كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ومن العتبية: قال سحنون، عن ابن القاسم: وإذا أسلم في مائة طير أحياء، مما لا يستحيا فأخذ عند الأجل من صنفها دون عددها، فذلك جائز، وإن أخذ من غير صنفها أقل عددًا، فلا خير فيه، إلا أن يأخذ دونها في العدد من غير صنفها من الطير مما لا يستحيا على التحري، أن يكون مثل المائة، وأكره الحي منه بالمذبوح، ويجوز الحي منه بالحي، على التحري في المماثلة.
وروى أصبغ، عن ابن القاسم، فيمن أسلم في عشرة أرطال لحم، فأعطاه جزرة فيها خمسون، فإن كان على صفة، فالبقية أفضال جائزة.
قال أصبغ: والجزرة مذبوحة مسلوخة، وقد حل ما عليه، ولا يجوز إن كانت حية.
ومن كتاب محمد: قال مالك: ومن لك أو يؤخره فلا يجوز هذا، ومن لك عليه سمراء من قمح البحيرة - محمد: من قرض أو بيع - جاز أن تأخذ منه بيضاء من قمح البحيرة، وليس بمصر سمراء، وإنما تفترق السمراء والبيضاء بالمدينة.
محمد: إنما هو جائز في القرض، فأما من بيع، فلا تأخذ قبل الأجل أجود ولا أدنى.
ولو أسلم في صفة من قمح مصر، فاستغلاه، فجعلها له أجود من صفته إلى أجل، أو أوجب له بقية من غلته، أو بيضاء من سمراء، فذلك جائز، بعد أن تكون مصرية كلها.
قال أصبغ: لا يعجبنا هذا من قول ابن القاسم.
محمد: بل ذلك جائز إذا كانت للصفة، وإنما فضله بالجودة.
[6/ 45]
في الإقالة والشركة والتولية في الطعام من بيع
من الواضحة: قال: الإقالة والشركة والتولية في الطعام مستخرجة برخصة الرسول عليه السلام، من نهيه عن بيعه قبل قبضه، كما أخرج بيع العرية من بيع التمر قبل بدو صلاحه، والحوالة من نهيه عن بيع الدين بالدين.
قال: وكل ما بيع من الطعام بعرض، يرجع فيه إلى القيمة، لا إلى المثل، لم تجز فيه الشركة ولا التولية، لا بالقيمة ولا بالمثل، وتجوز فيه الإقالة، والعرض قائم، فإن فات، لم تجز الإقالة، وإن كان عرضًا يكال، أو يوزن، جازت فيه الإقالة، والشركة والتولية مثل ما يجوز في العين.
ومن المجموعة: قال أشهب: إذا كان رأس مال الطعام عرضًا يكال ويوزن، فهلك العرض، فالإقالة بعد هلاكه جائزة إن كان المثل حاضرًا عندك، ولا يجوز أخذك أرفع منه أو أدنى في وزن أو صفة، ولا يؤخره به، ولم يجز ابن القاسم الإقالة بعد هلاك ذلك، وإنما اختاره في الإقالة من طعام قبضه، ثم أفلت منه بعد هلاكه.
قال أشهب: ولو كان رأس المال عرضًا يوزن أو يكال، إلا أنه جزاف، فلا تجوز بعد غيبته عليه إقالة، ولا تولية، ولا شركة، إلا أن يوقن أنه بعينه، لا زيادة فيه ولا نقصان، فيجوز ذلك كله فيه.
قال ابن القاسم، عن مالك: ولا تشترك في طعام ابتعته وهو غائب عنك، إلا أن يكون حاضرًا.
[6/ 46]
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: ولا تقيل من طعام غائب ابتعته، ويدخله الدين بالدين، ولا توليه لأحد.
وقاله كله مالك في الواضحة، قال: ولا يشرك فيه.
ومن العتبية: روى أبو زيد، عن ابن القاسم، في من باع ثوبين بعشرة أرادب قمح إلى شهر، ثم أقاله بعد الشهر من خمسة، ورد أحد الثوبين، فإن استوت قيمة الثوبين، جاز، وإلا لم يجز.
وقال سحنون في المجموعة: أخاذ أن يكون بيع الطعام قبل استيفائه؛ لأنه قد يدخله الغلط في التقويم، وقد كره ابن القاسم بيع أحد الثوبين مرابحة، وقد ابتاعهما في صفقة.
وروى عيسى، عن ابن القاسم، فيمن أسلم في قمح، فاستقال منه بعد محله، فقال له البائع: خذ بعضه فبعه، فما وضعت فيه وديته إليك مع بقية قمحك، فهو جائز، كما لو دفع إليه جميعه، وضمن له ما اتضع في جميعه.
ومن الواضحة: فما اشتريت من طعام بعينه غائبًا بعيد الغيبة، فلا تجوز فيه الشركة ولا التولية ولا الإقالة، ويدخله الدين بالدين مع بيعه قبل قبضه، وإن كان حاضرًا بعينه وقد ابتعته بثمن مؤجل، لم يجز فيه الشركة ولا التولية، لا نقدًا ولا إلى أجل بعينه.
ومن كتاب محمد: وإذا أقلت من طعام، ورأس المال عرض بعينه، ثم وجد قد تلف، بطلت الإقالة، ثم لا يجوز أن يتاقيلا قبل قبض الطعام، وكذلك لو كان بعينه مما يكال أو يوزن، فلا يؤتى بمثله، وتبطل الإقالة كالبيع، أن لو هلك قبل الكيل بطل البيع.
قال مالك: وإن ابتعت طعامًا بعينه، على الكيل بثمن مؤجل، فلك أن توليه أو بعضه وتشرك فيه إذا أخرته بالثمن إلى أجله.
[6/ 47]
وقال ابن القاسم في بعض مجالسه: لا تجوز فيه التولية.
قال أشهب: لا يجوز فيه إلا الإقالة وحدها.
قال أشهب: كمن له طعام من إجارة، أو ابتاعه بعرض، فلا يصلح فيه إلا الإقالة، فإن فات العرض، أو تغير بزيادة أو نقص، أو تم عمل الأجير كله، لم تجز الإقالة فيه أيضًا.
قال ابن حبيب: لأن الأعمال من الناس تختلف.
قال أشهب: فإن عمل بعض العمل، جاز أن يقيله مما بقي، إذا أحيط بمعرفته، وإن لم يعمل شيئًا، جازت الإقالة من الجميع.
قال ابن حبيب فيمن ابتاع طعامًا حاضرًا بعينه، على كيل أو وزن أو عدد بثمن مؤجل، فلا تجوز فيه الإقالة قبل قبضه.
قال في كتاب الشركة: ولا تجوز فيه الشركة، ولا التولية لا بنقد ولا إلى أجل بعينه، بخلاف ما في الذمة مما ينقد ثمنه، لأنه لا يجوز له تعجل الثمن، فيصير بيعًا والذمتان لا بد أن تختلفا في الملأ، ويختلف منهما القضاء.
وقاله ابن الماجشون، وأشهب.
وذكره ابن عبدوس، عن أشهب.
قال ابن حبيب: وإن كان الطعام من إجارة أو كراء، لم يجز فيه شرط ولا تولية، انقضت المدة أو لم تنقض، عمل أو لم يعمل.
ثم ذكر في الإقالة مثل ما ذكر ابن المواز، عن أشهب.
وقال أشهب: مثله كله في المجموعة.
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: وإن أشركته في طعام ابتعته، على أن أشركك في طعام ابتاعه، لم يجز ذلك.
ومن المجموعة: ابن نافع، عن مالك: وإذا كان لرجلين لكل واحد منهما قمح على رجل على حدة، من بيع، فقال كل واحد منهما للآخر: ولني نصف طعامك وأوليك نصف طعامي لم يجز.
قال أشهب: إذا أسلم رجلين في طعام فولى أحدهما رجلين أو أشركهما أو وهبه لهما أو ورثاه فلكل واحد منهما أن يقيل
[6/ 48]
البائع من جميع ما صار له لا من فضل ما صار له أو يقيلاه جميعًا فذلك جائز.
وكذلك رجل له طعام من بيع فولى رجلاً نصفه أو ثلثه فلكل واحد منهما أن يقيل من جميع حظه منه لا من بعضه أو يقيلاه جميعًا فيجوز.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن أسلم في طعام دينارًا فأشرك في نصفه فأحب إلي يأتي بدينار فيقبض هذا المشرك نصفه ويرد نصفه وكذلك في الواضحة قال: ولكل واحد من الرجلين أن يولي صاحبه مصابته أو يشرك معه فيها، ثم لا يقيل أحد منهم البائع إلا من جميع نصيبه.
ومن كتاب ابن المواز: وإن أسلم في طعام من أصناف مختلفة، وعروض في صفقة، لم يجز أن يقيله من صنف من الطعام ولا الثياب، ولا بأس أن يولي صنفًا منه، أو جزءًا شائعًا إذا قبض الثمن على ذلك بالعدل، لا ينظر إلى ما سميا لكل صنف، وله بيع الثياب وحدها مرابحة، ولو وليته صنفًا من الطعام على ما سميتما أولاً من الثمن، لم يجز حتى يعلم عند الإقالة أنه الذي يصيبه بالعدل، فإن تعقب بعد الإقالة على القيمة، فوجد ذلك عدلاً في القيمة لم يجز حتى يعرف في الإقالة، وإن سميتما للعرض ثمنًا، فلك بيع العرض بما بلغ من الثمن بربح وغير ربح، من غير غريمك.
أشهب عن مالك: ومن أسلم في أصناف من الطعام في صفقة، وأسعارها مختلفة، فله أن يولي صنفًا منها.
قال مالك في المجموعة: من أسلم إلى رجل في طعام من صنف واحد صفقة إلى أجل واحد، فله أن يقيله من صفقة، ويأخذ في الأخرى طعامًا.
ومن كتاب محمد والواضحة: ومن أسلم غنمًا في طعام، فحل، فلم يجد عنده إلا بعضه، فلا يجوز أن يقيل من بعضه.
قال ابن حبيب: فإما أن يقيل من
[6/ 49]
جميعه، أو يقبض جميعه، وله أن يقبض ما وجد، ويؤخره بباقيه، أو يضعه عنه إن شاء.
قال ابن حبيب: ولو كان رأس المال يعرف من ثياب، أو رقيق، أو حيوان، جاز أن يقيله من بعضه، ويصير بيع وإجارة، وذلك جائز.
ومن كتاب محمد، قال مالك: ون ابتاع طعامًا بعشرين دينارًا، فذهب ليأتي بأوعيته، ثم استقاله من عشرة، فذلك له جائز.
قال محمد: لعله لم يغب على الثمن إلا قدر ما يتناول أوعيته أو لم ينقد، وإنما يجوز عند مالك وأصحابه أن تقيل من بعضه، إذا لم ينقد، أو لم يغب على الثمن.
قال: ومن أسلم في طعام، فلا تجوز الإقالة من بعضه، وله أن يولي بعضه ويشرك فيه.
قال ابن القاسم: إن قبض بعض طعامه عند محله، لم يجز أن يولي ما بقي منه، أو ما أخذ منه أو بعضه، ولا يجوز أن يوليه ما قبض مع ما بقي، ولا يشرك فيهما.
هكذا وقع في كتاب محمد: لا يجوز أن يولي ما بقي منه، أو ما أخذ، وأرى الألف غلطًا، وإنما هو: وما أخذ.
وكذلك روى عيسى، عن ابن القاسم، في العتبية: لا بأس أن يولي ما بقي، ولا يجوز أن يولي ما بقي مع ما قبض.
وكذلك في الواضحة.
قال أصبغ في كتاب محمد: لا يجوز أن يولي ما لم يقبض خاصة.
ومن كتاب ابن المواز: وما أسلمت فيه من طعام أو غيره، فقبضت بعضه، فلا يجوز أن تقيل مما بقي، ولو رددت عليه ما اقتضيت، وأقالك من الجميع، فهو حرام، وبيع الطعام قبل قبضه، وكأنه أقالك مما بقي، على أن وليته ما قبضت.
قال مالك: إلا أن يكون ما قبضت يسيرًا، كخمس أرادب أو عشرة من مائة، فأرجو أن يكون خفيفًا.
[6/ 50]
قال ابن القاسم في العتبية: وأنا أكرهه في القليل والكثير.
قال أشهب في المجموعة: وقول مالك فيه استحسان، وإذا نقدت بعض الثمن في طعام أو عرض، ثم تفرقتما، جاز أن تقيله مما نقد، لا من بعضه، أو تقيله مما لم ينقد، ومن بعضه، ومما نقد ومما لم ينقد.
وكذلك روى عيسى، عن ابن القاسم نحوه في العتبية.
محمد: قال مالك: وإن لم يقبض منه الطعام حتى أقاله، ثم فارقه قبل قبض رأس ماله، فليس له إلا طلب رأس المال، ولا حجة له في فسخ الإقالة بتأخير الثمن.
قال محمد: ولم يأخذ بهذه الرواية أحد من أصحابه.
وقد روي فيه أن الإقالة فاسدة، وكذلك في التولية، إلا أن يتأخر، مثل دخول البيت فهو خفيف، وإلا فليرجع بالطعام، إلا أن يقيله ثانية، وكذلك في العرض في ذمة، يقيل منه، أو يوليه، أو يبيعه من غيره، فلا يتأخر رأس المال إلا مثل البيت من السوق.
قال ابن القاسم: فأرجو أن يكون خفيفًا.
وأما بيع دين على رجل، فيجوز تأخير رأس المال فيه يومين وثلاثة.
وذكر سحنون هذه الرواية التي أنكر محمد عن أشهب، أن الإقالة جائزة وإن تأخر الثمن شهرًا.
قال محمد: قال ابن القاسم: وإن وكلت من يدفع إليه رأس المال في الإقالة في الطعام، ودخلت، ووكل هو من يقبض وذهب، فإن دفع الوكيل مكانه، جاز، وإن تأخر، لم يجز، وكذلك إن كان الثمن عرضًا.
قال محمد: إن كان عرضًا بعينه حاضرًا، فلا بأس بذلك.
ومن المجموعة: قال سحنون في مسألة ابن القاسم، في إقالة المرسض من طعام من بيع، ولم يدع غيره في تخيير الورثة.
قال سحنون: الإقالة لا تكون إلا ناجزة، وفعل المريض موقوف.
قال أبو بكر بن اللباد: لعل ابن القاسم يعن أن
[6/ 51]
المريض مات مكانه.
قال أبو محمد: ولو قيل بفسخ الإقالة ما لم يمت، فإذا مات صار ضرورة، كمن أقال وهرب، فقد قالوا: تصح الإقالة، وأعرف لبعض أصحابنا أنه إن أقال في مرضه الذي عليه الطعام، وليس له إلا ثمنه، ثم مات، فإنه يبدأ بدينه فيقضى، وهو الطعام، فما بقي كان له ثلثه إن لم يجز الورثة.
ومن كتاب محمد: قال مالك: ومن أسلم في طعام، وأخذ به رهنًا، أو حميلاً، فولاه رجلاً على إسقاط الحميل أو الرهن، فلا خير فيه، ولو أسقطه المبتاع قبل ذلك، جازت التولية إذا تبين له أنه كان وأنه أسقطه.
ومن اشترى قمحًا بعشرة، ثم استزاده البائع، فزاده درهمًا، فلا يوليه إلا بأحد عشر، بعد أن يبين الزيادة.
قال محمد في كتاب المرابحة: لا ينبغي التولية فيه بحال.
في إقالتك من الرطب أو من بعضه بعد أن أثمر
وأخذك ذلك في تفليس
وشرائك الطعام ممن بعت منه طعامًا أو إقالتك له
من العتبية من سماع أشهب: ومن باع من رجل ثمر حائطه رطبًا بمائة دينار وعشرين دينارًا، ثم قضاه بخمسة عشر دينارًا من الحائط منها رطبًا أو تمرًا، ثم ابتاع ما بقي في الحائط - وهو تمر - جزافًا في رؤوس النخل بسبعين من ثمنه، فلا بأس به، ولو كان ما بقي رطبًا، لم يجز، لتأخيره، فيصير الدين بالدين.
وقال عنه أشهب أيضًا: إنه كره أن يشتري منه ذلك بعد أن يبس في رؤوس النخل بجميع الثمن أو بعضه، وخاف أن يدخله الرطب بالثمن وإن كان ثمره بعينه، وكذلك لو باعه بمائة دينار إلى الجذاذ، ثم اشتراه إلى يومين، أو عند الجذاذ، وهو تمر بعشرين ومائة، فقد قال: لا خير فيه.
قال: ولو أخذه منه وقد
[6/ 52]
أثمر في التمر فقط، فلا خير فيه، قال: ولو أخذه عند تفليس الغريم لجاز؛ لأن الحكم أوجبه له، كما لو كان عبدًا ابتاع ففلس.
وقد أبقى فرضي باتباعه، فإن وجده أخذه، وإلا رجع فحاصص الغرماء.
قال في كتاب ابن المواز: لأنه في ضمان المبتاع حتى يقبضه.
وهذه المسألة في كتاب ابن المواز مثل ما ذكرنا.
وذكر كراهية مالك أن يقيله منه بعد أن صار تمرًا.
قال محمد: وذكر عنه غير هذا، وهذا أحب إلينا.
محمد: قال مالك: وإن بعت من رجل طعامًا بعشرة دنانير إلى أجل، ثم ابتعت منه في ذلك الطعام بدينارين نقدًا، لم يجز، ويصير الطعام ودينارين بعشرة مؤجلة، ولا تأخذ منه بالدينارين قصاصًا، فيصير بيعًا وسلفًا.
قال مالك: ولا بأس أن تبتاع منه مثل المكيلة والصفة بمثل الثمر فأكثر نقدًا أو مقاصة.
وأجاز مالك أن يأخذ أقل كيلاً بمثل الثمن، ثم قال: إني لأتقيه.
وقال ابن القاسم: لا يعجبني.
وكذلك مثل الكيل أدنى في الجودة، ولا تأخذ أقل من كيله بحسابه، ولا بجميع الثمن.
وإن بعت منه سمراء، فأقلته، وأخذت سمراء مثل الكيل وأدنى صفة، قال ابن القاسم: أرجو أن يكون سهلاً، وفيه مغمز.
قال أصبغ: جائز.
وقد خففه مالك.
وأجازه أشهب.
وإن كان أقل كيلاً.
وكذلك قال أشهب في المجموعة، وقال: والترك أحب إليَّ؛ لأنه يتقى فيه ما لا يتقى في الذهب والورق.
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: ويجوز أن يأخذ طعامه الذي باع بربح ثوب أو دينارين، وإن غاب عليه المبتاع، قال: وإن باع طعامًا بثمن مؤجل، ثم تقايلا بزيادة من أحدهما، فإن لم يفترقا، فلا بأس بالزيادة ممن كانت، إذا كان قد اكتال المبتاع الطعام ما لم تكن زيادة المبتاع عينًا، أو من الثمن ما كان الثمن.
قال مالك: فلا خير فيه.
قال: وإن كان بعد التفرق بالكيل، فلا تجوز الزيادة من المبتاع بحال، وإن كانت الزيادة من البائع، فجائز إذا كانت إقالة من بيع الطعام.
[6/ 53]
وفي هذا المعنى في الإقالة بزيادة في طعام أو عرض باب ما يشبهه من الآجال، في غير هذا الكتاب، وهناك باب في شرائك لطعام ممن بعت منه طعامًا.
ومن الواضحة: ومن باع من رجل طعامًا كيلاً بدينار إلى أجل، فاستقال منه البائع قبل يوفيه إياه بدينار يدفعه إلى ذلك الأجل، أو بأقل أو أكثر، فلا يجوز، ولو كان المبتاع هو المستقيل بالدينار جاز، وكأنه وهبه الطعام، والدينار باق عليه إلى أجله، فأما بدينار يخالف سكتة أو بأقل من دينار أو بأكثر، فلا يجوز.
في بيع الطعام من القرض قبل قبضه
أو كان من غصب أو تعد
وما لا يجوز فيه الاقتضاء
من كتاب محمد: وإذا كان لك طعام من قرض، فلك بيعه قبل محله وبعد محله ممن هو عليه، ومن غيره، إذا تعجلت ثمنه، ولا تأخذ فيه من غريمك طعامًا يخالفه قبل محل الأجل، وذلك جائز بعد محل الأجل، ما لم يكن بغير البلد، ولا تأخذ فيه طعامًا من أجنبي، وإن حل الأجل إلا أن يقبضه هو من غريمك قبل أن يفارقك، ولك بيعه من غريمك قبل الأجل بالبلد أو بغيره، بما شئت من ثمن نقدًا عدا الطعام، وإذا حل، فلك بيعه منه بالبلد بما شئت من الطعام، فإن كان من صنفه، فلا تأخذ إلا مثل مكيلته، ولك أن تأخذ دقيقًا إذا حل، وإن كان أقل من الكيل، فهو مكروه.
قال ابن القاسم: يجوز من ذلك ما يجوز في المبادلة.
وأجاز أشهب في القرض إذا حل، أن يأخذ طعامًا ما أدنى صفة وأقل كيلاً من طعامك، ما لم تكن المحمولة أنقى نقاء من سمرائك.
وأجاز أخذ الدقيق أقل كيلاً ما لم يكن الدقيق أجود من دقيق قمحك.
ويجوز مثل كيله أجود أو أردأ، ولا يجوز أكثر من كيله وإن كان أجود منه أو مثله.
واتفق مالك، وابن القاسم، وأشهب،
[6/ 54]
أنه لا يأخذ من القرض قبل الأجل سمراء من محمولة، ولا محمولة من سمراء مثل المكيلة، ولا قمحًا من شعير، ولا صيحانيًا من عجوة، ولا جنسًا غيره من الطعام والإدام.
وفي المدونة أن ابن القاسم أجاز أخذ سمراء من بيضاء، ثم رجع.
قال أصبغ: ولك من القرض أخذ سمراء من سمراء أجود جودة قبل الأجل، ولا يجوز أدنى.
ولا يجوز في البيع أخذ أجود ولا أدنى قبل الأجل.
قال مالك: ومن له إردب من قرض، فباعه قبل الأجل بدينار إلا درهمًا، انتقده، ونقد الدرهم، لم يجز.
وأجازه ابن القاسم، وإن كثرت الدراهم.
ومن عليه طعام من غصب أو تعد، فهو كالقرض في بيعه قبل قبضه.
وفي الباب الأول ذكر بيع الهبات والميراث والأرزاق والصلات من الطعام قبل قبضه.
قال ابن القاسم: ومن باع تمرًا عنده وديعة، فربه مخير في أخذ التمر، أو يغرمه مثل طعامه، كان باعه بطعام أو غيره.
قال أشهب: إن باعه بتمر أزيد، لم يجز لربه الرضا بالتمر؛ لأنه طعام بطعام، فيه خيار، وإن باعه بتمر لنفسه، خير ربه بين الرضا بالتمر، أو بمثل القمح.
محمد: صواب.
فإن باعه بتمر لنفسه، فليشتر بالتمر قمحًا، فإن كان القمح أكثر من قمحه، فذلك لرب القمح.
أشهب: وإن باعه بثمن غير الطعام لنفسه أو لربه، فالخيار لربه في الرضا بذلك، أو يأخذ مثل قمحه.
قال مالك: والمأمور بتقاضي حق فيتقاضى فيه طعامًا.
وقال: صاحبي مخير، فإن لم يعلم بفساده، فلا بأس به، وإن تعمد ذلك بمعرفة، لم يجز.
قال ابن القاسم: يرد الطعام، جهل أو علم.
ومن العتبية: روى عيسى، عن ابن القاسم، قال: ومن أقرض ويبة قمح، فلا بأس أن يأخذ نصفها قمحًا، ونصفها دقيقًا أو تمرًا أو شعيرًا، وله أن يأخذ
[6/ 55]
بالنصف إن شاء ما يجوز فيه التفاضل مع القمح أزيد كيلاً، فأما ما لا يجوز معه فيه التفاضل، فلا يأخذ إلا مثل ما بقي له من الكيل.
وإذا أقرضه ويبة محمولة، فلا يأخذ نصفها سمراء، ونصفها شعيرًا، أو شيئًا ما من الأشياء في صفقة واحدة، ولو قبض أولاً في نصفها سمراء أو شعيرًا أو دقيقًا، ثم انصرف عنه، ثم عاد إليه، فأخذ بالباقي زيتًا، أو عرضًا، أو طعامًا، فذلك جائز إذا لم يكن ذلك في مرة واحدة.
ومن أقرض رجلاً قمحًا، فقضاه نصفه دقيقًا ونصفه شعيرًا، فإن كان الدقيق أوضع من القمح فذلك جائز، وإن كان أرفع، لم يجز، ولو قضاك في نصف القمح تمرًا، على أن أعطاك بنصفه شعيرًا أو سلتًا، فلا خير فيه إن كان في مجلس واحد، ولو أخذ بنصفه تمرًا، ثم تقاضاه بعد ذلك فأعطاه بنصفه شعيرًا، فذلك جائز إذا صح.
في بيع الأشياء بعضها ببعض نقدًا
وسَلَمِ بعضها في بعض من جنس واحد
وبيع الشيء بما يخرج منه أو ينبت منه أو يعمل منه
وما في ذلك من ذكر المزابنة
من كتاب محمد: وكل شيء عدا الطعام - يريد: المدخر - من صنف واحد، والذهب والورق والفلوس، فيجوز فيه التفاضل يدًا بيد، كيلاً ووزنًا وعددًا، ولا يجوز فيه كيل بجزاف، ولا جزاف بجزاف حتى تبين الفضل.
قال: ولا يسلم شيء في مثله، ولو أنه الحصباء، وزيادة شيء منه أو من غيره، أو منفعة ما، ولا بأس أن يسلم شيء فيما يخالفه خلافًا بينًا.
قال مالك: لا خير في التبن في القصب.
وجعله صنفًا واحدًا.
وقال: هو كله علف.
وقد قيل: هما نوعان.
محمد: وهما أشد تباعدًا من رقيق ثياب الكتان وغليظها، وأجاز مالك القصب بالنوى إلى أجل.
قال: والحديد جيده، ورديئه صنف حتى يعمل سيوفًا وسكاكين وأعمدة وغير ذلك، وكذلك النحاس، فيصير أصنافًا باختلاف المنافع، لا بالوزن.
[6/ 56]
محمد: والسيوف صنف، إلا المرتفع منها، المرتفع الحديد، فذلك صنف، ولا خير في السيف بأرطال من حديد إلى أجل، ولا في أرطال نحاس في قدر نحاس إلى أجل، ولا بأس بنحاس بثور نحاس يدًا بيد.
محمد: موازنة وإن تفاضل، ولا يصلح جزافًا حتى يتبين الفضل بأمر بيِّن، ولا خير في فلوس بنحاس صحيح أو مكسور على حال، وتدخله المزابنة، وقد اختلف فيه قوله، وهذا أحب إلينا.
والكتان كله صنف، جيده ورديئه، حتى ينسج فيصير الرقيق صنفًا والغليظ صنفًا، وكذلك القطن.
قال في الواضحة: وكذلك الحرير كله صنف.
محمد: وكره مالك ثوب صوف بصوف، يدًا بيد، أو إلى أجل قريب لا يعمل في مثله ثوب للمزابنة.
وكره جلدًا بعشرة أحذية مقطعة، كان من جلده أو من جلد غيره، وكذلك الكرسف بغزله يدًا بيد، وكتان منقوض بمغزول.
محمد: وهذا فيما تقارب، وأما لو دفع رطلي صوف في ثوب صوف أو رطلي صوف بعشرة أرطال مغزولة - يريد: نقدًا - أو جلدًا كثيرًا بزوج أو زوجي حذاء يدًا بيد لجاز.
قال مالك: ولا بأس بثوب مروي بثوب مخيط مروي.
قيل له: إنه كأنه يقول: أعطني من الثوب قميصًا والزائد لك، وما نقص فعليك.
قال: إن أراد هذا، فلا خير فيه.
محمد: إن لم يعرفا قياس الثوب الغير المخيط، فلا خير فيه، وكأنه ضمن له قميصًا طوله كذا من شقته.
ومن الواضحة قال: ولا يباع شيء بما يتولد منه إلى أجل، مثل صوف في ثياب صوف، أو كتان أو قطن في ثيابه، أو جلود في فرو.
ولا يباع لوز الحرير بمغزوله أو بمعموله إلى أجل، ولو عجلت الثياب فيما تولدت منه، لجاز، وهو يجوز كله يدًا بيد، أيهما كان بالآخر، ولا خير في جلد بقري بأزواج نعال مسماة، ولا خير في ثوب وشي بظهائر، لا نقدًا ولا مؤجلاً للمزابنة، وإذ لا صنعة فيه تخرجه
[6/ 57]
إلى إجازته، بخلاف صوف بثوب صوف، يدًا بيد، أو كتان بثوب كتان، أو جلود بأحذية معمولة، هذا جائز نقدًا، ولأن فيه صنعة بينة، ولا يتأخر ما قابلها إلى أجل يعمل فيه، فيدخله المزابنة.
والحديد كله صنف، ذكيره ولينه، فلا يجوز متفاضلاً ولا مكسورًا بمعمول إلى أجل، وكذلك الصفر، نحاسه وشبهه، والآنك قصديره ورصاصه، لا يجوز الأجل فيه تفاضلاً ولا مكسورًا بمعمول، ولا بأس بذلك كله نقدًا.
ومن كتاب ابن المواز: وكره مالك القرظ الأخضر باليابس، إلا أن يتبين الفضل بالكثرة البينة، أو لم يتبين، ولا خير فيه إلى أجل.
وقال في النوى والخبط وغيره يباع جزافًا بمكيل من نوع واحد، فلا ينبغي أن يتبين الفضل جدًا ما خلا الطعام.
ولا بأس برطل كتان مغزول، من صنف واخح، يدًا بيد، وكذلك منقوض بمنقوش، ولا خير في رطل غزل كتان رقيق أسمر، برطل كتان مغزول رقيق أبيض، إلى أجل، ويجوز يدًا بيد، ولا خير في كرسف بغزله إلى أجل.
قال محمد: وإن كان يدًا بيد دخلته المزابنة، إلا على الوزن منهما، فيجوز وإن تفاضل، وأما إلى أجل، فيدخله سلف جر منفعة، وإن كان مثلاً بمثل.
قال: وكل شيء يباع وزنًا بجزاف، من صنف، أو كيل، أو عدد، بجزاف منه أو جزاف بجزاف، فهو من المزابنة، كان ذلك من الطعام والإدام وأصنافه، أو غير الطعام من جميع الأشياء، من الثياب، والحناء، والكتان، والكتم، والنحاس، والعلف، وغيره.
قال ابن القاسم: ولو كان ترابًا، فلا يصلح حتى يتبين الفضل بأمر بيِّن، فيكون مثله وشبه ذلك.
وهذا في غير العين والطعام، إلا طعامًا يجوز فيه التفاضل، فهو فيه
[6/ 58]
جائز على ما ذكرنا.
قال: وإذا قال: زن، أو: كل، أو: عد سعلتك هذه، وأنا أضمن لك منه كذا وكذا، فما زاد لي، وما نقض فعلي، لم يجز، وكذلك في الثوب يضمن له كذا وكذا قميصًا، أو ظهائر فلا نش على هذا.
وكذلك حب البان بالسليخة.
قال مالك: إنما يكره حب البان بالسليخة، وأما بالبان المطيب وقد طيب ونشي، فجائز للصنعة التي فيه.
قال: ولا خير في القصب بعسله ولا بربه، ولو برد وطبخ وصار صنعة، جاز بعسله وبقصبه، ويكون كالبان المطيب بالسليخة، والخل بالتمر، ولا شيء في الجلجلان بالزنبق المطيب، نقدًا ولا مؤجلاً، بخلاف مطيب البان.
قال مالك: والأدهان صنف، الزنبق، والراذقي، والكادي والخيري، فلا يجوز فيه التفاصل إلى أجل.
قال: والمطيبة منها مثل الزنبق، والورد، وشبهه، كلها نصف لا يكون فيه التفاضل إلى أجل؛ لتقارب منافعه، ويجوز يدًا بيد.
وروى أشهب أن مالكًا نهى عن التمر بالنوى إلى أجل.
قال عنه ابن القاسم: ولا يدًا بيد.
وقيل: لا بأس به، وأجازه ابن القاسم نقدًا، وإلى أجل.
وقاله أصبغ.
محمد: ما لم يكن التمر حشفًا لا يراد منه إلا النوى.
قال ابن القاسم: ولا خير في عصفر في ثوب معصفر إلى أجل، ولو كان الثوب معجلاً في عصفر، لجاز، ولا يقضي من ثمن حب اشتراه شيئًا بنبت من ذلك الحب في ذلك الأجل إلى ذرعه.
قال مالك: وما هو بحرام بيِّن.
ولا بأس بتمر بنخل، يدًا بيد، وإلى أجل، إذا وصف النخل، ولم يكن فيها تمرة يوم يأخذها لا طلع ولا غيره.
[6/ 59]
وقد تقدم في باب بيع الشيء بما يتولد منه من الطعام فيه من معاني هذا الباب.
ومن الواضحة: وإذا تباينت الأصناف في الثياب والعروض، وتباعدت، جاز سلم شيء في غير صنفه.
قال: فثياب القطن صنف وإن اختلفت جودتها وأثمانها وبلدانها، أو كانت هذه عمائم، وهذه أردية أو شقق، لتقارب منافعها، إلا ما كان من وشي القطن، واليوسفي والصنعاني، والسعيدي، ومثل ثياب القصب والحبر والمشطب والمسير وشبهه، فلا بأس ببياض القطن بثياب منه متفاضلاً إلى أجل، وكذلك ثياب القصب بثياب وشي القطن، لاختلاف المنافع والجمال.
وما اختلف أيضًا في الرداءة الجودة، والغلظ والرقة، فتباين وتباعد في بيعه وجماله، فهو صنفان، يجوز فيه التفاضل إلى أجل، وكذلك ثياب الكتان صنف على ما ذكرنا، إلا أن تختلف اختلافًا شديدًا، بالرقة والغلظ، والرداءة والجودة، فيجوز فيها التفاضل إلى أجل.
وثياب الحرير كلها صنف وإن اختلفت الأثمان، والجودة والصنف من أردية وأخمرة، ومقانع وشقق ولفائف، وكذلك ثياب القز، وثياب السفيق، إلا ثياب وشي الحرير، أو ثياب الخز، فلا بأس بها ببياض ثياب الحرير، واحدًا باثنين إلى أجل، وثياب الخز صنف، إلا أن تختلف في الغلظ والرقة، والرداءة والجودة، وتتباعد، فيجوز التفاضل فيها إلى أجل، وثياب الصوف والمرعز كلها صنف، فإن اختلفت بالبلدان والأثمان، لا يجوز كساء مرعز بكساء صوف إلى أجل.
وكذلك بالجباب ولا يجوز ساج طرازي بكرديين، ولا قرمص بطرازيين، أو افساساري بمصريين إلى أجل حتى تختلف أنواع صنعتها، مثل الطيقان
[6/ 60]
الطرازية بالجيب المرعزية، ومثل القطف بالبسط، والأكسية بالرقم كله، يجوز متفاضلاً إلى أجل، وكذلك ثياب الصوف تتباين في الرقة والغلظ، فيجوز فيها ذلك، وأما صنف في خلافه، مثل ثوب قطن في ثياب كتان أو صوف أو وشي أو خز أو حرير، واحد باثنين من الصنف الآخر إلى أجل، فجائز، وإن اتفق ذلك في الجمال والرقة والنفع لاختلاف الأصول.
والخشب صنف وإن اختلفت أصوله، إلا أن تختلف المنافع والمصارف مثل الألواح بخشب الجوائز وشبهها فيجوز ذلك متفاضلاً.
والأدهان الطيبة إذا كانت مختلفة الأصول والصنعة، جاز فيها التفاضل في الأجل، كاللبان بالزنبق، والزنبق بالمقتت متفاضلاً إلى أجل، وما استوى في طيبه واشتبه، لم يجز ذلك فيه كاللبان البرمكي بمثله، أو بالطريد، أو الزنبق بالزنبق من بلد أو من بلدين، فلا يجوز حتى يختلف في طيبه اختلافًا شديدًا، كالبرمكي بالثليث، أو الطريد بالخميس، والزنبق العراقي المطيب بالمربد من المصري، فأما بالرأس من المصري، فلا يجوز؛ لأنه معتدل في طيبه أو عشبته، فأما المقتت من الأدهان، فتشابه الطيب ليس له تباين يجوز به المثل بالمثلين إلى أجل.
والحناء صنف على اختلاف بلدانها، وكذلك الزعفران والمسك والكافور، كل واحد منه صنف على اختلاف بلدانه، كالمسك الصعدي بالسندي، والكافور الرياحي بالمصعد فلا يجوز، وأما مسك بكافور، أو حناء بزعفران، فجائز فيه التفاضل إلى أجل.
قال: والماء العذب والشريب صنف، لا يصلح متفاضلاً إلى أجل، ولا بأس بعذب أو شريب في أجاج إلى أجل متفاضلاً، والتراب الأسود بالأبيض صنفان، وكذلك الجير بالتراب الأبيض.
قال: والعُمُدُ بالصخر، والكدان بالرخام، والجندل بالحجارة، أو بالجص، والرخام بالعمد، فهذا كله مختلف، يجوز فيه التساوي والتفاضل، نقدًا أو إلى أجل.
قول ابن حبيب: الرخام
[6/ 61]
بالعمد يعني رخامًا لا يكون منه العمد، وما استوت منافعه ومصارفه، لم يجز ذلك فيه، كالجندل بالحجارة.
من العتبية: روى عيسى، عن ابن القاسم، فيمن باع كبشًا بصوف إلى أجل، فإن كان قريبًا لا يكون فيه للكبش صوف، فلا بأس به، وإن كان بعيدًا يكون له فيه صوف، فلا خير فيه.
قال مالك: ولا يصلح بيع نخل بتمر إلى أجل يكون فيه للنخل تمره، ولا خير في البطيخ بزريعته إلى أجل يكون فيه من الزريعة بطيخ، لا تبالي أيها أخرت، البطيخ أو زريعته.
قال عنه محمد بن خالد: لا بأس بكراث نقدًا بحب الكراث إلى أجل، ولا خير في حب الكراث نقدًا بكراث إلى أجل، ولا بأس بحب الكراث بمثله متفاضلاً، يدًا بيد، وبيعه قبل قبضه.
قال عيسى: قال ابن القاسم: ولا بأس بالقصب بالسكر.
جامع ما ينبغي في السلم من صفة وأجل
وتعجيل نقد وغيره ووجوه ما يجوز منه وما لا يجوز
من كتاب ابن المواز، قال مالك: ولا بد من صفة معلومة في السلم، وأجل معلوم.
قال مالك: فإن وصف القمح في السلم، ولم يذكر سمراء من بيضاء، فإن كان بمصر، فهو على البيضاء، وبالشام على السمراء، وإن كان بالحجاز، لم يجز حتى يسمى سمراء من محمولة.
وقال مالك أيضًا: في مصر لا يجوز حتى يسمى سمراء وبيضاء مع الصفة.
محمد: وهذا أحب إلينا.
وقاله ابن عبد الحكم، إنه يفسخ.
وقال أصبغ: لا يفسخ إن نزل، والبيضاء قمح مصر الغالب فيها، ولا يكاد يكون بها السمراء إلا ما أصابته عاهة.
قال ابن حبيب: ذلك جائز في كل بلد إذا سُمي
[6/ 62]
جيدًا أو وسطًا، إلا بالحجاز بالمدينة ومكة، فلا يجوز حتى يسمى سمراء أو بيضاء، لاجتماع الصنفين هناك، تحمل إليهم البيضاء من مصر، والمحمولة من الشام، فإن ذكر هناك سمراء أو بيضاء، أو لم يذكر الصفة، لم أبلغ به الفسخ، وله وسط مما سمى، وأما البلد الذي ليس فيه الصنفان، وإن كان في ذلك البلد من قمحه يجتمع أسمر وأبيض، وينبت فيه مختلطًا، فيجربه أن يصف، فيقول: جيدًا نقيًا، أو وسطًا نقيًا، أو معلوثًا وسطًا، فإن لم يضف النقاء والفلث وسمى جيدًا أو سطًا أجزأه، ويجمع بالوسط يكون في جودته ونقائه، وإن سميا نقيًا، أو معلوثًا، ولم يذكر الوسط أو الجودة، لم يجز، وإن سمى سمراء أو بيضاء في موضع الصنفين، فلا حتى يذكر الجودة أو الوسط.
(ع) أراه يعني في موضع ينبت فيه الصنفان لا في موضع يحمل إليه قال وكذلك من أسلم في قمح، وسكت عن الصفة، فيفسخ هذا كله، وإذا شرط جيدًا، فله الجيد المعروف العام، ليس له الخاص حتى يشترطه، وكذلك إن ذكر وسطًا، فله الوسط العام في الحب والنقاء، وكذلك في الشعير، وإن لم يذكر فيه أبيض من أصفر، وذكر جيدًا وسطًا أو معلوثًا وسطًا، أجزأه، وإن ذكر مع ذلك أبيض أو أصفر، كان أحسن، فإن لم يذكر جيدًا أو وسطًا، لم يجز.
وكان ابن القاسم لا يجزئ عنده ذكر جيدًا أو وسطًا، حتى يذكر النقاء، وسمراء أو بيضاء يعني بالحجاز، وأبيض أو أصفر في الشعير، وإلا فسخه، والأول قول من أرضى من أصحاب مالك، وقاله أشهب وأصبغ.
[6/ 63]
ومن العتبية روى أبو زيد، عن ابن القاسم، فيمن ابتاع من رجل مائة إردب قمح إلى الحصاد، ولم يسم قديمًا ولا جديدًا، فأراد أن يعطيه عند الحصاد قمحًا قديمًا، قال: إذا كان على ضفته، فلا بأس به.
يريد: يلزمه قبضه وإن أبى.
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: ومن أسلم في زيت، فلم يذكر جيدًا من رديء، ولكن ذكر أصله، فإن كان تختلف صفته عند الناس، لم يجز، قيل لابن القاسم: أيأخذ من غيره، ويطبع عليه حتى يأخذ صفته؟ قال: لا يصلح.
قال أصبغ: إذا كان مضمونًا لم يصلح ذلك فيه، وإن كان بعينه غائبًا، فجائز ما لم يشترط خلف مثله.
ومن الواضحة، قال: وليذكر في الزيت مع ذكر الصفة زيت الماء، وزيت المعصرة، وإن كان يجتمع في ذلك البلد زيت بلدان، ذكر من أي بلد، ويذكر جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، وإلا لم يجز، وكذلك السمن بصفة بقري أو غنمي، وجيدًا أو وسطًا أو رديئًا، وإلا لم يجز، ويصف بذلك العسل، مع ذكر خاثر أو رقيق، وإلا فسخ، وإن كان في البلد عسل بلدان شتى، فليذكر عسل أي بلد، وإلا لم يحتج إلى ذلك.
ولا يجزئه في التمر ذكر جيد أو رديء؛ لكثرة أجناسه، فلا بد أن يسمي الجنس، ثم يذكر جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، وإلا لم يجز، وكذلك في التين اليابس بالأندلس؛ لأنه أجناس، وليذكر معه منثورًا أو مكتلاً أو محملاً، فإن وقع على غير ذلك، فسخ.
وأما الزبيب، فلا يعرف عندنا بأجناسه، لكن ببلدانه، فيحتاج بقرطبة أن يذكر من أي بلد هو، وأن يقول: أحمر أو أسود، شمسي أو دخاني.
ويذكر جيدًا أو وسطًا.
وأما بغير قرطبة، فيستغنى عن ذكر البلد؛ لأنه إنما يصف زبيب البلد الذي أسلم فيه، وما وقع فيه على غير هذا فسخ.
[6/ 64]
ولا بد في الجوز من ذكر جيد أو وسط، ويذكر مع ذلك، صغيرًا أو كبيرًا، أو رقيق البشرة أو غليظها، ويسلم فيه عددًا أو كيلاً، وما وقع فيه على غير هذا فسخ.
ولا يسلم في غير الجوز من يابس الفاكهة على العدد لصغره، وليذكر جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، ويسلم في التفاح، والرمان، والسفرجل، عددًا، أو كيلاً ولا يجوز وزنًا، ويذكر مقداره وأجناسه، وجيدًا أو وسطًا أو رديئًا، ولا يسلم في البيض على كيل أو وزن، لكن عددًا، ويذكر القدر من صغير أو كبير أو وسط، ويسلم في البطيخ والقثاء وشبهه، عددًا أو وزنًا، أو أحمالاً مع الصفة، وأن يؤخذ في إبانه، وليذكر في اللحم، الجنس والسمانة، ويجزئه قوله: سمينًا.
ويكون له السمن المعروف عند الناس لا الخاص.
وإن قال: وسطًا من السمانة فحسن، وإن لم يذكر من أين يأخذ، من جنب أو فخذ، فجائز، وإن ذكره، فحسن.
وذكر مثله في كتاب ابن المواز، قال: وهذا رأي أهل العراق، وذلك باطل، ولكن يذكر السمانة والنحر، وضأنًا أو معزًا.
قال أصبغ: وإن ذكر وسطًا من السمانة، فحسن، وإن قال: سمينًا، فجائز، وله السمن المعروف، كقوله في الطعام: جيدًا.
فله الجيد المعروف العام، وإن أعطى في اللحم من البطن، لزمه إذا كان بقدر، وقد عرف الناس وجوه ذلك كله، وكأنه رأى أن يعطي بقدر البطن من لحم الشاة.
ومن الواضحة: وإن أسلم في الحيتان، ولذلك إبان، فليشترط أخذه في الإبان، ويذكر الجنس والقدر، من صغر أو كبر، مع ذكر الوزن.
وكذلك السلم في الدجاج الحية والمذبوحة، ويذكر السمن والهزال، والصغر والكبر.
وكذلك الإوز والحمام، ويذكر العدد في الأحياء، ويذكر في سائر الطير مثل ما ذكرنا.
ومن كتاب محمد: ولا يسلم في فداين بقل أو قرظ أو قصب، وإن وصف طولها وعرضها، وجودتها ورداءتها، وغزرها وخفتها.
قال في الواضحة: إذ لا يحاط بذلك، وكذلك القصيل، ولا ينبغي في ذلك كله إلا على أحمال،
[6/ 65]
أو حزم، وصفة معلومة.
قال ابن المواز: وقال أشهب: ذلك جائز كله، ومن لم يجزه؛ لأن الجيد منه مختلف، والوسط مختلف، لزمه ذلك في الحبوب، ولا مقال له في ذلك.
ومن الواضحة: ولا يكون السلم إلا إلى أجل معلوم.
وكره الأجل القريب، كالثلاثة أيام، أو خمسة، وأجازه ابن المسيب، وإن نزل لم أفسخه.
ومن كتاب محمد: قال مالك: ولا خير في السلم إلى يوم أو يومين، كان في طعام أو ثياب أو حيوان.
قال ابن القاسم: وكرهه ابن المسيب، وربيعة، والليث.
قال محمد: فإن نزل، فلو فسخ كان أحب إلي، ولم أصرح به لاختلاف قول مالك فيه.
وروى عنه ابن القاسم، وابن وهب، في السلم في الطعام، قال عنه ابن وهب: وفي الثياب والحيوان إلى يومين أو ثلاثة: إنه جائز.
قال عنه ابن وهب: وغيره أحسن منه.
وقال أصبغ: إن نزل، لم أفسخه، وليس بمكروه بين.
وقال مالك في حناط أعطى على أربعة آصع، على أن يعطي مدًا كل يوم، قال: لا بأس به.
وكذلك في العتبية.
محمد: وقال ابن عبد الحكم: بُعدُ الأجل في السلم أحب إلينا من اليوم واليومين، وكل لا بأس به.
قال محمد: ولو كان على أن يوفيه ذلك بقرية أخرى لجاز، وإن كان حالاً لاختلاف سعر البلدين، فلم يقصد الخطر.
وقال مالك فيمن أسلم في طعام حالاً: يؤخذ بالريف، مسيرة يومين أو أكثر.
قال ابن القاسم: البلدان آجال، لا بأس أن يسلم إليه فيه، على أن يوفيه إياه بموضع كذا، غير بلد التبايع.
قال أصبغ: يريد وإن قرب الأجل، يومًا أو يومين، أو حالاً لا أجل فيه إلا قبضه بالبلد الآخر، فذلك كالأجل البعيد ببلد التبايع.
[6/ 66]
ومن سلف، ولم يذكر موضع القضاء، لم يضره ذلك، وهذا مما لا يحتاج إلى ذكره وليوفه بموضع التبايع في سوق تلك السلعة، فإن لم يكن لها سوق، فحيث ما وفاه من البلد أجزأه.
وقال سحنون: يوفيه ذلك بداره إن لم يكن لها سوق.
ومن العتبية من سماع ابن القاسم: ومن أسلم في طعام إلى أجل يوفيه إياه، على أن على البائع حملانه من الريف إلى الفسطاط، فذلك جائز.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا أسلم فيه على أن يوفيه إياه بموضع سماه، ثم أعطاه دينارًا يتكارى به عليه إلى موضع آخر، فإن كان يقبضه منه بموضع شرط، ثم يتكارى له عليه إلى موضع، فجائز؛ لأنه يصير بعد في ضمان المبتاع، وإن لم يقبضه منه بموضع شرط، لم يجز.
روى سحنون، عن ابن القاسم، فيمن أسلم في مائة دينار، في مائة إردب قمحًا، ومائة كبش موصوفة، يأخذ كل يوم إردبًا أو كبشًا، فذلك جائز.
وقاله مالك في الحنطة، قال: وإن أسلم فيها إلى خمسة أيام، يأخذها، قال: إن وقع لم أفسخه وأنا أتقيه.
قال: وإن مرض المسلم إليه أو أفلس، فذلك ضامن عليه، وإن كان رأس المال في هذا إلى أجل، ولم يقدموه، فلا بأس به، وليس من الدين بالدين.
قال: وإذا مرض الجزار، أو مات، أو أفلس، فبخلاف ذلك، فإن مرض مرضًا بينًا، أو جاء عذر بيِّن، فسخ ما بقي.
وقال غيره: لا يجوز في مسائلك في الطعام والغنم، إلا لمن كان ذلك عنده، وإلا فلا خير فيه.
محمد: قال مالك: وكل ما أسلمت فيه إلى أجل، يحتاج فيه إلى ذلك الشيء، فأخلفك عن وقته، فليس لك فسخ البيع، وكذلك الضحايا يخلفك فيها
[6/ 67]
حتى تزول أيام النحر، وكذلك الراء كله، إلا كراء الحاج وحده، إذ إن زالت أيام الحج، ولم يأت المكتري إلى السلطان يكتري، له فسخ ما بينهما.
وقال في كتاب ابن المواز: من البيوع: وإذا باع على أن يوفيه حقه بأفريقية، ولم يضرب أجلاً، ولعله على خروج، وقد عرف مبلغه ومسيره، أو أسلم إليه على هذا، فأما السلم فأكرهه، ولا أفسخه، وأضرب له أجلاً قدر مسيرة، وأجازه أشهب بدءًا، وأما البيع فمنقوض - يريد في قوله: يوفيه بإفريقية: أنه ببلد منها قد عرفاه.
قال ابن القاسم: ومن أسلم في قراطيس طولها عشرون ذراعًا، فقال المشتري: يأخذ بذراعي.
وقال البائع: بل بذراعي، فليحملا على ذراع وسط.
وكذلك روى أصبغ، عن ابن القاسم في العتبية.
قال أصبغ: هذا حسن، والقياس: الفسخ.
ومن كتاب محمد: ولا بأس أن يسلم إلى أهل الصناعات، وليس ذلك عندهم.
قال مالك: والسلم إلى الحائك في الثياب هو وغيره سواء، إذا كان بصفة معلومة، جاز.
وأجاز ابن القاسم في مسألة سلم الحمير في صغار البغال، قال: إن كان إلى مثل خمسة أيام، فجائز.
قال مالك: ومن أسلم في جز صوف، فسمى ما يأخذ من الفحول، ومن الخصية والإناث، فلا يشتري حتى يقرب جزازه، وإن كان مضمونًا إلى أجل، فليسم الوزن والصفة.
قال ابن القاسم: وإذا تأخر رأس مال السلم إلى محل الأجل، وهو عين، لم يجز.
ثم رجع فقال: لا يفسد السلم بذلك، إلا أن يشترط ذلك.
وقاله أشهب.
قال ابن القاسم: وإن أسلم عشرة دنانير في سلعة، فنقد خمسة، وتأخرت خمسة إلى محل الأجل، فليدفع خمسة، ويأخذ سلعته.
قال ابن
[6/ 68]
القاسم: ما لم يكن بشرط في الصفقة، فإن لم يكن بشرط، وطال التأخير بتعمد أو شغل، فالسلم تام.
وقال ابن وهب: إن تعمد الغيبة، فالسلم تام، وإن لم يتعمد، فسد السلم.
قال ابن حبيب: نحو ما تقدم أنه لا يفسد إلا بالشرط.
وزاد: إذا مطله برأس المال، أو ببعضه والتوى به حتى حل الأجل، فالبائع مخير، إن شاء أخذ منه بقية رأس المال، وأعطاع طعامه، أو يعطيه حصة ما نقده فقط، إن كان نقده بعضًا، وإن لم يلتو المشتري بالثمن، وإنما ذلك بسبب البائع، فالطعام كله لازم له، وليأخذ ما بقي له، وكذلك من باع طعامًا بثمن مؤجل، فلم يقبض المشتري بعض الطعام حتى حل الأجل، فإن كان البائع مطله به، لم يلزم المبتاع إلا ثمن ما قبض، وإن أمطله البائع، فلم يقبض، فليؤد بقية الثمن، ويأخذ جميع الطعام.
قال ابن المواز: كره مالك ترك الطعام عند بائعه بثمن مؤجل.
قال مالك في العتبية: وإن اكتاله.
قال محمد: ولا يفسخ بذلك.
قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يتواضعا الثمن في البيع المضمون.
يريد: حتى يقبض السلعة.
قال ابن حبيب: وأما السلم فيما يشرع في أخذه، ويتصل، مثل اللحم والرطب والفاكهة، فيجوز تأخير الثمن إلى أجل بشرط، وإن كان بين القبض والعقد أجل، لم يجز تأخير الثمن.
وفي باب السلم في ثمر حائط بعينه من هذا، وبقية القول فيه.
في الشراء نم ثمر حائط بعينه والسلم فيه
وشراء لبن غنم بأعيانها والسلم فيه
من كتاب محمد: وأجاز مالك الشراء من ثمر حائط بعينه بعد زهوه، ليأخذ ذلك رطبًا، وإن ضرب للثمن أجلاً، وهو يشرع في أخذه إلى عشرة أيام أو
[6/ 69]
عشرين، واشترط أخذه تمرًا لم يجز، فإن نزل وفات لم يرد، وكذلك في زرع قد أفرط، يأخذه حبًا يابسًا.
قاله مالك.
وكذلك في الواضحة.
قال محمد: قال ابن وهب: كره مالك أن يسلم فيه وقد أرطب.
قال: ولا يدري كيف تأتي الثمرة.
وقد تأتي أقل مما اشترى، وكرهه في رواية أشهب، فإذا زها، قال: وقد تعاد الثمرة، ولا يدري كيف تأتي، وكذلك في زبيب كرم بعينه أو تين، وإن وقع ذلك لم يرد.
ومن البيوع ما لا يرد إذا وقع.
قال أشهب: لا يرد، وإن كان بسرًا.
وقال مالك: أكره السلم في ثمر حائط بعينه، وقد أزهى على أن يأخذه ثمرًا، فإن وقع، لم يرد، وأما شراء ثمرته جزافًا بعد أن طابت ليتركها حتى تيبس، فذلك جائز، بخلاف الكيل، ولا ينبغي أن يشتري ثمرة حائط على الكيل، على أن يأخذه ثمرًا.
وكره مالك شراء لبن شاة أو شاتين، أو الناقة جزافًا، واستخفه على الكيل.
قال مالك: وإنما يشتري منه على الكيل، أو يقدم فيه ما يعلم أنه يجده مأمونًا، وإلا لم ينبغ، وأما جزافًا فلا، إلا في غنم لها عدد، ولكن إن وقع، لم يفسخ، وإن كان ابن القاسم لا يجيزه.
وقد قاله كله مالك.
قال أشهب عن مالك: ولا يسلم في لبنها إلا في إبانه، ويشترط كيلاً، لا يأخذه قبل انقطاعه، ويشرع في الأخذ إلى أيام يسيرة.
يريد: ويستثني ما يأخذ كل يوم.
وقاله ابن القاسم وغيره في موضع آخر.
قال: وتكون الغنم حينئذ ملبنة، لها عدد، ولا يصلح ذلك في الشاة والشاتين، والبقرة والناقة.
قال أشهب: إلا أن يشتري من ذلك يسيرًا على الكيل، مثل الربع وشبهه، مما الغالب أن ذلك منه مأمون.
وأجازه ابن القاسم في الشاة والشاتين على الكيل في الإبان، ويشرع فيه.
وروى أشهب عن مالك نحوه.
[6/ 70]
قال أبو زيد في العتبية، عن ابن القاسم: إذا استوقن أنها تحلب مثل ما شرط، أخذه كل يوم.
وروي عن مالك، أنه أجاز شراء لبن شاة شهرًا، إذا كان شيئًا معروفًا.
وروي عنه أنه كرهه.
قال أصبغ: فإن وقع، لم أفسخه، إذا كان في الإبان، وعرف حلابها، وفيها يومئذ لبن، والغرر فيه وفي العدد سواء، وهو في الواحدة أثقل.
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: من اكترى بقرة أو ناقة، للحرث أو للسقي أشهرًا، ويشترط حلابها، فذلك جائز إن كان في الإبان، وعرف وجه حلابها.
قال أصبغ: لا أفسخه في الشراء والكراء، إلا أن لا يعرف وجه حلابها، فيفسخ.
ولا يصلح السلم في سمن غنم بأعيانها، ولا في جبنها، ولا في أقطها وزبدها، كما لا يصلح شراء ما يخرج من لبن بعينه.
قال أشهب: إلا في الجبن والحالوم، فإني أستخفه؛ لأن وجه ذلك معروف، وإن بولغ في عمله أو يوتر عنه.
ومن العتبية روى أشهب، عن مالك في شراء لبن غنم شهرًا، أنه جائز، فإن ماتت شاة، أو أصابها ما نقض لبنها، وضع عنه، وإن نقضت كما ينقض لبن الغنم فيما عرف، لم يوضع لذلك شيء إذا نقص نقصان مثلها.
من سماع ابن القاسم: ومن اشترى من رجل ثمرة، على أنه إذا أدخلها بيته فهي له كذا وكذا صاعًا بدينار، ولم ينقد شيئًا، فلا بأس بذلك.
[6/ 71]
في السلم في صوف غنم معينة أو في جلودها
أو في زيت أو دقيق من حب بعينه أو من حب أو بذر بعينه
أو عمل شيء من شيء بعينه أو عمل رجل بعينه
أو طحين شيء ببعض ما يخرج منه أو شراء ما يخرج منه
من كتاب محمد: وقال مالك في السلم في صوف غنم بأعيانها: إن كان في إبان جزازها فجائز، وكذلك إن باعها واستثنى جزازها، فجائز في إبان جزازها، وإلا فلا، وإن قل ما يسلم فيه من الصوف، ويجوز أن يتأخر الجزاز إلى عشرة أيام وخمسة عشر.
قيل: أفيشتري جلود غنم أو بقر بأعيانها أحياء؟ قال مالك: إن كان ذلك، وكان متقاربًا، فجائز، وإن جعله بالخيار حتى يفرغ منها وينظر إليها، فإن لم ينقد، فجائز.
قال عنه ابن القاسم: ما هو بحرام بيِّن، وما يعجبني.
وقال ابن القاسم: يفسخ، إلا أن يفوت الجلد، فلا يفسخ.
قال مالك: وإن باعه الجلد، على أنه إن سلم، فلا يعجبني، وإن لم ينقده، ولا بأس بالسلم في زيت زيلون بعينه، أو جلجلان بعينه، على الكيل، وبالنقد فيه إن كان خروجه معروفًا مأمونًا، كما يعرف حال القمح، يسلم في دقيقه، وإلا لم يجز النقد، وأما شراء زيته جزافًا، فلا يجوز بحال، وكذلك لو باعه جلجلانه، وشرط كسبه، وكان باعه ما يخرج منه.
وكذلك شراء زرع يابس بالتين، على أن على البائع تهذيبه، فأما قمح على أن على البائع طحينه، فكرهه مالك، ثم أجازه واستخفه ابن القاسم.
قال مالك: ولا يشترى زيت هذا الحب جزافًا، ولا بأس به على الكيل.
[6/ 72]
قال مالك: وليس حب الفجل بزيته، واللبان بالسليخة مثل الدقيق بالحنطة؛ لأن الدقيق قد عرف كيف يأتي.
قال مالك: ولا بأس بالسمراء من حب زرع بعينه يابس على الكيل، وهو يتهذب إلى خمسة عشر يومًا، وينقد الثمن، وكذلك من طعام في سفينة حتى يفرغ، ولو ترك النقد في طعام السفينة، كان أحب إليَّ.
قال مالك: ويجوز شراؤه وهو زرع جزافًا أو كيلاً، ما لم يشترط في الجزاف تهذيبه، ولو كان أندرًا أو جريشًا م يجز شراء حبه جزافًا، ويجوز على الكيل إن كان في الأندر وفاء مما شرط، ولا يجوز طحين قمح بشيء من دقيقه ولا من نخالته، ولا بدقيق عن حب غيره بعينه، ولا طحينه بنخالته، وكذلك الزيت في عصر الزيتون، وشراء ذلك جائز، ولا خير في بيع خل من هذا التمر بعينه، أو من عنب، أو من زبيب بعينه، ولا بيع ثمر، ويشترط منه خلا، ولا خير في السلم في طوب مطبوخ من هذا الطين، أو من هذا الطوب النيء، ولا في تودة من هذه الحجارة.
وإن ابتاع ثوبًا بقي من نسيجه ذراع، على أن يتمه له، لم يجز.
قال ابن القاسم: إلا أن يبقى مثل الأصبعين، ولا بأس أن يشتري منه تور نحاس، على أن يعمله له إذا أراه بنحاس ووصف ما يعمل، وكذلك ظهارة على أن يعملها له قلنسوة، والحذاء، على أن يجذى له، والثوب، على أن يخيطه له، ويشرع في ذلك.
قال: ويجوز له أن يبيعه قبل قبضه.
قال محمد: بل لا يصلح بيعه قبل قبضه؛ لأنه شيء بعينه لا يصلح الضمان فيه.
قال: وفرق بين الثوب يشتريه، على أن يتم له نسيجه، والتور النحاس يعمله له: أن النحاس إن جاء خلاف ما شرط، كسرة، فأعاده له، والثوب لا يمكن ذلك فيه، ولا يدري كيف يجيبه، ولا يجوز أن يسلم في عمل رجل بعينه، أو عمل شيء من شيء بعينه، مثل نحاس يصنعه قمقمًا، أو ظهارة قلنسوة، ويضرب فيه أجلاً، يكون عليه مضمونًا، ولا يصلح،
[6/ 73]
نقده أو لم ينقده، إلا أن لا يكون مضمونًا ويشرع في العمل، أو في مثل يسير الأيام، وإلا لم يجز، إلا أن يسلم إليه سلمًا مضمونًا، لا يشترط عمل أحد بعينه، ولا من شيء بعينه، وينقده إلى يوم أو يومين، ويضرب للعمل أجلاً قريبًا أو بعيدًا، فذلك جائز، وكره أشهب شراء الثوب، على أن على البائع قصارته وأجازه في الخياطة.
ذكر ما يجوز فيه بيع الجزاف وما لا يجوز
ومن اشترى من صبرة باعها شيئًا
من كتاب ابن المواز، قال مالك: لا يباع جزافًا إلا ما يكال ويوزن، فلا بأس ببيعه جزافًا، إلا في الدنانير والدراهم والفلوس، وكبار الحيتان، ولا يباع ما كثر من الدقيق والثياب جزافًا.
قال: وما عرف كيله أو وزنه، فلا يباع جزافًا، فإن باعه وهو يعلم كيله، فالمبتاع مخير في رده أو حبسه.
قال مالك في كتاب ابن المواز، وابن حبيب: ولو قال البائع: إني أعرف كيله، فيقول المبتاع: رضيت أخذه جزافًا بكذا، فلا يجوز، وقاله مالك.
قال ابن حبيب: قال ابن المسيب: إذا علمت كيل طعامك، ثم اكتلت منه صدرًا، فلا تبع ما بقي جزافًا.
قال ابن حبيب: وذلك إذا عرفت قدر ما بقي في التقدير، فأما إن جهلته لكثرة ما اكتلت منه، فذلك جائز.
وفي العتبية من سماع ابن القاسم، فيمن ابتاع طعامًا كيلاً، فأقام عنده، أو حمله إلى بلد، أو باع بعضه، أيبيع باقيه جزافًا، ولا يدري ما حدث فيه من نقص أو سرقة؟ قال: فلا ينتغى ذلك، إلا أن يخرج منه كيلاً كثيرًا وينساه، أو جزافًا كثيرًا، ولا يدري ما بقي منه، فله بيع باقيته جزافًا، فأما أن يخرج إردبًا أو إردبين، ثم ينسى مبلغه، أو يخرج قدر ذلك جزافًا، فلا يبيع ما بقي جزافًا حتى يتبين، وهو كمن يعلم كيل الصبرة، لقلة ما خرج منها.
[6/ 74]
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: لا يجوز أن يباع ما يعلم أحد المتبايعين عدده من جميع الأشياء، لا قثاء ولا غيره، وهو كالعيب يرد به إن شاء.
قال ابن حبيب: لا يباع ما يعرف أحدهما عدده أو وزنه أو كيله جزافًا، إلا في القثاء والبطيخ والأثرج، وما تختلف مقاديره، فلا بأس بذلك - يريد ابن حبيب: لأن العدد لا يؤدي فيه إلى تعريف اختلاف مقاديره.
ومن العتبية، ابن القاسم، عن مالك: ولا تباع كبار الحيتان جزافًا في أحمال ولا صبر حتى تعد.
ويباع صغار الحيتان جزافًا، مثل صغار الخشب، فأما إذا صار صغار الحيتان في ظروف، فلا يعرف عدد الظروف، بخلاف البطيخ والقثاء في أحماله، وإن كان عظيمًا، ولا بأس بشرائهما مصبرين.
قال مالك في كتاب ابن المواز: ولا بأس ببيع القمح في غرائره، والزيت في زقاقه جزافًا.
قال محمد: يعد العلم بعدد الغرائر الزقاق، وكذلك المسك في جماجمه، وبعد أن تريه من ذلك شيئًا.
قال ابن القاسم، عن مالك في العتبية، وكتاب ابن المواز: ولا يباع القمح في أندره جزافًا قبل يدرس.
قال يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم: ولا بأس ببيع صغير الخشب، أو صغير الحيتان جزافًا، ولا يجوز في كبيرها إلا العدد، فإن صار صغارها في ظروف، كقلال الصبر في سفينة أو في بيت فلا يجوز إلا عددًا.
ومن الواضحة، وكتاب ابن المواز: ولا يجوز بيع ما يعد عددًا جزافًا، من الدقيق، والثياب، والحيوان، والبزور، وسائر العروض التي لا تكال ولا توزن، وقد يكون شيئًا مما يباع عددًا يباع جزافًا، كالجوز، والبيض، ورطب الفاكهة من الرمان، والفرسك، والقثاء، والتين، والموز، والأترنج، والبطيخ، وصغار الحيتان.
[6/ 75]
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: وإنما ذلك في كل شيء له بال منه، وكذلك صغار العصافير، وأما كبار الحيتان والطير، فلا.
قال ابن حبيب: وإنما ذلك فيما يشق عدده مما صغر وكبر مما ذكرنا فما يشق عدده، وأما ما عظم مما سمينا، مثل الأترنج وشبهه مما حزر وحدد مما إذا نظره الناظر أحاط بعدده أو بجله، فلا يباع جزافًا حتى يكثر جدًا، ويعمى أمره، ومن ذلك البطيخ، والطير المذبوح، وكبار الحيتان، وضبه ذلك.
وأما الطير حيًا في الأقفاص، فلا يباع جزافًا، قل أو كثر، حتى يعد؛ لأنه يمرح ويلوذ، ويدخل بعضه في بعض، فيعمى أمره.
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: ولا بأس ببيع برج الحمام بما فيه جزافًا، ولا أعرف شراءه أجلاً مسمى.
قال ابن القاسم: إذا باع جميع ما فيه، أو باعه بما فيه، ونظر إليه، فجائز، وإن لم يعرف عدده.
قال أصبغ: وبعد أن يحيط به بصره وحزره، فرب كبير قليل العمارة، وصغير عامر.
وكذلك في العتبية، وقاله أصبغ، عن ابن القاسم.
ومن كتاب ابن المواز، قال: وما علمت في شيء يباع وزنًا، يجوز بيعه كيلاً.
قال ابن القاسم: ولا يباع القمح بوزن، إلا أن يكون عرف وجه وزنه، ولا بمكيال غير جار، إلا بموضع لا مكيال فيه من الصحارى، وكذلك سائر الحبوب، ولا يبدل المكيل منها وزنًا بوزن.
قال مالك: وما يعد أو يوزن فلا يباع بعضه ببعضه كيلاً، مثل الدنانير والدراهم والفلوس، ولا ينبغي في الفلوس جزاف، ولا كيل، ولا وزن، ولكنه عدد.
قيل لمالك: فما يكثر عليهم كيله مما ابتاعه على الكيل، ومن تمر، أو زبيب، أو دقيق، أو بصل، فيكيل وسقًا، فيزنه، فيعلم ما فيه ثم يأخذه وزنًا؟ قال: إن لم يحتلف، فلا بأس به.
ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك.
[6/ 76]
قيل له: إنا نبتاع العصفر وزنًا، وقد نهى صاحب السوق أن يباع إلا كيلاً؟ قال: إنما كان يباع كيلاً، وهو الصواب.
قال ابن القاسم: ومن ابتاع غرارة مملوءة طعامًا جزافًا بدينار، فذلك جائز، فإن قال: فرغها، واملأها لي بدينار.
لم يجز، وكذلك الصبرة يقول: أعطني بقدر كيلها بكذا وكذا.
ولا يعرف كم كيلها.
قال ابن حبيب: وكذلك قارورة مملوءة دهنًا، يجوز أن يشتريها جزافًا، ولا يجوز أن يقول: املأها لي من هذا الدهن بكذا.
ومن العتبية روى أبو زيد أنه كره بيع التمر عددًا.
قال: وكره مالك بيع الرطب عددًا وأراه مثل التمر.
وقال ابن وهب: إذا أحاط بصره به، صغيره وكبيره، فلا بأس به.
قال ابن القاسم: لا بأس به في اليسير، مما لا يمكن فيه الكيل، وعن هذه النعال السبتية التي يجعل فيها الخفاف، تشترى جلودها موازنة، قال: لا يجوز ذلك.
ولو جاز هذا، جاز بيع الثياب موازنة.
ومن كتاب ابن المواز: ولا يسلم بمكيال قد أبطل.
قال أشهب: إلا أن يعرف قدره من المحدث الجاري.
قال مالك: ومن ابتاع بمكيال، ثم زيد فيه، كان كيلهم التطفيف، ثم صار بالتصبير، فله بالمكيال القديم.
قال مالك: ومن باع ويبة وحفنة، فليسم أي حفنة، وأرجو أن يكون خفيفًا.
وقال: هو جائز بموضع لا مكيال فيه، والمكيال أحب إليَّ، وقيل: هو جائز كمن باع بذراع لم يسمه، فله وسط من ذلك وكذلك الحفنة.
محمد: والحفنة أشد منه.
وكره سحنون الحفنة.
[6/ 77]
ومن العتبية، روى عيسى، عن ابن القاسم، فيمن اشترى مكتلاً مملوءًا طعامًا بدينار، ثم قال: فرغه واملأه لي ثانية بدينار، فإن كان بموضع مكيال لم أحبه، وكذلك لو جاء بغرارة يملؤها له بدينار، وقاله مالك.
قال أبو زيد، عن ابن القاسم: وإن وجد عنده سلا مملوءًا تينًا، وقال: أنا آخذه منك، وأملؤه ثانية من التبن بدرهم، فهو خفيف، بخلاف غرارة القمح، ألا تراه لا يسلم في غرائر قمح، ويجوز أن يسلم في سلال تبن.
وقال سحنون فيمن باع ثلاثة أحمال زبيب، وقال للمبتاع: إن فيها ثمانية أرطال تين أستثنيها.
فقبض المبتاع الأحمال، فوجد فيها أحد عشر رطلاً من التين، فلينظروا إلى الثلاثة الأرطال الزائدة في التين، كم هي من الزبيب بعد طرح الثمانية أرطال سدسها أو ثلثها، فيوضع قدرها عن المبتاع من الثمن.
ومن كتاب ابن المواز، وابن حبيب - وهي في العتبية، من رواية عيسى، عن ابن القاسم: وإذا أراد رجلان شراء صبرة جزافًا، فأبى أحدهما إلا كيلاً، فاشترى خمسة أرادب بخمسة دنانير، الآخر ما بقي بخمسة، فإن كان المكيل منها قدر الثلث فأدنى، جاز ذلك، وإلا لم يجز، وليست بشركة، وإنما باع من الأول خمسة، وباع من الآخر ما بقي بعد كيل له أن يستثنيه.
قال في العتبية: وليست كالغنم، يكون له مائة فيبيع عشرة من خيارها، ثم يبيع باقيها من رجل، هذا لا يجوز، مثل خيار الأول، ويجوز أن يستثني من الصبرة القليل.
والضأن لا يدري ما يبقى منها، والطعام صنف واحد، ليس لما يأخذ منه كيلاً فضل على ما بقي من الجزاف.
وقال مثله ابن حبيب في الصبرة، أو تمر النخلة يبيع منها من رجل كيلاً، ومن آخر باقيها، فإن كان الكيل الذي باع يجوز استثناؤه لقلته، فذلك جائز.
[6/ 78]
ومن العتبية، من سماع ابن القاسم: ومن باع تمرًا جزافًا، ولم يقبض ثمنه، ثم ابتاع منه كيلاً، فإن كان أكثر من الثلث، لم يجز، نقد أو لم ينقد، وإن اشترى إلى أجل، فلا يجوز أن يشتري منه دون الثلث بنقد.
قال سحنون: ولا شيئًا منه بنقد.
قال مالك: وإن تفرقا، فلا يجوز أن يشتري منه أقل من الثلث بنقد، ولا بغير نقد، وإنما يجوز له أن يشتري منه أقل من الثلث إذا لم يتفرقا بغير نقد.
ومن الواضحة: ومن الغرر بيع العنب وغيره من خضر الفواكه بالقمح موازنة، كما لو قال: أعطني بوزن هذه الحجر قمحًا، أو عنبًا بكذا.
وكذلك بيع العنب والتين بشيء من الطعام كيلاً بكيل، أو كيلاً بكيلين، إن كان بقصعة أو بشيء لا يعرف مقداره من الكيل الجاري، فلا ينبغي إلا بموضع ليس به مكيال جار.
في البيع على التصديق في الكيل والوزن
أو قال زن فما نقص أوفيتك
وفي إدخال الظرف في الوزن
من الواضحة: وقد استثقل القاسم بن محمد وغيره بيع الطعام على التصديق في الكيل.
وأجازه كثير من التابعين.
قال مالك: وإنما كرهوه إذا بيع بالتأخير، والذريعة فيه أبين.
ومن كتاب محمد، والواضحة: ومن ابتاع طعامًا سمي له كيله، أو كان حاضرًا كيله، فهو أبدًا على الكيل حتى يشترط فيه التصديق، ولو ابتاعه على الكيل، جاز أن يدعاه على التصديق، ثم لا رجوع للمشتري إلى الكيل بعد ذلك.
وقاله أصبغ.
[6/ 79]
ومن الواضحة: وإذا ابتاعه على التصديق، فألفاه ناقصًا أكثر من نقص الكيل، مما لا يكون غلطًا ومعه بينة، لم يغب عليه دونهم، فله الرجوع بحصة ذلك ثمنًا، فإن لم يجد بينة، حلف البائع، فإن نكل حلف المبتاع، ورجع بما ذكرنا، وما بيع على التصديق مما يكال أو يوزن، فهو كالطعام، ولا يجوز بيع طعام كيلاً أو جزافًا، بشيء من الطعام على التصديق مما يجوز فيه التفاضل، ولا يجوز لأنه طعام بطعام غير ناجز؛ لأنه يجيز كيله بعد التفرق، ومن ابتاع طعامًا على التصديق، فلا يبعه على الكيل، ولا على التصديق قبل أن يكيله هو، أو يغيب عليه، ويدخله بيعه قبل قبضه، إذ لا يتم فيه البيع إلا بكيله، أو الغيبة عليه.
وقاله مالك، وابن كنانة في المسألتين.
وأجازه فيهما ابن القاسم، وابن الماجشون، وأصبغ.
ومن العتبية، ابن القاسم، عن مالك فيمن ابتاع زقًا فيه سمن بقمح جزافًا، وزعم بائع الزق أن فيه عشرة أقساط، فكره مالك أن يأخذ بقول صاحبه.
وأجازه ابن القاسم.
وأخذ سحنون فيه بقول مالك.
وقاله المخزومي.
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب: ومن اشترى صبرة، على أن فيها كيلاً مسمى، فوجدها تزيد، فليرد الزيادة، ويلزمه البيع في الباقي.
واستخف مالك شراء الزيت والسمن في الزقاق وزنًا، ويدخل الزقاق في الوزن، وربما يريد المبتاع حملها كذلك إلى بلد آخر، وذلك أن الناس عرفوا وجه ذلك، ووزنها، والتفريغ.
ووزن الظروف أصح، ولو علم أن القلال في التقارب كالزقاق لأجزت ذلك، ولكن بعض الفخار أغلظ من بعض، فلا أحبه.
ومن كتاب ابن المواز، عن ابن القاسم، ومن العتبية، من رواية عيسى، عن ابن القاسم: ومن لقي رجلاً في سفر، فابتاع منه دهنًا معه، ونقده الثمن، ودفع إليه الدهن وقال له: وزنه كذا وكذا، فإن صدقه، فذلك جائز.
وإن قال
[6/ 80]
له: زنه، وأنت مصدق، وما نقص فعلي، فإن كان يزنه إلى قريب من موضع عقد البيع مثل الميل ونحوه، كان ما يزيده من عصير الدهن الذي باعه فجائز، وإن كان يتأخر وزنه أيامًا، قال في كتاب محمد: أو إلى بلد يبلغها، يريد: وهو عنده.
وقال في العتبية: إلى غاية سفره، لم يجز؛ لأنه ضمنه، وضمن له نقصًا لا يدري مبلغه، نقده الثمن أو لم ينقده.
قال ابن القاسم: أإن كان ما يتم له من الدهن ليس من عصيره ولا من صفته، لم يجز، وإن وزنه بحضرته وقربه؛ لأنه التزم نقصًا لا يدري مبلغه يوفيه من صنف غيره.
قال في كتاب محمد: وإن لم يقل: فما نقص عليَّ.
ولكن قال: يحط بحسابه.
وكان يزنه عن قرب، وذلك جائز إذا شرط ذلك في أصل العقدة، أو جعلاه بعد العقدة، غير أنه لا ينقده إلا قدر ما لا يشكان فيه، فذلك جائز، إذا كان الوزن قريبًا من شروط النقد، ولو اتزنه بموضعه، وشرط ضمانه وحملانه على البائع إلى بلد آخر، لم يجز وفسخ.
قيل: فأين يرده على البائع بموضع الصفقة، أو بموضع القبض؟ قال: بموضع قبضه، فإن مات وكان مما يرد مثله، فليرد مثله هناك، وإن كان مما يرجع إلى القيمة فيه، فقيمته حيث يقدر عليه ويحكم له.
وقال ابن القاسم: قيمته حيث قبضه منه.
قال في العتبية: فإن وقع على أن يزنه ببلد آخر، فإنه يفسخ، فإن فات الدهن، رد مثله بموضع قبضه، إن عرف مثله، وإلا فقيمته بموضع قبضه.
يريد: يأخذ منه تلك القيمة حيث ما لقيه.
في بيع كيل مع جزاف
وبيع صبرتين على سعر متفق أو مختلف
والبيع مع صبرة صفقة صفقة بعد صفقة على الكيل
من العتبية، من سماع ابن القاسم: ولا خير في شراء صبرة طعام جزافًا بمائة دينار، على أن يعطيه من صبرة أخرى شعيرًا خمسين إردبًا بخمسين دينارًا.
[6/ 81]
قال عنه أشهب: ولا خير في شراء صبرة، كل قفيز بدينار، على أن يزيده في الجملة ثلاثة أقفزة.
قال عيسى: قال ابن القاسم: ولا خير في صبرة قمح وعشرة أرادب شعير بدينار.
قاله مالك؛ لأنه خطار ولا يشترى شيء كيلاً مع جزاف من غيره.
قال عنه أصبغ: لا يباع كيل وجزاف من طعام واحد، أو من صنفين، وهو أشر، اتفق السعر أو اختلف، ولا إن كان الكيل قليلاً، مثل إردب أو ويبة، فإني أكرهه، ولا يباع جزاف كيلاً وعروض معه ما كان من شيء لا يباع مع الجزاف، وذلك إذا أخذ جميع ما في الصبرة كيلاً مع العروض؛ لأنه لا يدري ما يبلغه.
وكذلك في كتاب ابن المواز عنه، وزاد: إلا أن يسمي ما يأخذ من الكيل.
فأما أن يأخذ الصبرة كلها كيلاً، ومع ذلك غيره، فلا يصلح ذلك، وكذلك لا يصلح عدد وجزاف على هذا.
قال أصبغ: أنا أقوله خوف الذريعة للمزابنة استحسانًا واتباعًا، وليس بالبين، ولا أعلم من قاله قبله.
وقد أجازه أشهب.
قال أصبغ: قلت له: فطعام واجد في الجودة، وهو صبرتان ابتاعهما في صفقة إيجابًا بسعرين، هذه ثلاثة أرادب بدينار، وهذه إردبان بدينار؟ قال: لا خير فيه، إلا أن يسمي بكم من دينار يأخذ من كل واحدة.
قال أصبغ: وهذا إغراق، وأرجو أن يكون خفيفًا.
ومن العتبية، وكتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا يباع طعامان مختلفان على كيل متفق أو مختلف في صفقة، مثل قمح وتمر، ولا من جنس واحد، والصفة مختلفة، مثل قمح وشعير، أو قمح جيد ورديء، اتفق الكيل أو اختلف، اتفق السعر أو اختلف، إلا أن يسمي كم يأخذ من كل صبرة من دينار في ذلك كله.
قال في كتاب محمد: أو يشتريها جزافًا، فيجوز، اختلفا أو اختلف الثمن.
[6/ 82]
ومن كتاب محمد: ولا خير في أن يباع من شيء واحد كيل وجزاف في صفقة، ولا من صنفين، هذا بكيل أو وزن، وهذا جزاف، كان طعامًا أو أحدهما، أو كانا غير الطعام.
قال مالك: ولا أن تشتري صبرة قمح جزافًا بمائة، على أن يعطيه من صبرة أخرى شعيرًا كيلاً، لم يجز.
قال مالك: ولا يباع الدقيق والثياب جزافًا، ولا يباع دقيق وثياب في صفقة، لا على جزاف ولا عدد، حتى يعلم عدد كل صنف، وإن سمى لكل رأس أو ثوب ثمنًا، اتفق الثمن أو اختلف، ولا يصلح هذا أيضًا في سلعتين مختلفتين تشتريان في صفقة، على أن تكون واحدة بوزن أو عدد، والأخرى جزافًا، ولا يشتري سلعتين مختلفتين، على العدد قبل يعلم عدد كل صنف، كما لا يصلح بيع جاريتين بثمنين مختلفين، يأخذ إحداهما، قد لزمته.
محمد: ومثل أن يبتاع كذلك، هذا كل ثوب بكذا، وهذه الغنم كل شاة بكذا، استوجب جملتها قبل يعلم عددها، ولو اشترى منها مائة ثوب، أو اشترى مائة كبش من الكباش بكذا، جاز ذلك إذا استوت، ولا بأس بشراء صبرتين من جنس واحد، وهما صنف واحد جودة، وجنسًا كل قفيز بكذا بسعر واحد، وكيل واحد صفقة واحدة.
وقاله أصبغ.
ومن كتاب محمد، قال: ولا يجوز ذلك إن اختلف السعر.
ومسألة بيع دراهم سود وبيض مختلطة بسعر متفق أو مختلف في اختصار الصرف.
ومن العتبية، روى أبو زيد، عن ابن القاسم، فيمن باع من رجل مائة فدان من زرعه، كل فدان بدينارين، من ناحية منه عرفاها، وتم البيع، وواعده ليقيس له في غد، ثم ابتاع منه في غد مائة أخرى، كل فدان بثلاثة دنانير قبل يقيس الأولى، فقاس، فلم يجز في زرعه إلا مائة وسبعين فدانًا، قال: مائة منها
[6/ 83]
تحسب بدينار كل فدان، وما بقي حسبه، كل فدان بثلاثة دنانير، ويصير النقصان في الصفقة الأخرى، وكذلك إن باع مائة قفيز من قمح عنده بمائة دينار، ثم باع منه أو من غيره قبل الكيل مائة أخرى بخمسين، فلم يوجد فيها مائتان، فيبدأ بالمائة الأولى، وما بقي فلصاحب الثانية بسعرها، ولا يتحاصان فغي النقصان.
باب فيمن له قبل رجل صوف
فأخذ منه كباشًا مصوفة أو جززًا جزافًا
قال في العتبية: روى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن له قبل رجل مائتا رطل صوف قد حلت، وأخذ منه بها سبعة أكبش مصوفة، وسبعة مجزوزة، فإن عرف قدر ما على المصوفة من الصوف، حتى لا يفوته التقدير إلا باليسير: رطل أو نحوه، فلا بأس به، وإن كان لا يعرف، وفي جهله بذلك عبن كثير، فلا خير فيه.
قيل: فإن أخذ منه بصوفه جززًا من غير وزن، قال: إن تحرى ذلك حتى لا يزيد أو ينقص إلا يسيرًا فلا بأس به، وإن لم يعلم إلا بتغابن كثير فلا خير فيه.
تم الكتاب بحمد الله وعونه
وصلى الله على محمد نبيه
[6/ 84]