إن صحت نيته فلا باس.
وقد فعل فيما مضى.
[3/ 54]
قال ابن حبيب: وسمعت أهل العلم يقولون لا بأس بالمبارزة , وذلك على قدر النية , ولا يكون ذلك إلا بإذن الإمام , فرب ضعيف يقتل فيهد الناس , فلا بأس أن يعضد إذا خيف عليه الغلبة.
وقيل: لا يعضد لأنه لم يوف بالشرط ولا يعجبنا , لأن العلج إذا أسره , يحق علينا أن نستنقذه إن قدرنا.
وقد ضرب شيبة رجل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المبارزة فقطعها فكر عليه حمزة وعلي فاستنقذاه من يده.
ومن كتب ابن سحنون: قال سحنون: وكره مالك وغيره من أصحابنا أن يبارز الرجل أباه المشرك , وكره أن يقتله , ويفتديه أن يعتقله.
قالوا: ولا بأس أن يقتل ذوي رحمه مبارزة وغير مبارزة.
قال سحنون: وإن اضطره أبوه المشرك وخافه فلا باس أن يقتله.
وليس الجد كالأب عندنا في هذا , والجد للأم كسائر القرابات.
وقال غيرنا: إن الجد للأب أو للأم كالأب في كراهية قتله , وليس كذلك.
وقد تنازع الناس في الاب.
وقد أتى أبو عبيدة النبي صلى الله عليه وسلم برأس أبيه , وقد نزلت " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر إلى قوله: آباءهم أو أبناءهم " , الآية.
قال مالك: ولا بأس بالمبارزة.
قال سحنون: وقد مضى ذلك من أمر الناس , ولا ينبغي أن يبارز إلا من يثق بنفسه لما يتقى أن يدخل من الوهن على الناس.
وقد بارز أنس بن مالك مرزبان الواره من البحرين فقتله وأخذ منطقته وسواريه فقوما بثلاثين أو أربعين ألفاً.
قال لي معن عن مالك: إذا دعا العدو إلى المبارزة فأكره أن يبارز أحد إلا بإذن الإمام واجتهاده.
واختلف قول سحنون إذا بارز مشركاً فخيف عليه هل يعان؟ فقال: لا يعان , وقال: لا بأس أن يعان , ولا يقتل الكافر لأن مبارزته كالعهد ألا يقتله إلا واحد , وقاله أشهب: كما لو أسره جاز لهم خلاصة منه.
قال سحنون: وقد قيل لمالك: غذا خيق عليه أيعضد؟ قال: إن خاف الضعف فلا يبارز.
[3/ 55]
قال سحنون: ولو أن ثلاثة أو أربعة بارزوا مثلهم جاز معاونة بعضهم بعضاً مثل أن يفرغ أحدهم من صاحبه من الكفار فلا بأس أن يعين أصحابه , كما فعل حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث يوم بدر.
وقال علي: سئل مالك أيبارز يخرج من الصف يطلب الشهادة؟ قال: لا يعجبني.
قال سحنون: وتأويل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: الحرب خدعة , إنما هو المكر لا الكذب , ولا يجوز الكذب فيالحرب ولا في غيره , ولكن المكر مثل أن يكني عن الجهة التي يريد الخروج إليها ويخبر أنه يريد غيرها , ويقول القول وليس الأمر كما قال من غير كذب , ولكن يرى أصحابه أنه قد ظفر أو أمراً يقوي به أصحابه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج على طريق وهو يريد غيرها يعني بما يؤمل فيهم , لا يتحرجه , أو يقول أريد الخروج إلى موضع كذا مكراً بما أظهر من ذلك يريد أن يخرج إلى موضع ماكر ويرجع إلى موضع آخر.
وكان بعض أهل الصائفة يقف في الناس فيحمد الله ويثني عليه ثم يقول: إني أردت إن شاء الله درباً كذا , ثم يأخذ إلى غيره.
قال سحنون: وأجمع العلماء أن القتال في الشهرالحرام جائز.
قال مالك: خرج النبي صلى الله عليه وسلم حين صد عام الحديبية في الشهر الحرام , ولم أسمع أحداً قال: لا يقاتل فيالشهر الحرام.
قال سحنون: كان الكف عنه في أول الإسلام حتى قتل ابن الحضرمي , فأنزل الله سبحانه " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " , إلى آخرها.
[3/ 56]
في قتل النساء والولدان والعسيف والشيخ الفاني وذي الزمانة
وكيف إن قاتلوا هم أو الرهبان
من كتاب ابن سحنون وابن حبيب وغيره: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان , وفي حديث آخر: والشيخ الهرم والرهبان.
وفي حديث آخر: نهى عن قتل الذرية والعسيف.
قال ابن حبيب: يعني: الأجير الذي لا يقاتل.
قال سحنون: لم يثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العسيف وهو الأجير , وهو عندنا وغيره سواء.
قال ابن حبيب: وروي النهي عن قتل الأكارين والفلاحين.
قال ابن حبيب: إلا أن تقاتل المرأة بالسيف أو الرمح وشبه ذلك فلتقتل , لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة المقتولة فأنكر ذلك وقال: ما كانت هذه تقاتل.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون قتالها بالرمي من فوق الحصن وشبه ذلك فلا تقتل إلا أن تكون قتلت فتقتل وإن أسرت , إلا أن يرى الإمام استحياءها كما يستحيي من شاء من الأسارى.
وكذلك الصبي المراهق مثل ذلك سواء.
ومن كتاب ابن سحنون: وقال عمر بن عبد العزيز في قول الله تبارك وتعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) , قال النساء والصبيان من ذلك , ومن لم ينصب الحرب منهم.
قال سحنون: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما أصيب في غشم الغارة من الذرية , فقال هم من آبائهم.
ومن العتبية: قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في القاسم في المرأة والصبي لم يحتلم من العدو يقاتلان , ثم يؤسران: فإن قتلهما جائز بعد الأسر كما جاز قبل ذلك , فقد استوجبا القتل.
[3/ 57]
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا قاتل الشيخ الكبير والمرأة والصبي المطيق للقتال فليقتل.
وإذا لم يطلق الصبيي القتال لطفولته فليس قتاله قتالاً وإنما ذلك ولع فلا يقتل.
وإذا قاتل الراهب والشيخ والمرأة والصبي ثم أسروا , فأما الراهب فيقتل , وأما المرأة والصبي فلا يقتلان إلا في حال القتال ولا يقتلان بعد الأسر.
قال ابن سحنون لأبيه: بلغني أنك قلت: ثم إن أسر الصبي أن الإمام فيه مخير في قتله وتركه , فأنكره وقال: لا يقتل إلا أن ينبت الشعر.
قال محمد: وقاله الأوزاعي: إلا في حال القتال , وكذلك المرأة.
وقال سفيان: تقتل المرأة ويكره قتل الصبي وقال الأوزاعي في المرأة والصبي يحرسان على الحصن: فلا بأس أن يقتلا ويرميان.
وقال سحنون: لا يقتلان في الحراسة وليس ذلك كالقتال.
وأخبرني ابن نافع عن مالك في نساء العدو وصبيانهم يرمون الحصن فيه المسلمون بالحجارة أيقتلون؟ قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان.
قال سحنون: أرى أن يرميهم المسلمون كما يرمونهم وإن قتلوا في ذلك.
قال سحنون: وإذا دعا إلى ذلك الصبي والمرأة فلا يبارزان.
وقال في الأجذم الذي يقتل ويدبر فليقتل , وأما من أبطله الجذام فهو كالشيخ ولا يقتل.
وكذلك المفلوج الذي لا حراك به إلا أن يكون فيه العقل والتدبير.
قيل له: روى عبد الملك عن مالك في الرهبان أن فيهم التدبير والإجتهاد والبغض على دينه فهو أنكى من غيره , والشيخ الفاني الذي لا يدع السرايا والجيوش فليقتل بعد استخباره , وهو من أهل التدبير والحمية في دينه.
قال: ما أعرف هذا وما سمعت من يذكره عن مالك.
وإنما ذكر ابن وهب عن مالك في قتل الأسارى قال: أما من يخاف منه فقتله أمثل.
قال: وكذلك الكبير السن إن خيف منه.
قلت: قال ابن أبي زائدة: لا يقتل العسيف , قال سحنون: يقتل العسيف وهو يقوى على القتال.
ابن أبي زائدة والأوزاعي: ولا يقتل الأعمى والمقعد.
وقال سحنون: يقتلان , وقد يقودان الجيوش وفيهم المكر والتدبير
[3/ 58]
والذهاب والمجيء.
وأما المجنون فإن كان مطبقاً لا يفيق لم يقتل.
وأما من يجن ويفيق فليقتل.
وأما الزمانة فيختلف وقد وصفت لك ذلك.
وقيل عن الأوزاعي في المقعد إن كان عنده معونة على قتال أو ذل فليقتل.
وصوب ذلك سحنون.
قال سحنون: ويقتل المريض الشاب من العدو والدنف لأنه قد يبرأ.
ويقتل المجورح الملحوق إلا أن يكون منفذ المقاتل فهو كالميت.
وانكر سحنون قول الأوزاعي في أقطع اليد والرجل أنه لا يقتل , وقال سحنون يقتل.
قيل: فإن خيف من الشيخ الكبير والمرأة والراهب والصبي أن يدل على العدو , قال: لا يعرض للراهب.
وأما الصبي والمرأة فقد صار فيئاً.
فإذا غنموا لم يعرض لهم بقتل ولا أسر رضيع مع أمه , فلم يقدر المسلمون إلا على حمل أحدهما , وفي ذلك هلاك الصبي , قال: يتركان إلا أن يقدر على حملهما.
واختلف أصحابنا في الصبي إذا أنبت الشعر ولم يحتلم فأكثرهم يرى أن يقتل.
وذهب ابن القاسم وغيره أنه لا يقتل حتى يحتلم.
قال: ومن قتل من نهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ زمن , فإن قتله بدار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله سبحانه , وإن قتله بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته يجعل ذلك في المغنم.
ومن كتاب ابن حبيب قال: أما الشيخ الكبير فإن كان ممن له رأى وتدبير قتل وإن كان خرفا ً فانياً.
وكذلك إن كان فيه بغية ومثله يخاف فليقتل وإن كان لا رأى له ولا تدبير.
وإنما الذي لا يقتل الفاني الخرف الذي لا بغية فيه ولا رأي له ولا تدبير يتقى فهو الذى جاء أنه لا يقتل.
قال: ولا يقتل الضمنى ولا الزمنى , فمن الضمنى المعتوه والمجنون والمختبل وشبههم , ومن الزمنى المقعد والأعمى والأشل والأعرج الذين لا رأى لهم تدبير ولا نكاية فيهم.
وأما المريض الشاب فيقتل ويترك الشيخ.
وكذلك من مرض من الأسرى بعد الأسر , فالشاب منهم يقتل إلا أن يرى الإمام إبقاءه نظراً للمسلمين.
وأما الحصن والمراكب فيه الذرية فمذكور في باب بعد هذا.
[3/ 59]
في الرهبان والنهي عن قتلهم وهل يترك لهم أموالهم؟
والشيخ الكبير , وفي قتل الشمامسة , وهل تؤخذ الجزية ممن ترهب عندنا منهم؟
من كتاب ابن حبيب وغيره: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الرهبان.
(وفي وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان أنه نهاه عن قتل الذين حبسوا أنفسهم لله , يعني: الرهبان.) وقال فى الذين فحصو عن اوساط رؤوسهم: فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف , يعني الشمامسة.
قال ابن حبيب: ولم ينه عن قتل الرهبان لفضل عندهم من ترهبهم وتبتلهم , بل هم أبعد من الله من غيرهم من أهل دينهم لشدة بصيرتهم فى الكفر , ولكن لاعتزالهم أهل دينهم عن محاربة المؤمنين بيد أو رأى أو مال.
فأما إن علم من أحد منهم أنه دل العدو على غرة سرية منا أو دلهم عليهم وشبه ذلك فقد حل قتله.
وكل من نهى عن قتله من أهل الحرب فلم ينه عن سباه وإخراج من أرض الحرب إلا الرهبان فلا يقتلوا ولا يخرجوا من مواضعهم ما لم يحدثوا ما ذكرنا.
وهذا في رهبان الصوامع والديارات سواء.
فأما رهبان الكنائس فلا , ويجوز قتلهم وسباهم لأنهم لم يعتزلوا.
قال سحنون: ويقتل القسيس والشمامسة بخلاف الرهبان.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا وجد الراهب من غير صومعة في دار أو غار فهو كأهل الصوامع.
قيل: فبماذا يعرف أنه راهب؟ قال: لهم سيما يعرفون بها.
وإذا قاتل الراهب قتل.
قال العتيبي قال أشهب عن مالك: وسواء كان الراهب في صومعة أو ديارات فلا يهاج.
قيل: فالراهبان من النساء؟ قال: النساء أحق ألا يهجن.
[3/ 60]
ومن كتاب ابن سحنون: ومن وجد من النساء في الصوامع واليارات رواهب فلا بأس أن يسبين بخلاف الرجال.
وإذا وجد العلج ببلد العدو وقد طين على نفسه في بيت في غير صومعة وله كوة ينظر منها , فهذا راهب لا يعرض له.
وإذا مروا براهب فلا يستخبروه عن شيء من أمر عدوهم.
قال الأوزاعي: ل يزل المسلمون يقتلون الشمامسة ويسبونهم , ولا يعرضون للرهبان الذين في الصوامع والغيران والديارات قد خرجوا إليها من ديارهم ويخلوا من الدنيا.
قال سحنون: هذا كله قول مالك.
قال: وإذا أصابوا بأرض العدو حبشياً قد ترهب في صومعة فلا يعرض له , وهو كغيره , فإن علموا أنه كان عبداً لمسلم أنزل.
فإن كان مسلماً استثيب , فإن تاب رد على مولاه إن عرف وإلا صار مغنماً.
وإن لم يتب قتل.
وإذا أدركت حبشياً بأرض العدو وقد ترهب فلا تقتلة وخذه إن خفت أن يكون مسلماً.
فإن قاتلك فاقتله.
قال سحنون: ونحن نرى قتل الزراع والحرث ببلد الحرب.
قال: ويقتل السائح في بلد الحرب.
وقيل له روى عبد الملك عن مالك في الرهبان: أن فيهم التدبير والبغض على دينه فهو له روى عبد الملك عن مالك في الرهبان: أن فيهم التدبير والبغض على دينه فهو أنكى من غيره.
والشيخ الفاني الذي لا يدع السرايا والجيوش فيقتل بعد استخباره.
قال: ما أعرف هذا , ولا سمعت من يذكره عن مالك.
قال أبو محمد: وقد تقدم هذا.
قال سحنون: وإن صح عن راهب أن أهل الحرب يأخذون عنه الرأي عن حربهم فليقتل.
ومنه ومن العتبية: من سماع ابن القاسم: وقال في أموال الرهبان: إنه يترك لهم ما يصلحهم والبقرتان بكفاية.
ولو قبل قوله لا دعى الشيء الكثير.
قال فى كتاب ابن سحنون: ولكن يترك لهم ما يصلحهم مثل المزراعة والبقرات لأنهم إذا تركوا لابد من مصلحتهم وعيشهم.
قال سحنون وما وجد عند
[3/ 61]
الراهب من المال والحلي والبز والخيل والبغال فليؤخذ منه كله ويترك له من الكسوة ما يستر عورته ويرد عنه البرد , ومن الطعام ما يعيش به.
وأما ما سوى ذلك من الأموال فلا يترك للشيخ الكبير مثل ما يترك للراهب من العيش والكسوة.
قال ابن نافع عن مالك في الراهب له الغنيمة والزريع في أرض الروم , قال: لا يعرض له وذلك يسير , ولا يعرض لبقره ولا لغنمه إذا عرف أنها له ولذلك وجه يعرف به , وما أدرى كيف يعرف.
قال سحنون: يعني إذا كان قليلاً قدر عيشه.
وأما ما جاوز ذلك فلا يترك له.
قال أشهب عن مالك في العتبية في أموال الرهبان وعبيدهم وزروعهم: إن علم الجيش أن ذلك للرهبان فلا يمسوا منه شيئاً.
ومن كتاب ابن المواز قال: ولا يعرض للراهب ولا لماله.
قيل: فإن وجد له المال والأعكام والبقر والغنم؟ قال: أما ما لا يشبه أن يكون للرهبان فلا يترك له ولا يصدق فيه.
قال مالك: أما مثل البقرتين والغنيمات وما يكفيه ويقوم بعيشه ومثل المبقلة والنخيلات فليترك له , ويؤخذ ما بقي أو يخرب أو يحرق.
وإذا لم يترك له ما يعيش به فقد قتله.
وأهل الديارات كأهل الصوامع.
قال: قال ابن القاسم ومن ترهب منهم في أرض الإسلام فلا تؤخذ منهم جزية إذا حبسوا أنفسهم في الصوامع.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا وجد راهب قد نزل من صومعة وهو منهزم مع العدو فأخذ فقال: إنما نزلت وهربت خوفاً منكم , قال لا يعرض له.
قال ابن نافع عن مالك قيل له ك وربما أسرى المسلمون سرية فيعلم بهم الراهب فيخافون أن يدل عليهم فلينزلوه يكون معهم , فإذا أمنوا أرسلوه.
قال: ما سمعت أنه ينزل من صومعته.
[3/ 62]
قال سحنون: وإذا وجدوا في صومعته طعاماً واحتاجوا إليه , فليأخذوا منه ويتركوا له قدر عيشه لأشهر.
وأما إن وجدوا معه مالاً ناضاً أو غير ناض خباه عنده الروم فليأخذوه منه ولا يستحلون بذلك دمه.
وفي باب قتل الأسارى شيء من معاني هذا الباب.
في إخراب بلد الحرب وقطع الشجر
وخراب أموالهم وما يذبح لمأكله
وهل يحرق ما فضل من الغنيمة ما لا يطاق حمله؟
من كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم فيما أوصى به أبو بكر يزيد بن أبي سفيان في نهيه إياه عن قطع شجر العدو وتحريق النخل وتغريقها وعقر بهيمة إلا لمأكل , وفي كتاب ابن حبيب: وخراب العامر , إنما ذلك فيما يرى ظهور الإسلام عليه.
وأما ما لا يرجى ذلك فيه من داخل أرض العدو فلا بأس بقطع شجرهم وخراب حصونهم وإفساد أموالهم وعقر دوابهم وتحريق النخل وتغريقها , وقاله مالك واحتج بقول الله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموهم) , وقال: (ولا ينالون من عدو نيلا) , وقال ابن وهب.
قال أصبغ: وخراب ذلك أفضل من تركه.
قال مالك: ويحرق زرعهم وحصونهم بالنار , وكره تحريق النخل وتغريقها.
وما فضل من الغنيمة لا يطاق حمله فليحرق بالنار وتعرقب الدواب , وقاله ابن القاسم.
قال مالك: وإذا طلب أخذ العسل فخاف لدغ النحل فله أن يغرقها لأخذ العسل.
قال ابن حبيب قال مالك وأصحابه: إنما نهى الصديق عن تحريق الشام وخرابه لأنه علم مصيرها للمسلمين.
فأنما ما لا يرجى الظهور عليه فخراب ذلك الذي ينبغي , مثلما تقدم من الخراب وعقر الدواب والأنعام وإفساد
[3/ 63]
الطعام , وذكر أن تحرق النخل وتغرق.
قال وسمعت أهل العلم يقولون: وإذا لم يقدروا على أنعامهم إلا بعقرها فذلك لهم إذا ذكوها بعد العقر ولم يبلغ العقر منها مقتلا , ما لم يكن نهبة , فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبة , وهذا فينما في داخل أرض الكفر.
فأما في بلد الإسلام أو بموضع يؤمن أن يأخذه العدو فلا يعقر هناك خيل ولا حيوان من الأنعام وغيرها.
وكره بعض العلماء أن يفدوا منهم الأسارى بالخيل إذا وجدوا الفداء بغيرها , فكيف يترك لهم؟
واتفق مالك وأصحابه على عقر دوابهم إن لم يجدوا النفوذ بها.
واختلفوا كيف العقر , فقال المصريون: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها , وقال المدنيون: يجهز عليها وكرهوا أن تذبح أو تعرقب , وبه أقول لأن الذبح مثلة والعرقبة فيه تعذيب.
ومن كتاب ابن سحنون روى ابن وهب عن مالك: وتعرقب الدواب إذا خافوا أن يأخذها العدو ويحرق الطعام وقرأ (ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار) , الآية.
ومن وقف له فرس بأرض العدو فليعقره.
وقال عنه ابن نافع: تحرق بيوتهم , ووقف عن تحريق النخل , ولا بأس بقتل خنازيرهم.
قال سحنون في كتاب ابنه مثل ما تقدم عن مالك في التحريق والخراب.
قال: وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة أن يذهب إلى البلقاء , فيحرق فيها.
قال لي الوليد قال الأوزاعي: وإذا ظهر على أهل مدينة أو حصن فلتخرب بيوتهم وكنائسهم , وكره تخريب الكنائس في القرى وتحريقها , ويؤخذ ما فيها من ستور وحبال القناديل وصليب من حديد أو نحاس.
قال: ولم يكن من عندنا يكسرون صلبان الخشب.
فإن كسر فلا بأس.
قال سحنون: وقولنا إنها تكسر ولا تترك.
[3/ 64]
قال سحنون في البقر والغنم: تذبح في أرض للحاجة إلى جلودها لا للحم.
فإن كانت الجلود تراد لشيء من أمر الحرب من الدرق والدبابات فلا بأس به.
وأما لحاجة الذابح في نفسه فلا إلا للحاجة للحم.
قيل: فإن نزلنا بيرتهم في ثلج وبرد فنعدو أبوابهم؟ قال: نعم , ويطبخون بذلك ويشوون.
قال ابن القاسم عن مالك: تعقر بقرها وغنمهم من غير حاجة إن أريد بذلك نكاية العدو.
وإذا بقي من الغنيمة ما لا يقدرون على النفوذ به ولا بيعه ولا يريدونه , وإن ترك فلا قوة فيه للعدو في الحرب ولكن ينتفعون به , قال: فليحرق بالنار.
قال: وهدم كنائس بلدهم أحب إلي من تركها , وتكسر صلبانهم التر في بيوتهم وأصنامهم , وتهراق خمورهم وتكسر خرائبهم وأزقاقهم ويحرق زرعهم وكلأهم.
قال ابن سحنون عن ابيه: وكره الأوزاعي وسفيان لمن وقف فرسه أن يعقره وتأولا قول أبي بكر: إلا لمأكله , وليس هذا من ذلك , هذا مال المسلمين.
وقد ذكرت لك قول مالك في معنى قول أبي بكر.
وقال ابن وهب كقول الأوزاعي وسفيان , وروى هو عن مالك فيمن وقف فرسه قال: إن كان يتنفع بها العدو فليعرقبه.
قيل: ولا يذبحه لئلا يعذبه.
قال: فليبعجه أو يضرب عنقه وكره ذبحه , وبهذا أخذ سحنون.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ولا بأس أن يعقر بقرهم وغتمهم وإن لم يحتج إلى ذلك.
ومن كتاب ابن سحنون قال مالك: وما ظفروا به من المطامر فأخذوا منه حاجتهم للعلف.
فإن كان الإمام عازماً على الرجوع إلى دار الإسلام من ذلك الموضع فلا بأس أن يحرقوا ما بقي أو يغرقوه.
وإن كان يريد التقدم ورجوعه على هذا الموضع فليبقوه إلا أن يأخذوا على طريق آخر فليحرقوه إن قدروا أو يغرقوه.
[3/ 65]
في رمي العدو بالنار والمجانيق
وهل يغرقون أو يقطع عنهم الماء وشبه ذلك؟ أو يسم لهم الحديد أو الطعام وفي طرح الحسك
من كتاب ابن حبيب , قال: وقد جاء النهي عن التعذيب بعذاب الله , فقيل: إن ذلك فيمن أسر أو قتل صبراً.
فأما إن تحصن العدو في حصن فلم يوصل إليهم إلا بالنار فلا بأس بذلك.
وروي نحوه عن أبي عبيدة.
قال ابن حبيب: ما لم يكن فيهم النساء والأطفال أو أسارى من المسلمين من غير نساء ولا ذرية فلا يرموا بالنار.
قال الله سبحانه: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم).
وكذلك لا بأس أن يلقى عليهم في مراكبهم أتوا بها أو لم يأتوا بها , وإن كان فيهم الذرية والنساء إلا أن يكون معهم مسلم أسير.
ولا بأس أن يرموا بالمجانيق في حصونهم ويلقى عليهم الماء ليغرقوا به ويقطع عنهم مجراه ويقطع عنهم المير وإن كان فيهم النساء والذرية , ما لم يكن فيهم أسارى للمسلمين.
ومن العتبية: روى سحنون عن ابن القاسم في الحصون , قال: يرمون بالمجانيق وفيهم النساء والذرية.
وأما بالنار فلا أحب ذلك بخلاف المراكب , إلا أن يرمونا به فحائز لنا أن نرميهم به , إلا أن يكون معهم مسلمون فلا ينبغي ذلك
وقال اشهب: لا بأس أن يرموا بالنار إذا رمونا به.
ومن كتاب ابن سحنون قال ابن القاسم عن مالك في مركب للعدو ومعهم ذرية المسلمين , فلا يلقى عايهم النار لقول الله تعالى: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم).
قال ابن القاسم عن مالك: وكذلك إن كان معهم أسارى المسلمين.
وإذا كان في الحصن النساء والذرية فلا يلقى عليهم النار.
وإن لم يكن فيهم غير المقاتلة فلا بأس بذلك.
وقال سحنون: لا يلقى عليهم النار وإن كان الرجال فقط.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: ولا يلقى على مراكبهم النار إلا أن يبدأونا بذلك.
[3/ 66]
قال سحنون: وإذا كان العدو في مطمورة فلا أرى أن يلقى عليهم النار وإن لم يكن معهم ذرية.
وأما الدخان يضطرون به للخروج فلا بأس بذلك.
قال أشهب: وإن كان معهم في المطمورة الذرية أو أسارى المسلمين فلا يدخن عليهم , وقاله سحنون.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعذب العدو بالنار.
وقال عمر بن عبد العزيز: وددت أن لو عاهدونا أن لا يقتلونا بالنار ولا نقتلهم به.
وأجاز بعض أصحابنا رمي العدو بالنار وإن كان فيهم الذرية كما يسبون معهم.
وقال: إنما قال الله سبحانه (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) , فلم يرفع إلا الرجال ولم يذكر الذرية , فأنكر هذا سحنون وقال: لا يرموا بالنار , وحجته بالسبي لا وجه له , لأن قتل الوالد دون الولد.
قيل له روي عن ابن القاسم: أنه لا بأس أن يرسل على حصونهم الماء ليغرقوا وإن كان فيهم النساء والذرية , ويرموا بالمجانيق ويقطع عنهم الماء والمير.
قال: لا أعرف إرسال الماء عليهم , ولا بأس أن يقطع الماء والمير عنهم إلا أن يكون فيهم أسارى المسلمين يخاف هلاكهم بذلك , وأجازه الأوزاعي.
وخالفه سحنون وقال: لا بأس أن يذبح في مائهم البقر والغنم ليفسدوه عليهم , ولا يطرح على الحصن النار كان معهم أسارى المسلمين أو يكن وإن كان لا يؤخذ إلا بذلك.
قيل له: روي عنك أنك قلت إن كان إذا دخلوا بلادنا ألقوا علينا النار فلا بأس أن يلقى عليهم إن لم يكن معهم أسارى المسلمين , فأنكره وقال: إنما قلت هذا في المراكب إذا رمونا به.
قال: ولنا أن نحرق طعامهم الذي خارج الحصن لأنه قوة لهم.
[3/ 67]
قلت: قال الأوزاعي إن كانت غارة لا يحرقوه وإن كانوا إنما يريدون حصارهم فقدروا أن يمنعوهم منه فليفعلوا ولا يحرقوه.
قال: لا أرى ذلك وليحرقوه فى الغارة وفي الحصار.
وإنما نحل الأوزاعي أنه لا يكره قطع البحر إليهم.
قلت: فإن حصرناهم فقالوا إن لم ترحلوا عنا قتلنا أساراكم عندنا وسألهم الأسارى الرحيل؟ قال: إن كانوا على إياس من فتحه فليرتحلوا.
وإن كانوا أشرفوا عليهم وهم منه على شبه اليقين فلا يرتحلوا وإن قتلوا الأسارى , وقاله الأوزاعي وسفيان.
وإذا بذلوا لنا مالاً على أن لا نقتل خنازيرهم ولا نفسد خمرهم لم يجز لنا أخذ شيء على ذلك إن قدرنا عليه.
ومن كتاب ابن المواز: قال في الغار أو الحصن فيه العدو ومعهم الذرية أو الركب , فلا يقدر على ذلك إلا بحرق المركب والتدخين على الغار والحصن أو تغريقهم فلا بأس بذلك كله , واجتناب النار أحب إلينا في ذلك كله , وهذا إن لم يكن معهم مسلمون , فإن كانوا فلا يحرقوا ولا يدخن عليهم.
وقال في المطمورة فيها النساء والصبيان , فإن كان التدخين يقتلهم ولا خلاص لهم به غير القتل فلا يدخن عليهم.
(وإن كان لهم خلاص فلا بأس بذلك.
وذكر عن أشهب مثل ما تقدم من رواية سحنون في المطمورة فيها الذرية أو أسارى فلا يدخن عليهم.) وذكر ما تقدم ذكره عن مالك وابن القاسم في الحصون فيها الذرية أو أسارى فلا تحرق.
وقال: وإنما تحرق أو تغرق إذا كان فيها الأعلاج فقط.
ومن كتاب ابن سحنون: وكره مالك أن يسم النبل والرماح يرمى بها العدو وقال: ما كان هذا فيما مضى.
وروى مثله ابن حبيب.
[3/ 68]
ومن كتاب ابن سحنون قال الأوزاعي: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلقى السم في آبار العدو ومياههم.
قال الأوزاعي: ولا يفعل ذلك المسلم في طعام ولا سلاح , وهو قول مالك.
قيل لسحنون: فإن أخذ المسلمون قلالاً مملوءة خمراً فجعلوا فيها سماً ونصبوها للعدو فشربوا منها فماتوا؟ فكره أن يعمل بهذا.
قال: ولا بأس أن يلقى المسلمون الحسك حول عسكرهم إذا نزلوا يتحصنون به.
وكذلك إذا التقوا فألقى المسلمون أمامهم الحسك يردعونهم به , فلا بأس بذلك.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: لا بأس أن يقطع عن حصنهم المير والماء ويرموا بالمجانيق.
وقال مالك: ولا بأس أن يعقر بقرهم وغنمهم وإن لم يحتج إلى ذلك.
وكل ما قدر أن يهلكهم به فعل.
في قتال الحبشية وشراء النوبة
من كتاب ابن سحنون: قيل لمالك: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ذروا الحبشية ما ذرتكم؟ قال عن النبي صلى الله عليه وسلم , فلا , ولكن لم أزل أسمع ذلك يقال.
قيل: قد كانوا خرجوا بدهلك.
قال ينظر في أمرهم , فإن فعلوا وإلا لم يهجم عليهم إلا بأمر بين.
وقد خلا له دهر ما فعلوا مثل هذا.
ولكن أخاف أنه ارتكب منهم باطل.
ولم يزل الناس يغزون الروم وغيرهم وتركوا هؤلاء.
فما أرى ترك قتالهم إلا لأمر , فلا أرى أن يخرج إليهم حتى يستبان أمرهم.
فإن كان عن ظلم صنع بهم لم أر أن يقاتلوا وألا يعجل في أمرهم.
ومن العتبية: روى أشهب عن مالك , وسئل عن أسير النوبة والبجة , وبيننا وبينهم هدنة: يعطينا النوبة رقيقاً ونعطيهم طعاماً ويعطونا البجة إبلاً ونعطيهم طعاماً , فهل نشترى شيئاً من رقيقهم؟ فقال: دع ما يريبك إلى ما
[3/ 69]
لا يريبك , قاله ابن عمر.
قيل: فيشترى رقيقهم الذين يبعثونهم إلينا للصلح الذي بيننا وبينهم؟ قال: لا أدرى ما هذا التفصيل الذي يفصل بين هذا وهذا.
في قتل الأسارى واسترقاقهم
والتمثيل بالعدو وحمل الرؤوس وفداء الأسارى واسترقاقهم ومن لا يقتل منهم وفي أمان الأسير
من كتاب ابن سحنون , قال: روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل سبعين اسيراً بعد الإثخان من يهود.
وقتل عقبة ابن أبي معيط صبراً بعد أن ربط.
ولم يقتل يوم بدر من الأسرى غيره , وكثر يومئذ الفداء , وأكثر ما فودي به الرجل أربعة آلاف.
وربما فدي الرجل على أن يعلم عندنا الخط لأن أهل المدينة لم يكونوا يحسنون الخط.
وقتلأبو بكر أسيراً بعد أن أعطى في فدائه مالاً فقال: اقتلوه فقتل رجل منهم أحب إلى من كذا.
وقد قتل الأسرى غير واحد من الصحابة.
وقتل عمر بن عبد العزيز أسارى من الروم وقتل أسيراً من الترك , وأمر بفداء من أسر من المسلمين وإن كان قد هرب إليهم من حر أو عبد.
قال سحنون: والإمام مخير في أسرى العدو في قتلهم أو استرقاقهم قبل أن يستحييهم , فإذا استحياهم لم يجز له قتلهم.
قيل: فما معنى الحديث: إن عبد الرحمان بن عوف أسر أمية بن خلف أراد به الفداء , فحرض بلال على قتله حتى قتله غيره.
قال: ما أدري , ولعل عبد الرحمان لم يؤمنه.
وقال مالك: إنما يقتل من الأسرى من يخاف منه , وقد كتب عمر: ألا تجلبوا إلينا من علوجهم أحداً.
قال مجاهد: إذا أسلم الأسير لم يقتل.
قال بكير: ومن قسم لم يقتل.
قال سحنون: لأنه قد استحيي فلا يقتل.
قال الأوزاعي: ولا يقتل الحراث والزراع وشبهه وليقسم.
قال سحنون: إن خيف منه قتل.
[3/ 70]
وكذلك في كتاب ابن المواز مثل ما ذكر عن الأوزاعي ومكحول وبكير وغيره.
وقال مجاهد: ومن ترك ليقسم لم يقتل.
قال بكير: ومن قسم لم يقتل.
قال محمد: وإن كان من الخسيء.
ومن كتاب ابن سحنون وابن المواز قال مكحول: إذا استأسر أسير لم يقتل إلا أن لا يقبل ذلك منه.
قال سحنون وابن المواز: إنما هذا إن كان في منعه أو حصن , فإن قبلت منه حرم دمه.
وإن لم تقبل منه رد إلى مأمنه.
فأما أسير قدر عليه فبخلاف ذلك.
ومن كتاب ابن حبيب قال: وإذا استأسر , وهو منك في منعه , فهو آمن لا يقتل ولا يسترق.
وإن استأسر وقد رهقته فلا أمان له.
وإذا استسلم الأسير حرم دمه وصار مملوكاً.
ومن كتاب ابن سحنون: وأتى عمر باسرى فضلوا , فقسمهم ولم يقتلهم.
قال ابن شهاب: إن طعنته فتشهد فقد حرم دمه , وقاله سحنون.
قال: وأخبرني ابن نافع عن مالك أنه لا يقتل إذا اسلم.
قيل: فقتل من مرض؟ قال: نعم , ومن يشك في هذا.
قال عنه ابن وهب , قيل: يدعى الأسير إلى الإسلام قبل أن يقتل؟ قال: نعم.
قيل: فإن حمل الأسير فمرض؟ قال: أخاف أن يكون ذلك أماناً , ولهذا وجوه.
وإذا أخذ المسلمون أسارى فأرادوا قتلهم , فقال أحدهم: أنا مسلم , فإن ثبت إسلامه قبل الأسر فهو حر.
وإن لم يكن غير دعواه فهو فيء ويسأل عن الإسلام.
فإن عرفه فهو مسلم ولا يقتل وهو فيء.
وإن تزيا بزي المسلمين لم يخرج من الرق بذلك حتى يثبت إسلامه قبل ذلك.
قال ابن سحنون: وإن قال أنا مسلم ولم يصف الإسلام وصف له.
قإن قبله فهو مسلم ويسترق.
قال سحنون: وإن طلب الإسلام فلا يعجل عليه بقتل ويعرض عليه الإسلام , فإن أسلم لم يجز قتله.
[3/ 71]
ومن كتاب ابن المواز قال: وإذا ترك عن الأسير القتل لرجاء فداء أو بيع أو دلالة أو سبب سقط عنه القتل.
وكذلك إن صلى.
وإذا أخذوا إنساناً يستخبرونه الخبر فلا يقتل وهو رقيق لهم استبقوه لصنعه ظنوها فيه ولم يكن ذلك.
قال سحنون: وللإمام قتل الأسارى ممن حضر القتال أو غيره , ما لم يعرض فيترك عنه القتل لما ذكرنا فإنه لا يقتل.
وأما من ترك ليعاود فيه رأيه فله قتله إن رأى ذلك.
وكذلك في المحتصر.
وكذلك السرية تبعث فتلتقط الأعلاج من القرى والجبال وغيرها , فمن جيء به إلى الإمام فإما قتل أو ترك لفداء أو بيع أو لصنعة , أو ليطلقه لما يرى في ذلك من الصلاح والاستئلاف , ثم ليس له ولا لغيره معاودة القتل في من ترك لما ذكرنا.
وليس لمن أسر أسرى قتلهم حتى يأتي بهم الإمام فيجتهد فيهم رأيه.
وقد أجر أمير الجيش الهرمزان حتى قدم على عمر , فكلمه فاستعجم , فقال: هلم تكلم ولا تخف.
فلما تكلم أراد قتله , فقال له: قد قلت لا تخف فتركه.
وقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن من أسر ببدر إلا عقبة بن أبي معيط أمر بقتله.
ولا ينبغي للإمام أن يدع قتل من يخاف منه أن بيع أو استبقي ضرراً لى المسلمين ممن يحامي على دينه.
ولم يقتل عمر بن عبد العزيز في خلافته غير أسير من الخزر.
وكان أبو عبيدة وعياض بن عقبة يقتلان كل من أتيا به من أسير.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي أمامة سيد أهل اليمامة فخيره بين أن يعتقه أو يفاديه أو يقتله.
فقال: إن تقتل تقتل عظيماً , وإن تفاد تفاد عظيماً , وإن تعتق تعتق عظيماً , وأما أن أسلم فلا والله أسلم قسراً أبداً.
فقال: فقد أعتقتك , فقال: أشهد أن لا إلاه إلا الله وأنك رسول الله.
ومن كتاب ابن حبيب: ولا بأس أن تقتل المشرك قبل ظفرك به بأي قتلة أمكنك.
فأما بعد الظفر فلا ينبغي أن تمثل به , ولا تعبث عليه ولكن تضرب عنقه.
[3/ 72]
قال سحنون: أخبرني معن عن مالك , قيل: أيضرب وسطه بالسيف؟ قال: قال الله سبحانه: " فضرب الرقاب " ولا خير في العبث.
قيل: أيعذب إن رجي أن يدلنا على عورة العدو؟ قال: ما سمعت ذلك.
قال ابن حبيب: وقد أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمثل بحيي بن أخطب.
وإنما مثل المشركون بالمسلمين يوم أحد , فتواعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من ذلك , فأنزل الله سبحانه " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " , الآية.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نصبر.
وقد كره أبو بكر إذ حمل إله رأس البطريق من الشام وقال: هذا فعل العجم.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون لا يجوز حمل الرؤوس من بلد إلى بلد ولا حملها إلى الولاة.
وذكر ما أنكر الصديق وقال: استنان بفارس والروم , يكتفى بالكتاب والخبر.
ومن كتاب ابن حبيب: وإذا أمر الإمام بتوقيف الأسير فيمن يرتد ولم يعطه أماناًفصيح به , ثم رأى قتله فذلك له إلا أن يكون الأسير هو سأله البيع فأجابه إليه فذلك أمان من القتل.
ومن كتاب ابن المواز: وعن علج أسر فأمر الإمام بالنداء عليه فبلغ أحد عشر ديناراً ثم أراد قتله , قال: ذلك له.
قال أصبغ: هذا إن عرضه يختبر ما يبلغ فيرى رأيه وإلا فلا.
وينبغي للإمام إذا أراد قتل أسير أن يدعوه إلى الإسلام ويسأله هل له عند أحد عقد ممن أسره.
قال: وقتل البالغين من الأسارى أحب إلى العلماء من إحيائهم.
وكتب عمر إلى أمراء الجيوش أن يقتلوا كل من جرت عليه المواسي ولا يحمل إليه من علوجهم أحد.
قال ابن حبيب: ومن لا يخشى عوره وعداوته من الشباب المراهقين فليباعوا ويقسموا.
[3/ 73]
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: واتقى مالك قتل الشيخ الفاني ومن لا يخاف منه ومن له صنعة والحراث والعامل بيده.
وقال عبد الملك: يقتل الشيخ الكبير إن كان ممن له الكيد.
قال محمد: إذا عرف بذلك , وإلا تركه أحب إلي للنهي عن قتل مثله.
وكذلك الصناع من لم يكن من مقاتلتهم فيؤثر.
وأما مقاتلتهم فيقتل إلا أن يسلم , ولا يؤخ لمرض أو غيره.
ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: ولا يقتل من الأسارى إلا من يخاف منهم , مثل من يعرف بالنجدة والفروسية , فله قتله.
ومن كتاب ابن المواز قال أصبغ عن أشهب: إذا أسرت سرية فغنموا أعلاجاً , ثم أدركهم أمر فخافوهم أيقتلونهم؟ قال: إن لم يستحيوهم فذلك لهم.
وإن استحيوهم فليس ذلك لهم إلا أن يقاتلوهم.
والاستحياء أن يتركوهم على أنهم رقيق للمسلمين أو فيئاً لهم.
فأما إن تركوهم ليأتوا بهم الإمام فيرى فيهم رأيه فليقتلوهم إن خافوهم , وقاله أصبغ.
وفي الباب الذي يلي هذا شيء يشبه بعض معاني هذا الباب.
ومن كتاب ابن سحنون: ومن اشترى علجاً من المغنم فأراد أن يدخله المركب فيأبى ويريد الهرب إلى العدو وهو قريب منه ولا يقوى الرجل على حبسه ولا معه عوين أيقتله؟ قال: لا , لأنه لم يحارب إنما أراد الهرب.
ولو سار به في البر فضعف عن المشي فلا يقتله لأنه قد استحيي.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون في مراكب الإسلام لقوا مراكب العدو في البحر فقاتلوهم , ثم طلب الروم الأمان فأمنوهم واستأسروا فجاؤوا بهم إلى أرض الإسلام: فإن أمنوهم على أن يكونوا ملكاً أو ذمة فالشرط لازم.
وإن كان أمان مسجل لم يجز قتلهم ولا رقهم , وليردوا إلى مأمنهم إلا أن يرضوا بالمقام على الجزية أو يسلموا.
[3/ 74]
في الأمان وذكر الإشارة بالأمان
وما يجري من قول أو عمل فيظن أنه أمان وما يكون منه على الخديعة
قال أبو محمد: وقد أمر الله سبحانه ورسوله عليه السلام بالوفاء بالعهد والذمة , والأمان من ذلك.
كتاب ابن سحنون وابن حبيب: وذكر حديث مالك عن عمر فيمن يقول للمشرك: لا تخف ثم يقتله: فمن فعل ذلك ضربت عنقه.
قال سحنون , قال مالك: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه.
وقال ابن حبيب , قال مالك: ذلك تشديد من عمر ولا ينبغي أن يقتل.
وينبغي للإمام أن يقدم للجيوش ألا يقتلوا من أشاروا إليه بالأمان فإنه كالأمان.
قال ابن حبيب: سمعت بعض أهل العلم يقولون فيمن رهق مشركاً بالقتل فاتقاه المشرك فقال له المسلم لاتخف أو لا بأس عليك ثم أسره فأراد قتله , فإن كان أراد بقوله تأمينه من الضربة التي أشرف بها عليه لا من القتل فله قتله.
وإن أراد تأمينه م القتل فلا سبيل إلى قتله.
فإن فعل فعليه قيمته يجعلها في المغنم.
قال سحنون قال ابن وهب عن مالك: والإشارة بالأمان كالكلام , وليتقدم إلى الناس في ذلك.
وذكر ما روي عن عمر في القائل للعلج: مترس , وهو بالفارسية: لا تخف , قال سحنون: فهو أمان.
وكذلك إن ناداهم المسلمون بالأمان بأي لسان من قبطية أو فارسية أو بالرومية أو غيرها , فذلك أمان.
وإذا كان ذلك اللسان لا يعرفه العدو فهو أمان لهم وإن لم يعرفوه.
وهو معنى حديث عمر في: مترس.
قال ابن المواز: ونزل عندنا أن مركباً من المسلمين لقي مركباً للعدو , فقاتلوهم يومهم , ثم طلب العدو الأمان , فنشر المسلمون المصحف وحلفوا بما فيه
[3/ 75]
لنقتلنكم , فاستسلموا وظنوا أنه أمان , ثم طلبوا بيعهم , فأجمع فقهاؤنا أنه أمان لهم.
قال: وإذا طلبوا مركباً للعدو فصاحوا به: أرخ قلعك , فيرخيه , فيأسرونهم , فهذا أمان إذا كان قبل الظفر بهم وهم على رجاء من النجاة.
ومن المجموعة: قال مالك في قوم من العدو يأتون فيطلبون الأمان فينزلون فيقولون: الأمان الأمان , قال: إما أن يقبل منهم أو يردوا إلى مأمنهم.
قال سحنون: وإذا أشار مسلم إلى مشرك في حصن أن تعال , وأشار مع ذلك إلى السماء , أو أشار إلى أهل الحصن أن افتحوا , فظن من ذكرنا أن ذلك أمان ففعل , أو كان عرف عندهم أن مثل هذا أمان أو لم يعرف , فهذا أمان كالإفصاح به.
وكذلك إن أشاروا إليهم أن تعالوا واشاروا بأصابعهم إلى السماء.
وكذلك إن أشار إني قاتلك فأتى كما روي عن عمر.
قال سحنون: إلا أن يكون المشرك فهم قوله: إني قاتلك , فأتى فهذا فيء يرى فيه الإمام رأيه.
قال سحنون في موضع آخر: لا تكاد العجم تفهم هذا.
وقد روي عن عمر في من أشار إلى مشرك: إني قاتلك إن نزلت فينزل يظنه أماناً فأمنه عمر.
قال ابن سحنون عن أبيه في المسلم يأسر المشرك فيقول المشرك: الأمان الأمان , فأمنه فإنه لا يحل له ولا لغيره قتله , ولكن يتعقب الإمام ذلك.
فإن رآه نظراً أمضاه وصار فيئاً , وإن كان أصلح للإسلام قتله قتله لأنه أمن بعد أن صار أسيراً وفيئاً.
ولو أسلم حرم دمه وكان فيئاً.
ولو قال أكون ذمة لكم فليس له ذلك وللإمام قتله.
ولو كتفوه أو ضربوه حتى يسلم فلا يجوز أن يفعل ذلك به لهذا.
وإنما يجوز أن يفعل ذلك مخافة أن يهرب.
فإن خيف أن يمنعه ذلك من الإسلام فليقيد ويدع التعكيم.
وإن رام قتله فقال له العلج: الأمان الأمان , فأجابه المسلم: الأمان الأمان , رداً عليه وتغيطاً كالقائل: أتطلب الأمان؟ فليس هذا بأمان ويجوز قتله.
ولكن إن سمعوا ذلك أصحابه رفعوه إلى الإمام يرى فيه رأيه.
ولو
[3/ 76]
قال لهم: إنما أردت تعجباً ومنعاً فلا يصدقوه وليرفعوا أمره.
ولو زاد من القول ما يوضح قوله فقال: الأمان الأمان تطلب؟ أو: لا تعجل حتى ترى ما تلقى , ونحو ذلك مما يكشف الأمر فل ولهم قتله.
وقد يأتي أمر ظاهر إنما يراد به التهديد كالقائل: أفعل كذا إن كنت رجلاً , أو: افعل ما شئت إن كنت صادقاً , فأجابه مسلم من الجيش بمثل ذلك , أو ابتدأ المسلم هذا القول , فنزل العلج فقال القائل: إنما أردت التهديد فلا يقبل منه فإما أمنه الإمام وإما رده إلى مأمنه.
وكذلك لو قال له ذلك الإمام فهو كالخديعة.
فإما أمنه أو رده إلى مأمنه.
ولو أبان ذلك فقال: الأمان الأمان انزل إن صدقت ونحو هذا فإنه لا يقتل.
وإما أمن أو رد إلى مأمنه.
وكذلك لو قاله له الإمام.
ولو قرن مع ذلك كلامه بكشف أسمعه المشرك بلساننا أو بلسان الروم وعلم أن المشرك فهمه , فهو فيء إلا أن يشاء الإمام قتله , مثل أن يقول له: الأمان ما أبعده! أو: انزل إن كنت صادقاً ونحوه , كمن قال لرجل: لي عليك ألف درهم , فأجابه: لك علي ألف درهم , فأجابه: لك علي ألف درهم؟ ما أبعدك من هذا! فليس بإقرار.
وإذا أتى المسلمون حصناً للروم فأظهروا أنهم رسل الخليفة وجاؤوا بكتاب منه وذلك كله كذب فأدخلوهم , فلا يجوز لهم قتل أحد وليفوا بما أظهروا مما دخلوا عليه , والإشارة عند مالك بالأمان أمان , ولينه الإمام عن قتل من أشاروا إليه بالأمان.
وكذلك لو صدقوهم من غير كتاب اتهروه معهم , أو قالوا نحن تجار فأدخلوهم فلا يجوز لهم قتل أحد ولا أخذ شيء.
وكذلك لو تحلوا بحلية أهل الروم ولباسهم أو كانوا منهم ثم أسلموا وقالوا: كنا بأرض الإسلام بأمان , وانتسبوا إلى قوم من الروم معروفين ذكروهم , فدخلوا على هذا , فلا يجوز أن يؤذوا أحداً.
وكذلك لو قالوا لهم نحن أهل ذمة أردنا نقض العهد فأدخلوهم.
[3/ 77]
قلت: فإن كعب بن الأشراف وسفيان بن عبد الله قتلا غيلة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم , وأظهر إليهما من جائهما غير ما جاء فيه , ولم يكن ذلك أماناً لهما.
قال: هذان قتلا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأذاهما الله ورسوله فلا أمان لهذين.
ومن العتبية: قال سحنون في مراكب الإسلام حاربوا مراكب للعدو , فجرت بينهم جراح , فطلب العدو الأمان فأعطوهم , فاستأسروا فقدموهم بهم بر الإسلام , هل يجوز قتلهم؟ قال إن أمنوهم على أن يكونوا ملكاً أو ذمة فالشرط جائز.
وإن لم يكن الأمان مسجلاً فلا يجوز ملكهم ولا قتلهم , وليردوا إلى مأمنهم إلا أن يقيموا على الجزية.
في أمان العبد والمرأة والصبي والمعاهد والمجنون وغيرهم
وكيف إن أمنهم أحد بعد أن نهى الإمام عن التأمين ومن حكى الأمان عن غيره
من كتاب ابن سحنون وابن حبيب: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم.
قال ابن حبيب: فأدناهم يقول: الدني من حر أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان يجوز أمانه , ولا ينبغي للإمام ولا غيره أن يغدره , ولكن يوفي له بذلك أو يرده إلى مأمنه.
وقوله: ويرد عليهم أقصاهم , أي: ما غنموا في أطرافهم يجعل خمسه في بيت مالهم.
[3/ 78]
قال: ولا ينبغي لأحد من الجيش أن يؤمن أحداً غير الإمام وحده , ولذلك قدم , وينبغي أن يتقدم إلى الناس بذلك , ثم إن أمن أحداً قبل نهيه أو بعده , فالإمام مخير إما أمنه أو رده إلى مأمنه.
ومن كتاب ابن سحنون , قال: وإذا أمن المسلم قوماً من أهل الحرب فهم آمنون , لكن ينظر الإمام فإما أتم ذلك أو نبذ إليهم.
فإن نبذ إليهم ثم أمنهم ذلك الرجل فلا يحل قتالهم حتى ينبذ إليهم.
وهكذا كلما أمنهم إلا أن ينذرهم الإمام فيقول: إن عاد هذا الرجل فأمنكم فلا أمان لكم , فهاهنا إن أمنهم جاز قتالهم بغير نبذ.
وإذا أمن رجل حربياً فأدخله دار الإسلام فكره ذلك الإمام , فليعذر إليه أن يرجع إلى بلده ويؤجل له أجلاً يمكنه فيه ذلك ويحتاط له , فإن تعدى ذلك جعله ذمة ومنعه الرجوع.
وهذا في من يقدر أن يرجع , وإلا على الأمير إبلاغه مأمنه.
ولو قال الإمام لحربي: لا تقبل أمان فلان , فإن دخلت إلينا بأمانه فأنت فيء ففعل وتعدى فإنه فيء ولا أمان له , ويؤدب المسلم.
ولو قال الإمام لأهل الحرب: من دخل إلينا بأمان فلان أو بأمان أحد من المسلمين فهو ذمة لنا لا ندعه يخرج , أو: فهو رقيق فهو على ما قال وذلك نافذ.
وكذلك لو قال في حصار حصن: من خرج منكم بغير أمان الأمير إلى عسكرنا فهو فيء أو مباح الدم فهو كذلك.
ومنالكتابين: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء.
قال ابن الماجشون وسحنون: لم يجعل ذلك بيد أدناهم ليكون له نظر الإمام بالمصلحة , كما أنه إنما أتم أمان أم هانىء صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت.
ومن كتاب محمد بن سحنون: وروي عن عمر أنه قال: أمان العبد أمان.
وقال سفيان: وإذا أمن العبد من في الحصن فهو أمان وليذهبوا حيث شاؤوا.
قال
[3/ 79]
سحنون: إذا أشرفوا على فتحه قاهرين له فلا يقبل قول العبد بعد أن صاروا بأيدي المسلمين ولا قول لهم.
وكذلك لو قال ذلك رجل حر مسلم حتى يثبت ذلك برجلين أن العبد أو الحر أمنهم , فيكون الإمام المقدم في إجازة ذلك أو رده.
وإن ثبت أن العبد أمنهم فرده الإمام فأبوا إلا أن يقتلهم الإمام إو يسبيهم أو يتم أمانهم , قال: يقال لهم تحولوا إلى بلد الإسلام أو ودوا الجزية.
فإن أبوا فهم فيء يرى فيهم الإمام رأيه فيمن يقتل أو يستحي.
وإن لم يكن المسلمون مقتدرين عليهم , وهم في تحصين فهذه شبهة: فإما أن يردهم إلى حصنهم أو يؤمنهم.
فإن أبوا سألهم النقلة إلى بلد الإسلام.
فإن أبوا فهم فيء.
وأجاز ابن القاسم أمان العبد والذمي.
قال ابن القاسم: إن قالوا: طننا الذمي مسلماً ردوا إلى مأمنهم.
فإن علموا أنه ذمي فهم فيء.
قال سحنون: لا يجوز أمان الذمي بحال.
وأما الصبي فليس أمانه بأمان إلا أن يجيزه الإمام للقتال فيصير له سهم , فالإمام مخير إما أجاز أمانه أو رده.
فأما غن لم يجزه للقتال فأمانه باطل.
قال: وأخبرني معن بن عيسى عن مالك: سئل عن رجل من الجيش يؤمن الرجل أو الرجلين بغير أمر الإمام قال ذلك جائز.
قيل له: فالعبد؟ قال: لا , وما سمعت فيه شيئا.
قال ابن وهب: قال إسماعيل بن عياش قال أشياخنا: لا أمان للمعاهد والصبي إلا أن يجيزه الإمام , وقاله الليث.
قال الليث: إذا أمن العبد رجلا من العدو فليرده إلى مأمنه.
قال ابن المواز قال الأوزاعي والليث: لا أمان للذمي.
قال سحنون: وأمان الخوارج جائز.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك وأصحابه: أمان المرأة جائز على جميع الجيش وعلى جميع المسلمين.
قال ابن المواز: ويجوز أمان العبد.
قال ابن القاسم: ويجوز أمان الصبي إن كان مسلماً كان عبداً أو حراً.
قال محمد: إذا بلغ سناً يعرف به الأمان ما هو.
وأما من ليس بمسلم فليس بشيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجير على المسلمين أدناهم , يقول: من هو منهم.
فأما الصبي فكالمرأة لا سهم لها وإن قاتلت , وهو إن قاتل فله سهمه , قاله مالك.
وقال: إن أمنهم
[3/ 80]
الذمى فلا أمان لهم وهم فيء قال محمد: فإن قالوا ظنناه مسلماً , فأحب إلى أن يردوا إلى مأمنهم إن أبى الإمام أم يؤمنهم.
واختلف فيه قول ابن القاسم , فقال هم فيء وقال يردون إلى مأمنهم.
وقال ابن حبيب: إذا قال الحربي الذي أمنه الذمي ظننت أنه مسلم فلا يقتل.
وإما أمنه الإمام أو رده إلى مامنه.
ولو علم الحربي أنه ذمي فلا أمان له.
قال ابن المواز: وإذا قالوا: علمنا أنه ذمي وظننا أن امانه يجوز لذمته منكم كما يجوز أمان عبدكم وصغيركم , قال لا امان لهم وهم فيء.
ومن كتاب ابن حبيب وابن سحنون وابن المواز: ذكروا ما روي أن عمر كتب به إلى سعيد بن عامر في الأمان وفيه: من أمنه منكم حر أو عبد من عدوكم فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه او يقيم معكم على الجزية.
وإذا نهيتم عن الأمان فأمن أحد منكم أحداً ناسياً أو عاصياً او لم يعلم أو جاهلاً رد إلى مأمنه.
وكذلك إن أشار إليه: إني قاتلك فأتى ظناً أنه أمان.
وكذلك إن جاء مطمئناً تعلمون أنه جاء متعمداً.
فإن شككتم ولم تتيقنوا مجيئه إليكم فاضربوا عليه الجزية ولا تردوه.
ومن وجدتموه في عسكركم لم تعلموا به فلا أمان له ولا ذمة.
جهاد قال سحنون: بهذا كله قال أصحابنا إلا قوله: وإن شككتم فإن هذا فيء للمسلمين.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا أمنهم الرجل المخالط العقل إلا أنه يصف الإسلام ويعرفه فأمانه جائز , والإمام مخير في إمضائه أو ينبذ الحرب إليهم.
وإذا أمر امير العسكر ذمياً ان يؤمنهم فذلك جائز وهو رسول.
وكان ينبغي أن يرسل مسلماً إلايبعثه ليكلمهم بلغتهم.
وإن أمنهم الذمي عن رجل مسلم من العسكر فقال قد أمنكم فلان المسلم أو قال فلان , فإن علموا أنه ذمي فلا أمان لهم لأنه لا أمان له على نفسه فكيف على غيره؟ فإن قالوا: ما علمنا انه ذمي فهي شبهة , وإن علموا فهم فيء.
[3/ 81]
ومن كتاب ابن المواز: وروى ابن وهب عن فضل بن يزيد , قال: كنا مصافين للعدو , فكيب عبد في سهم أماناً للمشركين ورماهم به فأتوا واحتجوا بالسهم , فكتب إليهم عمر بإجازة أمانه.
قال ابن القاسم: ومن أتي إلى العدو يزعم أن الوالي بعثه إليهم على أنه من أراد أن يخرج إليه فقد أمنه على دمه وماله ويؤدي الجزية فخرج واحد على ذلك فأنكر الوالي فإنه يقال له: إما أن تتم له ذلك أو فرده إلى مأمنه بما معه.
قال ابن المواز: فإن أخذ علج في العسكر فقال: جئت لأمان فلان ولا يعلم ذلك أحد , فإنه يسأل فلان ويصدق فيما يقول , وقاله ابن القاسم وأصبغ , كان فيه بينة أو لم تكن.
قال أصبغ: فإن أنكر المحكي عنه فالوالي مخير أن يؤمنه أو يرده إلى مأمنه.
قال ابن المواز: لا يعجبني هذا , وقد صار في أيدينا بلا عهد له فللإمام ان يقتله أو يرى فيه رأيه , وكذلك روي عن عمر.
في أمان الأسير من المسلمين بأيدي العدو
وأمان المكره من الأسارى وأمان من خرج من طاعة الإمام من الخوارج
ومن كتاب ابن المواز: وإذا كان بأيدي العدو أسير مسلم خلوه في بلادهم على أن أعطاهم الأمان , فما أظن أن ذلك كان منه لهم إلا لخوف غشيهم في وقتهم ولذلك الجيش وحده فذلك جائز.
فأما امانه على أن لا يغزوهم أحد من المسلمين فلا يجوز ذلك.
وإنما يجوز ذلك في الجيش الذي نزل بهم ما لم يخوفوه بالقتل.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية من رواية أصبغ , ومن كتاب ابن سحنون: وقد قال أشهب فيمن شذ من سرية فاسر , فلما خشوا السرية طلبوا من الأسير
[3/ 82]
الأمان فأمنهم , فإن كان آمناً على نفسه جاز أمانه.
وإن كان خائفاً لم يجز , والأسير مصدق.
قال ابن المواز: فإن اختلف قوله أخذ بقوله الأول.
وقال سحنون: لا أرى أماناً ولا أصدقه أنه أمنهم غير خائف , لأن المسلمين قدروا عليهم , وهذا ضرر على المسلمين , وهل يقدر الأسير إذا طلبوه الأمان إلا أن يؤمنهم؟
قال في كتاب ابن المواز وفى العتبية من رواية عيسى: قال ابن القاسم إذا امنهم عن تهديد بالقتل فلا أمان لهم.
وأما إن قالوا له نخليك وتؤمنا فأمنهم فهو أمان جائز.
قيل له: إنه بأيديهم وخاف إن لم يفعل قتلوه واغتنموا.
قال: وما يدريه.
قال في كتاب ابن المواز: بل أمانه جائز إن كان ذلك منه بعد أن أشرف عليهم المسلمون , ولو شاؤوا أن ينقذوا قدروا على ذلك وتخلصوا.
قال في العتبية: ولو شاؤوا أن ينفذوا.
وفي بعضها: بعد ما أشرف عليهم المسلمون ليس هذا بأمان إلا أن يخلوه ولا يشترطوا عليه شيئاً.
وفي كتاب ابن حبيب مثل ذلك: إن هددوه بالقتل أو إنما قالوا له: أمنا ونخليك , ففعل وخلوه فلا أمان لهم إلا أن يخلوه بغير شرط.
فإن أمنهم وهو على نفسه آمن فذلك جائز.
ويقبل فيه قول الأسير , وقاله لي من أرضى.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون في أسير بيد العدو أو أسيرين , أو دخلا مدينتهم بأمان , فإن سألوهم الأمان فأمناهم , فإن كان على القهرة لهما وأنهما لا يقدران على غير ذلك فالأمان باطل.
وإن امناهم على غير قهرة لكن نظراً للمسلمين فالإمام مقدم في إجازة ذلك أو رده ويوذنهم بحرب.
وكذلك لو أسلم منهم أحد ثم أمنهم , افترق أمانه على القهرة وعلى ما ذكرنا إذا ثبت أنه أسلم في دارهم ببينة مسلمين , وقاله الأوزاعي.
ولا يجيز أهل العراق امانه ويرونهم فيئاً
[3/ 83]
وقال الأوزاعي في حصن أو مطمورة نزل بهم المسلمون وفيه أسير مسلم , فلما خافوا قالوا للمسلم: أمنا ونخليك , فأمنهم فخرجوا وخرج معهم: فالإمام مخير إن شاء أمنهم أو ردهم إلى حصنهم أو تركهم حتى يبلغوا مأمنهم.
قال سحنون: إن أكرهوا الأسير حتى أمنهم فذلك باطل وهم فيء.
وإن لم يكوهوه وإنما فعل ذلك نظراً وحياطة فالإمام مقدم أن يمضيه أو يردهم إلى مأمنهم.
ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن خرج عن طاعة الإمام بالأندلس وتغلب على ناحية من الثغر واستعان بمن أمكنه من العدو , فنزل عنده ناس منهم فأمنهم , قال: ذلك لهم أمان لازم ولكن ينتظر فيه الإمام: فإما أمضاه أو ردهم إلى مأمنهم.
فإن طلبوا المقام على أداء الجزية , لم أحب أن يأبى لهم من ذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه مثله.
قال أصبغ في العتبية في وال خرج عن جماعة المسلمين في حصن من حصونهم , فصالح من يليه من الروم واستمد بهم أيستباحون؟ قال: إن لم يغزوا ولا اعانوه فقاتلوا معه فلا يستحلوا.
فإن فعلوا هذا فهم كمن نقض العهد وتلصص , قاله سحنون.
وقد تقدم في باب آخر ذكر أمان الخوارج من المسلمين
.
في تأمين الخوارج لأهل الكفر
أو استعانوا بهم علينا
من كتاب ابن سحنون قال سحنون: وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز.
وكذلك لرجل حربي , وكذلك موادعتهم لهم , ولا ينكث لهم ذلك الإمام حتى ينبذ إلى الحربين إن كانوا في منعة , والإ فليبلغهم مأمنهم ثم ينبذ إليهم إذا رأى الإمام نقص ذلك وكان عنده على غير نظر.
وإن كان خوارج لهم منعة امنوا قوماً
[3/ 84]
حربيين على أن يخرجوا إليهم يكونون معهم بدار الإسلام يقاتلوننا.
فظهرنا على الجميع بعد القتال أو قبل أن يقاتلونا فلا يستباح أولئك الحربيون بسبي ولا أخذ مال , لأنه انعقد لهم أمان على الكون بدار الإسلام.
ومن قتل منهم قتيلاً فليس له سلبه وإن كان الإمام قد نفل الأسلاب.
وليسوا كالذين أمنهم الخوارج على أن يخرجوا من دار الحرب ليقاتلونا معهم , هؤلاء على أصل الحرب ولم يذكروا أماناً فليس خروجهم أماناً.
ولو دخل الخوارج أرض الحرب فأمن بعضهم بعضاً ثم دخلنا عليهم , فإن كان الحربيون في سلطانهم فما أصبنا منهم فيء ويكون السلب للقاتل إن نفله الإمام.
وإن دخل إليهم الخوارج بموضع من بلد الحربيين لا يمتنعون فيه إلا بمنعة الخوارج , فإنا لا ننال منهم سبياً ولا غنيمة ولا فيئاً.
ولو جاء حربيون إلى موضع لخوارج بأرضنا يسألونهم قتالنا معهم , فأنعموا ولم يفعلوا , فلا يحل لنا منهم قتل ولا مال حتى يقاتلونا , فيستحل منهم ما يستحل من الخوارج فقط.
ولو قالوا لمسلم خارجي أو غيره أدخل إلينا إلى بلد الحرب وأنت آمن ففعل , فلا يحل له أن يستبيح منها شيئاً ولا يغدرهم.
وإذا كان الخوارج يقاتلوننا ثم أمنوا قوماً حربيين فخرجوا عليهم فسألوهم قتالنا فأبوا إلا أن يكون الأمير منهم والحكم لهم فرضوا الخوارج أن يكون الأمير من الحربيين وقاتلونا فظفرنا بهم ,فإن كان الحربيون في منعه فهم فيء وما معهم , ولا يؤخذ لأهل البغي شيء , وسلب الحربي لقتاله إن نقل السلب الإمام.
ولو كان سلاح خارجي قتيل أخذه عارية من حربي كان للقتال لأن الأمير حربي.
ولو كان الحكم حكم الشرك.
فإن قاتلونا نقضوا ما خرجوا عليه من دار الحرب فلا ينبغي أن ينال منهم الخوارج سبياً ولا مالاً.
ولو سبوا منا وغنموا فعلى الخوارج قتالهم حتى يستنقذوا ذلك منهم.
ألا ترى لو استأمن إلينا عدد لهم منعه مثل ألف رجل ثم أمروا عليهم أميراً , فأمروهم بقتالنا من ناحية والخوارج من ناحية , فإن كان أمير الحربيين منهم وهم في منعه بغير منعه
[3/ 85]
الخوارج فهم فيء إن ظفرنا بهم.
ولو لم يكن منعه إلا بالخوارج فليحكموا فيهم بحكم الخوارج إذا ظفروا بهم.
ولو أن عشرة من الخوارج أمنوا عشرة من الروم على أن يخرجوا من أرض الروم فيغيروا علينا معهم ولا منعه لكل فريق فظفرنا بهم فلهم حكم الخوارج , ولا سبي فيهم ولا غنيمة ولا ضمان.
ولو لم يؤمنوهم ولكن قالوا اخرجوا قاتلوا معنا فخرجوا وحدهم لذلك فقاتلوا معهم كان ما ذكرنا من الحكم في الخوارج خاصة وكان الحربيون فيئاً , كان أميرهم حربياً أو خارجياً.
وإذا وادع الخوارج حربيين فليس لنا نقض ذلك حتى ننبذ إلى أهل الحرب.
ولو استعانوا بهم ثم وادعوهم على أن يأخذوهم من طريق وأولئك من طريق ففعلوا فظفرنا بهم , فالحربيون فيء إلا أن يؤمروا أحد الخوارج فلهم حكم الخوارج في رفع السبي ومنع المال.
ولو أن الموادعين أغاروا ببلدنا وحدهم فهو نقض للموادعة وهم فيء.
وقال في الخوارج قتلهم يستعينون على قتالنا بطائفة من الحربيين فظفرنا بهم فلنا سبي أولئك الحربيين , ولا يكون استعانتهم بهم أماناً وهم فيء بجميع ما معهم.
ولا يكون للخوارج قتلهم لأنهم في أمان منهم.
فإن تعدوا فسبوهم فعليهم رد ذلك , ولا يشتري منهم أحد ولا مما غنموه لهم من أملاكهم.
قال ابن سحنون فإن اشترى منهم أحد كرهناه له ولم نبلغ به الفسخ , وهو كمسلم دخل بلادهم فغدرهم وسبى منهم وأخذ المال فإنما نأمره برد ذلك ولا يقضى عليه , ويكره شراؤه منه ولا يبلغ به الفسخ.
ولو قاتلوا مع من ساعدعم من الكفار وقد نفل الإمام السلب فقتل رجل منا مشركاً كان سلبه له وليس له سلب من قتل من الخوارج , ولا يسبون.
ولو أخذ الحربيون الذين أعانوا الخوارج مال مسلم فأحرزوه في عسكر الخوارج ثم تاب الخوارج وأسلم الحربيون فليردوا
[3/ 86]
كل ما أخذوا للمسلم إذا لم يحرزوه في دارهم.
ولو أخذه منهم أهل العقل قبل أن يدخلوه دار الحرب ردوه على أهله.
ولو أدخلوه دار الحرب ردوه على أهله.
ولو أدخلوه دار الحرب ثم أسلموا عليه كان لهم.
ولو أخذه منهم المسلمون كان لربه ما لم يقسم فيكون له بالثمن , وما سبى هؤلاء الحربيون من المسلمين فعلى أهل الحرب استنقاذ ذلك منهم وقتالهم عليه.
وكذلك ما أخذوا من أموالنا.
ولو استهلكوا ذلك ثم أسلموا لم يضمنوا.
ولو أعان الحربيين لصوص كان كما ذكرنا في الخوارج.
في قتال الخوارج والحكم على أموالهم
قال سحنون في الخوارج: إنما قوتلوا وقتلوا لبدعتهم , وسماهم النبي صلى الله عليه وسلم مارقين.
قال غيره: وقال: سمارا في الفرق.
قال سحنون: فلم يسمهم كفاراً.
وسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتالهم بما كان عنده من النبي صلى الله عليه وسلم من العلم فيهم , فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم , فمواريثهم قائمة , ولهم أحكام أهل الإسلام في ذلك.
وإنما قتلوا بالسنة وبما أحدثوا من البدعة , فكان ذلك كحد يقام فيهم , وليس قتلهم يوجب تكفيرهم , كما لو يوجب قتل المحارب تكفيره ولا قتل المحصن تكفيره , وأموالهم لهم , ولهم حكم المسلمين في أمهات الأولاد وعدد النساء والمدبرين والوصايا , ويردون ما أخذوا للمسلمين إلى أربابه , ولا يتبعون بما أسفكوا من دم ونالوا من فرج , ولا قود ولا دية ولا صداق ولا حد , وما لم يعرف ربه من الأموال فيوقف لأهله.
وإن أيس منهم تصدق به.
ولم يثبت عندنا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أجاز الانتفاع بسلاح الخوارج ما دامت الحرب قائمة.
[3/ 87]
في رجل من العسكر يؤمن العدو على مال أو على غير مال
وهل يقبل قوله في ذلك بعد خروجهم؟ وكيف إن اختلف فيه رجلان؟
من كتاب ابن سحنون: وإذا أمنهم رجل من العسكر فللإمام أن يمضي ذلك أو ينبذ إليهم ثم يقاتلهم.
ولو كان قد خرجوا على هذا , فإن ثبت بالبينة أنهم إنما خرجوا لأمانة نظر الإمام: فإما أمضاه أو ردهم إلى مأمنهم.
فإن لم يكن غير قوله وقولهم , فهم فيء ويقتل منهم من شاء , وقاله غيرنا ولكنهم كرهوا القتل.
وإن شهد رجل مع الذي أمنهم , فقال سحنون: يجوز ذلك , ثم رجع فلم يجزه وجعلهم فيئاً.
وقال الأوزاعي في السبي يرد العسكر فيقول المسلم: كنت قد أمنتهم , قال: ذلك جائز وإن لم تقم بينة.
وكذلك لو قاله الإمام.
قال سحنون: يقبل قول الإمام إني كنت أمنتهم.
وأما غيره فلا يصدق وهو يشهد على فعل نفسه وهم فيء.
ولو أمنهم مسلم على ألف درهم أخذها ثم علم الإمام وهم في حصنهم فهو مخير: فإما أجاز ذلك وأخذ الألف وكانت فيئاً , وإن شاء ردها إليهم ونابذهم.
ولو كان قد خرجوا إلى العسكر وأخربوا حصنهم , فإن ثبت تأمينه لهم على هذا المال فالإمام مخير أن يجيز ذلك والمال فيء , أو يردهم إلى مأمنهم من بلد الحرب.
وإن أرادوا إصلاح حصنهم وخرهم لذلك , وقد يضعفون عن التحمل إلى بلد آخر.
ولو ادعى هذا بعد أن فتح الإمام الحصن وصدقوه لم يقبل ذلك وهم فيء , إلا أن يكون قبل الفتح وهم ممتنعون فيرى الإمام رأيه في إمضاء ذلك أو رده.
قال الأوزاعي في مطمورة حاصرها المسلمون , فلما أشرفوا عليها جعلوا جعلاً لمسلم على أن أمنهم: فإن كان قبل أن يدخلها المسلمون جاز أمانه وبولغ في عقوبته وله ما أخذ.
وقال سحنون: بل للإمام إبطال ذلك ويرد ما أخذ إليهم أو
[3/ 88]
يجيز ذلك والجعل فيء.
قال الأوزاعي: وإذا جاء رجلان بعلج فقال أحدهما أسرناه , وقال الآخر أمناه , قال: يوضع في لمقاسم ولا يقتل.
ومن جاء بعلج فقال قد أمنته , قال: يصدق.
ولو قال العلج قد أمنني أو لقيني على الطريق أريد إليكم فقال الرجل: لقيته على الطريق وما أمنته , فهذه شبههة ويجعل فيالمقاسم ولا يقتل.
قيل: أيحلف؟ قال: إن كان متهماً , حلف , وإن كان من أهل الصدق لم يحلف.
وفي مثل هذا المعنى باب بعد هذا قد تكرر منه كثير.
في المسلم يأتي إلى الحصن يزعم أن الأمير أرسله إليهم بالأمان
بكتاب يخبر فيه أو بغير كتاب
فصدقوه وفتحوا الحصن وقد كذب لهم.
وكيف إن جاء رسول من الطاغية هل يصدق في نكث أو غيره؟
من كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا أرسل الأمير رسولاً مسلماً إلى حصن أو مدينة للروم في حاجة له , فأتاهم بكتاب افتعله أو بغير كتاب يزعم أن الأمير أرسله إليهم بكذا من أمانهم أو بأمر ذكره لم يؤمر به , ففتح الملك المدينة ودخل المسلمون فسبوا , فذكر الملك ما قال الرسول عن الأمير فأقام عدلين مسلمين أن الرسول قال ذلك فأنكر الأمير ذلك , قال: ذلك يلزمه ولهم الأمان ويرد عليهم ما أخذ منهم لأنه رسول له معروف , فليس عليهم أن يعلموا ما أمره كما لو نادى: إن هذا رسولي وجب قبولا قوله لأنه أمينه.
وكذلك لو كان ذمياً أو مستأمناً , وإن كنا نكره إرسال الكفار في هذا.
فأما إن لم يعرف أن الرسول قال لهم ذلك قبل الفتح بالبينة إلا بقبول الرسول بعد الفتح إني قلته لم يصدق على الإمام وهم فيء.
فإن وقع للرسول منهم سبي لم يعتق عليه لأن ذلك القول لم يعقد لهم أماناً.
[3/ 89]
وقال أهل العراق: يعتقون عليه لأنه مقر أنهم أحرار , ولكن لا يتركون يرجعون إلى دارالحرب.
وأما إن جاءهم بهذا رجل ليس برسول للأمير بكتاب افتعله أو قول بلسانه بمحضر عدلين مسلمين بما حكى من الأمان ونحوه ففتحوا الباب فسبوا فقاموا بذلك , فلا سبيل عليهم لأمهم شبهة , ويرد ما أخذ لهم من مال أو سبي , , ولا يعارضوا حتى ينبذ إليهم كما لو أمنهم مسلم عندهم فهو أمان.
ولو ادعوا أنه قال لهم ذلك أو جاءهم بكتاب ولا بينة لهم فهم فيء.
ولو قال لهم هذا الذي ليس برسول هذا القول ففتحوا لكانوا آمنين حتى ينبذ إليهم , ولا يصدقون أنه قال لهم ذلك إلا بشاهدين من المسلمين عدلين.
ولو قال لهم رسول الأمير: إن فلانا القائد يؤمنكم , أو إن المسلمون يؤمنوكم – قال ذلك بمحضر عدلين- ففتحوا , فهم في أمن حتى ينبذ إليهم ومن أخذ لهم شيئاً رده.
ومن أرسل إليهم من مسلم أو ذمي أو حربي بالأمان فبلغهم , ثم رجع إليه فأخبره , فليف لهم وهم آمنون.
ولو أمنهم رجل مسلم من العسكر فهي شبهة وهم آمنون حتى ينظر الإمام فيجيز ذلك أو يرده.
فإن رده فأرسل رجلاً عدلاً ليأخذوا حذرهم ورجع إليه فأخبره أنه بلغ عنه , فليصدقه ويحاربهم إن شاء , ورجلان عدلان أحب إلي في هذا.
ولو بعث مسلماً غير عدل أو ذمياً فأخبرهم , فلا يغير عليهم المسلمون بهذا.
وليس وليس نقض العهد والنبذ مثل الأمان الذي يكف عنهم به لأن في النبذ القتل والسبي.
ولو أغر عليهم المسلمون بذلك فسبوا فقالوا ما علمنا ذلك ولا نبذ إلينا , فليرد ما أخذ لهم ويؤتنف إليهم النبذ , ومن كان قتل منهم فلهم ديته , وليبعث في النبذ عدلين.
وإن بعث أجزأه.
وقال أهلالعراق: يرسل إليهم رجلاً في النبذ معه عدلان يشهدان على نبذه لأنه لا يشهد على فعل نفسه , فأنكر هذا سحنون وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث
[3/ 90]