كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أتمَّها أربعًا، وأعاد في الْوَقْتِ.
وإن كان في غير وقتها قطع في رَكْعَتَيْنِ، فإن كان قد صَلَّى ثالثة، تَمَادَى ولم يُعِدْ، وليس كمن أحرم في صلاة بعد الوقت بثوب نجس، ثم ذكر فيها نجاسة، أو أحرم به متعمِّدًا؛ لأن هذا لو تعمَّدَ وتَمَادَى بعد الذِّكْر متعمِّدًا، لأعاد أبدًا، والأول لو تعمَّد إتمامها، لم يُعِدْ إلاَّ في الْوَقْتِ.
وقال سَحْنُون، في كتاب ابنه: وإن أحرم مسافر في صلاته، ثم ظنَّ أنه مقيم، ثم ذكر في آخرها، قال: إن أعادَ فحَسَنٌ، وإلاَّ رجوتُ أن تُجْزِئُهُ.
في مَنْ خرج لمقدار من الوقت، ناسيًا لسجدة
أو سجدتين من الظهر والعصر، وكيف إن صَلَّى الصلاتين سفريتين، ثم ذكر سجدة من أحدهما بعد ما سَلَّمَ، أو قبلُ
من كتاب ابن الْمَوَّاز، ومن سافر لركعتين من النهار، ناسيًا للظهر والعصر، فأتى بالظهر حضرية، والعصر سفرية، فذكر سجدة لا يدري من أيتهما هي، فإن لم يُسَلِّم من العصر أصلحها بسجدة وركعة وسجدتين للسهو بعد السَّلام، وأعادهما كما صلاهما، وإن ذكر بعد أن سلَّم من العصر، فإن قرُب أصلحهما بما ذَكَرْنا، وأعاد الظهر حضريًّا فقط، وإن خرج لمقدار رَكْعَتَيْنِ، ناسيًا للسجدة من الظهر أو من العصر، فَلْيُصَلِّهما سفريتين، يبدأ بأيهما شاء، ثم إن ذكر سجدة من أحدهما قبل أن يُسلِّمَ من الآخِرَة، أو بعدُ، فذلك في هذه سواء، لأنه لا يُطَالَبُ غير صلاة وَاحِدَة، فيُصلح هذه بمثل ما ذَكَرْنَا، ثم يُعِيد الظهرَ
فقط سفرية.
ولو خرج لهذا المقدار، ناسيًا لسجدتين، لا يدري من الصلاتين أو من أحدهما، فليبدأ بظهر حضريٍّ، ويعيده سفريًّا، إن شاء قبل العصر أو بعده، والعصر سفريًّا، فإن صلاهنَّ والعصر آخرهنَّ، ثم ذكر سجدة بعد أن سلَّمَ من العصر، فليُصلحهما بالقرب بسجدة وركعة وسجدتين للسهو، ثم إن كان بدأ في الظهرين بالسفري، لم يُعِدْ غير ظهر حضريٍّ، وإن بدأ بالحضريِّ، أعاد الظهرين، وإن ذكر ذلك قبل أن يسلمَ من العصر، فليصلحهما بما ذَكَرْنَا، ويُعِيد الثلاث صلوات، إن كان بدأ بالظهر الحضريِّ، وإن بدأ به سفريًّا، أعاد حضريًّا، ثم العصر؛ لأنه كمَنْ ذكر فيها صلاة قبلها.
وإِنَّمَا قُلْتُ في الوجهين: يُعِيد الظهرين إذا بدأ به حضرًا؛ لأنه إن كانت السجدة منها، لم تُجْزِئُهُ السفرية عنها، وإن كانت من السفرية لم تُجْزِئُهُ الحضرية عنها؛ لأنه صلاها أَوَّلاً على أن يعيدها سفرية، وإذا بدأ بالسفرية، فكانت منها، فالحضرية تنوب عنها، كمن صَلَّى حضرية يظنُّها يلزمه كذلك، فأدَّاها سفرية، وقد خرج الوقت، ولم يُصَلِّها ليعيدها، فتجزئه.
وكذلك مَنْ ذكر ظُهْرًا في يوم آخَرَ، لا يدري أحضريٌّ أم سفريٌّ، فصلاها حضرية وسفرية، ثم ذكر بعد السَّلام من الآخِرَة سجدة، وكان بالقرب، فليصلحها بسجدة وركعة وسُجُود السهو، فإن تكن هذه التي صلاها آخِرَ الحضرية، لم يُعِدْ غيرها، وإن تكن السفرية أعادها حضرية.
ومن خرج رَكْعَتَيْنِ، ناسيًا للظهر، شاكًّا في العصر، فالجواب فيها كالجواب في المسألة الأولى، فمن ذكر عند خروجه سجدتين، لا يدري من الظهر أو من العصر أو منهما، فإن أتى بالصلوات، ثم ذكر سجدة، فكما ذَكَرْنَا في المسألتين.
وإن
ذكر سجدتين قبل أن يُسَلِّمَ من العصر، لا يدري من أي صلاة، فليصلح العصر، ويُعِيد الثلاث صلوات، بدأها هنا بالظهر الحضري أو السفري، فهو سواء في ذِكْرِه السجدتين بعد أن صَلَّى الصلوات، وإن ذكر بعد سلامه منها، وهو بالقرب، أصلحها، وأعاد الظهرين، وإن تباعد أعاد الثلاث صلوات.
في مَنْ سافر، أو قدم لوقت، أو امرأة تحيض
أو تطهر، وعليهم صلاة أو صلوات، وكيف إن لم يدر المسافر أمن يوم قدومه أو من يوم خروجه
من كتاب ابن سَحْنُون، ومَنْ سافر لثلاث ركعات فأكثر من النهار وعليه الظهر والعصر، فليقصرهما، ولو كانت امرأة فحاضت حينئذ في سفرها لم تقضهما، ولو خرج لركعة أو رَكْعَتَيْنِ، صَلَّى الظهر حضريًّا، يبدأ به، والعصر سفريًّا، فإن كانت امرأة فحاضت حينئذ، فلا تَقْضِي إلاَّ الظهر حضريًّا.
وإن خرج لثلاث ركعات، ذاكرًا للظهر، مصليًا للعصر، فَلْيُصَلِّ الظهر سفريًّا، ويُعِيد العصر.
ولو خرج لركعتين، لم يُعِدِ العصر.
ولو خرج لثلاث ركعات ناسيًا للظهر والعصر، فلم يذكر حَتَّى غربت الشمس، فَلْيُصَلِّهما كما لزمتاه سفريتين.
ولو كان خرج لركعتين، صَلَّى ظهرًا حضريًّا وعصرًا سفريًّا، يقضيهما.
ولو دخل لخمس ركعات ذاكرًا لهما صلاهما حضريتين، ولو كانت امرأة، فحاضت حينئذ، لم تقضهما.
ولو دخل لأربع، صَلَّى الظهر سفريًّا، والعصر حضريًّا، ولا تَقْضِي إن كانت امرأة حاضت حينئذ عند الظهر سفريًّا.
ولو دخل لخمس، مصلِّيًا للعصر دون الظهر صَلَّى الظهر، وأعاد العصر، وإذا دخل لأربع لم يُعِدْه، فالوقت لآخر الصلاتين، فإن كان صَلَّاها، فالوقت للفائتة.
ومن ذكر ما فات، فليقضه، وليُعِدْ ما أدرك وقته، فالوقت في هذا إلى غروب الشمس، فإن بَقِيَ خمس ركعات بعد القضاء، أعاد الظهر والعصر، وإن بَقِيَ أربع، أعاد العصر, ولو صلاها ثم بَقِيَ قدر ركعة، لأعاد الظهر فقط.
ولو ذكر بعد سلامه من صلاة القضاء، أنه صلاها بثوب نجس، لم يُعِدْ، كالذي زال وقته.
ولو كانت صلاته الظهر والعصر اللتين أعاد، بثوب نجس فليعدهما، إن بَقِيَ خمس ركعات، وإن بَقِيَ أربع لم يُعِدْ إلاَّ العصر.
وعلى مذهب ابن القاسم، إِنَّمَا يراعي صُفْرَة الشمس في الثوب النجس.
ولو خرج لثلاث ركعات، مصليًا للعصر، ناسيًا للظهر، فذكر بعد الغروب، فلا يُصَلِّي إلاَّ الظهر فقط.
وإن خرجت امرأة لركعة من النهار ولم تُصَلِّ العصر، فلما صَلَّت ركعة منها حاضت، فلتقضها؛ لأنها حاضت بعد الوقت.
وأكثر هذا الباب مكرَّرٌ في بابين تقدَّما في مقادير الوقت لِلْمُسَافَرِ، ومن أسلم ومن احتلم في الجزء الأول.
ومن خرج لركعتين، ناسيًا للظهر مصليًا للعصر، فلزمه ظهر سفريٌّ، فلما
صلى منه ركعة شك في العصر، فليُتِمَّ الظهر سفريًّا، ولا يُعِيدُه حضريًّا ويُصَلِّي العصر سفريًّا، ولو شك في العصر قبل أن يُحْرِمَ في الظهر، فليأت بظهر حضري، ويعيده سفريًّا، ثم بعصر سفريٍّ.
ولو نابه هذا لدخوله، وقد دخل لأربع ركعات، فشكَّ في العصر بعد ان صَلَّى بعض الظهر فليتِمَّها، ثم يُعِيدُها رَكْعَتَيْنِ، ثم العصر أربعًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنَّمَا ينظر المسافرُ إلى الوقت دخوله وخروجه، ليس بعد وضوئه إن كان مُحْدِثًا، ولا بعد غُسْلِه إن كان جُنُبًا.
ومن كتاب ابن الْمَوَّاز، ومن سافر ثم قَدِمَ، فذكر أنه ناسٍ للظهر، شاكٌّ في العصر، لا يدري أَمِنْ يوم خروجه أو قدومه، وخرج لركعتين، وكذلك إن قدم، فَلْيُصَلِّ ظهرًا سفريًّا، وظهرًا حضريًّا، وعصرًا كذلك؛ لأنه عن يوم واحدٍ يقضي، وينوي ما لزمه.
ولو ذكر صلاة أو سجدة منها، لا يدري أظهرٌ أم عصرٌ، لا يدري من يوم دخل، أو من يوم خرج، وقد خرج لركعة فأكثر، ودخل لأربع فأكثر، أو لركعة، فَلْيُصَلِّ ظُهْرًا وعَصْرًا سفرًا ليوم خروجه، ويعيدهما حضرًا ليوم دخوله لمطالبته بصلاة وَاحِدَة.
ولو ذكر الصلاتين من أحَدِ اليومين، فإن خرج لثلاث فأكثر، ودخل لخمس فأكثر، فَلْيُصَلِّ أربع صلوات، كما ذَكَرْنَا.
وكذلك لو خرج لركعتين فأقلَّ، ودخل لأربع فأقلَّ، أما لو اتسع الوقت في أحد اليومين، وضاق في الآخَرِ، لصلى ثلاث
صلوات.
يريد محمد: إن يخرجْ لركعتين، ويدخل لخمس، صَلَّى ظُهْرًا حضريًّا وعَصْرًا حضريًّا، وسفريًّا، وإن خرج لثلاث، ودخل لأربع، صَلَّى الظهر سفريًّا، والعصر سفريًّا وحضريًّا.
في إلزام الجمعة، ومن يلزمه السعي، وصفة
القرى التي يُجَمِّعُ أهلها، وهل يُجَمِّعُ في المصر في موضعين؟
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: شهود الجمعة فَرِيضَة ن ومن تركها مرارًا لغير عذر لم تجز شهادته.
قال مالك في المختصر: ومن كان على ثلاثة أميال، أو زاد يسيرًا لزمهم السعي.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال عنه أشهب: إِنَّمَا يجب أن ينزل لها من على ثلاثة أميال فأقلَّ.
قال: نزل في الْعِيدَيْنِ قوم من ولد عمرَ من ذي الحليفة، وما ذلك على الناس، والجمعة في كل سبعة أَيَّام ولأن الْعِيدَيْنِ في الزمان.
يريد ليس ذلك عليهم في الجمعة.
قال عنه عليٌّ، في المجموعة: عزيمة الجمعة على كل من كان بموضع يسمع منه النداء، وذلك على ثلاثة أميال ن ومن كان أبعد فهو في سعة، إلاَّ أن يرغب في شهودها، فذلك حسن.
قال عنه ابن القاسم: تجب الجمعة على أهل القرية التي اتصلت دُورُها وأسواقها، وبها جماعة من الناس.
وربما لم يَذكر الأسواق، ويذكر اتصال البنيان.
وقال في المختصر: إذا كانت بيوتها متصلة وطرقها في وسطها، وفيها سوق ومسجد يُجَمَّع فيه للصلاة فليُجَمِّعوا، كان لهم والٍ أو لم يكن لهم.
قال عنه ابن القاسم, في المجموعة: وإن لم يكن عليهم والٍ، فليقدموا من يُجَمِّع بهم ويخطب.
قال عنه عليٌّ: وبأمر الإمام أَحَبُّ إِلَيَّ.
قال أشهب: عن عطَّلها الإمام، أو سافر عنها،
أو يضرُّ بهم، فنهاهم ان يُصَلّوها، فإن أمنوا منه إذا أقاموها فليقيموها، وإن كان على غير ذلك، فَصَلَّى رجل الجمعة بغير أمر الإمام، لم تجزهم ويُعِيدُوا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ومن كان من أهل القرى غير الحاضرة أو من القرية التي يُجَمَّعُ فيها على أقل من بريد، فلا يُجَمِّعوا حَتَّى يكونوا على بريد فأكثر.
وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز.
ومن الْعُتْبِيَّة: أشهب عن مالك: وليس على أهل العمود جمعة.
وهي على أهل القرى وإن لم يكن عليهم والٍ.
قال عيسى: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ولا يُصَلّوا الْعِيدَيْنِ إلاَّ بخطبة، والخصوص والمحالُّ إذا كانت مساكنهم كالقرية في اجتماعها ولهم عدد، فعليهم الجمعة والخطبة، وإن لم يكن لهم والٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك في أهل أذَنَة ونحوها من المسالح، قال: إن كانوا في قرى جمَّعوا، إِنَّمَا هي على أهل القرية إن كان لهم عدد.
وقال في قرية أو ثغر يرابط فيه قوم ستة أشهر: فإن كان فيها بيوت متصلة وسوق، فليجمَّع أهلها، وإلاَّ فلا.
ومن كتاب ابن حبيب، قال مُطَرِّف، وابن المَاجِشُون، عن مالك: إن ثلاثين بيتًا وما قاربهم جماعة.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإذا كانوا أقلَّ من ثلاثين من قرية وَاحِدَة، فلا يجمِّعوا، وإذا كانت قرية ليست من قرى التجميع وحولها قرى صغار، فاجتمع من حولها إليها، فلا يجمِّعوا حَتَّى تكون القرية ضخمة، فيها نحو من الثلاثين بيتًا، وإلاَّ فلا.
ومن سماع ابن وهب، قيل: فحصون على الساحل؟ قال: إِنَّمَا هي على أهل القرية، إن كانوا أهل قرية جمَّعوا، وأما غير أهل قرية، فلا أدري.
ومن كتاب آخر، قَالَ ابْنُ وهب، في قوم على الساحل مقيمين للرباط، وليس فيه حصن ولا قرية، وهم فيه جماعة.
قال: إن كانوا بموضع إقامة، فلهم أن يجمَّعوا.
وذكر عن سَحْنُون، أنه لم ير الجمعة على أهل حصن المنستير.
وقال زيد بن بشر: إن كان الحصن على فرسخ من موضع الجمعة، فليأتوا الجمعة ويُخْلِفوا في الحصن من يحرسه، فأما إن كان على أكثر من فرسخ، فإن كان في الحصن خمسون رجلاً فأكثر فليكلِّموا الوالي ليأمر من يخطب بهم ويجمِّع.
وذُكِر لابن سَحْنُون القرى التي أُحْدِثَتْ فيها المنابر، فأنكر ذلك، وقال: ومن جمَّع فيها فلا يُعِيد؛ لِلاخْتِلافِ في ذلك.
ولو كان ذلك واجبًا لأقامها لهم سحنونٌ إذْ وُلِّيَ، كما أقام قلشانة، وسفاقُس، وسوسة.
ومن الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم، وعن الأمير يستخلف من يُصَلِّي بالقصبة الجمعة، ويجمِّع هو بطائفة في طرف المصر الجمعة؟ قال: فالجمعة لأهل القصبة.
قال يحيى بن عمر: وقاله محمد بن عبد الحكم.
أما الأمصار العظام؛ مثل مصر وبغداد، فلا بأس أن يُجمِّعوا في مسجدين للضرورة، وقد فُعِل ذلك والناس متوافرون، لم ينكروه.
في تخلُّف الإمام عن الجمعة، أو هروب الناس
عنه
من كتاب ابن سَحْنُون، قال بعض أصحابنا: إذا تخلَّفَ الإمام عن الناس يوم الجمعة، ولم يجدوا من يجمِّع بهم، صَلُّوا الظهر أفذاذًا، إذا خافوا فوات الوقت، والوقت فيه ما لم تصفَرَّ الشمس.
فأنكر هذا سَحْنُون، وقال: لا يُصَلّون حَتَّى لا يبقى من الوقت إلاَّ ما يصلون فيه بعض العصر بعد الغروب، وربما تبيَّنَ لي وبمقدار أن يُصَلّوا ويبقى أربع ركعات للعصر! يريد سَحْنُون: وهم على رجاء من إقامتها.
فأما إن أيقنوا أنه لا يأتي، أو لا تقام، فلا يُؤَخِّرُوا الظهر.
قال سَحْنُون: وإذا هرب الناس عن الإمام هربًا أيس منهم فيه، صَلَّى الظهر مكانه، ولو كان قد أحْرَمَ، أو عقد ركعة، بنى على إحرامه ظُهْرًا، ولو لم ييأس منهم، جعل ما أحْرَمَ فيه نافلة رَكْعَتَيْنِ، وسلَّم، وانتظرهم حَتَّى لا يبقى من النهار إلاَّ ما يُصَلَّى فيه الجمعة – يريد ك ويخطب – وتبقى ركعة للعصر.
وقال سَحْنُون، في المجموعة: إن بَقِيَ معه من عدد الرجال دون النساء والعبيد والمسافرين ما يصلح أن يبدأ بمثل عددهم الجمعة تَمَادَى.
وإلاَّ جعلها نافلة؛ كان قد صَلَّى ركعة أو رَكْعَتَيْنِ وهو فِي التَّشَهُّدِ، فإنها تبطل أن تكون جمعة، ويُسَلِّم بهم، وينظرهم إلى مقدار أن يُدرك الجمعة – يعني بعد الخطبة – ويبقى للعصر ركعة قبل الغروب.
ومن كتاب آخر، رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا بَقِيَ معه بضعة عشر رجلاً، حين خرجوا عنه، وهو يخطب، إلى العير التي أقبلت، فنزلت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (الجمعة: 11).
ومن الرابع من الأمالي لابن سَحْنُون، قال أشهب: إذا تفرقوا عنه بعدما صَلَّى بهم ركعة من الجمعة، وبَقِيَ وحده، فإنه يُصَلِّي ثانية، وتصبح له جمعة.
قَالَ ابْنُ سَحْنُون: وهو القياس.
قال: لقول النبي صَلَّى الله عليه وسلم: ((من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها)).
قال سَحْنُون: لا تصح له جمعة، ولو أمرته أن يضيف إلى الركعة أخرى فتصح له الجمعة، ثم رجع الناس إليه مكانه، فأمرتهم بإعادة الجمعة، استحال إقامة الجمعة في المصر مرتين، وإن أمرتهم بترك الجمعة، كنت قد أمرتهم بإبطال الجمعة والوقت قائم والجماعة حضروا والإمام قائم.
قال أشهب: وإن هرب عنه الرجال الأحرار، فلم يبق إلاَّ عبيد أو نساء،
لا رجل معهن، فَلْيُصَلِّ بهم الجمعة رَكْعَتَيْنِ.
قال سَحْنُون: لا يقوم الجمعة بالعبيد ولا بالنساء؛ لأنها ليست عليهم.
وقَالَ ابْنُ الْمَوَّاز: قال أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وإذا لم تصل الجمعة حَتَّى اصفرت الشمس، إنها تُصَلِّي تلك الساعة جمعة.
قال أَصْبَغُ: لا يُعْجِبُنِي أن تُصَلِّي جمعة إذا دنا الغروب.
في مَنْ يعذر بالتخلف عن الجمعة، ومن لا
يعذر، وهل لمن حَضَر العيد في يَوْمهَا أن يتخلف عنها
من (العتبية)، رَوَى ابن القاسم، عن مالك، أنه أجاز أن يتخلف الرجل عن الجمعة لجنازة أخ من إخوانه؛ لينظر في أمره.
قال عنه ابن حبيب: وإذا مات عنده ميت، فله التخلف عنها، والشغل بجنازته.
قال مالك: وكذلك إن كان له مرض يخشى عليه الموت.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال بعض التابعين: ولو بلغه وهو في الجامع أن أباه وجع يخشى عليه الموت، فله أن يخرج إليه والإمام يخطب.
وقد استصرخ ابن عمر على سعيد بن زيد، وقد تأهب للجمعة، فتركها، وخرج إليه إلى العقيق.
ومن (الْعُتْبِيَّة)، ابن القاسم، عن مالك: ولا يتخلف العروس عن حضور
الجمعة ولا عن الصلوات الخمس في جماعة.
قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وإِنَّمَا لها أن يقيم عندها دون نسائه.
قال سَحْنُون: وقال بعض الناس: لا يخرج عنها، وذلك حق لها السنة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عن مالك: ولا أحب التخلف عنها لدين عليه يخاف فيه من غريمه.
قَالَ ابْنُ سَحْنُون عن أبيه: إذا خاف من غرمائه الحبس فلا عذر له في التخلف لذلك، وإن كان عديما، وأما إن خاف على نفسه القتل إن خرج فَلْيُصَلِّ في بيته ظهرا.
ومن (المجموعة)، قَالَ ابْنُ نافع: قيل لمالك: أيتخلف عنها في اليوم المطير؟ قال: ما سمعت قبل بالحديث: (ألا صلوا في الحال)؟ قال: ذلك في السفر.
ومن (الواضحة)، قال مالك: وليس على المريض والشيخ الفاني جمعة.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وليس على الأعمى جمعة إلاَّ أن يكون له قائد فيلزمه، ولا جمعة على مسجون.
قال: والجمعة على الجذماء مِمَّنْ يمشي منهم، وليس للسلطان منعهم من دخول المسجد في الجمعة خاصة، وليس لهم مخالطة الناس فيه في غيرها من الصلوات.
وقاله مطرف.
ومن (كتاب ابن سَحْنُون)، وعن أهل البلاء يكونون في المصر على ميل أو أقل أو أكثر؟ قال: لا جمعة عليهم وإن أكثروا، ولا أرى أن يصلوا الجمعة مع الناس في مصرهم، ولهم أن يجمعوا ظُهْرًا بإقامة بغير أذان في موضعهم.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وقد جاء أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أرخص في التخلف عن الجمعة لمن يشهد صلاة الفطر أو الأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة؛ لما في رجوعهم من المشقة، على ما بهم من شغل العيد، وقد فعله عثمان في إذنه لأهل العوالي أن لا يرجعوا إليها.
ورَوَى مُطَرِّف، وابن المَاجِشُون نحوه عن مالك، وانفرد ابن القاسم بروايته عنه، أنه لم يأخذ بإذن عثمان لأهل العوالي.
وقد قاله ابن شهاب، وزيد بن أسلم.
وفعله عمر بن عبد العزيز.
في الرجل أيسافر يوم الجمعة قبل أن يصليها،
والمسافر هل يأتيها؟ وكيف إن صَلَّى الظهر ثم
دخل المصر، هل يصليها؟
من (المجموعة)، قال علي، عن مالك، في المسافر يمر بقرية مجتازًا.
قال: ليس عليه شهود الجمعة.
قال عنه ابن نافع: وصلاته مع أصحابه أَحَبُّ إِلَيَّ، وإن شهدها فواسع.
قال: وقال له رجل من أهل المدينة: إني أغدو من المدينة أحتطب على جملي، فلا أرجع حَتَّى اللَّيْل.
فقال له: إن كنت حين الصلاة بمكان لا تجب على أهله الجمعة، فلا جمعة عليك.
قال عنه ابن وهب: ومن أراد السفر يوم الجمعة، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أن لا يخرج حَتَّى يشهد الجمعة، فإن لم يفعل، فهو في سعة.
قال عنه علي: لا بأس بذلك.
قال عنه علي، وابن وهب: ما لم تربع الشمس، فإذا زاغت، فلا يخرج حَتَّى يشهدها.
قال عنه ابن القاسم، في (الْعُتْبِيَّة): لا يُعْجِبُنِي أن يسافر يوم الجمعة إلاَّ من عذر.
قال موسى بن معاوية: قَالَ ابْنُ المسيب: السفر يوم الجمعة بعد الصلاة.
قال مالك، في (المختصر): لا أحب أن يخرج حَتَّى يصليها، فأما إن زاغت الشمس، فواجب أن لا يخرج حَتَّى يصليها.
ومن (كتاب ابن حبيب)، قال أَصْبَغُ: وإذا صَلَّى المسافر الظهر يوم الجمعة، ثم دخل أهله، فإن كان إن مضى إلى الجمعة أدرك ركعة، فعليه أن يصليها.
وقَالَ ابْنُ المَاجِشُون؛ لأنه صار من أهلها، فانتقض ما كان صَلَّى.
وقاله عيسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الْعُتْبِيَّة.
وذكر ابن الْمَوَّاز مثله عن مالك.
قال: وكذلك المريض يفيق في وقت تدرك منها ركعة بغير تفريط، وإن لم يُفَرِّط، ولكن انتقض وضوءهما في صلاة الجمعة، فليخرجا ويعيدا الظهر.
وقاله أشهب.
ومن أحرم منها بعد رفع الإمام رأسه من الثانية، ولم يُفَرِّطْ صَلَّى على إحرامه رَكْعَتَيْنِ نافلة، ولم يُعِدْ.
ومن كتاب ابن سَحْنُون، وإذا صَلَّى مسافر الظهر عن وطنه لستة أميال فليس عليه إذا قدم أن يأتي الجمعة، إلاَّ أن يصليها على ثلاثة أميال عن وطنه، فعليه أن يصليها مع الناس.
وقاله سَحْنُون.
ورَوَى عيسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في
الْعُتْبِيَّة، أن عليه أن يأتي الجمعة إذا أدركها، وإن كان قد صَلَّى قبل دخوله.
ولم يذكر عيسى متى صَلَّى.
وكذلك ذكر ابن حبيب، عَنِ ابْنِ المَاجِشُون , وهذا في باب آخر.
قال عيسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: فلو أحدث الإمام فقدمه فَصَلَّى بهم لأجزأهم.
ومن المجموعة، قال أشهب: وإذا صَلَّى مسافر الظهر في جماعة، ثم قدم فصلاها جمعة، فالأولى فرضه، وكان يَنْبَغِي أن لا يأتي الجمعة، وكذلك في غير الجمعة، لا يَنْبَغِي إذا دخل الحضر أن يعيدها في جماعة إذا صلاها في جماعة، ولو صلاها فردًا كان له أن يعيدها جمعة أو ظُهْرًا في جماعة، ثم الله أعلم بصلاته.
ولو أدرك من الجمعة ركعة، أضاف إليها أخرى، وإن رغب أتمها، وإن أحدث تَوَضَّأَ وأتمها أربعًا.
في مَنْ فاتته الجمعة، هل يُصَلِّي في جمعة؟
ومن المجموعة، قال أشهب، وابن نافع في القوم تفوتهم الجمعة: فلا بأس أن يُصَلّوا جماعة ظهرًا.
ولم يرَ ذلك مالك، في رِوَايَة ابن القاسم.
قيل لسحنون في مَنْ فاتتهم الصلاة بعرفة: أيصلون جماعة؟ قال: ما علمتُ، ولو فعلوا لأجزأتهم.
وقاله سَحْنُون في كتاب ابنه.
قال: وكذلك يُجَمِّعون بمزدلفة إذا فاتهم الإمام.
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كنتُ مع ابن وهب في بيت بالإسكندرية، فلم يأت الجمعة لأمر خفناه، ومعنا قوم،
فكرهتُ أن أُجَمِّعَ بهم، وجمَّع بهم ابن وهب، فسألنا مالكًا، فقال: لا يُجمِّع إلاَّ المرضى والمسافرون والمسجونون.
قال يحيى بن يحيى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ في مَنْ يُخَلِّفهم المطر عن الجمعة: فليُجَمِّعوا ظُهْرًا، إن كان أمرٌ غالب يُعْذَرون به كالمرضى، وإن كان مطرٌ ليس بمانع فجَمَّعوا فليعيدوا.
وفي المجموعة عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لا يعيدون.
ومن الواضحة، ومن فاتته الجمعة، أو تخلَّف عنها مِمَّنْ تلزمه فلا يُصَلِّي الظهر في جماعة إلاَّ المرضى والمسافرون والمسجونون، ومن تخلَّف عنها لعذر، مثل أن يخاف أن يُؤخذ عليه البيعة ونحوه، فلهم أن يُجَمِّعوا بخلاف من لا عذر له ومن غفل أو سها.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أنه لا يجوز للمرضى والمسجونين الجمع في جماعة إذا فاتتهم الجمعة.
والمعروف عنه غير هذا.
قال أَصْبَغُ: فإن جَمَّع المتخلفون بغير عذر فقد أساءوا، ولا يعيدون.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال أَصْبَغُ، في قرية يُجَمِّع أهلها، وحولها منازل على الميلين، والثلاثة فاتتهم الجمعة، كيف يُصَلّون؟ قال: يصلون أفذاذًا، ولا يُجَمِّعون الظهر، فإن جمَّعوا الظهر أساءوا، ولا يعيدون، وكذلك لو فعل ذلك من فاتته الجمعة من أهل الفسطاط.
في مَنْ صَلَّى الظهر قبل الإمام يوم الجمعة، أو
صلاها من لا يجب عليه، ثم صَلَّى الجمعة،
وفي الإمام يُصَلِّي بِالنَّاسِ ظُهْرًا في وقت
الجمعة، ومن لم يدر أجمَّع إمامه أم صَلَّى ظُهْرًا
من المجموعة، قال المغيرة، وابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك: ومن
صَلَّى الظهر قبل الإمام يوم الجمعة، فليعدها وإن فاتته الجمعة.
قال أشهب وعبد الملك: صلاها سهوًا، أو مُجْمِعًا على تركها، إذا كان في وقت لو مضى أدرك ركعة منها، من غير تفريط ولا تقصير في شيء، فإن كان لا يدرك ركعة فلا يعيدها.
قال أشهب: صلاها والإمام فيها، أو قبل أن أحرم.
قال المغيرة: فإن صلاها يظنُّ أن لا يدركها، ثم أدركها فصلاها، ثم ذكر أن التي صَلَّى مع الإمام على غير وضوء، فلا تُجْزِئُهُ الأولى.
قال أشهب: ولو دخل مع الإمام فيها، فأحدث فتوضأ وقد فرغ الإمام، فَلْيُعِدِ الصلاة ظُهْرًا من أولها، ولو كان رعف بعد عقد ركعة مع الإمام بنى عليها، ما لم يتكلم فيبتدئ ظُهْرًا.
ومن كتاب ابن سَحْنُون، قَالَ ابْنُ نافع: وإذا صَلَّى في بيته قبل الإمام، ولا يريد الرواح فلا يُعِيد، وكيف يعيدها أربعًا، وكذلك صَلَّى! وقال سَحْنُون: يُعِيد.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال عبد الملك بن الحسن، عَنِ ابْنِ وهب، في مَنْ صَلَّى في بيته ظُهْرًا والإمام يخطب يوم الجمعة: فليمض فليصلها معه، فإن جاء وقد فرغ الإمام، أجزأته التي صَلَّى في بيته، إلاَّ أن يكون صلاها قبل الزوال، وإن أحدث مع الإمام تَوَضَّأَ وأعادها ظُهْرًا.
ومن المجموعة، قال أشهب: ولو صَلَّى عبد أو امرأة الظهر، ثم صَلَّى الجمعة، فذلك حسن، والله أعلم أيتهما صلاتهما، ولو صلياها في جماعة، لم أحب أن يشهدا الجمعة.
ولو أتت الْمَرْأَة الجمعة، وقد صلَّت الظهر، فوجدت الإمام قد سلم، فلا تعيد.
قال أشهب في إمام ترك الجمعة، وصَلَّى بِالنَّاسِ ظُهْرًا في وقت الجمعة: فلا تُجْزِئُهُ، وليُعِدْها ظُهْرًا، ولو كان إِنَّمَا صلاها بعد فوات الجمعة، فصلاته تُجْزِئُهُ، وقد أساء في تركه الجمعة.
ولو صَلَّى عبد أو مكاتب ظُهْرًا ثم أعتق، ثم أدرك من الجمعة ركعة ونواها فليتمَّ وتُجْزِئُهُ، وهي فرضه، وإن لم يدركها، فلا يُعِيد الظهر.
قال سَحْنُون في الْعُتْبِيَّة في مَنْ أدرك ركعة يوم الجمعة، ثم لم يدر أخطب بهم الإمام أم لا، وقد انفضَّ الناس لما سلَّمَ، ولم يجدْ من يخبره، فَلْيُصَلِّ ركعة أخرى، ويسلِّمْ، فإن كانت جمعة أجزأته، فإن لم يجد من يخبره بعد سلامه أنها جمعة، فَلْيُعِدْها ظُهْرًا احْتِيَاطًا.
قال أبو محمد: انظر أراه أنها أدركه راكعًا ولم يسمع له قِرَاءَة.
في الغُسْل للجمعة، والتهجير إليها،
والتطيُّب والزينة لها
من الواضحة، قال: والغُسْل للجمعة سُنَّة مُرَغَّبٌ فيها، لا يأثم تاركه.
ومن راح مغتسلاً ثم أحدث، فالوضوء يُجْزِئه.
ومعنى ما رُوِيَ في ذلك: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ».
فقولها: «غَسَّلَ» يعني ألمِّ بأهله وألزمهم الغُسْلَ.
وهو أفضل مِمَّنْ لزمه الغُسْل للجمعة فقط.
وفي كتاب الوضوء ذِكْر من تَطَهَّر للجمعة أو للجنابة لا ينوي إلاَّ أحدهما، قال: ومن شهدها من مسافر أو عبد أو امرأة مرغبة فيها فليغتسل.
وإن شهدها المسافر بغير الفضل، لكن للصلاة أو لغير ذلك، فلا غُسْل عليه.
وأما الْمَرْأَة والعبد فلا يأتيانها في الحواضر إلاَّ للفضل.
وفي المختصر عن مالك نحو ما ذكر ابن حبيب من هذا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ويُسْتَحبُّ الطيب والزينة وحسن الهيئة يوم الجمعة ويستحب أن يُعِدَّ لها ثوبين.
ورُوِيَ ذلك ي اللباس والطيب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحب أن يتفقد فيها قبل رواحه فطرة جسده؛ من قصِّ شاربه وأظفاره ونتف الإبط والسواك، وإن احتاج إلى الاستحداد فعل.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ نافع، عن مالك في مَنْ يأتي الجمعة عن ثمانية أميال: فليغتسل.
قال: رُبَّ دابَّة سريعة السير، وأخرى المشي خير من ركوبها، فإعادة الغُسْل لمثل هذا أَحَبُّ إِلَيَّ، ومع هو بالبيِّنِ، ونرجو فيه سعة، قيل: ومِمَّنْ على خَمْسَةَ عَشَرَ ميلاً، فيغتسل قبل الْفَجْر؟ قال: لا يُجْزِئه، ومن اغْتَسَلَ للعيد ينوي به الجمعة، فلا يُجْزِئه.
قال عنه ابن القاسم: وإن بَعُدَ أو نام، أعاد الغُسْل.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وذلك إذا أراد النوم، فأما من يُغلبُ عليه كنوم المحتبي فلا.
قال عبد الملك بن الحسن في الْعُتْبِيَّة، عَنِ ابْنِ وهب: ومن اغْتَسَلَ بعد الْفَجْر للجمعة أجزأه أن يروح بذلك، وأفضل له أن يكون غسله متصلاً برواحه.
ومن سماع ابن القاسم: ولا يُعْجِبُنِي أن يغتسل للجمعة صلاة الصُّبْح، ويقيم بعد صلاة الصُّبْح في المسجد للجمعة.
وذكره الرواح تلك الساعة.
قال عنه ابن القاسم، في المجموعة.
ومثله في المختصر.
ومن نسي الغُسْل حَتَّى أتى المسجد، فإن علم أنه يغتسل ويدرك الجمعة،
فليدرك لذلك، وإلاَّ صَلَّى ولا شيء عليه.
قال عنه ابن نافع: وإذا اغْتَسَلَ، ثم مر بالسوق، فاشترى بعض حاجته، فلا بأس به إن كان خفيفًا.
ومن الْعُتْبِيَّة، ومن سماع أشهب، والتهجير للجمعة ليس هو الغدوّ ولكن بقدر، ولم يكن الصحابة يغدون هكذا، وأكره أن يُفعل، وأخاف على فاعله أن يدخله شيء ويصير يُعرف بذلك، ولا بأس أن يروح قبل الزوال، ويُهَجِّرَ بالرواح.
قيل: فمن يُحِبُّ بقلبه أن يُرَى في طريق المسجد؟ قال: هذا مما يقع في النفس، ولا يُمْلك.
قال مالك، في المختصر: والمشي إلى الجمعة أفضل، إلاَّ أن يُتْعِبه ذلك، من ماء أو طين أو بُعد مكان.
ومن كتاب آخر، قال مالك في معنى الحديث في الرواح: «ومن راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة».
ثم ذكر إلى الخامسة: «فكأنما قرب بيضة».
قال: والذي يقع في نفسي أنه أراد ساعة وَاحِدَة، ففيها هذا التفسير؛ لأنه لم يكن يُراح في أَوَّل ساعة النهار.
ورَوَى ابن حبيب، أنه قيل لعبد الله ابن عمر: ومتى أروح؟ فقال: إذا صَلَّيْتَ الْغَدَاة، فَرُحْ إن شئتَ.
ومما رُوِيَ: «إن فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شَيْئًا إلاَّ أعطاه».
فقال عبد الله
ابن سلام: هي آخر ساعة منها.
ورُوِيَ عن علي بن أبي طالب، قال: إذا زالت الشمس.
ورُوِيَ نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
في وقت الجمعة والنداء إليها
قال ابن حبيب: السُّنَّة في وقت الجمعة في الشتاء والصيف أول الوقت، حين تزول الشمس أو بعده بقليل.
قاله مالك.
قال ابن حبيب: ويستحب فيها تعجيل العصر؛ للرفق بمن أقام ينتظرها.
وروى مالك أن عثمان صَلَّى الجمعة
بالمدينة، وصَلَّى العصر بملل.
قال: وبينها ثمانية عشر ميلاً؛ لسرعة الجمعة أول الوقت.
ومن المجموعة، قال ابن القاسم، عن مالك: ولا يُؤَذَّنُ للجمعة حتى تزول الشمس.
وقال: قا ل ابن شهاب، عن السائب بن يزيد: إن أول من زاد الأذان الذي يُؤَذَّنُ به قبل خروج الإمام عثمانُ بن عفان، ولم يكن يؤذَّن لعهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يخرج ويجلس على المنبر، فيُؤَذِّن مؤذِّنٌ واحد على المنار.
قال ابن حبيب: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد رقى المنبر فجلس، ثم أذَّنَ المؤذِّنون، وكانوا ثلاثة، يؤذِّنون على المنار، واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، ثم أمر عثمان لما كثر الناس أن يؤذن بالزوراء عند الزوال، وهو موضع السوق؛ ليرتفع منه الناس، فإذا خرج وجلس على المنبر أذَّن المؤذنون على المنار، ثم إن هشام بن عبد الملك في إمارته نقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المسجد، فجعله مُؤَذِّنًا واحدًا يؤذن عند الزوال على المنار، فإذا خرج هشام وجلس على المنبر، أذن المؤذنون كلهم بين يديه، فإذا فرغوا خطب.
قال ابن حبيب: والذي مضى من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يُتَّبَعَ.
ومن المجموعة، قال مالك: وهشام الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان على المنار واحد بعد واحد إذا جلس الإمام على المنبر، فإذا فرغوا قام يخطب، وهو النداء الذي يَحْرُم به البيع، ولا أُحِبُّ أيضًا ما أحدثوا من الأذان على الشرفات حذاء الإمام، ولا من الإقامة كذلك، وليقيموا بالأرض، وبعضهم على المنار لإسماع الناس.
قال عنه عليٌّ، فيما روي أنهم ينصرفون يوم الجمعة، وما للجدر ظلٌّ – يريد ظلّ ممدود – وقد زاغت الشمس.
قال عنه ابن نافع: ومن صلاها قبل الزوال، أعاد الخطبة والصلاة.
في البيع وغيره بعد النداء يوم الجمعة
من الْعُتْبِيَّة روى ابن القاسم، عن مالك، أنه قال: النداء الذي يحرم به التبايع يوم الجمعة النداء والإمام على المنبر.
وأنكر مَنْع الناس البيعَ قبل ذلك.
ويُكْرَهُ أن يَتْرُكَ العمل يوم الجمعة، وكان بعض الصحابة يكرهه.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: ومن ترك من النساء العمل يوم الجمعة استراحة، فلا بأس به، ومن تركه منهن استنانًا فلا خير فيه.
قال ابن حبيب: وينبغي أن يُوَكّل وقت النداء من ينهى الناس عن البيع والشراء حينئذ، وأن يُقيمهم من الأسواق حينئذ؛ من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه؛ للذريعة، ويَرُدَّ البيع إذا وقع حينئذ، فإن فاتت السلعة ففيها القيمة وقت قبضها.
قاله ابن القاسم.
وقال أشهب: بل قيمتها بعد صلاة الجمعة.
ومن المجموعة، قال ابن القاسم: يُفْسَخ البيع.
قال المغيرة: إلا أن تفوت بتغيُّر أو اختلاف سوق، فيمضي ولا يُرَدُّ.
وقال سحنون: يمضي بالثمن.
قال ابن عبدوس: لأن فساده في عقده لا في ثمنه، كالنكاح يفسد بعقده.
وروى ابن
وهب وعليٌّ عن مالك، في من باع بعد النداء يوم الجمعة، قال: بئس ما صنع وليستغفر الله.
قال عنه عليٌّ: ولا أرى الربح فيه عليه بحرام.
ومن العتبية، قال أصبغ، عن ابن القاسم: فإن باعها المبتاع بربح، فلا يأكل الربح، وأَحَبُّ إِلَيَّ أن يتصدَّق به.
وقاله أصبغ.
قال عيسى، عن ابن القاسم: وما عُقِدَ حينئذ من نكاح فلا يُفْسَخُ.
دخل الوقت أو لم يدخل، ولا ما عُقد من هبة أو صدقة، وإنما يُفْسَخ البيع.
وقال أصبغ: يفسخ النكاح.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: وكره مالك للنساء والعبيد والصبيان البيع حينئذ فيما بينهم.
قال المغيرة: لا أجيز لهم ذلك في سوق المسلمين، ولهم ذلك في غير الأسواق سائغ.
وهذا في العبيد، وأما المرأة فإن ألزمتْ نفسها الجمعة، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أن تُلزم نفسها ما يَلزم الرجل من ذلك.
في الخطبة يوم الجمعة، والعمل فيها، والتَّنَفُّل
قبلها، والتَّخَطِّي
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (الجمعة: 11) فقيل: إنه كان عليه الصلاة والسلام في الخطبة، وإن هذا يدُلُّ أنها فريضة يقوم
بها الإمام للناس.
وقال محمد بن الجهم: هي سُنَّة واجبة.
قال ابن حبيب: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد رقى المنبر، ولا يَتَنَفَّلُ.
قال سحنون في العتبية: وكذلك ينبغي للإمام أن يفعل، ولا يركع قبل أن يرقى المنبر.
من الْعُتْبِيَّة من سماع ابن القاسم، عن مالك: ولا جمعة إلا بخطبة.
وكذلك في من لا أمير لهم، فليخطب من يُجَمِّعُ بهم.
قال أشهب، عن مالك: ولينصرف الإمام إذا سلَّم، ولا يتنفَّلْ في المسجد يوم الجمعة.
وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة، وأما الناس فلا بأس بذلك لهم.
قال مالك، ف المختصر: والتَّنَفُّل يوم الجمعة جائز للناس حتى يجلس الإمام على المنبر، فإذا جلس فلا صلاة، ولا بأس بالكلام، فإذا تكلَّم فلا كلام.
وينبغي أن يستقبل، وينحرف إليه، ويُنصِت له، وذلك على من سمعه ومن لا يسمعه.
وكذلك ذكر ابن حبيب.
وقال: في من في المسجد أو خارج عنه.
قاله مالك.
ورواه عن عثمان.
قال: ويتحدَّث الناس ويتحلَّقون والإمام جالس للأذان، فإذا أخذ في الخطبة، وجب استقباله والإنصات.
كما ذكرنا.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابن القاسم، عن مالك: وإذا خرج الإمام وقد أحرم رجل بنافلة فليُتِمَّها ركعتين، ومن لم يُحرم حتى جلس الإمام فلا يُحرم.
قال سحنون: ومن دخل وقد جلس الإمام والمؤذنون في الأذان، فلا يُحرم، فإن أحرم جهلاً أو سهوًا، فلا يقطع، وإن قام الإمام للخطبة.
وقاله ابن وهب، عن مالك.
ومن المجموعة ابن نافع، عن مالك: ولو دخل الإمام وقد بقي على رجل آيات في آخر الركعة فواسع أن يُتِمَّها أو يركع.
قال عنه ابن القاسم، في
الْعُتْبِيَّة: وإن دخل رجل في تشهد النافلة فلْيُسَلِّمْ، ولا يَتَرَبَّصْ يدعو؛ لقيام الإمام.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يُطيل في دعائه ما أحبَّ.
ومن المجموعة ابن القاسم، عن مالك: وإنما يُنْهى عن التَّخَطِّي إذا خرج الإمام وجلس على المنبر، فأما قبل ذلك فلا بأس إذا كان بين يديه فُرَجٌ.
وكره رفع الناس أيديهم وقيامهم عند أذان الجمعة.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابن القاسم، عن مالك، أنه أنكر سلام الإمام على الناس إذا رقى المنبر، أو إذا قام ليخطب.
وقال ابن حبيب: إذا جلس للخطبة، فليُسلِّمْ على الناس، ويُسْمِعْ من يليه، ويَرُدُّ عليه من سمعه.
وهذا إذا كان ممن يرقى المنبر أو يخطب إلى جانبه، ولو كان مع الناس يركع أو لا يركع، فلا يُسَلِّمْ إذا جلس للخطبة.
قال: ومن السُّنَّة أن يخطب قائمًا، ويجلس شيئًا في أولها ووسطها.
وكان معاوية لما أسنَّ جلس في الخطبة الأولى كلها واستأذن الناس في ذلك، وقام في الثانية.
ولا ينبغي ذلك، وليَقُمْ فيهما كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون.
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قال مالك: وليتوكَّأْ على عصًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ينبغي على عصاة أو قوس غير عود المنبر، خطب عليه، أو إلى جانبه.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابْن الْقَاسِمِ، قال مالك: ومن لا يرقى المنبر عندنا فجُلُّهم يقوم عن يسار المنبر، ومنهم من يقوم عن يمينه.
وكان عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وغيره يقومون عن يمينه، وكلٌّ واسعٌ، وما أدركتُ من يعيبُ إمساك العصا في الخطبة، ويقال: فيها شغل عن مسِّ اللحية والعبث باليد.
قال عنه ابن وهب في المجموعة: والقوس مثل العصا في ذلك.
قال عنه عليٌّ: لا يتوكَّأ على قوس إلا في السفر.
قال في المختصر: ويبدأ في الخطبة بالحمد لله، ويختم بأن يقول: وأستغفر الله لي ولكم.
وإن قال: اذكروا الله يذكركم.
فحسن.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وليقصر الخطبتين، والثانية أقصرهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه إذا دعا أو وعظ، وكان لا يَدَعُ أن يقول في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70، 71)، وينبغي أن يقرأ في الخطبة الأولى بسورة تامة من قصار المفصَّل.
وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ تارة
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وتارة: ﴿وَالْعَصْرِ﴾.
قال أشهب في المجموعة نحوه.
وقال: فإن لم يفعل أساء ولا شيء عليه.
قال مالك: ولا يقرأ بسورة فيها سجدة.
قال عليٌّ، عن مالك: فإن فعل فلا ينزلْ لسجدة، والعمل على فِعْل عمر الآخِرِ.
قال أشهب عن مالك، في الْعُتْبِيَّة: ولا بأس أن يأمر في خطبته بالأمر الخفيف وينهى عنه.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يُلَقَّنُ فيما تعايى فيه من الخطبة، وأما فيما يقرأ فيهما من القرآن فلا بأس أن يُلَقَّنَ فيه.
قال: وليترك تلجلجه وانحصاره في الخطبة، وليخرج عنه إلى ما تيسَّرَ عليه من الثناء على الله سبحانه وتعالى، وعلى نبيه عليه الصلاة والسلام، وتُجزيهم.
ولو ترك الخطبة الثانية؛ لانحصار أو نسيان أو حدث، وصلى غيره أجزأهم.
وكذلك لو لم يُتِمَّ الأولى، وتكلَّمّ بما خفَّ من الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه، ووعظ أو قال خيرًا، وإن خفَّ، فهو يُجزئ.
وإن حُصِر عن الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه حتى نزل، فهي خطبة، وتجزئ إذا كان قد قام بها وتلجلج بها، أصابه ذلك في الأولى أم في الثانية.
وقال: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إن لم يخطب من الثانية ما له بالٌ، لم تجزهم، وأعاد.
ولم أجدْ ما جاء معه.
واجتمع ابن الماجشون ومطرف وأصبغ على ما تقدَّم.
وقد رواه مطرف عن مالك.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، في المدونة: إن خطب بما له بالٌ أجزأهم.
ولم يذكر الأولى ولا الثانية.
وقال مالك، في المختصر: إذا سبَّح وهلَّل ولم يخطب، فَلْيُعِدْ ما لم يُصَلِّ، فإذا صَلَّى فلا إعادة عليه.
في الإنصات للخطبة، وما للناس فعله
حينئذ والإمام
ومن كتاب ابن حبيب، ونحوه في المختصر: ويجب على الناس الإنصات للإمام، والتحول إليه إذا أخذ في الخطبة، على من سمعه وعلى من لم يسمعه.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بأس أن يتحدث الناس ويتحلقون والإمام جالس على المنبر للأذان، فإذا أخذ في الخطبة أنصتوا وأصغوا واستقبلوه، ويجب على من لا يسمعه ولا يراه ممن في المسجد، وممن في خارجه ورحابه، من الإنصات، والتحول إليه، ما يجب على من يسمعه.
قال في المختصر: ولا يقرأ ولا يُسَبِّح، ولا يقول لمن لغى: أنصت.
ولا يُشَمِّتُ عاطسًا.
قال عنه ابن نافع، في المجموعة: هو أشدُّ من قوله للاغي: أنصت.
وله أن يحتبي والإمام يخطب.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ومطرف: ويلتفت يمينًا وشمالاً، ويمُدُّ رجليه.
ومن المجموعة عليٌّ عن مالك مثله، له أن يلتفت، ولو حوَّل ظهره إلى القبلة.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإن عطس فليحمد الله، ولا يجهر كثيرًا، ولا يُشَمِّتْ عاطسًا سرًّا ولا جهرًا، ولينصتوا في الجلسة بين الخطبتين.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابْن الْقَاسِمِ، عن مالك: وإن عطس حمد الله في نفسه.
وإن سمع من تكلم فلا يحصبه، ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يقوم حينئذ أحد بالماء.
ومن المجموعة، ابن نافع، عن مالك: وإذا ذكر الإمام الجنة والنار، فليستجيروا في أنفسهم، وكذلك في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والسلام عليه.
قال أشهب: والإنصات أَحَبُّ إِلَيَّ، فإن فعلوا فسِرًّا في أنفسهم.
ولا يقرأ الرجل والإمام يخطب.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بأس أن يدعو الإمام في خطبته المرة بعد المرة، ويُؤَمِّن الناس، ويجهر بذلك جهرًا ليس بالعالي، ولا يكثروا منه.
وإذا خرج الإمام في خطبته إلى لغو أو إلى ما لا يعني؛ من لعن أحد، فليس على الناس الإنصات إليه، والإقبال عليه، ولهم التحول عنه والحديث.
وقد فعله ابن المسيب.
وقال عليٌّ، عن مالك، في المجموعة: وإذا شتم الإمام الناس ولغى، فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون.
قال أشهب: ولا يقطع ذلك خطبته.
ومن الْعُتْبِيَّة، أشهب عن مالك: ولا بأس أن يأمر في خطبته بالأمر الخفيف، أو ينهى عنه، وليس على الناس الإنصات له إذا خطب في أمر ليس من الخطبة ولا الصلاة، من أمر كتاب يقرأه، ونحو ذلك.
وإذا أمر في خطبته بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فليفعل ذلك الرجل في نفسه وكذلك تأمينهم على دعائه.
وقال عنه عليٌّ مثله، في المجموعة: إذا قرا الإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب: 56).
فليصلوا عليه في أنفسهم.
قال عنه: ولا يُؤَخِّرُ المؤذِّنُون الإقامة حتى ينزل الإمام، وقيام الناس حين ينزل الإمام حسن.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وليس رفع الأيدي بالدعاء عند فراغ الخطبة من السُّنَّة، إلا أن يحدث أمر؛ من عدُوٍّ يغشى، أو قحط يُخشى، أو أمر ينوب، فلا بأس أن يأمرهم الإمام فيه بالدعاء أو رفع الأيدي، ولا بأس أن يُؤَمِّنُوا على دعاء الإمام , ولا يعلنوا به جدًّا، ولا يكثروا منه.
في من خطب على غير وضوء، أو أحدث، أو
خطب قبل الزوال، أو خطب ثم أخَّرَ الصلاة، أو عرض له أمر ثم ضعُف، وهل يحتبي في الخطبة، وغير ذلك من مسائل الخطبة
قال مالك، في المختصر: ومن خطب غير متوضئ، ثم ذكر فتوضأ، أجزأه، وبئس ما صنع.
قَالَ ابْنُ المواز: يعيد الخطبة.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا خطب جُنُبًا، أعادوا الصلاة أَبَدًا.
يريد: وهو ذاكر.
قال: وإن ذكر في الخطبة أنه جُنُبٌ نزل، وانتظروه إن قرب وبنى.
قال: وقال بعض أصحابنا: فإن لم يفعل وتمادى في خطبته، واستخلف للصلاة، أجزأهم.
وقال المغيرة: إن ذكر في الخطبة أنه غير متوضئ فليأمرهم أن يمكثوا ويتوضأ، فإن كان اغتسل لرواحه وإلا اغتسل، ثم بدأ الخطبة.
وكذلك إن انتقض وضوءه، فإن ذكر صلاة نسيها، صلاها، وبنى على خطبته.
ومن المجموعة قال أشهب: وإذا خطب في وقت الظهر، وصَلَّى وقت العصر في الغيم، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أن يعيدوا، إلا أن يكون ما بين الخطبة والصلاة قريبًا، فيجزئهم.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال مطرف، عن مالك: ولو صَلَّى بهم ركعتين بغير خطبة؛ لغيبة إمامهم، أو خطب بهم الإمام قبل الزوال، وصَلَّى بعده، فلا يجزئهم، ويعيدوا الجمعة بخطبة، ما لم تغرب الشمس، وإن لم يصلُّوا العصر إلا بعد الغروب.
وقَالَ ابْنُ الماجشون: يعيدوا ما بينهم وبين وقت العصر، فإن لم يعيدوها حتى صَلَّوُا العصر، أعادوها ظهرًا أربعًا.
وقاله ابن عبد الحكم، وأصبغ.
وقال
ابن القاسم وأشهب كقول مطرف عن مالك.
وبه أقول.
وقَالَ ابْنُ سحنون، عن أبيه: يعيدون الجمعة في الوقت، ويعيدون أفذاذًا أبدًا ظهرًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال مالك: وإذا عرض للإمام في الخطبة ما يخرجه، وكان وضوءه قريبًا، فلينتظروه، وإن بعد، فليستخلف من يتمها أو يبتدئها، فإن رجع قبل فراغها، فالمستخلف أولى بتمام الخطبة وبالصلاة، وإن لم يستخلف قدَّموا رجلاً، وإن لم يحفظ الثاني خطبة الأول، فليخطب بما يعرف ويتيسَّر.
ولا بأس أن يحتبي الإمام على المنبر إذا جلس للخطبة.
في الإمام في الجمعة، والقراءة فيها،
والقنوت، وإمامة العبد فيها والمسافر والإمام الجائر، وهل تُصلَّى في الأفنية
من المجموعة ابن نافع، عن مالك قيل: أقراءة سورة الجمعة في صلاة الجمعة سُنَّة؟ قال: ما أدري ما سُنَّة، ولكن من أدركنا كان يقرأ بها في الأولى، وفي الثانية بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾.
وفي رواية أشهب بـ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
وذلك أَحَبُّ إِلَيَّ، وهم يقرأون اليوم بالتي تلي سورة الجمعة.
وقال عنه عليٌّ: والأمر عندنا أن لا يقنت فيها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بالجمعة، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
وقرأ بعض الأئمة بـ ﴿سبح﴾.
ولا يجوز أن يؤمَّ فيها عبد ولا مسافر ولا من لم يبلغ الحُلُم، فإن فعل لم تجزهم، ويعيدوا جمعة، فإن غربت الشمس أعادوا ظُهْرًا، ويعيد العبد أَبَدًا؛ لأنه إذا لم يكن مأمومًا فإنما فرضه أربع، ويعيد المسافر أَبَدًا؛ لأنه جهر فيها، ولم يدخل مع غيره فيصير من أهلها.
ولو قدَّمه الإمام بعد أن أحرم خلفه أجزأهم؛ لأنه صار بالإحرام خلفه من أهلها، وإنما تفسد عليهم لو ابتدأها مستخلفًا.
وأما العبد فلا تجزئهم؛ ابتدأها مستخلفًا، أو بعد أن أحرم.
هذا قول مطرف وابن الماجشون.
وقال أشهب: تجزئهم في المسافر وإن ابتدأها بهم.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تجزئهم وإن استُخلف بعد ركعة.
والأول أَحَبُّ إِلَيَّ.
وذكر ابن المواز، عن أشهب، مثل ما ذكر عنه ابن حبيب: يجزئهم وإن ابتدأها؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها.
وقال أشهب وسحنون: وإذا أحدث في الخطبة، فقدَّم مسافرًا فصلى بهم، أن ذلك يجزئهم.
ومن الْعُتْبِيَّة روى عيسى عن ابْن الْقَاسِمِ، أنه إن صلاها بهم عبد فليعيدوا في الوقت جمعة بخطبة، وبعد الوقت ظُهْرًا، والوقت في ذلك أن يدركوا الجمعة.
يريد: بخطبة وركعة من العصر قبل الغروب.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك، في مسافر حضر الجمعة فأحدث الإمام فقدَّمَه، فلا يُصَلِّي بهم، فإن فعل أعادوا الخطبة والصلاة في الوقت، فإن زال الوقت، أعادوا ظُهْرًا.
وقال سحنون: تجزئهم؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها.
قال عيسى عن ابْن الْقَاسِمِ في المسافر يُصَلِّي الظهر في سفره يوم الجمعة، ثم قَدِم، فدخل مع الإمام فاستخلفه لحدث فَصَلَّى بهم، فإنها تجزئهم؛ لأنه إذا قَدِمَ قبل يُصَلِّي الإمام فعليه أن يأتيها، فإن لم يفعل حتى فاتت، أعادها ظُهْرًا حتى تكون
صلاته بعد الإمام.
قَالَ ابْنُ المواز: وقال أصبغ: ثم لو بطلت الجمعة التي صَلَّى لوضوء أو غيره، فعليه أن يعيد الظهر.
قال أبو زيد، عن ابْن الْقَاسِمِ، إذا سافر الإمام فجمَّع بقرية لا جمعة عليهم: إنها تجزئه دونهم.
قال في كتاب ابن المواز: ومن معه دونهم.
يريد: دون أهل الموضع وتجزئ من معه من المسافرين.
قال في رواية أبي زيد: ويبني الحضريون عليه ركعتين، ثم يكون ظهرًا.
وقاله مالك في المختصر.
ومن المجموعة روى ابْن الْقَاسِمِ، عن مالك، أنها لا تجزئه ولا تجزئهم.
وروى عنه ابن نافع أنها تجزئه دونهم.
وقال عنه ابن نافع، في كتاب ابن المواز: أن ائتمُّوا بعد سلامه أجزأهم.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وتُصَلَّى الجمعة خلف الإمام الجائر الفاسق، بلغ فسقُه وجُرمه ما بلغ.
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك: لا بأس بالصلاة لضيق المسجد يوم الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص، وأراها كالأفنية.
ومن المجموعة، قال عنه ابن نافع: ولا أُحِبُّ أن يُصَلِّي في الطريق والأفنية الجمعة إلا مثل المرأة والضعفاء، ومن لا يقدر على دخول المسجد، والرجل يصيبه ذلك المرة بعد المرة، فأما من يقعد في منزله يتنَعَّمُ ويتلذَّذُ، فإذا خاف الفوات جاء فَصَلَّى حيث أدرك، فلا أُحِبُّ أَنْ يلزم مثل هذا أحدٌ.
في الاستخلاف في صلاة الجمعة، أو في
الخطبة، وهل يُصَلِّي من لم يشهد الخطبة، وكيف إن ذكر صلاة نسيها، وفي الإمام يُعْزَلُ ويأتي غيره بعد الخطبة
من كتاب ابن حبيب: ولا بأس أن يُصَلِّي الجمعة بالناس غير الذي
خطب، مثل أن يُقَدِّمه الإمام لرعاف أو حدث أو مرض، أو يَقْدَمَ والٍ بغزل الذي خطب، وقد قَدِمَ أبو عبيدة على خالد بن الوليد بغزله، فألفاه يخطب، فلما فرغ تقدَّم أبو عبيدة للصلاة.
وقال أشهب، عن مالك في الْعُتْبِيَّة: لا بأس أن يستخلف من لم يحضرْ معه الخطبة لحدث أصابه أو مرض.
قَالَ ابْنُ المواز: وكذلك إن لم يُتِمَّ الخطبة.
فإن صَلَّى بهم الثاني ولم يُتِمَّها، فإن خطب الأول ما لا بال له، فلا جمعة لهم بذلك، وإن خطب ما له بال، أجزأهم، وإن خطب ثم قَدِمَ وقد تَمَّتْ، أو بَقِيَ أقلُّها، فليأتنف الخطبة، ولا يجزئهم أن يُصَلِّي بهم بخطبة الأول، ولو أَذِنَ له الأول لم تجزهم.
ولو قَدِمَ بعد أن صَلَّى الأول ركعة، فليُتِمَّ الثانية ويُسَلِّمْ، ويعيدوا الخطبة والصلاة، ولا تجزئهم.
ومن الْعُتْبِيَّة روى عيسى، عن ابْن الْقَاسِمِ، قال: إذا قَدِمَ والٍ بعزل الأول، فتمادى الأول، فَصَلَّى بهم عالمًا، فليعيدوا وإن ذهب الوقت، ولو صَلَّى بإذن القادم أجزأتهم إذا أعادوا الخطبة، ولا ينفع إذنُه بعد الصلاة، وليعيدوا، ولا يُصَلِّي بهم القادم بخطبة الأول، وليبتدئها، ولو قَدَّمَه القادم لأُمِرَ بإعادتها.
قال سحنون، في كتاب ابنه: فإن صَلَّى بهم القادم بخطبة الأول أعادوا أَبَدًا، وكذلك إن أذن الأول فَصَلَّى بهم، فلم يعد الخطبة.
قال يحيى بن يحيى، عن ابْن الْقَاسِمِ: وإذا ضَعُفَ الإمام عن الخطبة، فلا يُصَلِّي هو ويخطب غيره، وليُصَلِّ الذي أمره بالخطبة، ويُصَلِّي الآمر خلفه، وكذلك الأعياد.
ومن المجموعة، قال أشهب: فإذا أحدث في الخطبة، فتوضأ ورجع، فلا يعيد الخطبة إن كان ذلك قريبًا، وإن أعادها، فلا بأس، وإن تباعد، فَأَحَبُّ
إِلَيَّ أن يعيد الخطبة.
وكذلك الإمام يُحْدِثُ بعد أن تقام الصلاة، فيتوضأ ويرجع، ولا يعيد الإقامة إن كان قريبًا، فإن تباعد أعادها.
وإذا خطب ثم أحدث فقدَّم جُنُبًا أو غير مُتَوَضِّئ، فقدَّم المقَدَّمُ غيره ممن شهد الخطبة، فمن شهد الخطبة فليُصَلِّ بهم، فإن لم يشهدها، فَلْيُعِدِ الخطبة أَحَبُّ إِلَيَّ، فإن لم يعدها، أجزأهم.
ولو قدَّم صبيًّا، فقدَّم الصبي غيره، أجزأهم.
وإن صَلَّى بهم الصبي، لم يجزهم.
قال أشهب، وابْن الْقَاسِمِ: وإن قدَّم سكرانًا أو مجنونًا، فقدَّم غيره، أجزأهم، كما لو تقدَّم أحدهم من غير استخلاف.
ولو رفع رأسه من الركعة الثانية، فقدَّم من أحرم حينئذ ولم يُدرك الركعة، فليُقَدِّمْ هو من أدركها، فإن لم يفعل وأتمَّها بهم، فسدتْ عليه وعليهم.
قال أشهب: وكذلك لو دخل بعد رفع رأسه من الثانية فقدَّمَه، فإن أتمَّ بهم لم تجزهم؛ لأن السجدتين ليس من فرضه.
قال سحنون: وإذا قدَّمه وهو قائم في الثانية، فأتم بهم، وقضى ركعة، ثم شك في الإحرام، فليعيدوا كلهم الجمعة.
قَالَ ابْنُ المواز: ومن أحرم والإمام راكع في الجمعة في الثانية، فاستخلفه قبل يركع الداخل، فليركع والقوم ركوع، ثم يرفع المستخلف، فكمن رفع قبل إمامه، فليرجعوا حتى يرفعوا برفعه، فإن لم يُعِيدُوا، أجزأهم.
ولو خرج ولم يستخلف، فقدَّموا هذا أو قدَّموا غيره، فالأمر كذلك، إلا أنه إن قدَّموا غيره أو قدَّم الإمام غيره، فرفع المستخلف رأسه قبل يركع الآخَرُ، فلا يُعْتَدُّ بتلك الركعة.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا ذكر الإمام يوم الجمعة، وقد أحرم صلاة نسيها، فليُكَلِّمْهم، ويقضي ما عليه ثم يعيد الخطبة والصلاة، وإن لم يُعِدِ اخطبة وصَلَّى، أعاد ظُهْرًا أربعًا، وإن ذكر ذلك بعد ركعة استخلف، وإن ذكر ذلك بعد ركعة بعد أن سلَّمَ أجزأتهم.
وقد اختلف فيه عن مالك.
وإن أحدث بعد ركعة من الجمعة، فخرج ولم يستخلف، فَصَلَّوْا أفذاذًا، لم تجزهم، ويعيدوا الجمعة.
جامع القول في صلاة الخوف من العدوِّ أو من
لصوص أو سباع
من الواضحة، قال: وصَلَّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة.
والرقاع جبل في طريقه فيه السواد والبياض،
يقال له: الرقاع.
قال: وإذا صَلَّى الإمام بطائفة ركعة فأتَمَّتْ وذهبت والإمام قائم، فإن شاء دعا، وإن شاء أخذ من القراءة ما تأتي فيه الطائفة الأخرى، وإن شاء سكت حتى تُحرم الجائية.
ورجع مالك إلى أن يُسَلِّم الإمام قبل قضاء الثانية على حديث القاسم.
وروى أشهب حديث ابن عمر، وفيه أن طائفة صلَّتْ ركعة، ثم تأخّرت على جهة العدو من غير أن يُسَلِّمَ، ثم أتت الأخرى فَصَلَّى بهم الركعة الثانية وسلَّم، ثم قامت كل طائفة فأتمَّتْ.
وبهذا أخذ أشهب.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فإذا اشتغلت الطائفتان بالقضاء صار الإمام وحده فيُدْهما.
وحديث القاسم أشبه بظاهر القرآن من اشتغال طائفة بالعدو.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولم يأخذ بحديث ابن عمر من أصحابنا غير أشهب وأخذ به الأوزاعي، ثم رجع فأخذ بحديث غزوة ذات الرقاع.
قال مكحول: وإن صَلَّى ركعة، ثم دهمهم العدو، وقد بقيت على كل طائفة ركعة، فليصلوا إيماء حيث ما كانت وجوههم.
قال سحنون: سعيًا وركضًا كيف ما قدروا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإن ائتمَّ الذين يقضون بأحدهم، فصلاة من أمَّهم تامَّةٌ، وصلاتهم فاسدة.
قال: وسواء كان العدوُّ في قبلته، أو عن يمينه، أو عن شماله، أو خلفه، ولا أحب له إن كان العدو أمامه أن يُصَلِّي بالجيش أجمع، ولكن بطائفتين.
ومن المجموعة قال أشهب: إذا كان العدو في القبلة، وأمكنه أن يُصَلِّي بالناس جميعًا، فلا يفعل؛ لأنه يتعرَّض أن يفتنه العدو ويشغلوه، وليُصَلِّ بطائفتين شبه صلاة الخوف.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ ابْنُ عبد الحكم: وإذا كانوا طالبين، وعدوهم منهزمون مغلوبون، إلا أن طلبهم أثخن في قتلهم، فصلاتهم بالأرض صلاة الأمن أولى من صلاة الدوابِّ.
وقاله الأوزاعي، أما الطالب فينزل، وأما المطلوب فيصلي على دابَّته، إلا أن يخاف الطالب أن يُكَرَّ عليه.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهو في سعة , إن كان طالبًا أن لا ينزل ويُصَلِّي إيماء؛ لأنه مع عدوه بعد لم يَصِلْ إلى حقيقة أمن.
وقاله مالك، وما صَلَّى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الظهر والعصر إلا بعد غروب الشمس، وذلك قبل نزول صلاة الخوف.
وإذا كانوا في القتال فليؤخروا إلى آخر الوقت، ثم يُصَلُّون حينئذ على خيولهم، ويُومِئُونَ وهم في قتالهم مقبلين ومدبرين، وإن احتاجوا إلى الكلام في ذلك لم يَقطع ذلك صلاتهم.