كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فينظر، فإن كان لا يمكن حدوث مثل ذلك في تلك المدة لقربها، فليرد، وإن أمكن حدوثه بعد الصفقة، ولا يكون قديمًا، فهو من المبتاع، فإن أمكن هذا وهذا، فهو على أنه محدث حتى يظهر أنه قديم، فكذلك الغائب في هذا يشترط فيه الصفقة، ولو كانت الصفقة في الغائب على إلزام ما في الباطن من عيب بالصبرة وشبهها، ما جاز مثل هذا في الحاضر.
قال: وكذلك في العبد الغائب، أو الأمة تشترط فيها الصفقة.
قال: وما ظهر من عيب، فاختلفا في قدمه، فهو أبدًا على أنه حادث، ومن المبتاع حتى يعلم أنه قبل ذلك، وعلى البائع اليمين أنه ما علمه قبل الصفقة.
وقاله ابن الماجشون، وابن القاسم، وأصبغ.
قال: ولا يجوز شرط الصفقة في طعام غائب بيع على الكيل أو الوزن.
ومن الواضحة، ومن العتبية، من رواية عيسى، عن ابن القاسم: وما بيع من طعام غائب بعينه، قال ابن حبيب: على الجزاف، فوضع الثمن لذلك، فهلك الثمن، فإن وجد على الصفة بالثمن من البائع، وإلا فهو من المبتاع، ولو تعدى بائع الطعام عليه فباعه، فعليه شراء مثله، ومصيبة الثمن منه.
قال ابن حبيب: قال مالك: ولا تصلح فيه الإقامة، ويدخله الدين بالدين، ولا أن يشترط فيه، ولا أن يبيعها من بائعها بأقل أو بأكثر ولا بمثل، لأنه كدين لزمه أخذ منه سلعة غائبة، وله بيعها من غير البائع بأكثر وأقل، إذا لم ينتقد.
قال سحنون: إنما لا يجوز أن يبيعها من بائعها، ويصير كدين بدين، على قول مالك الأول: إنها من المبتاع.
ومن المستخرجة: روى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، قال: ولا يجوز التولية في طعام اشتريته بعينه غائبًا قريب الغيبة، سواء رآه المتولي أو وصف له، أو لم يره ولم يوصف له.
[6/ 365]
ومن كتاب ابن المواز، قال: وأخذ ابن القاسم وأشهب بقول مالك الأخير في ضمان الشيء الغائب المبيع: أنه من البائع، إلا أن يشترط أنه من المبتاع، فيصير منه من يوم الشرط، ولا ينقد فيما شرط أنه من المبتاع أو من البائع، إلا في الربع والعقار، ولا يصلح أن يقرب لقبض السلعة الغائبة أجلاً قريبًا أو بعيدًا.
قال ابن القاسم: وضمان الربع والعقار من المبتاع من يوم الصفقة، اشترط ذلك عليه البائع أو لم يشترطه.
قال ابن القاسم: إنما يشتري الرباع الغائبة بصفة المخبر والرسول، فأما بصفة ربها فلا، إلا أن يشترط النظر، ولا يصلح النقد حينئذ.
وكذلك هي في العتبية، عن مالك، ولا بأس أن يتطوع بالنقد بعد العقد فيما لا يصلح فيه النقد.
قال مالك: أو من اشترى دارًا غائبة مذارعة، لم يجز فيها النقد، وكذلك الحائط على عدد النخل.
قال أشهب، عن مالك في العتبية: وضمانها من بائعها.
قال مالك في الدار الغائبة تباع بصفة، فلا ينبغي أن تشترى إلا مذارعة، وقاله سحنون.
ومن كتاب محمد: قال مالك: وإن اشترى ذلك لك على غير ذرع ولا عدد نخل، ثم هلك ذلك قبل قبض المبتاع، فهو من البائع إلا أن يكون شرط أنه من المبتاع.
[6/ 366]
قال محمد: ولمالك غير هذا، أن الرباع من المبتاع، وإن بعدت.
وعليه أصحابه أجمع.
قال: وإذا بيع الحائط الغائب وفيه الحيوان والعبد، فالنقد في ذلك جائز، والضمان من المبتاع، فإن بعدت غيبة ذلك.
وأجاز مالك النقد فيما قرب من غير الرباع، فجعل القرب نحو البريد والبريدين، ثم رجع، فقال: اليوم ونحوه.
ابن القاسم: واليومين.
وكره مالك في رواية ابن وهب النقد في الطعام على نصف يوم، حتى يقرب جدًا.
قال عنه ابن القاسم: وأما الحيوان، فلا ينتقد فيها إلا في مثل البريد والبريدين.
قال عنه ابن عبد الحكم: لا ينقد منه في الحيوان، قرب أم بعد.
وقال أشهب: يجوز النقد في الطعام والحيوان على مثل اليوم واليومين، فإن بعد، لم ينتقد فيه، كان الثمن دارًا أو حيوانًا، أو ما كان.
وقال ابن القاسم: لا ينقد، وإن كان الثمن دارًا أو عرضًا أو حيوانًا أو سكنى دار، إلا في الرباع الغائبة.
قالا عن مالك، في الزرع الغائب قد يبس: لا ينقد فيه، وإن شرط ضمانه من المبتاع، فذلك جائز إن لم ينقد.
قال ابن القاسم: قال مالك: لا ينبني بيع الطعام الغائب على شرط إن أدركته الصفقة.
قال ابن القاسم: وذلك في المخزون في البيوت؛ لأنه لا يدري ما فيه.
قال أصبغ: يريد: في الجزاف، وقاله سحنون.
قال سحنون: قال ابن القاسم: بخلاف الزرع القائم.
قال أصبغ: وقد أجاز ابن القاسم النقد في السلع الغائبة على يوم أو يومين، طعامًا كان أو غيره، وإن كان أبعد من ذلك، فلا خير فيه.
قال ابن القاسم: ولا بأس ببيع عبد بغنم غائبة، ما لم يدخل في ذلك الضمان ولا حد بالقبضة أجلاً، وكذلك روى عنه عيسى في العتبية، فإن قدم
[6/ 367]
بالغلام قبل، فمات الغلام قبل قدوم الغنم، فإن جاءت على الصفة، أو جاءت على غير الصفة يرضيها، فله أخذها، وضمان العبد من الآخر، فإن لم يرضها إذ خالفت الصفة، فالعبد من بائعه.
ومسألة الأمة في المواضعة مثلها في هلاك الثمن، وفيها اختلاف ذكرناه في المواضعة.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن ابتاع سلعة غائبة، على أن يوافيه بها البائع، فوضع كذا وكذا، لم يجز ذلك.
محمد: وهذا من ناحية الضمان.
قال أصبغ: وكذلك على أن يوافي بها هاهنا.
محمد: إن كان البائع ضامنًا للسلعة، لم يجز، وإن كان إنما ضمن حمولته، فذلك جائز.
قال مالك: ولا يجوز بيع السلعة الغائبة، على إن هلكت ضمنها البائع، يأتي بمثلها.
ومن العتبية، روى أصبغ، عن ابن القاسم، في من اشترى جارية غائبة بالشام، وشرط ضمانها حتى يعطيه إياها بمصر، فلا خير فيه، ولو كان يقبضها بالشام، لم يكن به بأس.
وقاله أصبغ.
من كتاب محمد: وقال في العبد البعيد الغيبة، إذا أعتقه مبتاعه، جاز عتقه، ووجب للبائع قبض الثمن، وزال من ضمانه، وذلك كالقبض في هذا، وفي البيع الفاسد.
قال: ومن رأى عبدًا من عشرين سنة، ثم اشتراه على غير صفة، فذلك جائز، ولا ينقد، وهو بيع على الصفة التي كان رأى.
قال مالك: ولا خير في أن يبيع دابة عنده في الدار خبرة على صفة.
قال محمد: لأنه يقدر على نظرها.
قال: ومن باع بالمدينة غلامًا له بمصر، يعرفه المبتاع، وكتب إلى وكيله بمصر أن يقبضه، ويدفع الثمن، فذلك جائز.
قال ابن
[6/ 368]
القاسم، وأشهب: ومن ابتاع مائة إردب من طعام غائب بعينه، يخرج إليه يكتاله بثمن إلى أجل، فذلك جائز.
قال مالك: ولا يقبل من سلعة غائبة لا يصلح النقد فيها؛ لأنه دين بدين؛ لأن الثمن ثبت عليه، لا يزيله إلا أمر يحدث في السلعة، فصار كبائع سلعة غائبة بدين عليه، فلا يصلح بمثل الثمن، ولا بأقل ولا بأكثر، وأما من غيره، فجائز إن لم ينتقد، وأجاز مالك أن يقيله من الجارية في المواضعة، وإن أقاله بربح، فلا ينقده الربح حتى تخرج من الاستبراء.
ومن العتبية، روى عيسى، عن ابن القاسم، فيمن اشترى من رجل كل مملوك له، ولم يسمهم، وهم غيب بموضع، والمبتاع يحيط علما كجميعهم، وصغيرهم وكبيرهم، فذلك جائز، فإن كان على مثل يوم أو يومين، جاز النقد فيهم، وإن بعدوا، لم يجز النقد فيهم بشرط، وإن تطوع به بعد العقد، جاز.
قال: فإن ادعى البائع أن المبتاع ااشترى ما لا يعرف، وادعى المبتاع أنه بهم عارف، فالمبتاع مصدق بدعواه الصحة.
ومن سماع ابن القاسم، قال مالك: ولا يصلح شراء الميراث الغائب فيه عين وعرض بعرض نقدًا، وإن اشتراه على أنه له وحده، أو لم يجده نقص أو زاد، فهو غرر، وإن شرط إن لم يجده، رجع فأخذ عرضه.
وروى عيسى، وأصبغ، في من باع طعامًا غائبًا أو غنمًا بموضع لا يجوز فيه النقد، بثمن إلى أجل سنة، على أن السنة من يوم يقبض الغنم، فلا يجوز حتى يكون الأجل من يوم عقد البيع، كمن نكح بمائة نقدًا ومائة إلى سنة، فالسنة من يوم العقد، ولا يجوز أن يكون من يوم البناء.
قال أصبغ: وإن كان الأجل في البيع من يوم العقد، وهي بموضع لا يمكن قبضها إلا بعد هذا الأجل، لم يجز، ويصير كشرط النقد في البعيد الغيبة.
[6/ 369]
قال أصبغ، عن ابن القاسم: وإن ابتاع غنمًا غائبة بثمن في ذمته، جاز في قريب الغيبة، فإن بعدت الغيبة جدًا لم يجز، وإذا كان المقبوض أولاً هو المضمون، لم يصلح، وإن كان المعين يقبض أولاً جاز، وإن بعد ما لم يبعد جدًا، فلا يجوز؛ لأنه حيوان.
وروى عيسى، وأصبغ، عن ابن القاسم، عن مالك، وهي في كتاب ابن المواز، عن مالك، في من له ذهب بالمدينة توقف عند قاضيها، فابتاع بها زيتًا بالشام، أو طعامًا.
قال في العتبية: فلا خير فيه، ولكن يتواضعان الزيت، ثم يخرج إلى الذهب، فإن وجدها، تم البيع.
قال في كتاب محمد: وإن شرط ضمان الذهب للبائع، فجائز، ولو كان إلى أجل، كان أحب إليّ، وكأنه يرى إن لم يضمن الذهب أنه يفسخ.
قال ابن القاسم في الكتابين: إذا قبضت السلعة، فلا يجوز إلا أن يضمن الدنانير.
قال مالك في العتبية: إذا ابتاعه بالذهب الغائبة، فلا خير فيه، والذي يصلح أن يتواضعا السلعة، ثم يخرج إلى المال فإن وجده، تم البيع.
قال في كتاب محمد: فإذا لم يجد الذهب وتواضعا الساعة حتى يخرج إلى المال، فإن وجده تم البيع.
قال في الكتابين: وإن لم يوجد وأراد أن يخلف له مثله، فذلك له وإن كره البائع، وإن كان العرض لا يخرج من يد بائعه، ولا يتواضعانه، فذلك جائز، وليخرجا إلى المال، فإن وجداه فلا يجوز قبضه حتى يقبض المبتاع السلعة، وإلا صار كالنقد في الغائب.
[6/ 370]
ومن كتاب محمد: ومن أكرى إبلا غائبة بكراء مؤخر إلى البلد، فإما إبلا معينة فجائز، وإما كراء مضمونًا، فكرهه مالك حتى ينقد أكثره، ثم خففه إذا عربنوهم لما اقتطع الأكريا أموال الناس.
وقال أصبغ: بشرط أو بغير شرط، ما لم يكن الأجل إلى بعد البلوغ، فلا خير فيه.
والقياس: ألا يجوز إلا نقده كله.
في شراء الدين على غائب أو حاضر أو ميت
ومن له دين وامتنع من أخذه في فلس أو موت
من العتبية من سماع ابن القاسم: قال مالك: لا يشترى دين، على غائب مقر أو منكر، أو حي أو ميت، أو مليء أو معدم.
قال ابن حبيب: ولا بأس بقسمة ما على الرجل الغائب من الدين؛ لأن حالهما فيه لا يختلف.
ومن كتاب ابن المواز: لا بأس ببيع ما على الرجل الغائب من الدين، إذا كان قريب العيب، عرف ملاؤه من عدمه.
وقال: فإن لم تكن عليه بينة ما لم يجز حتى يحصر ويقر.
قال ابن حبيب: ويعرف ملاؤه من عدمه.
قال محمد: وإن حضر وأنكر، وعليه بينة، لم يجز بيع ما عليه؛ لأنه خطر وحصوم.
قال مالك: ولا يجوز بيع ما على الميت وإن كان عليه بينة، وإن عرف ما ترك؛ لأنه لا يدرى ما عليه من الدين، وليس ثم ذمة باقية.
ومن ولي سلعة له في ذمة رجل، ولم يجمع بينهما، فالعهدة للمولى على البائع الأول.
[6/ 371]
قال أصبغ في العتبية: وأما إن ولاه طعامًا على غائب، فلا يجوز حتى يحضر ويجمع بينهما، ولو ولي سلعة، جاز ذلك فيها.
ومن العتبية من سماع ابن القاسم: ومن مات وعليه طعام لم يحل، فامتنع صاحبه من أخذه من الورثة حتى يحل، قال: يجبر على أخذه، وقال ابن القاسم: ويجبر على أخذ العروض في الفلس والموت.
أبواب الضمان في المعينات من الأشياء الحاضرة والغائبة
وفيمن اشترى شيئًا عرفه البائع
ثم قال للبائع: جوزني ما بعت مني
من العتبية، قال سحنون فيمن ابتاع دارًا أو أرضًا أو غير ذلك، وقد عرف ذلك بيد البائع يملكه ويجوزه، فيسأله بعد البيع أن يجوزه، أذلك عليه؟ قال: إن كان المبتاع ابتاع ما قد عرفه بيد البائع فلا جوز عليه، وإن دفعه عما اشترى دافع فهي مصيبة على المبتاع.
في ضمان ما يهلك بعد الصفقة من الأشياء الحاضرة بيد البائع
وفيما بيع على كيل أو عدد أو على غير كيل فيهلك
وكيف إن تعدى فيه متعد وذكر التداعي في هلاكه
من كتاب محمد: وما اشترى من الحيوان بعينه شراء صحيحًا، ونقد فيه أو لم ينقد، فهلك بيد البائع، فاختلف فيه قول مالك وروى أشهب أنه من البائع، إلا أن يدعى المبتاع إلى قبضه، فيكون هو الذي أقره، فيصير الضمان من المبتاع.
وقاله أشهب.
[6/ 372]
وروى عنه ابن القاسم أنه من المبتاع؛ لأنه إما احتبسه للثمن فهو كالرهن، أو المبتاع تركه فهو كالوديعة.
قال ابن القاسم: ولو كان به عيب قديم، فلم يقبضه حتى مات، فهو من المبتاع، وليرجع بقيمة العيب.
قال: وهو منه، حتى يرد بقضية أو يرضى من البائع، ولو قبضه المبتاع، ثم قام بعيب فأعلم به البائع، وأشهد عليه أنه غير راض به، وأنه منه بريء، فأقبل البائع ليأخذه، فوجده قد مات بعد إقالته، أو أصابه عيب، فهو من المشتري.
قال محمد: وأحب إلي أن تثبت الإقالة على البائع بإيجابه ذلك على نفسه، والمصيبة منه، وإن لم يقبضه، كاستئجار بيع في سلعة حاضرة، وهذا أقوى من قضاء السلطان.
قال مالك: ولو خاصمه في رده، فقضي برده، فلم يقبضه، حتى مات، فهو من المبتاع حتى يرده بقضية، ويقبضه البائع.
ثم رجع مالك فقال: إذا قضي برده، فهو من البائع وإن لم يقبضه.
قال محمد: ومبتاع الصبرة جزافًا أو على التصديق في الكيل، فذلك من المبتاع، كالحيوان، ولم يثبت مالك فيها على أمر.
قال: وأما من اشترى طعامًا، فسمي له كيله، أو كان حاضرًا، فهو أبدًا على الكيل.
محمد: والمصيبة هاهنا من البائع حتى يشترط أخذه بكيله أو تصديقه فيها، كالقائل: كم في طعامك هذا؟ فيقول: خمسين إردبًا، فيقول: قد أخذتها بكذا.
فيرضى له، فهذا على الكيل حتى يشترط تصديقه، ولو اشتراه على الكيل، ثم أراد تصديقه في كيله، فذلك جائز، ثم إن بدا له أن يرجع إلى الكيل، فليس ذلك له.
وقاله أصبغ.
محمد: وإن لم يسم معرفة كيله، فأراد أن يسلفه له بما يتوخيان من كيله، لم يجز، وهذا أخذ طعام جزافًا من رجل عن كيل وجب.
[6/ 373]
ومن ابتاع زرعًا قد يبس، كل فدان بكذا، إلا أنهما يقيسان الأرض بعد حصادها، لمعرفة كم فيه، ولم يحصده حتى هلك، فهو من المبتاع، وقد كان للمشتري بيعه قبل يحصد، وقبل يقيس فدادينه.
وذكر ابن حبيب مثله عند مالك، وقال: وكذلك من اشترى دارًا على عدد حتى تزرع، أو حائطًا على عدد نخل، فيهلك ذلك بسيل أو حريق النخل، والمصيبة من المبتاع، ويعاد الآن ذلك، ويعد النخل على ما هي به، ويلزمه الثمن.
وقاله مطرف، وعبد الملك، وأصبغ.
وإذا احتجن البائع الأمة بالثمن، ثم وطئها، فيبرأ عنه الحد لقول من يرى أنها في ضمانه، والأمة للمبتاع، وعليه قيمة الولد على البائع إن ولدت.
ولو أمكن منها، فأقرها عنده بعد تمام الاستبراء فوطئها المبتاع، فهو زان، يحد أو يرجم، ولو كان ذلك في الاستبراء، وقد كان البائع يطؤها قبل البيع، دري عنه الحد ويعاقب، ويفسخ البيع، وتكون له أم ولد.
ابن القاسم: ومن باع ثوبًا، فأراد المبتاع أخذه، فقال المبتاع: هو على عنقي حتى أبلغ به البيت، فاختلس منه، فالبائع يضمنه إن لم تقم بينة، وذلك سواء نقد أو لم ينقد، ويضمن الأكثر من قيمته، أو الثمن أو الثوب، وهو كالرهن.
وكذلك روى عنه سحنون في العتبية، وقال: إن قامت بينة، فهو من المبتاع.
قال مالك: ومن باع صبرة طعام على الكيل، فاستهلكها أجنبي قبل الكيل، فعليه قيمتها على التحري.
يشتري بها طعامًا فيكال للبائع.
وقال أشهب: تكون القيمة للبائع، وينفسخ البيع، وليس للمبتاع إلا الثمن، إلا أن يقر المستهلك بعدد كيل، فإن شاء بائعها أغرمه عدد ما أقر به واستحلفه، وإلا فالقيمة.
ثم يتخير المشتري، فإن شاء أخذ المكيلة التي أقر بها المستهلك، وإن
[6/ 374]
شاء اشترى له بالقيمة طعامًا فاكتاله، وإن شاء فسخ البيع، وأخذ الثمن.
قال أشهب في أخذ البائع القيمة من المستهلك: اختلف فيه قوله، فقال: يشتري به طعامًا، فيوفاه المشتري، ومرة قال: لا، إلا أن يعرف الكيل.
قال محمد: وأحب إلينا أن يجعل ما أخذ من المستهلك من طعام، أو قيمة في طعام يوفي منه المشتري شراءه.
كذا قال ابن القاسم.
ومن العتبية: روى عيسى، عن ابن القاسم، في من باع كيلاً من طعام، ثم ادعى هلاكه قبل أن يقبضه المبتاع، فكذبه المبتاع، فعليه أن يوفيه الكيل الذي باع منه، إذا لم يعلم هلاكه بالبينة.
وروى سحنون عن ابن القاسم فيمن باع ثوبًا، ثم حبسه بالثمن، ثم ادعى تلافه، ولا بينة له، قال: فيفسخ البيع، إلا أن تكون قيمته أكثر من الثمن فيغرمه؛ لأنه يتهم لتلفه، وإن كانت أقل، فسخ البيع، وليس برهن، وهو مصدق في تلف الحيوان، ولو قال قائل: يضمن قيمة الثوب، كانت أقل أو أكثر.
لم أعبه، قال سحنون: ليس هذا بشيء، وينفسخ البيع، ولا قيمة على البيع.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا أسلم ثوبًا في طعام، فأحرقه رجل عند بائعه، فإن ثبت ذلك، فالسلم بحاله، ويتبع الذي عليه الطعام الجاني، فإن لم تقم بينة، فهو مخير في فسخ البيع، أو يضمن بائع الثوب قيمته، ولو أمكنه منه، وتركه عنده وديعة، فلا خيار له وهو منه، والطعام عليه، ولو أحرقه بائعه متعمدًا أو غير متعمد، فعليه قيمته.
ومن العتبية، روى أبو زيد عن ابن القاسم في من ابتاع صبرة، فلم يأت بالثمن حتى هلكت نار، فهي من المبتاع، وكذلك من باع عشرة فدادين من قمح من زرعه، فذهب إلى غد ليقيس، فاحترق الزرع، فالمصيبة منهما جميعًا.
[6/ 375]
ومن سماع ابن القاسم: قال مالك في الضأن يباع صوفها، فتصاب منها الأكبش قبل أن تجز، فهي من البائع، ويوضع عن المشتري بقدرها، وذلك إذا سرقت، أو أخذها السبع، فأما إن ماتت، فليس له إلا صوفها، إلا أن تكون صوف الميتة عند الناس لا تشبه الحي، فيوضع عنه.
من العتبية، روى عيسى، عن ابن القاسم، في النواتية يحملون التلاليس - يريد بالطعام - فيسقط منهم في البحر، أنه من المشتري.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع من خياط ثوبًا قد خاط قدر ثلثه، على أن يتمه، فهلك عنده، فإنه يضمن قيمته يوم باعه من صاحبه، كتضمين الصناع، ولو قامت بينة بهلاكه، لم يضمن، ويرد من الثمن بقدر ما كان بقي من خياطته بعد أن نقص ثمنه على قيمته يوم الشراء، وعلى ما بقي من خياطته.
ومن كتاب ابن عبدوس، في تفسير القسم، قال: وإن قطعت يد العبد عند البائع، فاختلف هو والمبتاع من قلة الثمن وكثرته، خير المشتري بين أخذه بما قال البائع، وإلا حلف على ما قال، ثم فسخ البيع فيما بقي من العبد بحصته من الثمن، إن بقي ثلاثة أرباعه، سقط عنه ثلاثة أرباع الثمن، وغرم ربع الثمن.
يريد: الذي أقر به المشتري مع يمينه، فإن مات العبد في يد البائع، صدق المشتري في الثمن بعد أن يحلف، وصار هو المدعى عليه.
باب في ضمان ما بيع فوزن بظروفه فهلك قبل تفريغها
وفي ضمان الظروف وفي المكيال يسقط بعد امتلائه
والراوية تنشق قبل تفرغ
من كتاب ابن المواز: وإذا وزنت جرار الزيت، وقبضها المبتاع ليفرغها، فضمان الزيت من المبتاع، وله بيعه قبل يفرغه؛ لأن ذلك قبضه.
قال أصبغ:
[6/ 376]
وكذلك لو ملأ له الظروف فقبضها حتى يفرغها، ثم يعبرها بالماء، ليعرف ما تسع، فهو قبض والضمان منه.
محمد: ولا يضمن الظروف، إذ لم يقبضها على شراء، ولكن على وجه الكراء، وكان الثمن وقع على الزيت على عارية الظروف.
وروى عيسى، عن ابن القاسم في روايا زيت توزن بظروفها، ويقبضها المبتاع مثل ما روى عنه محمد في ضمان الزيت، وذكر مثله ابن حبيب، عن مالك.
ومن كتاب محمد: وإذا سقط المكيال وانكسر بعد امتلائه، وقبل يفرغه في إناء المبتاع، قال مالك في رواية أشهب: إنه من البائع حتى يصب في إناء المشتري.
قال ابن القاسم: وإذا أمر البائع أجيره بالكيل للمبتاع، فكال واحدًا فصبه في إناء البائع، ثم كال ثانية، فوقع المطر في يده بعد امتلائه على وعاء المشتري فانكسرا، فالثاني من البائع، وأما الأول فالأجير يضمنه للمبتاع.
قال أشهب: قال مالك في من اشترى زق سمن، فذهب ليزنه، وانقلب من الميزان فانشق، فهو من البائع، وكذلك لو تم وزنه، ثم ذهب ليصبه في إناء المشتري، فمالت يده فأهراق، فهو من البائع، وكذلك في الكيل حتى يستوفيه المشتري.
وكذلك في الواضحة، وما يسقط من المطر بهد وفائه، أو الويبة بعد وفائها، فيهلك، فذلك من البائع، سواء ولي هو كيله، أو من أمره، أو وليه المشتري بأمره، فأما لو وليه المشتري بتعد منه، أو أجنبي بتعد منه بغير أمر البائع لكان ضامنًا بتعديه.
ومن العتبية: روى عيسى، ويحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، في البائع أو أجيره يكيل مكيلاً، فيصبه في إناء المشتري ثم يكيل ثانية فيسقط منه بعد امتلائه على إناء المشتري، مثل ما روى ابن المواز، وزاد: وإن بقي شيء من الزيت عند
[6/ 377]
البائع، وفاه صفقته، وإلا رد عليه حصته من الثمن.
قال عنه يحيى: ولو ولي المبتاع الكيل فيما وفاه، وامتلأ سقط من يده على إناء نفسه فكسره، فما في إنائه فهو منه، وما كان في المكيال فمن البائع حتى يصبه في إناء المشتري، وليس امتلاء المطر بقبض، وكذلك لو ولي الكيل أجير لها، لضمن ما في إناء المشتري، ولا يضمن ما في المكيال، إلا أن يكون فعل به ما هو سبب سقوطه.
وروي عن سحنون، في غير العتبية، أن المشتري إذا وعي الكيل لنفسه، أو وزم الدراهم، فلما استوى المكيال والميزان، سقط من يده، فالمصيبة من المشتري.
وروى عنه عيسى في من اشترى راوية ماء فتنشق، أو تكون قلالاً، فتنكسر قبل يصل، فذلك من السقاء، وهو مما يشترى على البلاغ في عرف الناس.
فيمن باع شيئًا من رجل ثم باعه من غيره
وكيف إن تنازعه المشتريان
أو كان طعامًا
فنقله البائع أو غيره إلى بلد آخر
من كتاب ابن المواز، قال: ومن أسلم ثوبًا في طعام، ثم باع الثوب بائعه، ومبتاعه مخير، في تضمينه قيمته ما بلغت، أو الرضا بالثمن الذي باعه به، ولو أراد أن يترك ذلك، ويفسخ البيع، أو تراضيا بذلك، لم يجز، ولا تجوز الإقالة إلا برأس المال.
قال مالك: ومن ابتاع قلنسية، فباعها الخياط، فلا خير في أن يرضى ببيعها؛ لأن الخياط لها ضامن حتى يعطيها له، وليعمل له مثلها، ولو لم تفت بيد المبتاع، لم يتبع له الرضا ببيعها.
قال ابن القاسم: وذلك أنها على الخياط مضمونة بصفة معلومة، ولو كانت خرقة بعينها استعمله إياها، فله الرضا ببيعها، أو يلزمه قيمتها إن كانت أكثر.
قال محمد: هذا إن ثبت بيعه إياها بعينها.
قال محمد: ويجوز وإن كانت مضمونة عليه أن يرضى مبتاعها بالبيع، ما لم تفت وينتقد، وذلك إذا أشهد الخياط أن هذه لفلان، وهو مما يجوز بيعه قبل
[6/ 378]
قبضه، وما كراهة مالك في هذه إلا أنه لم يعلم من بيع الخياط أنها لفلان إلا بعد البيع، ولعله إنما باع غير متاعه أو لم يبع، فخاف الذريعة إلى الربا، أن يعطي قليلاً ويأخذ كثيرًا، ويدل جواب مالك أنها عرفت بعينها: أنه قال: إذا لم تفت، فهو مخير.
يدل أنها عرفت، فكان له أخذها وأخذ الثمن، وإن فاتت، لم يجز ذلك.
وقال أشهب: ومن ابتاع طعامًا بعينه على الكيل، فتعدى البائع، فحمله إلى بلد آخر، فإن شاء أخذ بعينه، وإن شاء فسخ بيعه، وأخذ رأس ماله، وليس له أن يأخذه بمثله بموضع اشترائه.
قال محمد: ليس هذا شيء، وليس له أخذه، وإنما له مثله بموضع اشترائه، ولو باعه ولم يحمله، لم يكن للمبتاع أن يجيز بيعه، ويأخذ الثمن وإن كان بعينه، وإنما له أخذه بمثله، بالبلد الذي كان به، ويصنع هذا بهذا ما شاء، كمن تعدى على طعام رجل، فنقله إلى بلد آخر، فإن وثق به، وإلا أوقف له، ويبيعه ويوقف له ثمنه، ولا يكلف رد الطعام.
قال ابن القاسم: ومن ابتاع طعامًا غائبًا بنقد، فقدم به وكيل البائع ولم يعلم، أو كان خرج قبل البيع، فالبيع لازم، فإن شاء قبضه هاهنا، وإلا أخذه شرواه هناك، ويرده إن شاء.
وقاله أصبغ.
ومن العتبية، قال أصبغ: ومن اشترى شاة، ثم ذهب ليأتي بالثمن، فباعها البائع من غيره، فلقي المشتري الأول الثاني وهي معه، فتنازعاها، فماتت الشاة بأيديهما، فالضمان منهما إن كان موتها من فعلهما جميعًا، فإن ثبت بيعه من الأول، غرم له الثاني نصف القيمة، ورجع الثاني على البائع بما دفع إليه، وإن صحت للناس، غرم الأول نصف القيمة.
[6/ 379]
ورأيت لسحنون في كتاب البيوع الذي نسب إلى ابنه، أنه إن باعها من الأول بعشرة، ثم باعها من الثاني بعشرين، فالأول قد قبض نصفها في منازعته للناس، وعليه فيه خمسة، ويخير في النصف الآخر، فإن شاء ضمن المبتاع نصف قيمته، وإن شاء جاز فيه البيع، وأخذ فيه عشرة من المبتاع الثاني، ثم يرجع بها مؤديها على بائعه إن كان نقده، وإن شاء ضمن البائع قيمة النصف ما بلغ، وكان ثمنه له، وإن شاء أخذ من البائع العشرة التي باع بها النصف، ورجع بفضل القيمة إن زادت على عشرة على المبتاع.
فقول سحنون: إن أجاز البيع أخذ من المشتري العشرة وقد دفعها إلى باعه فليس بأصلهم، وأصلهم في بيع الغاصب والمتعدي يقبض الثمن، أن رب السلعة إذا أجاز البيع، فعليه يرجع بالثمن إن قبضه، لا على المشتري.
وقوله: إن شاء أخذ العشرة من البائع، ورجع بالفضل القيمة إن كانت أكثر على المشتري.
فليس يعني أنه أجاز البيع، وأراه أراد أنه يطلب المبتاع بالقيمة، ولا يجيز البيع، فيأخذ هذا العشرة التي له عند البائع؛ لأنها مال غريمه ثم يرجع بتمام القيمة عليه؛ لأنه ضمن نصفها في منازعته حتى ماتت بأيديهما.
وبهد هذا باب في اختلاف الوليين فيما باعا، فيه ذكر من باع سلعة من رجل، ثم باعها من آخر، وزيادة على معنى ما في هذا الباب.
في ضمان الصبرة يشتري بعضها أو يستثني بائعها بعضها
أو في بيع الثمرة أو سكنى دار باعها ثم يهلك ذلك كله
من كتاب ابن المواز: ومن اشترى نصف صبرة، فاكتال منها أقل من نصفها، ثم هلك باقيها، أن البائع يرجع فيأخذ نصف ما أخذ المبتاع.
ومن باع صبرة جزافًا، واستثنى منها كيلاً سماه، قدر الثلث، فأصيبت الصبرة أو جلها، فالمصيبة منهما، فإن بقي منها الثلث فأدنى، فهو للبائع، وإن كان أكثر من الثلث، فللبائع منه ثلثاه وللمبتاع ما بقي.
[6/ 380]
ومن باع دارًا واستثنى سكناها سنة، فانهدمت في السنة، فهي من المبتاع، ولا يرجع عليه البائع بشيء من ثنياه كالصبرة، إلا أن يصلحها المبتاع في بقية السنة، ولا يجبر على إصلاحها.
قال أصبغ: لا يعجبني، وليس كالصبرة؛ لأن الصبرة قبض للمبتاع، والسكنى لم يقبض البائع ما استثنى، وثنيا السكنى لزيادة باع منها فتقوم، فيطرح مسكنه، ويرجع مما معها وكذلك ركوب الدابة إلا شيء لا بال له، مثل الأيام القلية في الدار، والبريد في الدابة، فهو لهو وسيع.
قال محمد: قول ابن القاسم أصوب، وما وجدت بقول أصبغ معنى.
وهذا الباب قد تقدم أكثره في أبواب الاستثناء من الصفقة، وأبواب الجوائح.
ومن باع ثمرة واستثنى منها أقل من الثلث، فأجيحت أقل من الثلث، فلا يوضع عن المبتاع مما استثنى البائع شيء، كما لا يوضع عنه من الثمن.
قاله مالك، كالصبرة، ولو أصيب الثلث فأكثر، يوضع عنه بقدر ما يوضع من الثمن.
قاله مالك، وقاله أصبغ.
وروي عن مالك أنه لا يوضع عن المشتري مما استثناء البائع شيء، وإن ذهب أكثر من الثلث، ويكون ما استثنى فيما بقي.
وبه أخذ ابن عبد الحكم.
قال محمد: ورواية ابن القاسم أحب إلينا؛ لأن الصبرة لا جائحة فيها، وهذا فيه الجائحة، وما استثنى فهو كالثمن.
وقاله أصبغ.
[6/ 381]
باب فيمن اكتال زيتًا ابتاعه
ثم اكتال في جرة من جرة نجسة ولم يعلم وتناكرا
في النجسة
من العتبية: روى عيسى، عن ابن القاسم فيمن اشترى من رجل مائة قسط زيت، فكال له من جرة خمسين، ثم كال له من جرة أخرى قسطًا أو قسطين، فصبه على الأول، ثم وجد فأرة في الجرة الثانية، فضمان الخمسين الأول من المبتاع، وإنما صب عليه هذا بأمره، كما لو صب لك حمال زيتًا في جرة بأمرك، وإذا فيها فأر، فلا شيء عليه.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون البائع عالمًا بالنجاسة التي في زيته، فغره حتى صبه على الآخر، فيضمن الزيتين جميعًا، ويبالغ في عقوبته.
قال ابن حبيب: ولو ظهر فيه بعد أن صار في إناء المشتري فأرة، فقال المشتري: في زيت البائع كانت.
وقال البائع: بل في إنائك كانت، فالقول قول البائع مع يمينه، إلا أن تقوم بينة أنها كانت في إناء البائع، أو يقوم دليل من انتفاخها وتزلعها ونحوه مما لا يمكن أن يكون في إناء المشتري وكان صبيبًا أو يابسًا، وإن كان إناء زيت فرغ منه أشكل فيه الأمر، فقد لزم المشتري.
وقاله أصبغ، عن ابن القاسم.
باب فيمن قلب قوارير للبيع أو قلال خل فسقطت
أو جرب قوسًا أو سيفًا فانكسر
أو سقط في يده على شيء آخر ومن قلب دينارًا فتلف
من كتاب ابن المواز، قال مالك في القوارير وأقداح الخشب تنصب للبيع، فيقلبها الذي يريد الشراء، فتسقط من يده فتنكسر، فلا ضمان عليه.
قال أصبغ: أخذه بإذنه أو بغير إذنه، إذا رآه فتركه، وإن كان بغير علمه، ضمن.
[6/ 382]
ورو عيسى عن ابن القاسم أنه إذا تناوله بغير إذنه، ثم جعل يساومه، فسقط من يده، أنه ضامن إذا لم يناوله إياه، أو يأذن له، ويضمن ما انكسر تحته، وكذلك السيف يهزه فينكسر، والدابة يركبها ليجربها، فتموت، أو القوس يرمي عنها بغير إذنه، فهو ضامن في هذا، إلا أن يكون بإذنه.
قال محمد: وما سقط من ذلك عليه مما قلبه، فانكسر الأسفل، ضمنه، ولا يضمن ما سقط من يده.
قيل لابن القاسم: فقلال الخل يرفعها يروزها، فتنكسر؟ فقال: ما سمعت في هذا شيئًا.
قال أصبغ: هي مثل القوارير، إلا أن يخرق ويعنف بجر المأخذ قبل أن تعلق القلة الكبيرة بأذنها، وبغير الوجه المعروف، وروى أصبغ عن ابن القاسم أنه ضامن في قلال الخل، بخلاف القوارير.
قال أبو زيد، عن ابن القاسم: ومن لا يعرف إلا بالتناول باليد، كالسيف فيهزه، والقوس ينزع فيها فتنكسر فلا يضمن.
وما كان يجتزأ بعضه، كالبان والدهن يجتزأ شيء منه يشمه، فإذا أخذه رجل بيده فسقط منه، فانكسر فإنه يضمن.
ومثل الخل إنما يذاق الشيء، فإن رفع القلة بيده، فانكسر ضمن، وضمن ما وقعت عليه.
وقد قال مالك فيمن أعطى دينارًا للصيرفي في دراهم، فنقره.
قال في العتبية: نقرًا خفيفًا أو منخرقًا، فضاع، لضمنه؛ لأنه أخذه على المبايعة، وكذلك لو غصب من يده، أو اختلس قبل يريه لضمنه، وإنما الذي لا يضمنه من نقره ما يستور أوجهه بلا بيع، فينقره نقرًا خفيفًا لا خرق فيه ولو أخذه على الصرف، فاستأذنه، فنقره نقرًا خفيفًا لم يضمن، وإن أخرق ضمن.
[6/ 383]
[6/ 384]
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الرابع من أقضية البيوع
أبواب بيع الخيار
في بيع الخيار وما يجوز من أمده وما لا يجوز
وفي مجاوزة أيام الخيار
من كتاب ابن المواز: قال: وأجل الخيار في السلع بقدر ما يشبه فيها من الاختيار، فالأمة قدر أربعة أيام أو خمسة، ولو وقع في الأمة أو العبد خيار عشرة أيام لم أفسخه، وأفسخه في الشهر، فإن فات وجبت القيمة.
وأجاز ابن القاسم بيع العبد بالخيار عشرة أيام.
وروى ابن وهب أن مالكًا أجازه في الشهر، وأباه ابن القاسم وأشهب.
قال مالك: الخيار في السلم مثل اليوم واليومين والثلاثة، ولا ينقد، فإن كان بعيدًا، لم يجز، ويصير الكالئ بالكالئ، فإن وقع على ذلك، ثم ترك ذو الخيار خياره، لم يجز، لفساد العقد، فإذا فسخ، فلهما أن يأتنفا بيعًا.
[6/ 385]
مالك: وإن اشترى واستوجب، وقال: إن بدا لي رددت ما بيني وبين شهر.
ثم أصيبت السلعة وهي من المبتاع.
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون وغيره: أحد الخيار في الثوب لليومين والثلاثة، ولا خيار فيما زاد، وفي الدار الشهر والشهران.
ومن العتبية: سحنون، عن ابن القاسم، في من ابتاع حيوانًا أو غيره، على أنه بالخيار أربعة أشهر، وقبضها، وشرط النقد أو لم يشترط، فمصيبتها من بائعها إذا لم يتم فيها بيع.
قال سحنون: فإن كانت دارًا، وشرط فيها الخيار لأحدهما ثلاث سنين، أو أربعة، أو أجلاً، لا يجوز إليه الخيار، فبنى فيها المبتاع أو غرس، فإن كان الخيار لبائع، فليس البناء فيها فوتًا، وترد إلى بائعها، وليس عليه في البنيان للمبتاع شيء، وليس للمبتاع أخذه إلا منقوصًا، فإن بنى بعد أجل الخيار المشترط، فالبناء فوت، وعليه قيمتها يوم خرج وقت الخيار، وكذلك مبتاع الأمة يشترط النقد في الخيار، فلم يفسخ حتى زالت أيام الخيار، وفاتت بنماء أو نقص، فعليه قيمتها يوم خرجت من أيام الخيار.
وروى ابن سحنون عن أبيه فيمن اشترى سلعة وشرط فيها الخيار سنة أو سنتين، أن البيع فاسد، وضمانها من المشتري من يوم قبضها.
وقال: إنه مثل ما قال أصحابنا في من باع سلعة، على أنه متى رد الثمن فهو أحق بسلعته، أو إن رده إلى خمس سنين، أو أقام ما لا يجوز الخيار إليه، أنه بيع فاسد والمشتري ضامن من يوم القبض، وفرق بينه وبين المشتري بالخيار إلى ما يجوز فيه الخيار، واشترط النقد، فقال في هذا: ضمانها من البائع.
وإن قبضها المشتري، إلا أن يقبضها بعد أجل الخيار.
وقال: لأن الخيار هاهنا صحيح لم يفسد البيع به.
قال أبو محمد: ورواية العتبي عنه أحسن.
[6/ 386]
قال مالك: ومن اشترى بالخيار ثلاثًا، فمضت أيام الخيار، ثم رد السلعة، فإن ردها بعد غروب الشمس من آخره، أو من الغد، فله الرد، وإلا فلا، قال أشهب: إن مضت الثلاثة بلياليها، فلا رد له، وإن رد قبل غروب الشمس عن آخرها، فله الرد.
وكذلك قال ابن الماجشون في الواضحة، إن بزوالها ينقطع الخيار.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وإن اشترط للخيار يومين، وشرط إن لم يأت به لزمه البيع، فلا يعجبني.
قال ابن القاسم: يفسخ البيع وإن فات الأجل الذي يجب به البيع.
ومن العتبية قال سحنون في من ابتاع جارية بالخيار ثلاثًا، أو لم ينقد، وسافر البائع، فمرضت الجارية، ولم يأت المبتاع السلطان، ولا أشهد على ردها حتى ماتت بعد عشرة أيام.
قال ابن القاسم: إذا قبض المبتاع الأمة، والخيار له، ثم أقامت في يديه بعد أيام الخيار، ولم يشهد على قبول ولا رد، فكونها في يديه رضًا.
قال سحنون: وهذا في وخش الرقيق.
يريد سحنون إذ لا مواضعة بها بعد زوال الخيار فيها، فضمنها البائع.
فيمن ابتاع أو باع على خيار فلان أو رضاه أو مشورته
من كتاب محمد: قال مالك: وإذا شرط البائع عند البيع، أن يستشير فلانًا، لزم ذلك المبتاع، ثم للبائع أن يمضي البيع، أو يرده قبل نظر فلان، ولمن خلع وكالة وكيل.
[6/ 387]
قال مالك: ومن ابتاع على أن يستأمر، ثم بدا له، فله رده، ولا يستأمر أحدًا.
مالك: وقد أمر رجلاً يبيع له سلعة، وقال: أشترط رضاي، ففعل، فرد ذلك الأمر إليه، فرد البيع، فذلك إليه.
مالك: ومن باع لرجل سلعة على أن يستأمر، ثم لقيه من زاد فيها، فعليه أن يخبر ربها بذلك، وإن كان أقلها عطية، وقد أساء الزائر فيما عمل.
قال مالك: وإن أمره أن يبيع من الذي زاده، فنكل الزائد، فقد لزمه البيع، ولا نكول له.
والوكيل على البيع يبيع على أن يشاور الآمر، فيشاوره، فأجاز بيعه، فأقاله الرسول، فالإقالة باطلة، إلا أن يكون مفوضًا إليه، ويقيله على النظر، فيجوز.
ومن العتبية من سماع أشهب: وإن باع لرجل سلعة بأمره، واستثنى رضاه، فرد ربها الأمر إليه، فأراد رد البيع، فذلك له، ولا حجة للمشتري إن قال: إنما استثنيت رضا صاحبها.
ومن الواضحة: وإذا شرط المتبايعان خيار فلان أو مشورته، فذلك سواء، وله أن يدعه ويختار ما شاء من رد أو إجازة، ولا حجة في ذلك لمبايعة ولا يجوز الخيار لرجل غائب بعيد الغيبة، ثم إن أسقط الخيار لم يجز، لوقوع البيع فاسدًا.
وروى ابن يزيد عن ابن نافع، أن المشورة والخيار سواء، ولا رد للمبتاع إلا نرأي من اشترط.
وذكر ابن المواز في كتاب النكاح: الخيار والمشورة سواء، وله الرد والأخذ دون خيار من اشترط ذلك فيه.
[6/ 388]
ابن حبيب: ومن اشترى لغيره على خيار حاضر أو غائب، ببلد آخر قريب، فليس لهذا أن يجيز البيع دونه.
في النقد في بيع الخيار والضمان فيه
ومن كتاب ابن المواز: ومن شرط النقد في الخيار فالبيع فاسد، فإن هلكت السلعة في أيام الخيار بيد المبتاع، فهي من البائع لأنها في ضمانه في البيع الصحيح على الخيار، فكيف بالفاسد على الخيار؟!
قال: وإن هلكت فيه بعد أيام الخيار، فهي من المبتاع.
وقال مالك فيمن أخذ ثوبًا من البزاز، ونقده الثمن حتى يراه، فإن لم يرضه رده.
قال: إن كان قريبًا وطبع على الثمن، أو جعله على يد غيره، فجائز.
قال مالك: ومن باع أمة بالخيار، ثم سأل المبتاع بعد صحة العقد أن ينقده الثمن، لينتفع به، فإن نفذ البيع، وإلا رده، فلا بأس به إن صح، وكان على غير موعد.
في موت من له الخيار أو يغمى عليه وفي الخيار لرجلين
من كتاب ابن المواز: فإن مات من له الخيار وهو مبتاع، فقال بعض ورثته: نأخذ، ورد الباقون، فللبائع إمضاء نصيب من تماسك، أو رد الجميع، فإن شاء المتماسك أخذ نصيب الراد، فذلك له، ولا قول للبائع إذا لم يرض بإنفاذ نصيب المتماسك فقط، وكذلك لو كان الخيار للبائع، فمات، ولا يلزم المبتاع نصيب من أجاز، إلا أن يشاء، وإن كان كبير وصغير له وصيان، فرد الكبير، وأجاز الوصيان، فللوصيين أخذ مصابة الكبير للصغير، إلا أن يشاء الحي من المتبايعين أخذ نصيب الكبير، فذلك له، ولا كلام للوصيين، ويلزمهما نصيب الصغير وحده إن شاء ذلك الحي، وإن رد، أو أخذ الكبير الجميع، فللحي أن [6/ 389]
يرضى بذلك، أو يسلم إليه حصته فقط، ويرد حصة الصغير، فإن لم يجز له أخذ حصته فقط، فله أخذ الجميع إن شاء.
وإذا أحاط الدين بالميت، فرد غرماؤه البيع، فللورثة أخذ ذلك لأنفسهم من أموالهم، وليس للأوصياء أخذه لأنفسهم، بخلاف الورثة.
قال: والمغمى عليه ليس للسلطان في أيام الخيار فيه نظر، ولا للوارث، فإن طال الإغماء بعد أيام الخيار، فله النظر بالرد للضرر، لا بالأخذ.
وقال أشهب: له أن يجيز أو يرد، أو يجعل ذلك إن رآه من وارث أو غيره، فإن لم يفعل حتى مضت أيام الخيار، لم يكن له نظر، ورد البيع.
ومن الواضحة: وإذا كان الخيار لرجلين، فلأحدهما الرد ولا حجة للبائع، وكذلك في العيب.
في ضمان ما يباع على الخيار في صحة البيع وفساده
أو في ثوب من ثياب يختاره فيهلك أو يهلك أحدهما
والدعوى في ذلك كله
من كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن اشترى واستوجب، فقال: إن بدا لي رددته ما بيني وبين شهر.
ثم أصيبت السلعة، فهي من المبتاع.
قال: ومن ابتاع لرجل ثوبًا، وقد أمره يشتري له ثوبًا، واشترط الخيار حتى يريه صاحبه، فروى ابن القاسم، عن مالك أن الثوب إن هلك من الآمر.
وأحب إلينا أن لا يكون على الآمر، وأن يكون على الرسول، إلا أن يكون بين للبائع أن فلانًا أرسله ليبتاع له ثوبًا، فيلزمه البائع، ويحلف الرسول لقد ضاع.
وقال في مبتاع الدابة يركبها يختبر مسيرها، والقوس ينزع فيها، والسيف يختبره فيصاب في ذلك، فلا ضمان عليه، وقد تقدم هذا.
ومن ابتاع ثوبًا من ثوبين يختاره، قد لزمه، فإن كان الثمن واحدًا، والثوبان من جنس واحد، فجائز، وإن هلك أحدهما بيد المبتاع في الخيار، أو دخله عيب،
[6/ 390]
فالهالك أو المعيب بينهما، والسالم بينهما، وعليه نصف ثمن كل ثوب، ولو اختلف الثمن، فألزم نفسه أحدهما على الوجوب، لم يجز، فإن هلكا، فعليه نصف قيمتها، وإن هلك واحد، فعليه نصف قيمته، ويرد الباقي إن لم يفت بشيء، فإن فات، فهو بينهما، وعليه نصف قيمته.
ومن سماع عيسى، عن ابن القاسم، في العتبية ذكر مثله، أنه إن كان البيع فاسدًا في الثوبين على ثمن مختلف قد لزمه أحدهما يختاره، فهو مثل ما ذكرنا في البيع الصحيح.
ومن كتاب ابن المواز: قال: ولو كان السلعتان مما يجوز أن يسلم إحداهما في الأخرى، لم يجز على إلزام إحداهما.
قال: وإذا كانا صنفًا واحدًا، والثمن واحد، فأخذهما على أن يختار واحدًا إن شاء، وإن شاء ردهما، فهلكا أو أحدهما، فالجواب كالجواب في أخذ حدهما على الإلزام يختاره، ولو قال المبتاع: إنما ضاع أحدهما بعد أن اخترت الباقي، فالقول قوله، ويحلف ولا شيء عليه في التأليف.
وقاله أصبغ.
وروى مثله عيسى، عن ابن القاسم في العتبية، في أخذه أحدهما على الإلزام، ولو لم يختر حتى هلك واحد، فله رد الباقي، وغرم نصيب ثمن الثالث، فإن اختار حبس الباقي، فليس له إلا نصفه، إلا أن يرضى له البائع؛ لأنه لزمه نصف التالف، وهو لم يبعه ثوبًا ونصفًا، وإنما باعه ثوبًا واحدًا، وقال أشهب: هو ضامن للثوبين إذا توارى بهما.
قال أشهب في غير كتاب ابن المواز: فإن أخذ الباقي، كان عليه بالثمن، والتالف بالقيمة، وإن رده، فعليه التالف بالأقل من الثمن أو القيمة.
قال: ولو كانا عبدين، على أن يختار واحدًا على الإلزام، فهلك واحد، فهو من البائع، والباقي للمبتاع لازم.
[6/ 391]
قال ابن القاسم: ومن اشترى ثوبًا، وأخذ من البائع أربعة أثواب، على أن يختار منهم واحدًا، فضاعت، فإن كان البائع تطوع له بذلك، لم يضمن إلا واحدًا، وإن كان هو سأل البائع ذلك، ضمنها كلها.
قال محمد: لا يعجبني هذا، وذلك سواء، ولا يضمن إلا واحدًا؛ لأن البائع لم يعطه إياها إلا عن رضى إذ سأله.
قال ابن القاسم في عبد بيع على الخيار للمبتاع فهلك، فقال المبتاع: هلك في الخيار.
وقال البائع: بل تعدى أيام الخيار.
فالقول قول البائع؛ لأن المبتاع يطلب نقض البيع، فعليه البينة.
قال أبو محمد: يعني وقد تصادقا اليوم أن أيام الخيار قد مضت، وأما لو قال المبتاع: لم تنقض.
لصدق مع يمينه؛ لأن البائع يريد تضمينه.
ومن كتاب ابن حبيب، قال: وما قبضه المشتري على الخيار، فادعى هلاكه، فهو مصدق فيما لا يغاب عليه مع يمينه، لقد ذهب، وإنه ما اختاره حتى ذهب، ويضمنه البائع، وأما ما يغاب عليه، فيضمنه المبتاع بالثمن، إن لم تقم بينة.
ومن اشترى ثوبين بالخيار بثمن واحد، فهلك بيده أحدهما، ضمنه بحصته من الثمن، وإن اشترى منه كل ثوب منهما بثمن سماه دون الآخر، يأخذهما إن شاء أو أحدهما، فضاع أحدهما، فإنه يضمنه بما سمى له من الثمن، وله أخذ الباقي أو رده، وإن كان شرط أن يأخذ أيهما شاء بثمنه، ويرد الآخر، فله أخذ الباقي، كما ذكرنا، وإن هلكا ضمنهما جميعًا بالثمن الذي كان سمى لهما جميعًا، وكذلك لو كانت عشرة أثواب، سمى لكل ثوب ثمنه، على أن يأخذ أيهم شاء، قد لزمه، فضاعت كلها، فإنها تلزمه كلها بما سمى من الثمن، ولا يكون في شيء منها أمينًا.
[6/ 392]
وعاب قول ابن القاسم وقال: لو أخذها كلها بالخيار بغير إيجاب لضمنها عنده، فلما أخذها على واحد، ألزمه بخياره، لم تلزمه جميعًا، ولزمه عنده واحد، ولو لم يضع إلا واحد كان شريكًا في كل واحد بجزء عددها، وهذا غلط، وهو فيها كلها مخير، كما كان في المسألة التي ضمنه فيها.
قال: وسواء أخذها على أن يختار واحدًا قد لزمه، أو على أن يأخذ منها واحدًا هو منه بالخيار أن يأخذه، أو يرد جميعًا، إلا في وجه واحد، أنه إذا أخذها على أن واحدًا لزمه بخيار، فضاع واحد، فإن قال: اخترته، ثم ضاع، لزمه الثمن ورد ما بقي، وإن قال: ضاع قبل يختاره لزمه بالثمن المسمى لغيبته عليه، وقيل له: اختر واحدًا مما بقي إن شئت بثمنه، لا بد لك من ذلك، ولا يكون شريكًا في شيء منها، وإن لم يأخذوا واحدًا منها بخياره على إلزام، ضمن الذاهب، ورد ما بقي إن شاء، وله أن يأخذ منها واحدًا أو يردها.
وقاسها ابن القاسم بمسألة مالك فيمن له قبل رجل دينار فقبض منه ثلاثة يزنها، فيأخذ واحدًا، فضاعت، أنه لا يضمن إلا واحدًا، ولا تشبهها، وهذه فيها أمانة بينة، وفي البيع كلها على الضمان؛ لأنه مخير في كل واحد منها، وبقي في مسألة مالك تمامها، أنه إنما يضمن واحدًا، إذا لم يشك أن فيها وازنًا، فأما إن جهل ذلك، وقال: ضاعت قبل الوزن فلا يضمن شيئًا منها، ولا يكون متقاضيًا لشيء ضمنه، وهو مصدق، ويحلف أنه ما علم أن فيها وازنًا، ولا وزنها حتى ضاعت، إلا أن تكثر الدنانير حتى يعلم أن مثلها لا يحطى أن يكون فيها وازنًا، فيضمن حينئذ واحدًا على ما ذكرنا، وهكذا قال لي من كاشفت من أصحاب مالك في ذلك كله، إلا في وجه واحد، إذا كانت الثياب مختلفة الأثمان، فإن مالكًا يكره أن يأخذ واحدًا على إلزام، وأجازه عبد العزيز، وذلك أبين، إن شاء الله.
[6/ 393]
وإن ابتاع ثوبين، على أنه فيهما بالخيار، فاختار أحدهما بغير محضر البائع، وأشهد على ذلك، ثم ادعى هلاك الباقي، فابن القاسم لا يضمنه، ومن سواه من أصحاب مالك يضمنه، وهو الصواب.
هكذا في كتاب ابن حبيب، وإن كان يعني أنه إنما يختار أحدهما، فهو قول ابن القاسم، وإن كان يريد هو فيهما بالخيار، يأخذهما أو يردهما، فليس بقول ابن القاسم.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن دفع إلى رجل دنانير ثمن سلعة ابتاعها منه، فقال له: زنها، أو قال: خذها حتى تزنها، فإن كانت وفاء، فهي لك، وما زاد فاردده، وما بقي أوفيتكه، فهلكت، فهي من قابضها إذا قبضها على وجه القضاء أو الرهن، ولو كان بمعنى الوديعة، كانت من الدافع.
قال أصبغ: هذا قبضها على القضاء لا شك فيه، ولو لم يكن على القضاء، لكانت رهنًا؛ لأنه سبب ما دفع عليه، وقد قلت لابن القاسم: ولو كان حلف ليوفينه، فدفع إليه ثلاثة، وقال له: زنها، فما وجدت من قائم فخذه، فإن ضاعت قبل يعرف أن بها قائمًا، فهي من الدافع.
فيمن أخذ ثوبًا بالخيار من رجل وثوبًا من آخر
ثم لم يدر ثوب كل واحد
من كتاب ابن المواز ومن العتبية من سماع ابن القاسم، قال مالك: ومن ابتاع ثوبًا بالخيار من رجل، ومن رجل آخر ثوبًا غيره بالخيار، ثم لم يتبين ثوب هذا من ثوب هذا، وادعى كل واحد أجودهما، فإنه يلزمه الثمنين جميعًا، إلا أن يزعم أنه يعرف ثوب كل واحد، فيصدق ويحلف، أو تعرفه بينة غيره، فلا يحلف.
[6/ 394]
ومن كتاب ابن المواز، قال: فإن لم يعرف، وحلف البائعان، فأحب المشتري أن يدفع أرفعها إلى من شاء منهما، ويدفع إلى الآخر ثمن ثوبه الذي راضاه عليه، فذلك له، فإن نكل البائعان عن اليمين، قيل للمبتاع: ادفع الأرفع إليهما، وادفع الأدنى حتى يدعياه بعينه.
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، قال: وإن كان أحدهما بعشرة والآخر بخمسة، وادعى كل واحد أجودهما، فإن نص لكل واحد ثوبه، حلف وبرئ إليه منه، وإن قال: هذا ثوبه بعشرة ولا أدري أيهما ثوبه، وهذا ثوبه بخمسة ولا أدري ثوبه.
فقد لزمه بخمسة عشر، فإن شاء دفع أرفعهما إلى من شاء وعزم للآخر ما سمى له من الثمن، وإن قال مع جهله بثوب كل واحد: ولا أدري الذي ثوبه بعشرة.
قيل له: ادفع إلى كل واحد عشرة، واحبس الثوبين.
يريد: ويحلفان.
قال ابن حبيب، عن مالك: إن عرف ثوب أحدهما، حلف وصدق، وإن شك وقد قطع الذي بعشرة راضيًا به، وكلا الرجلين يدعيه، فإنهما يحلفان ثم يغرم عشرة وهو ثمنه، ويغرم أيضًا قيمته، فتكون القيمة والعشرة بينهما، إلا أن تكون القيمة أكثر من عشرة، فلا يخرج إلا عشرين، ثمنه مرتين، لكل واحد منهما عشرة، فإن نكل أحدهما، وحلف الآخر كان للذي حلف عشرة، وللآخر الثوب المردود، وكذلك لو رد الثوبين جميعًا، وادعى كل واحد الرفيع، فالجواب على ما ذكرنا.
وقاله ابن الماجشون ومطرف عن مالك.
ما يعد من فعل ذي الخيار اختيارًا وجنايته
من الواضحة: وإذا تسوق من له الخيار بالسلعة فذلك رضًا، إلا أن يزعم أنه أراد أن يختبر ثمنها، ليعرف رخصها من غلائها، فيحلف، ويكون على خياره، وإن نكل لزمته وإن حجم الوصيف، أو حلق رأسه على المشط، فهو رضًا.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية: في الحجامة مثله.
[6/ 395]
قال ابن حبيب: وإذا جعل من خضب يدي الأمة بالحناء، أو ضفر رأسها بالعسل، فهو رضًا، إلا أن تفعل ذلك الجارية بغير أمره، فلا يكون رضًا، وإن جردها للذة أو قومها، أو مس بطنها أو ثدييها، فهو رضًا، وأما تجريد نظر واختيار، فلا يعد رضًا.
ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: وطؤه للأمة في الخيار قطع لخياره، وأما ضمانها بعد ذلك، فأما الرائعة، فمن البائع، لما بقي من عهدة الاستبراء لا للخيار، وأما الوخش فمن المبتاع لزوال الخيار بالوطء.
وإذا انتظر بذات المواضعة التي وطئها، فوضعت لأقل من ستة أشهر، برئ منه المبتاع، فإن لم يقر البائع بالوطء، فالمبتاع مخير في قبولها بولدها، أو ردها، وإن أتت به لستة أشهر، فهو للمبتاع إن لم يكن لها زوج، ولا أقر به البائع، فإن أقر به البائع، دعي له القافة، فإن كانت ذات زوج، فالزوج أحق به، ولا ينفيه إلا بلعان، وينكل إن لم يعذر بالجهل.
قال ابن كنانة: ويعاقب في القبلة.
قال: وتزويجه للجارية قطع للخيار فيها، فأما تزويجه للعبد، فابن القاسم يقطع به الخيار، وأشهب لا يقطعه به، وتراه بخلاف الجارية، وأما مواجرته للعبد، أو الأمة، أو السوم بهما، أو طرحه للعبد في صناعة، أو كراء الدار، أو الدابة، أو رهنهما، فقال أشهب: ليس ذلك كله قطعًا بخيار المبتاع بعد أن يحلف في ذلك كله، أنه ما كان منه تركًا لخياره، وقال ابن القاسم: وذلك كله رضًا منه بالبيع، ومن البائع رد له، إن كان له الخيار.
وإن قطع يد الأمة في الخيار، أو فقأ عينها - يريد: عمدًا - والخيار له، فقال أشهب: لا يقطع ذلك خياره، ولا يظن بأحد أن يفعل ذلك رضًا.
قال محمد: وتعتق عليه.
وقال ابن القاسم: وفي العمد رضًا، وإن كان خطأ، حلف إن اتهم وردها، وغرم ما نقصها، إلا أن يكون عيبًا مفسدًا، فيضمن الثمن كله، كما لو فعله بعبد أجنبي.
قال سحنون: يضمن القيمة.
قال: وإن كان عمدًا،
[6/ 396]
عتق عليه، وفي الدابة يضمن في المفسد في الخطأ والعمد، وإن لم يكن مفسدًا، حلف في الخطأ، وردها وما نقصها، وتلزمه في العمد.
من المبسوط لإسماعيل القاضي - وهو عندنا رواية -: روى ابن نافع عن مالك أنه سئل عن رجل باع أمة وشرط أحد المتبايعين لها الخيار أيامًا، ثم وطئها أحدهما في أيام الخيار فحملت، قال: إن حملت من الذي ليس له فيها خيار لحق به الولد، وكان عليه قيمته، وتكون الجارية للذي له فيها الخيار إن اختار ردها.
قال أبو محمد: يريد إذا اختارها أخذ قيمة الولد من صاحبه.
ورأيت في كتاب نسب إلى سحنون ولم أدره قال فيمن اشترى جارية على أن البائع فيها بالخيار فوطئها المشتري فحملت منه: إنها تكون أم ولد له وتلزمه القيمة ويدرأ عنه الحد بالتهمة.
قال أبو محمد: يريد سحنون أن البائع الذي له فيها الخيار إن اختار إجازة البيع أخذ الثمن، وإن اختار رده أخذ القيمة إن كانت أكثر.
فيمن له الخيار في سلعة فيبيعها
ومن الواضحة: ومن ابتاع شيئًا بالخيار، فباعه بربح في أيام الخيار قبل يخبر صاحبه باختياره، فإن قال: بعته بعد أن اخترته، صدق مع يمينه، إن كذبه صاحبه، يريد بعلم يدعيه، وله الربح، وإن قال: بعت قبل أن أختار، فالربح لربه.
قاله مالك وأصحابه.
قال ابن المواز: وما ابتعت على خيار، فلا تبعه حتى يعلم البائع، أو يشهد أنك رضيت.
يريد: والخيار لك، وإلا فربح ذلك للبائع إن لم تعلمه، قاله ابن القاسم.
وإن أقررت أنك بعت قبل يختار؛ لأنه في ضمان البائع، وإن قال: بعد أن اخترت، دين وأحلف.
[6/ 397]
باب ما يجوز من بيع شيء يختاره المبتاع من عدد
وما يباع من آخر قبل اختياره
وكيف إن كانت غنمًا فتوالدت؟
وما يجوز من استثناء البائع لحمار يختاره
أو يكون في بعضه بالخيار
من كتاب ابن المواز: ومن ابتاع مائة شاة، على أن يرد شاة منها بثمنها، فإن سماه، جاز، وإلا فالبيع رديء، وإن استثنى البائع شاة أو عشرة من شرارها، إن ذلك ليتقى، قال أصبغ: للخطر.
وقال محمد: إن نزل مضى، والقياس أنه يجوز.
وقال محمد في موضع آخر: إنه جائز، كانت قلية أم كثيرة؛ لأنه إنما اشترى من خيارها.
قال محمد: ولا باس بخيار البائع فيما استثنى في أيسرها، ولا يجوز في أكثرها، ويجوز على خيار المبتاع في أيسرها وأكثرها، فأما بغير خيار، فيجوز منهما.
ويكون بما سمى شريكًا فيها، وكذلك في الثمرة، ولا يجوز على الخيار في الثمرة، وإن اشترى عشرة من هذه الغنم يختارها، فلم يخترها حتى ابتاع هو وغيره عشرة أخرى يختارها، فلا باس به، وقيل: أما غيره، فلا يعجبني إلا في الغنم الكثيرة جدًا، وإلا فكان الثاني اشترى شرارها بشرط أن يختار عليه البائع أكثرها.
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
ومن العتبية روى سحنون، عن أشهب في من ابتاع عشرة أكبش في مائة يختارها، ثم أربحه رجل على أن يختارها مكانه، فلا يجوز ذلك إلا بخيار ما لم
[6/ 398]
يجب الأول بعد، ولو قال: اختر أنت، وأنا مشتر لها بخيار، لم يجز، وهو غرر، بخلاف اختيار الورثة لما كان للميت أن يختاره.
وروى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم في من اشترى غنمًا فبها كبش معتل، على أن المبتاع بالخيار فيه عشرة أيام، فإن رضيه حبسه، وإلا رده بحصته من الثمن، فلا يجوز، إذ لا يدري بكم تبقى عليه إن رد الكبش.
ويفسخ البيع، وعليه القيمة في فوتها.
ومن كتاب ابن حبيب: ولا بأس أن يقول: بعني عشرة من خيار غنمك.
لا يقول: أختارها أنا ولا أنت، فإن اختلفا في من يختارها، دعي لذلك أهل العدل والنظر، يختارها، ولا يجوز شراء عشر شياه من شرارها يتسورها البائع والمبتاع، ولا يجوز أن يشتري رجل من غنم رجل عشرة يختارها، ويشتري الآخر بقيتها وذلك معه، إذ لا يدري الثاني ما يبقى منها للأول، بخلاف الصبرة.
ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: ومن اشترى عشرة يختارها من هذه الغنم، وهي حوامل فلم يختر، حتى ولدت، فله أن يختار عشرة من الأمهات دون الأولاد.
محمد: وقد وضعت في ضمان غيره، ولو شرط أنها حوامل، فسد البيع.
قال محمد: ولو نقصتها الولادة، فللمبتاع أن يقبلها، ولو كان الخيار للبائع، وأما في الجواري يشتري عشرة من مائة يختارهن وهن حوامل، فلم يختر حتى وضعن، قال: هذا لا يكون، وله الخيار في أخذ الأمهات، ويفسخ البيع من أجل التفرقة.
وقيل: لا يفسخ، والولد للبائع، ويخير المشتري، فإن اختار الأخذ، جبرا أن يجمعا بينهما.
يريد محمد: في ملك أو يبيعا ويقسم الثمن على القيم.
وأما لو شرط في البيع أنهن حوامل، فسخ البيع، وقيل: إن كان الحمل ظاهرًا بينًا، يعرفه كل أحد، جاز في الجواري والغنم، وقيل: إن كان ذلك على وجه البراءة من الحمل، جاز في الوخش دون المرتفعات.
[6/ 399]
وقال أشهب فيمن اشترى غنمًا، على أنها حوامل، فهو جائز، وإن لم يكن حملهما بينًا، يقول: ضربها الفحل، وأنا أبيع على ذلك أن ذلك في بطونها.
ولا بأس بذلك في الأمة الوخش، ولا يجوز ذلك في العلية.
وقال في كتبه: إن كانت بينة الحمل، وكان شرط، فلا خير فيه، وإن كان على وجه الخير، فلا باس به.
قاله مالك.
قال ابن القاسم في الغنم: وليس للبائع جز صوف الغنم قبل خيار المبتاع، فإن فعل، فذلك للمبتاع إن اختاره، وأما ما أكل البائع من لبن أو سمن، فهو له بالضمان.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية مثل ما ذكر عنه ابن المواز في مسألة الغنم والجواري الحوامل، وزاد قال: ولو اشترى عشر شياه من مائة يختارها، على أن المائة تحلب قسطًا قسطًا، فذلك جائز، فإن تأخر اختياره حتى حلبها البائع، فالثمن للبائع بضمانه.
باب في جناية العبد المبيع بالخيار
من كتاب ابن المواز: ومن اشترى عبدًا بالخيار ثلاثًا، فجرح العبد رجلاً في أيام الخيار، فللمبتاع الرد في العمد والخطأ، إن كان الخيار له.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: له رده، ولا شيء عليه في الجناية.
قال في كتاب ابن المواز: فإن كان الخيار للبائع، فيفترق ذلك، فليس له في العمد أن يلزمه للمشتري، وإن فداه، وأما الخطأ، فله إلزامه.
ومن الواضحة: ومن ابتاع جارية بالخيار، فجنت، أو جنى عليها عمدًا أو خطأ، فالخيار فيها بحاله للمبتاع، إن شاء رد، وكانت المبتاعة بين البائع والجاني أو
[6/ 400]
المجني عليه، فإن جنى هو عليها خطأ، فهو على خياره، فإن حبسها، فبالثمن كله، وإن ردها، رد ما نقصها، وإن كان عمدًا فهو عند أشهب كالخطأ، وعند ابن القاسم هو رضًا، وبه أقول.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: إذا ابتاع عبدًا بالخيار فجنى، قال: فله رده.
فيمن ابتاع أباه بالخيار
والنصراني يشتري مسلمًا بالخيار
أو يسلم في أيام الخيار
من الواضحة: قال ابن حبيب: ومن ابتاع أباه، أو من يعتق عليه بالخيار، فابن القاسم لا يعتق عليه حتى يختاره، وهو القياس، وأنا أستحسن أن يعتق عليه إن كان الخيار له، وليس للبائع.
وقاله من أرضى، فأما إن كان الخيار للبائع، فلم يختلف أنه لا يقطع خياره.
والنصراني يبيع من النصراني عبدًا نصرانيًا بخيار، فأسلم العبد في أيام الخيار، فلا يفسخ البيع، ولكن إن اختار المبتاع أخذه، بيع عليه، وإن رده، بيع على البائع.
ومن كتاب ابن المواز: وإن ابتاع نصراني مسلمًا بالخيار، فليوقف مكانه، فإن اختار البيع، بيع عليه.
باب في التداعي في بيع الخيار
من كتاب ابن المواز: وإذا اختلف المتبايعان، فقال البائع: بعتك على أن الخيار لي دونك، فقال له المبتاع: بل على أن الخيار لي دونك.
فقال ابن القاسم وأشهب: يتحالفان، ويثبت البيع.
قال محمد ابن المواز: أما إن اتفقا على رد أو
[6/ 401]
إجازة، فلا يحلفا، وإن اختلفا، فمن أراد إمضاء البيع، قُبل قوله مع يمينه، كان بائعًا أو مبتاعًا، ولا يحلف صاحبه؛ لأن اليمين على من يحكم له، وهذا يحكم عليه، وفي اختلافهما في الثمن، كل واحد يحكم له على صاحبه.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في هذا، قال: ينتقص البيع، ولا يقبل دعوى واحد منهما.
وروى أصبغ في العتبية عن ابن القاسم: إذا ادعى كل واحد أن الخيار له، فالبيع لازم، والخيار ساقط.
قال أصبغ: ويتحالفان، ولا أبالي من بدأت باليمين، وأحب إليّ أن يبدأ المبتاع؛ لأنه أوكد في الدعوى، فإن حلفا أو نكلا فذلك، وإن حلف واحد ونكل آخر، فالقول قول الحالف، فإن حلف المبتاع أولاً، فله الأخذ، ويخير البائع في أن يحلف، فيسقط أو لا يحلف فيسلم، كما إذا اختلفا في الثمن، فبدأ البائع فحلف، فإنه يتم له حتى يحلف صاحبه، فيسقط، أو لا يحلف، فيؤدي الثمن.
ومن كتاب محمد: وإن باع ثمر حائطه، واستثنى ثلاثة أعذق، وقال: شرطت أن أختارها.
وأنكره المبتاع، تحالفا، وفسخ البيع، فإن نكل البائع، وحلف المبتاع، فللبائع ثلاثة أعذق من أوسطه، وكذلك إن قال المبتاع: ثلاثة أريتنيهن.
أو قال البائع: شرطت ثلاثة معينة، وأنكر المبتاع الأعذق، فليتحالفا ويتفاسخا.
ما ينهى عنه من بيعتين في بيعة
من كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن باع من رجل أحد ثوبين بدينار قد لزمه فلا خير فيه.
قال محمد: ومكروه ذلك أن يختلف الثوبان أو السلعتان، وكانا من صنف واحد أو من صنفين مختلفين، اتفق الثمن أو اختلف، وإذا كان كل واحد بالخيار، فجائز.
[6/ 402]
قال مالك: وقد باع سلعة بدينار نقدًا، أو بطعام نقدًا، لزم ذلك البائع بخيار المشتري، أو لزم ذلك المشتري بخيار البائع في أحد الثمنين، أو رد السلعة، فهو من بيعتين في بيعة، ويدخله مع ذلك في الطعام بيعه قبل قبضه.
قال محمد: ولو لم يقل أحدهما لصاحبه: أنت مخير علي.
ولم يزد على أن قال: خذها إن شئت بدينار، وإن شئت بهذه الشاة، لم يجز؛ لأن قوله: خذ، قال: قد بعتك، أو هي لك، فقد ألزمه نفسه بغير خيار.
أشهب عن مالك فيمن حبس راويتين زيت لرجل، فأمره وسأله كيف بعت؟ فقال: بخمسة وعشرين على التقاضي، وبأربعة وعشرين نقدًا، فخذ بأيهما شئت.
قال: قد أخذت.
فلا يجوز.
محمد: لأنه إيجاب على البائع بقوله: خذ بأيهما شئت.
قال أشهب عن مالك: وإن قال في عبدين: هذا بخمسين إلى سنة، وهذا بأربعين إلى سنة، خذ أيهما شئت، فلا باس بذلك.
قال محمد: رواية أشهب الأولى أصح، وهي رواية ابن وهب، وابن القاسم.
قال مالك في من يبتاع البز من العجم، وقد جعل بينهم وبينه شيئًا يعرفونه، أن الدينار الوازن هو ثلاثون قيراطًا، والناقص أربعة وعشرون، فيبتاع ثوبًا بعشرة قراريط، أو ثوبًا بعشرين، فيبتاع ثيابًا كثيرة، ثم يخير البائع على ما يحسب له، فيقول: على الوازن فيحسب له على ثلاثين، فما بلغ أعطاه ذلك وازنة، فلا أحبه، لأنه باعه على نقدين مختلفين.
محمد: كأنه بايعه على أربعة وعشرين، على إن شاء البائع أخذ منها دينارًا ناقصًا، وإن شاء أخذ وازنًا يحسب عليه وبه ثلاثين، فلا يدري بأي الثمنين يلزم المبتاع.
ومن باع عكمًا بألف درهم، على أن كل عشرة دراهم بدينار، فإن كان على أن له الدنانير ثابتة، فجائز، وإن كان يعطيه إما دراهم، وإما دنانير، فلا يجوز.
[6/ 403]
ومن واجر أجيرًا على أنه إن شاء استخاطه، وإن شاء جعله برفو، فلا خير فيه، وإن واجره بخدمة سنة، على أنه إنما اجتاز فيها سفر شهر أو شهرين، خرج معه، فلا بأس بذلك.
محمد: إن كان لخدمته يخرج به، فجائز، وإن كان لغيرها، أو لتجارة، فلا خير فيه أن يقول: إن احتجت، ولكن يوجب الشهرين ويسميهما.
قال مالك: ومن واجر عبدًا هذا الشهر بخمسة، والذي بعده بعشرة، فجائز، ويصير كل شهر بسبعة ونصف، إلا أن يقصد على أنه إن مات العبد، حاسبه على ما سمى، فلا خير فيه، حتى يكونا في كراء واحد.
محمد: وهو خطر، وكذلك في الأكرية، كما يفعله بعض الناس، يقول: أكريك شهرًا بدينار، وأحد عشر شهرًا بدرهم، كأنه يقول: إن سكنت شهرًا، ثم تركت أو انهدمت الدار، كان باقي السنة بدرهم، فهو من بيعتين في بيعة.
ومن الواضحة قال مطرف، عن مالك: ومن باع سلعة بدينار نقديًا، وبعشرين درهمًا إلى أجل، لزم ذلك أحد المتبايعين والآخر مخير، لم يجز.
قال مالك: وإن واجبه على تسعة آصع بدينار ناقص، أو عشرة بوازن، فأعطاه تسعة، وأخذ ناقصًا، على أنه إن وجد وازنًا جاء به، وأخذ الناقص وصاعًا، وإلا تمسك بما عنده، فلا خير فيه، وإن قال: إن شئت هذا الثوب أو هذا بدينار، لزمك أحدهما.
فإن كان مستويين، فجائز، ولا يجوز إن اختلفا.
وهذا في غير الطعام جائز، مما يتساوى في الجنس والجودة، والكيل والوزن، ولا يجوز في الطعام، كان من صنف واحد أو مختلف، اتفق الثمن أو اختلف.
ومن تزوج بمائة دينار، أو بعبد إيجابًا، فذلك فاسد، يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، ولها الأكثر من صداق المثل، أو من المائة، أو قيمة العبد، وقاله ابن الماجشون.
[6/ 404]