النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهاتصفحات 285-313
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإكراه

صفحات 285-313
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زيد القيرواني
الكتاب
النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
المؤلف
أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت
الطبعة
الأولى، 1999 م
عدد الأجزاء
15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يتعد عليهم في ذلك بظلم وزيادة، وكان ينبغي أن يرفق بهم في ذلك ولا يقدحوا، وأما ما باعوا فيما يظلمون به ويتعدى عليهم فهو كبيع المظغوط من المسلمين بالظلم وإذا واجروا أولادهم/في حال الظلم والعداء لم يجز أن يدخل في ذلك، ومن فعله فعليه أجر مثله ثانية ولا يحاسب بالأول، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.

في المضغوط يعطى حميلا، أو يتسلف هل يلزمه؟

وهل يلزمه ما باع من عروضع لذلك؟ قال ابن حبيب: قال مطرف: وإذا أعطى المضغوط حميلا فيما أخذ منه من الظلم لينفسخ في جمع ما أخذ به، فما باع على هذا فهو كبيع من هو في سجن أو كبل.
ولو تغيب فودي الحميل ما ضمن فإنه لا يرجع بذلك على المضغوط لأنه ظلم لم يرض ب المضغوط، ولو أن الحميل ضغط فيما ضمن عنه حتى باع متاعه بالرهق والحبس فهو كبيع المضغوط لا يلزم، وقاله محمد بن عبد الحكم وأصبغ.
وروى بعض الأندلسيين عن ابن مزين عن أصبغ في المكره على غرم مال بغير حق فيتسلف من الرجل في ذلك: إن له أن يرجع عليه بما تسلف بخلاف البيع لأن السلف معروف، قال الفضل بن سلمة: وكذلك على أصله الكفالة لأنها معروف.
في الوالي يغزل فيكره على غرم مال فيبيع فيه رقيقه ومتاعه قال ابن حبيب: قلت لمطرف في العامل يعزله الوالي على سخطة فيغرمه مالا على رهق وعذاب حتى يلجأ إلى بيع رقيقه ومتاعه، أبكون كبيع المضغوط [10/ 285]

المظلوم ويرجع فيأخذ متاعه بلا ثمن؟ قال: لا وإنما قال ذلك مالك في المضغوط مظلوما فأما الظالم المتعدي فبيعه في ضغطته يلزمه ولا رجوع له فيه سواء كان الذي عزله يرد ما/أغرمه على من كان يظلمه المعزول أو يأخذه لنفسه على غير تحرى للعدل فذلك بيع ماض كالمضغوط في حق عليه أو دين يبيعه فيه، لأن إغرام العمال فيما أخذوه للناس ظلما وعاثوا فيه فذلك حق فعله الوالي بهم، وكان عليه أن يرده إلى أهله، فإذا حبسه فهو ظالم في حبسه كظلمه للرعية في غير ذلك، وقد كان ينبغي للوالي أن يغرمهم لكل من طلموه وأخذوا منه شيئا ظلما ولا حجة لهم إن قالوا: أخذنا ذلك لمن ولانا ويقاد منهم لكل من جلدوه بغير حق أو قطعوه، ويقاد منهم في القتل بغير حق وسواء ولي لهذا بطوع أو كره.
قلت له: ومن العمال عندنا من يتقبل الكورة بمال يلزمه نفسه، ثم يأخذ الناس بما شاء من الظلم، فربما عزل عجز ذلك عليه فطولب فيه بالرهق والعذاب حتى يبيع متاعه: نعم بيع هذا ماض عليه كان مطلقا أو غير مطلق حين بيعه، وكذلك متقبلوا المعادن فيما عجز عليهم فيؤخذون بذلك فيبيعون في ضغطة فذلك نافذ عليهم، وقاله وقاله لي ابن عبد الحكم وأصبغ.

في أشرية الأمراء العقار والرقيق من أهل عملهم

قال ابن حبيب: سألت مطرفا عن أشريه الأمراء دور أهل بلدهم ووصفت له حالهم فقلت له: إن أميرهم ربما سخط عليهم فقتل رجالا منهم ونفى الباقين من بلدهم من دورهم وقراهم إلى أقصى بلدهم، ثم أخذ في أشريه ذلك منهم وهم منفيون فيأتي الرجل منهم/فيدخل البلد آمنا حتى يشتري منه قريته أو داره وينقده الثمن ثم يؤمر بالخروج عن بلده إلى موضع كان فيه، ومنهم من يؤذن له بالمقام قال: إذا لم يرد عليهم رباعهم قبل الشراء ردا بينا في أمن حتى يملكوها في أمن إن شاؤا باعوا وإن شاؤا أمسكوا غير منفيين عنها ولا مشردين، فلا يجوز بيعهم ولا يلزمهم، وذلك كالغاصب للشيء يشتريه من ربه قبل أن يمكنه فيه ويرده إليه [10/ 286]

فلا يجوز ذلك إلا على ما بينت لك، قلت: إنهم لم يغصبوهم قراهم: إنما نفوهم منها سخطة عليهم ويقيت خالية إلا أهم ممنوعون عنها ومدفوعون عنها، قال: هذا هو الغصب نفسه، ولا يجوز بيعهم إلا على ما ذكرت لك، أحق بما باعوا أن يسترجعوه ويقاضوا في الأثمان التي أخذوا بما أصيب من غلاتهم أرضهم ودورهم، وعليهم قيمة بني في القراض من البنان منقوضا، قال:: ولو كان إنما باعوا من غير الذي نفاهم ثم خلص المشتري من يد الذي نفاهم، قال: يكون سبيل هذا الشراء سبيل البيع الفاسد إذا كان ممنوعا من صاحبه في وقت بيعه فهو بيع مفسوخ متى ما عثر عليه، وغلته للمشتري، ولا كراء عليه فيما سكن وازدرع، قلت: فما بني في القراض؟ قال: إن كان البائع كان قادرا على حقه حين زال من يد الذي نفاه عنه إلى يد المشتري بإزاله قيمته يومئذ إذا فات بالبنيان، وإن كان البائع كان أبدا ممنوعا من حقه.
وبعد أن زايل يد الذي نفاه عنه إلى يد المشتري حتى لو قام/فيه يومئذ منه فأراه كالمستحق له، وقد بنى بشبهة لأنه يوم فات بالبناء كان ممنوعا معه ففارق هاهنا البيع الفاسد، وليحكم في المستحق من قيمة البناء قائما بعد أن يرد إليه رأس ماله، وهذا إن كان المشتري ليس من أهل الذي نفاهم ولا من أعوانه، فإن كان منهم فشراؤه كشراء الظالم نفسه منهم.
وقال ابن الماجشون: مثل ذلك كله، وكذلك قال ابن عبد الحكم وأصبغ قلت لمطرف: فلو أمنوا بعد تشريدهم فرجعوا إلى بلدهم وأمنوا على دمائهم وأموالهم غير أنهم منعوا من البناء في عراصهم التي تهدمت ومنع الناس جميعا البنيان إلا من كان منهم يحاص فباعوا عراصهم تلك؟ قال: أرى بيعهم جائزا لأنهم باعوا ما قد رد عليهم، ولو شاءوا تركوها في ملكهم إلى أن يؤذن لهم في بنائها إلا أن يكون المشتري هو السلطان الذي منعهم البنيان أو أحد من أعوانه، فيكون كالغاصب، وقال مثله ابن الماجشون وانب عبد الحكم وأصبغ.
[10/ 287]

قلت لمطرف: فشراؤهم رقيق الناس وهم إذا هووا العبد أعطوا ربه بخسا من الثمن ولا يسعه أن يأبى أخذه فيأخذه كارها، قال: هو كبيع المكره ولا يضره قبضه للثمن وله أخذ عبده إذا قدر، وأخذ خراجه أو أجرة عمله إن كان له عمل، ويقاص بذلك في الثمن الذي أخذه، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
قلت لمطرف: فيمن خاف أن يبيع منهم عبده فأعتقه أو دبره أو كاتبه وأشهد سرا: أني أقبل ذلك ليقر العبد عندي ولا يستتبع منه، قال: ذلك جائز إذا أشهدهم حين يريد أن يفعل،/ويشهدهم أو غيرهم على العتق والتدبير، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
فيمن أكره على شراء من يعتق عليه، أو على أن يملك عبده العتق، أو يحلف بالحرية، أو يكره على أن يهب عبده أو يبيعه فأعتقه الموهوب أو المشتري من كتاب ابن سحنون: وقال من خالفنا: وإذا أكره على أن يشتري من يعتق عليه، أو على شراء أمة حلف بعتقها إن اشتراها وقد أكره على شرائها بأكثر من القيمة ففعل أنهما يعتقان، ولا يغرم إلا القيمة ويرجع بما زاد عليها إن دفع الثمن إلى البائع، فيقاصه ولا يرجع على من أكرهه بشيء، وكذلك لو كانت يمينه: إن اشتريتها فهي مدبرة فألزموه التدبير قالوا: وأما لو أكرهه على عتق عبده ففعل فهذا يعتق ويرجع بقيمته على من أكرهه.
قال محمد: وقد نقضوا أصلهم في هذا، ثم نقضوا هذا أيضًا فقالوا: ولو اكرهه على أن يجعل عتق عبده بيد رجل وطلاق امرأته ولم بين بها فطلق الرجل عليه وأعتق: إن ذلك يلزمه ويغرم من أكرهه له قيمة العبد ونصف الصداق.
[10/ 288]

قال محمد: والمكره على شراء ابنه أبين في أن يضمن، لأن ذلك أكره على أن يوكل فأعتق الوكيل وهذا إكراه على شراء كان عنه العتق، فهذه مناقضة وقالوا: لو أكره على أنه يقول: كل عبد أملكه في المستقبل حر، ثم ملك عبدا بشراء أو غيره: إنه حر ولا يضمن من أكرهه وهذه مناقضة، ثم نقضوا هذا فقالوا: ويستحسن أن لو ملكه بميراث أن يضمن من أكرهه/أن يكون إكراهه بقيد أو سجن فلا يضمن قالوا: وإن أكره على أن يقول لعبده: إن شئت الحرية فأنت حر قال: فشاء العبد الحرية، أو على أن يقول له: إن دخلت الدار [فأنت حر]: ثم دخل العبد الدار إنه حر ويضمن قيمته من أكره السيد، وهذا رجوع عن قولهم في الإكراه على شراء من يعتق عليه وقالوا: وإن أكره على أن قال لعبده: إن صليت فأنت حر أو إن كانت أو شربت فأنت حر فقال ذلك، وفعل العبد ذلك: إنه ويضمن من أكره السيد، وأما إن أكره على أن يقول: إن تقاضيت ديني على فلان أو إن أكلت طعاما غدا أو دخلت دار فلان فأنت حر فقال ذلك، وفعل العبد ذلك، فهو حر ولا يضمن من أكرهه شيئا.
قال محمد: وهذا مناقضة.
قال سحنون: والمكره على شراء من يعتق عليه أو على أن يحلف بعتق من يملك إلى أجل فيفعل، أو على تمليك العبد العتق، أو على أن يحلف بحريته إن فعل كذا وكذا فيفعل ذلك، ويكون ما حلف عليه، فذلك كله باطل لا يلزمه.
وقال من خالفنا: وإذا أكره على أن يهب أمته وعلى أن يدفعها إلى الموهوب ففعل فأعتقها الموهوب أو دبرها أو أولدها فذلك ماض، ولربها تضمينه قيمتها، ثم لا يرجع الغارم بشيء على متولي الإكراه، ولربها طلب الذي أكرهه بذلك ثم يرجع بما ودي على الموهوب.
[10/ 289]

قال سحنون: ذلك كله باطل ولربها أخذها، وإن أولدها الموهوب فهو زان ولربها أخذ الولد معها رقيقا، وله في التي ولدت خاصة تركها وتغريم/المكره له قيمتها لأن الولادة تنقصها وليس له ذلك في العتق والتدبير لأنه لم ينقصها، وكذلك المشتري على الإكراه يولدها إذا علم بالإكراه فهو كالغاصب، وليس له في العتق والتدبير تضمين واحد منها لا متولي الإكراه ولا الموهوب إلى المشتري، وللمكره في البيع إجازة البيع وأخذ الثمن وله أن يضمن من أكرهه قيمتها إذا ولدت ثم يرجع إذا ودي القيمة على المبتاع بالأقل منها أو من الثمن، ويرد الثمن أو يقاصه به.
قال سحنون: والإكراه علي البيع والهبة غير مزيل للملك، فما أحدث المشتري في ذلك فهو في غير ملكه، وقد جامعونا فيما أحدث من بيع أو هبة أو صدقة: أنه مردود وإن قبض بذلك وفرقوا بين ذلك وبين من أحدث من عتق وتدبير وإيلاد، ولا فرق ببين ذلك، وما جامعونا فيه حجة لنا فيما خالفونا فيه من ذلك.
وفي باب الإكراه علي البيع تمام القول في هذا والحجة فيه.
فمن أكره على أن يفعل شيئا فيفعل غيره، مثل أن يكره على أن يبيع فيهب أو يبيع على غير الوجه الذي أكره عليه، أو على أن يهبه فيتصدق عليه، أو يحله، أو على الصدقة فوهبه ونحو هذا قال ابن سحنون: قال سحنون: ومن أكره بوعيد بقتل أو قطع وما فيه تلف أو يقيد أو بسجن على أن يبيع أمته من فلان/فوهبها له إن ذلك باطل، لأنه فعل مكره، وكذلك لو أكره على أن يقر له بألف درهم فوهب له ألف درهم فذلك باطل حتى يهبه وهو آمن.
[10/ 290]

وقال من خالفنا في الوجهين: إن ذلك جائز، وجامعونا على أنه إن أكره على أن يبيع أمته ولم يسم له أحد فباعها أن البيع باطل، ويلزمهم أن يجيزوا البيع لأنه لم يكره على البيع من هذا بعينه كما قالوا: إذا أكره على أن يقر له فوهب له أن ذلك لازم قالوا: وإن أكره على أن يبيعها من فلان بألف درهم فباعها منه بألف دينار: إن القياس إجازة البيع، وفي الإستحسان إبطال البيع لأن الدنانير والدراهم شيء واحد في البيوع، قال محمد: وإذا كان شيء واحد فهو نقص لما قالوا إذا أكره على أن يقر له بألف درهم فأقر له بمائة دينار إن ذلك حائز ولا فرق بين هذا.
وقال سحنون: لا يجوز البيع في جميع هذا وكذلك لو أخذ بمال ظلما أو كره على أدائه ولم يكره على بيع شيء فباع شيئا ليؤدي ذلك: إن البيع باطل وغيرنا يجيزه، وذلك باطل لأن الإكراه سببه وقد تقدم هذا في باب آخر.
قال سحنون: وإذا أكره على أن يهب الرجل فيتصدق عليه أو على أن يتصدق عليه فوهبه فذلك غير لازم.
وقال أهل العراق: إن ذلك يلزمه لأنه غير ما أكره عليه.
قال سحنون: وهذا فاسد/إلا أن يكون قادرا على إمساك سلعته والامتناع من الأمر الذي يزيلها عن ملكه فهو إن أخرجها من ملكه بأي معنى كان قادرا ألا يفعله فهذا يلزمه ما فعل.
وقد جامعونا على أنه إن أكره على أن يهبها له ويدفعها إليه فنحلها له أو أعمره إياها: إن ذلك باطل قالوا: لأن الهبة والعمرى والنحل بمعني واحد والصدقة غير ذلك وقلنا: وإنما بطل ذلك لأنه فعل عن إكراه.
قال سحنون: ولو شهد شاهدان على رجل لرجل فقال أحدهما: إنه نحله هذه الدار وقبضها، وقال الآخر: إنه أعمره إياها كانت الشهادة مختلفة وإن [10/ 291]

ادعى المدعي شهادتها بطلت كلها، وإن ادعى شهادة أحدهما حلف معه وقضي له، لأن العمري عندنا راجعة بعد موت المعمر إلى صاحبها بخلاف الهبة.
ولو شهد أحدهما بالهبة لغير ثواب، وشهد الآخر أنه نحله أياها أو تصدق بها عليه فهذا معنى واحد ويقضي بها للمدعي.
ولو قال: إنه تصدق بها عليه وقال الآخر: إنه وهبها له للثواب فالشهادة مختلفة، وإن ادعى أحدهما حلف مع شاهده بذلك، فإن ادعى هبة الثواب غرم الثواب، وإن ادعى شهادتهما جميعا بطلت دعواه.
قال سحنون: وإن أكره على أن يهب ويدفع فوهب على عوض ودفع وقبض العوض فذلك غير لازم له.
قال: ومن خالفنا يلزمه ذلك لأن هذا كالبيع.
قال سحنون ولو/أكره على أن يهب على عوض فوهب على غير عوض فلا يلزمه، لأنه إنما أكره على إزالة الملك، وقال أهل العراق: ذلك يلزمه.
قال محمد: وقد جامعونا إنه إن أكره على أن يهب على عوض ويدفع فباع ذلك ودفع وقبض: أن ذلك باطل، وكذلك إن أكره على البيع فوهب على عوض، وهذا دليل أن الإكراه إنما على إزالة الملك، قالوا جميعا: وإن أكرهه على أن يهبه ويدفع ففعل ثم عوضه الآخر بغير إكراه فقبله، فذلك إجازة منه لهبته.
قال سحنون: وذلك إذا قبض العوض آمنا في موضع لو قام المكره على هبته لأخذها، فإن قال المكره: لا أسلم العوض وقد سلمت أنت الهبة حين رضيت بالعوض فلا أدفع أليك العوض، فليس له ذلك لأنه إنما أسلم الهبة على العوض فهو كإشتراط العوض، قالوا جميعا: ألا ترى لو وهب رجل جاريتي وقلت له: عوضني منها فعوضني عوضا قبضته كان هذا إجازة للهبة، وإن أبى هو من [10/ 292]

العوض فليست بإجازة، وكذلك لو أكره على بيع عبده بألف درهم وعلى دفعه وقبض الثمن ففعل ثم قال له: زدني في البيع كذا على أن أجيز البيع فلا تكون إجازة حتى يزيده الآخر، وإن لم يزده فله رد البيع.
قال سحنون: ولو أكرهه على أن يبيع منه بيعا فاسدا فباعه منه بيعا صحيحا فإن كان قادرا على أن لا يبيعه منه فبيعه يلزم، وإن كان لا بد أن يخرجه من ملكه بهذا البيع أو بغيره فلا بلزمه البيع.
وكذلك على أن يبيعه منه بيعا فاسدا أو يدفعه إليه فباعه بيعا صحيحا ودفعه إليه.
وقال/من خالفنا: البيع لازم، لأنه غير ما أكره عليه.
قال محمد: ويدل على ما قلنا أنا وإياهم مجمعون على أنه إن أكرهه على أن يبيعه منه بيعا صراما أو يدفعه إليه فباعه منه بيعا فاسدا ودفعه إليه ففات عند المشتري فإن ضمنه لم يرجع على من ولي الإكراه، وإن ضمن من ولي الإكراه رجع على المبتاع إذا أكرهه على بيع جائز فباعه بيعا فاسدا ودفع فلم يخالفه لأنه باعه بيعا دنه ما أمره به.
قالوا جميعا: وإن أمره أن يبيعه بألف نقد بيت المال فباعه بألف غلة فلا يلزمه هذا حجة عليهم.
وقالوا في المكره على هبة نصف دار مقسوم ويدفعه، فوهبه جميع الدار ودفعها فالهبة جائزة ولا ضمان على من أكرهه، وكذلك لو أمره أن يبيع منه نصفها مقسوما ويدفع إليه فباعه جميعها فذلك جائز في القياس، ولا يضمن من أكرهه شيئا، ولو قسم كما أمره في إكراه البيع أو الهبة ثم باع أو وهب نصفا مقسوما فالذي أكرهه ضامن، وهذا القياس ولكنا نستحسن فلا نجيز هبته ولا بيعه في [10/ 293]

شيء مما أكرهه عليه من مقسوم ولا غيره، وكذلك إن أكرهه على أن يبيعه أو يهبه شيئا من هذه البيوت فباعه البيوت كلها أو وهبها له كان ذلك باطلا في الإستحسان، لأنه أكرهه على بعضه.
قال محمد: وهذا رجوع إلى قولنا وليس باستحسان ولكنه قياس.

فيمن أكره على فعل شيء فيفعله أو أكثر منه، أو يفعله وشيئا غيره

أو على البيع فباع ودفع، أو على إقرار بشيء فأقر بأكثر منه أو بأٌقل أو به وبغيره؟ قال ابن سحنون: قال سحنون وغيره ممن لقيت من علمائنا فيمن أكره بوعيد بقتل أو قطع أو ما فيه تلف أو بقيد أو سجن على أن يهب نصف دار شائع أو غير شائع، وأن يدفعه، فوهب الدار كلها ودفعها، إن ذلك باطل لا يلزمه منه شيء لأنه عن إكراه.
قال سحنون: ولو أكره على بيع عبده من رجل بألف درهم ولم يأمره بدفع فلا ضمان على الذي أكرهه إن هلك العبد وكان المبتاع عديما.
وقال صحابنا وأهل العراق: لأنه لم يأمره بالدفع إنما أمره بالبيع.
قال سحنون: ولو هلك العبد بيد البائع فلم يقبضه المبتاع فهو من البائع.
قال أهل العراق: وينبغي أن يجوز إذا كان هو الدافع من غير إكراه وقال سحنون: ينظر إلى دفع المكره: فإن دفعه وهو آمن لو شاء أن لا يدفعه أمكنه فهو إجازة للبيع، وأما إن دفعه وهو لا يقدر فليس بإجازة.
قال أهل العراق: وإذا أكرهه على بيع عبده بوعيد بقيد ونحوه وقال: قد حلفت لتبيعنه منهم فباعه منهم، فقد خرج الذي أكرهه من يمينه، فإن دفعه البائع إلى المشتري على ذلك البيع بغير إكراه وقبض منه الثمن جاز البيع وخرج من الإكراه.
[10/ 294]

قال سحنون: إن دفعه يقدر أن لا يدفعه على ذلك البيع فذلك إجازة للبيع وخرج/الحالف من يمينه، وإن دفعه على غير ما وصفت لم يكن بإجازة للبيع ولم يخرج الحالف من يمينه.
قال سحنون: ولو أكوهما على بيعه ولم يذكر دفعا فوهبه ودفعه إلى الموهوب فقبضه فهلك عنده، فإن دفعه وهو قادر على أن لا يدفعه فلا ضمان على الذي أكرهه، لأن هذا متطوع بالدفع، وإن دفعه وهو قادر على أن لا يدفعه فالذي أكرهه ضامن لقيمته، وقال من خالفنا: إذا ملك عنده كان الذي أكرهه ضامنا لأمن أمره بالهبة ولم يأمره بالدفع فقد أمره بالدفع قالوا: ولا بشبه البيع لأن البيع يتم قبل القبض، والهبة لا تتم إلا بالقبض، وإذا قبضه في الهبة فليس للواهب منعه، وإذا قبضه في البيع بمحضر البائع ولم يأمره بقبضه فله أن لا يأخذه منه حتى يدفع الثمن.
قال سحنون: البيع قد يفارق الهبة، وأما ما فوق فيه هذا بينهما فلا يفترق وإذا قبضه بمحضر من البائع فليس له أن يسترده وقال من خالفنا: وإذا اكره على أن يهب لرجل جاريته أو ألفا وقال له: وادفع ذلك أو لم يقل ففعل ودفع ذلك وقبض منه، فالهبة باطل وكذلك إن أكره على البيع والدفع.
قال محمد: وقد ناقضوا في هذه لأنه إذا دفع ولم يكره على الدفع فهو متطوع على أصلهم إذا أقر بأكثر مما أكره عليه، وكذلك قالوا: لو أكره على هبة جارية لزيد فوهبه الجارية وأخرى دفعها إليه: إنه يلزمه/في غير المسماة ويبطل في الأخرى، وكذلك لو وهب المسماة لزيد لزيد ولخالد معه جازت حصة خالد منهما وبطلت حصة زيد عندهم، ولو أكرهوه على أن يهب لزيد ألفا بعينها فوهبه ألفا وخمسمائة ودفع إليه ذلك فقبضه، جازت الهبة في الخمسمائة وبطلت في الألف، ولو لم يهبه إلا خمسمائة لبطلت.
قال سحنون: ويبطل الإقرار كله ولا يصح ما زاد على ما أكره عليه ولا غيره، وكذلك هبته لجارية لزيد ولخالد لزيد وذلك كله باطل، وقول مخالفنا في المكره [10/ 295]

على أن يقر لزيد بألف فأقر بها لزيد ولآخر غائب: إن ذلك باطل كله: رجوع منهم عن هذا ولا فرق بين ذلك.
قال بعضهم: لو أكره على أن يعتق نصف عبده فأعتقه كله فهو حر في القضاء وفيما بينه وبين الله، ويغرم له الذي أكرهه جميع قيمته، وفي هذا رجوع منهم إلى قول سحنون في المكره على أن يقر بألف فأقر بألف وخمسمائة: إن ذلك كله باطل.
قال سحنون: ومن أكره على أن يقر لفلان بألف درهم فأقر له بخمسمائة درهم أو بأكثر من ألف أو بمائة دينار أو بجارية أو بعروض فهذا كله باطل، وكذلك لو أكره على أن يطلق امرأته واحدة فطلقها اثنتين أو ثلاثا لم يلزمه شيء لأنه عن إكراه خلص به نفسه، قال: ولو أكره على أن يقر بصنف فأقر بصنف آخر وهو آمن غير خائف، فهذا يلزمه، وكذلك ما زاد من عدد الطلاق وهو آمن فإنه يلزمه أو بعتق نصف عبد فأعتق/جميعه، وأما إن كان لا يخرجه من العقوبة إلا إقراره بما سمي له أو بغيره فلا يلزمه شيء مما أقر به وكذلك الطلاق.
وقال غيرنا: إن أكره على الإقرار بمائة درهم فأقر بمائة دينار فذلك يلزمه، وكذلك إقراره بغير الصنف الذي أكره عليه لأنه لم يكره على ما أقر به، ولو أكره على أن يقر بألف فأقر بألف وخمسمائة لزمته الخمسمائة الزائدة فقط، قالوا: ولو أكره على أن يقر له بألف فأقر بألف له ولآخر غائب فلا يجوز من ذلك شيء أنكر الغائب أن يكون الحاضر شريكه أو أقر.
قال بعضهم: إن قال الغائب: صدق المقر والمال بيننا نصفين، بطل جميع الإقرار إذا لا يصح للغائب شيء إلا دخل معه الآخر، وإن قال الغائب: لي عليك نصف المال ولا شركه بيني وبين الحاضر جاز إقراره للغائب وبطل للحاضر.
[10/ 296]

في الإكراه على أبراء من الحق، أو تسليم الشفعة ن أو على الصلح من الدم، أو على العفو عنه قال ابن سحنون: أجمعنا ومن خالفنا على أن من له حق على رجل من مال أو كفالة بنفس أو بمال فأكره بوعيد بقتل أو سجن على أن أبرأ المطلوب من ذلك: إن البراءة باطل، وكذلك على تسليم الشفعة بعدما طلبها: أن التسليم باطل، ثم نقض ذلك من خالفنا فقالوا: إن أكره على العفو مما وجب له من القصاص من نفس أو جرح: إن العفو يلزمه ولا شيء على الذي أكرهه.
قال محمد: ولا فرق/بين هذا وبين الأول وقالوا معنا: لو قيل للشفيع: إن طلبت شفعتك لنقلنك أو لنعذبنك أو لنسجننك فسكت ولم يطلب فلا تبطل شفعته، ولا فرق بين هذا وبين العفو عن الدم، قال سحنون: ولو قال: إنما كففت عن طلب الشفعة للإكراه، وقال المشتري: لم يكف للإكراه ولكنه لم يرد أخذها فالقول قول الشفيع إذا ظهر الإكراه قال: ومن له على رجل دم عمد فأكره على أن يصالحه منه على ألف درهم، والآخر غير مكره، فالصلح باطل إلا أن لولي الدم أن يجيز ذلك فإن أجازه لزم ذلك من قبله الدم، وودي الألف درهم وليس له أن يأبى ذلك، لأنه غير مكره على الصلح، وكذلك لو أقر ولي الدم: أنه كان وقت الإكراه راضيا بالصلح على الألف لزمه ذلك ولزم الذي قبله الدم، غرم الألف ولا شيء لصاحب الدم على الذي أكرهه، ولا شيء للذي قبله الدم عليه لأنه لم يكرهه.
[10/ 297]

في الإكراه من القاضي أو غيره على الإقرار بالحدود، وكيف إن سجنه في شيء من ذلك فأقر به في السجن؟ ومن قتل رجلا في داره ثم ادعى أنه كابره على ماله، أو أنه أكثر من تعرض زوجته؟ قال ابن سحنون: قلت لسحنون: قال أهل العراق: من أكرهه قاض بضرب أو تهديد أو بسجن أو قيد حتى أقر بحد أو قصاص أو غير ذلك من الحدود فذلك باطل، ولا يؤخذ بشيء منه، ولو أكرهه حتى أقر بذلك ثم خلى سبيله ثم أخذ بعد ذلك فجيء به فأقر بذلك/بغير إكراه محدث، فإنه يؤخذ بذلك كله، ولو أنه لم يخل سبيله أولا ولكن قال له: إني لا آخذك بهذا الإقرار ولا أعرض لك، فإن شئت فأقر وإن شئت فلا تقر وهو في القاضي بحاله، فذلك باطل وكونه في يدي القاضي كالسجن، ولو خلى سبيله فلم يتوار عنه حتى رده فأقر بمثل ذلك بغير إكراه فذلك سواء، ولا يلزمه وهو كما لو خلاه وبعث معه من يحفظه وذلك باطل.
قال سحنون: القاضي الذي يكره الناس حتى يقروا بالحدود ظلما وتعديا وليس المكره من أهل التهم فلا يقع عليه اسم قاض، وهو بأن يسمى باللصوصية أقرب، وإقرار المقر باطل، ولو رفع إلى القاضي رجل يعرف بالسرقة والدعارة مأبون بذلك فادعي ذلك عليه فحبسه لاختبار ذلك فأقر في السجن بما ادعي عليه فهذا يلزمه وهذا الحبس خارج من الإكراه، لأن القاضي إنما فعل ما هو له لازم وقد تقدم الحبس على الجوار يحبس رجلا حتى يقر وليس من أهل الدعارة والتهم فإقراره باطل.
[10/ 298]

وفي كتاب السرقة: باب في الإقرار بالسرقة عن سجن أو محنة وقيد: روى عيسى عن ابن القاسم: أنه أقر بعد عشرة أسواط أو حبس ليلة فلا يلزمه إقراره.
وقال ابن المواز: قال مالك: إذا أقر بشيء من الحدود بعد سحن أو تهديد ثم رجع فإنه يقبل رجوعه.
قال ابن القاسم وأشهب: لا يقطع ولا يغرم رجع أو لم يرجع وإن ثبت على إقراره إلا يجيز بأمر تتبين به حقيقة إقراره أو بعين السرقة، قال أشهب: ويعرف أنها للمسروق معه، أو بقي بعد ذلك آمنا.
ثم عاد الكلام/إلى كتاب ابن سحنون.
قال سحنون: وليس قول من خالفنا: ما دام لم يتوار عن نظر القاضي وما دام في حبسه بصواب، والصواب أنه إذا أقر من طريق الخوف الذي أصله ظلم وجور فإقراره باطل، ثم إن أقر بعد ذلك آمنا مطمئنا قد علم أن الخوف والتهديد قد أمن منه فإقراره لازم.
قال سحنون: فإن أقر عند القاضي من طريق الإكراه والظلم فأقام القاضي ذلك الحد من قطع يد أو ضرب، فعلي القاضي القصاص فيما فيه القصاص، والأرش فيما لا يقص فيه من الجراح، ولا أرش عليه في ضرب الحدود وعليه فيه الأدب.
وقال من خالفنا: إذا أقام عليه القاضي ما أقر به من ذلك، فإن كان المقر في الإكراه من أهل التهم: فالقياس أن يقتص من القاضي فيما فيه القصاص، وما كان لا قصاص فيه من ضرب ونحوه جعل عليه أرش ذلك في ماله، ولكنا نستحسن فنجعل عليه أرش ما يستطاع فيه القصاص أو لا يستطاع في ماله، وإن كان المكره لا يعرف شيئا من ذلك فإنا نأخذ فيه بالقياس فيقيد فيما يقدر على القصاص فيه، ويؤخذ منه الأرش فيما لا يستطاع فيه القصاص.
وقال مثله إبراهيم النخعي في قتيل يوجد في دار فيقول: كابرني على مالي فقتلته [10/ 299]

بالسيف: إنه ينظر فإن كان المقتول دارعا معروفا بالشر بطل دمه، وكان على القاتل الدية، وإن كان لا يتهم بذلك قتل به.
قال سحنون: وقال أصحابنا: المغيرة وغيره: إن كان القاتل قد أشهد قبل ذلك أذى هذا المقتول، وأشهد على ذلك وشكاه، والمقتول/متهم في نفسه بما ذكر عنه فدمه هدر، ولا قود على القاتل ولا دية.
قال ابن القاسم: كتب إلي والي المدينة في رجل تأذى برجل في امرأته وأشهد عليه وحذره نفسه، ثم أصابه مع امرأته فقتلهما، وأتى برجال فأراهم الحال قال: وكان القاضي يومئذ يحيى بن سعيد، وكان ربيعة حاضرا فكتب يعني الوالي: إن كان قد أشهد عليه وحذره فدمه هدر، وذلك إذا أشهد عليه بحضرته أو يكون قد تأذى به فبلغه ذلك وبلغه الإشهاد عليه خوفا أن يقتل رجلا لم يحذره ولم يشهد عليه.

في إكراه الخوارج المتأولين وغير المتأولين، ومن دخل عليك من لص هل تقتله ولا يعلم

؟ قال ابن سحنون: قال أصحابنا وأهل العراق: وإذا غلب خوارج متأولين على بلد فأكرهوا رجلا على فعل شيء كغير المتأولين من اللصوص، فما جاز له فعله بالإكراه من اللصوص جاز له بإكراه الآخرين وكذلك أهل الحرب إكراههم إكراه ويبيح له ما أبيه في اللصوص، أكره بوعيد بقتل أو تلف، قال أصحابنا: أو بقيد أو بسجن، قال غيرنا: ولو رأيت من ينقب عليك بيتا أو دخل عليك من نقب أو غير نقب وخفته إن أنذرته أن يضربك بالسيف وكان على ذلك أكبر منك فلا بأس أن تقتله قبل أن يعلم إذا خفت إن أعلمته قتلك.
[10/ 300]

وقال سحنون: لا يجوز أن تقتله لظنك، ولكن لو/وقف عليك بالسيف فقال: إن تحركت أو تكلمت قتلتك، فلك أن تحتال حتى تضربه أو تقتله من حيث لا يعلم.
قال محمد: قال أصحابنا ومن يخالفهم: وما أكره أهل الحرب الرجل المسلم بما لو أكرهه اللصوص أو الخوارج عليه لم يسعه فعله من قتل مسلم أو قطع يده فلا يسعه فعله بإكراه أهل الحرب.
قال سحنون: وقال أصحابنا جميعا: إن ما يضمن فيه اللصوص بإكراههم من أكرهوه على مال استهلكه، أو قتل أمره به، أو قطع أوجب به القصاص، أو قتل خطأ أوجب الدية على عواقلهم، أو عمد لا يستطاع فيه القصاص، فوجب الأرش في أموالهم بإكراههم، فكل ما أكره على مثل هذا الخوارج المتأولون أو أهل الحرب المشركون أكرهوا مسلما حتى فعل ذلك ثم تاب المتأولون أو أسلم المشركون فلا ضمان عليهم في ذلك.
قال مالك: الدماء موضوعة عن الخوارج، ولا يؤخذ من الأموال إلا ما وجد بعينه، وتوضع عنهم الحدود في وطء النساء.
قال محمد: وقال أصحابنا وأهل العراق: ولا ضمان على من أمروه بذلك، ولو غنموا لنا إماء فاقتسموهن على التأويل وأولدوهن ثم ظهرنا عليهم، فإنهم يرددن إلى ساداتهن ولا حد على من وطئهن، وكذلك ما وطئوا من الحرائر على وجه الملك بالتأويل لا حد عليهم فيها ولا مهر ولا ما نقص الأمة، وأولادهم من الإماء أحرار لاحقون بهم.
وفي الباب الذي هذا عقبه مسألة من/قتل رجلا في داره ثم ذكر أنه كابره على ماله أو أكثر من أذاه في زوجته.
[10/ 301]

في الإكراه فيما يجعل الرجل على نفسه لله، أو يحلف به،

وفيما يكفر به عن ظهاره أو غيره.
قال سحنون: قال أصحابنا فيمن أكره على أن جعل على نفسه شيئا من أعمال البر من صدقة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو أو غير ذلك من البر أنه لا يلزمه، وكذلك على أن يحلف بذلك: ليفعلن فعلا من البر أو المعصية فذلك كله لا يلزمه، وقال غيرنا: يلزمه النذر بالإكراه واليمين به من حج أو غيره، ويلزمه ما ألزم نفسه، قالوا: وذلك عندنا كالطلاق والعتاق، وكذلك لو أكره على اليمين بالله على أن لا يفعل شيئا ثم فعله فعليه الكفارة.
قال محمد: وأصحابنا لا يلزمونه يمينا ولا كفارة، وكذلك المكره على الظهار عندنا، وغيرنا يرى أن يلزمه ذلك ويلزمه ذلك ويلزمه الكفارة، قالوا: ولو أكرهه على الكفارة لم يجرع بها عليه لأنها تلزمه، قال سحنون: له أن يرجع عليه بالكفارة إذا أكرهه على إخراجها لأنها لا تلزمه، يريد: في ظهار أو يمين.
قال محمد: ثم نقضوا هذا فقالوا: إن أكرهه بوعيد بقتل أو ما يخاف منه التلف على عتق عبده من ظهاره فالعبد حر، ويرجع عليه بقيمته.
ولا يجزيه عن ظهاره، ولو قال: أنا أبرئه من القيمة حتى يجزيني عن ظهاري لا لإكراهه، فذلك يجزيه ولا يرجع عليه بشيء، فإن قال: لم يخطر هذا ببالي وأوردت به عتقا عن ظهاري: فلا يجزيه ويرجع قيمته، ولو أكرهه بحبس أو قيد أجزأ عنه ولا يضمن من أكرهه، قال محمد: وإبطالهم لكفارة الظهار دليل على كفارة الطعام وهذا كله لا يلزمه عندنا ولا يمين الإيلاء لو أكره عليه، وكذلك لو أكره على أن يقول: إن قربتها فهي طالق، أو فعبدي حر: أو أم ولد حر، فذلك كله ساقط، ولو أكرهه على أن يكفر عن ظهاره بعتق وهو ملي، فأعتق عن ظهاره لا يريد الكفارة وإنما فعله من أجل الإكراه فلا يلزمه العتق، ولو كان مريدا بذلك كفارة الظهار أجرأه ولزمه ولا شيء له على من أكرهه، وإن أكرهه على عتق عبد من عبيده بعينه فأعتقه كان مثل ما وصفت لك، وإن أعتقه للإكراه وهو غير مريد للكفارة لم [10/ 302]

يلزمه العتق، وإن كان حيا أعتقه مريدا للكفارة به عن ما لزمه من الظهار أجزأه ولا شيء له على من أكرهه، وكذلك لو أكرهه على التكفير عن يمين كان حانثا فيها فيكفر بعتق أو صدقة أو كسوة وهو مريد للكفارة أجزأه، ولا يرجع على من أكرهه بشيء، ولو أكرهه على أن يعتق عبده بهذا ففعل ولا يريد الكفارة فلا يلزمه العتق، ولو قال المتظاهر: قد كنت غير مريد للعتق ولا للكفارة، ولكن الآن أمضي ذلك العتق ويريد به الكفارة وهو الآن آمن، فإن ذلك جائز ويجزئه لأن العتق الأول لم يكن/يلزمه ولا شيء له على من أكرهه.
قال سحنون: ولو أكرهه على كفارة اليمين بوعيد بقتل أو سجن أو غيره على الصدقة أو على يكفر عن ظهاره بالطعام وهو لا يقدر على عتق ولا صوم فكفر مكرها، فإن أراد الكفارة أجزأه، وإن لم ينو ذلك لم يجزه، وله رد الصدقة ممن أخذها إن قدر، وإن أكلوها وهم يعلمون أنه مكره يضمنوها إن كان لهم مال، فإن لم يكن لهم مال رجع بالكفارة على من أكرهه، فإن وداها لم يرجع بها على المساكين ولو أكره على أداء كفارة اليمين فواداها فليس له على من أكرهه شيء إذا لم يكن يكرهه على صنف بعينه، وإنما أكرهه على التكفير منهما فكفر بما أراد، ولو سمى له صنفا فكفر به ثم قال: ما كنت أريد أن أكفر إلا بغيره، فهاهنا يقع الضمان على ما ذكرنا إن كان المساكين عالمين بذلك أو غير عالمين، وأما العتق فلا يلزمه ولا ضمان على المكره في العتق، وكذلك في كفارة الظهار إذا لم يسم له في الإكراه نوعا بعينه، فلا يضمن، وأما إن أكرهه على عتق عبده فقال المتظاهر: ما أردت عتقه عن ظهاري وإنما أردت غير، فلا يلزمه العتق والعبد رقيق.
وإذا أجبره على أن يكفر بالطعام فهو كما وصفنا في كفارة اليمين، ولو أكرهه في الطعام على أن يعتق ولم يسم له عبدا بعينه وه ملي، فلا ضمان على من أكرهه، فإن أعتق هذا يريد: الكفارة فهو يجزئه، وإن قال: أعتقت غير مريد للظهار لم يجزه، ولو لزمه نذر صدقة للمساكين فأكره على أن يتصدق به ففعل فذلك يجزئه ولا شيء على المكره، ولو أكرهه على إخراج زكاة وجبت عليه ففعل فلا شيء على الذي أكرهه وكذلك في صدقة الفطر لأنه أمر واجب.
[10/ 303]

/

باب في الإكراه على الهبة وعلى قبولها

ومن أكرهه لص على أن يهب ماله لرجل فأبى الرجل من قبول فأكرهه على قبول الهبة وعلى قبضها ففعل وضاعت عنده فلا ضمان عليه، لأنه إنما قبضها مكرها إلا أن يقر أنه إنما قبض الهبة لتسلم له فيضمن، ويخير الواهب فإن شاء ضمنه وإن شاء ضمن اللص الذي أكرهه، فإن ضمن الموهوب لم يرجع الموهوب على اللص بشيء، وإن ضمن اللص رجع اللص على الموهوب بذلك، وإن قال الموهوب: أخذته ليكون بيدي وديعة على الإكراه لأرده على ربه فهو مصدق مع يمينه لأنه مكره لا يقدر أن يتكلم [بهذا، والضمان على اللص ولو كان يقدر أن يتكلم] بذلك عند الهبة فلم بفعل فهو ضمان، قال سحنون: لا يمين عليه والقول قوله بظاهر الإكراه، وقالوا جميعا: لأن المكره على الكفر إذا قال بعد أن أمن: إن قلبي كان مطمئنا بالإيمان صدق بل يمين ولم تبن منه زوجته.
قال محمد: ويلزم مخالفنا أن يحلفه كما حلف الموهوب: أنه لم يأخذ الهبة ليسلم له، وقد تقدم في غير باب شيء من ذكر الهبات.

باب في الإكراه على التخيير

/قال ابن سحنون: قال سحنون: ومن أكرهه لص أو غيره من بين أن يطلق زوجته أو يعتق عبده خيره في أحد الوجهين ففعل أحدها فلا يلزمه ذلك، ولو أكرهه على هذا بين أن يكفر بالله أو يقتل رجلا مسلما: فله أن يكفر وقلبه [10/ 304]

مطمئن بالإيمان، فإن أبى الكفر حتى قتل فهو أعظم لأجره، ولا يسعه أن يقتل المسلم بالإكراه، فإن قتله قتل القاتل ولا شيء على من أكرهه.
ولو قال: لأقتلكن أو لتأكلن هذه الميتة أو لتقتلن هذا المسلم فإن صبر على القتل فهو أفضل له، وإن أكل الميتة فلا شيء عليه إن شاء الله، وإن قتل المسلم ولم يأكل الميتة قتل به، وكذلك لو ترك الكفر وقتل المسلم فذلك سواء ويقتل به، ولا قتل على الذي أكرهه، ولو أكرهه على أن يقتل هذا المسلم أن يزني بهذه المرأة لم يسعه أن يفعل واحدا منهما حتى يقتل، فإن فعل أحدهما فقد أثم وإن لم يفعل حتى قتل فهو مأجور ويقتل به الذي قتله، وإن زنى كما أكره فعليه الحد، ولو قتل المسلم قتل به، وقتل الذي أكرهه في قياس قول سحنون، وأما في قول غيره من أصحابنا فلا قتل على المكره وإنما القتل على القاتل، لأنه ولي القتل، ولو أكرهه على قتل أحد هذين الرجلين فقتل أحدهما فالقود عليهما عند سحنون، وقال غيره: لا يقتل إلا الذي ولي القتل.
قال: ويحك المكره على الزنا ولا تحد المكرهة على الزنا، وعلى الذي زنى بها الحد والصداق، ولو قيل له: لتقتلن هذا الرجل أو لتأخذن ماله هذا وهو أكثر من الدية، فلا بأس أن يأخذ ماله ويستهلكه ويضمنه كان أكثر من الدية أو أقل، فإن قتل الرجل قتل متولي القتل، ولو صبر حتى قتل ولم يفعل شيئا من ذلك فلا إثم عليه عندنا.

في الإكراه على اليمين أو يتبرع باليمين بعد أن ضغط في شيء

من كتاب ابن حبيب: روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
[10/ 305]

قال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وإسماعيل بن أبي أويس: من أكره على أن يحلف بيمين وهدد بضرب أو بسجن وجاء من ذلك وعيد بين تقع فيه المخافة أو خاف ذلك وإن لم يوقف عليه مثل ما يفعلون في البيعة وأشباها، فلا يمين عليه وكأنه لم يحلف، ورواه عن مالك وعن كثير من أصحابه، وقال مثله ابن عبد الحكم وأصبغ وهو قول ابن القاسم وابن وهب وأشهب.
قال ابن وهب: وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعبيد بن عمير وبريد بن قسيط وغيرهم لا يرون يمين المكره ولا طلاقه شيئا، قال شريح: القيد كره والسجن كره والوعيد المخوف كره لا يلزمه معه يمين، وقاله النخعي وغيره، قال مطرف: وكذلك سمعت مالكا يقول: قال ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
قال ابن الماجشون: وسواء أحلف فيما هو لله طاعة أو فيما هو لله معصية إذا أكره على اليمين، وقاله أصبغ وفرق بين ذلك مطرف وقال: إن أحلف فيما هو لله عز وجل معصية أو فيما ليس فيه طاعة لله/ولا معصية فاليمين موضوعة، وإن أحلف فيما هو لله طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا شاربا فيكرهه أن يحلف بالطلاق، أو أن لا يشرب الخمر أو لا يفسق أو لا يغش في عمله أو لا يتلقى الركبان، والوالد يحلف ولده مكره له على اليمين في أشباه هذا من تأديبه إياه فإن اليمين تلزمه، وإن كن قد تكلف منه المحلف ما ليس علم وما هو منه خطأ.
قال ابن حبيب: وقول مطرف استحسان وبه أقول، وقول ابن الماجشون وأصبغ هو القياس: لأن اليمين إنما يسقط بالإكراه كانت في طاعة أو معصية.
قال مطرف وابن الماجشون: ومن أحلفه الساعي على عدد غنمه ليأخذ منها الصدقة، وأكرهه على اليمين بوعيد أو ضرب فاليمين تلزمه إن حلف، وإن كان [10/ 306]

الساعي قد تعدى في إحلافه، وكذلك إن حلفه في غير الغنم مما يأخذ فيه الزكاة من الحبوب والثمار والماشية والعين إذا كان الوالي لا يتعدى فيما يأخذ، وإنما يتعدى في الإحلاف والإكراه عليه، أو كان والي سوء لا يضعها مواضعها لأنه يأخذها على فرائضها باليمين فهي لحالفها لازمة يحنث بحنثها ويبر ببرها، وقال مثله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال مطرف: وإذا كان يجوز فيما يأخذ على اسم الصدقة والزكاة فأخذ ما لا يؤخذ ويزيد على ما افترض ويأخذ في غير أوان أخذ، أو يكون قط وظف الصدقات على أهل القرى ويأخذ في تلك الوضعية فأحلف رجلا على بعض ما يزيد، إما أن يكون قال له/: لم أزرع أو قال: مالي ماشية ونحو ذلك فقال له: احلف لي على ما تقول فإنه إن كن لم يحلف أمن من العقوبة في نفسه بضرب أو سجن أو مغرقة تصيبه منه فحلف فاليمين تلزمه فيما حلف به يحنث بحنثها ويبر ببرها ولتصدقه ولا يحلف، وإن علم أنه إذا صدق أخذ ماله بغير حق فلا يبقى عن ماله بيمينه، وإن هو إن لم يحلف عاقبه في نفسه إما بضرب أو سجن ونحوه فقد دخل عليه الإكراه الذي لا يلزمه معه اليمين، وأحب غلي ألا يعجل باليمين حتى يرى موضع الشدة، فكلما اشتد عليه الأمر اتسعت عليه اليمين ثم لا يلزمه إن حلف كاذبا، وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ماله بيمينه، وبقول مطرف أقول وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ ورواه ابن القاسم عن مالك.
وقال مطرف وابن الماجشون: وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها منه ليذب بها عن ما حلف عليه من بدنه أو ماله فحلف سلسلا بها فإنها تلزمه وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
[10/ 307]

قال ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق ثلاثا من غير أن يحلف فصدقه وتركه وهو كاذب وإنما حلف له خوفا من قتله أو ضربه أو أخذ ماله، قال: إن كان تبرع باليمين رجاء أن ينجيه من ظلمه فقد دخل في الإكراه ن ولا شيء عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فاليمين تلزمه.
قال مطرف في ولاة يحلفون الناس أنهم لم يكتموا شيئا من متاعهم وتجارتهم وإنما يحلفون لهم لأنهم إذا ظهر له أخذه منه ما أحب/بالثمن، وقد يرجو العمل فيه عند غيره، قال: إن كان إن لم يحلف يناله سجن أو ضرب أو معرة تصيبه منه فلا يلزمه اليمين، وإن كان آمنا من هذا فاليمين تلزمه.
وقال ابن الماجشون: لا تلزمه اليمين في الوجهين.
قال ابن عبد الحكم وأصبغ مثل قول مطرف وبه قال ابن حبيب: وقال لي مطرف في الذين يحلفون الناس على ما معهم من ناضهم ليأخذوا منه زكاة فيما يزعمون وذلك في غير إبانها، ولعل الرجل قد أداها منذ قريب، فيحلف الرجل على أدنى ما معه ولعه قد دس ماله من غيره، فيحلف أنه ما غيب شيئا، قال: إن كان إن لم يحلف لم يزره إلا أن يرده ولا يجيزه فاليمين تلزمه فإن شاء فليحلف صادقا وإن شاء فليرجع.
قلت: وإن كان صرورة يريد الحج، قال: لا رخصة له بهذا إلا أن يخشى - إن لم يحلف - العقوبة منه فذلك يدرأ عنه حنث اليمين.
قال ابن الماجشون: وإن حلف لم يحنث وذلك أن يرى الدراية باليمين عن البدن والمال: قال ابن عبد الحكم وأصبغ مثل قول مطرف.
[10/ 308]

قال مطرف وابن الماجشون في عريف العامل على عدد من رفع إليه من أسمائهم أو على بعض ذلك فيحلف صادقا أو كاذبا، قال: إن كان يخشى عقوبة إن لم يحلف فلا شيء عليه، وإن كان آمنا من عقوبته فاليمين تلزمه.
قلت لهما: فالرجل يستخفي عند الرجل من السلطان الجائر الذي يريد دمه أو ماله أو عقوبته في بدنه فيسأله السلطان عنه فيجحد أن يكون عنده فيحلفه على ذلك فيحلف ليدفع بذلك/ما خشي عليه؟ فقالا: إن خالف إن لم يحلف على نفسه فلا شيء عليه، وإن كان آمنا على نفسه وإنما أراد أن يقيه بيمينه فقد أجر ولزمه الحنث، وكذلك قال مالك، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ مثل ذلك في المسألتين ورويا الآخرة عن ابن القاسم.
وفي باب ما يكون إكراها: قول أصبغ فيمن حلف دراية عن ولده: إن اليمين تلزمه وإنما يعذر في الدراية عن نفسه.
قال عبد الملك بن حبيب: وحدثني علي بن معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال: نعم لأن أحلف سبعين يمينا وأحنث أحب إلي من أن أدل على مسلم.
وقاله ميمون بن مهران.
وقال المسيب عن شريك عن سليمان بن ميسرة [عن النزال بن سيده] قال: التقى عثمان وحذيفة عن باب الكعبة فقال له عثمان: أنت القائل الكلمة التي بلغتني؟ فقال: لا والله ما قلتها فلما خلونا بحذيفة فلنا له: يا أبا عبد الله حلفت له وقد قلت ما قلت؟ قال إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة لئلا يذهب كله قال: وكان الحسن يقول: أعطهم بلسانك ما شاءوا إذا خفتهم.
[10/ 309]

قال ابن الماجشون في السلطان يحلف أصحاب الطعام أن لا يجهزوا إلا إلى المدينة، فيحلفون له بالطلاق خوفا من عقوبته، لأنهم إن لم يحلفوا حبسهم وضربهم، ثم وجد بعضهم قد جهز إلى غير المدينة أو وجد رجلا لم يكن حلف له وقد جهز إلى غيرها فحلف/له بالطلاق خوفا من عقوبته: أنه ما جهز إلى غيرها، قال: لا ينبغي لهم أن يعصوا السلطان في صلاح العامة، فإذا وقع ما ذكرت من المعصية واليمين عليها قبل وقوعها أو بعدها فرقا من العقوبة أو الحبس إن لم يحلف فقد دخل في الإكراه الذي يسقط الحنث، وعليه المأتم فيما أضر بالعامة، قال عبد الملك: وذلك أنه لم ير النهي عن التجهيز إلى غير المدينة بالأمر اللازم للسلطان أن يلزمه الناس، وإنما هو يستحسن، فلذلك رأى الإحلاف على ذلك من الإكراه لخوف العقوبة، ولو كان مما يجب النهي عنه ويحرم فعله على من فعله للزمت فيه اليمين وإن أخافهم عليه إن لم يحلفوا، وكذلك سمعته يقول في مثل هذا، وقاله مالك بن أنس.

فيمن فدى متاع رجل من اللصوص أوفى مكس

أو ودي لمن عرض الطريق خوفا منه، أو خلص له آبقا بمغرم، أو خلص شيئا من يد سلطان بمغرم، أو حمل له حملا من مفازة، أو نفق على رقيق له من كتاب ابن سحنون: وسأل حبيب سحنونا عن الرجل يغرم الغرم في الطريق من خوف السلب هل يلزم صاحب الظهر الذي أكرى منه من ذلك شيء؟ قال: يكون الغرم على قيمة المتاع وقيمة الظهر بمنزلة حرم المركب.
قال أبو بكر بن محمد: رأيت في كتاب حماد بن يحيى السجلماسي: قلت لسحنون: أرأيت الرفاق في أرض المغرب يعرض/لهم اللصوص فيريدون [10/ 410]

أكلهم، فيقوم بعض أهل الرفقة فيصانعهم على مال عليه وعلى جميع من دفعه وعلى من غاب من أصحاب الأمتعة، فيريد من غاب أن يدفع ذلك عن نفسه؟ قال: إن كان مما قد عرف من سنة تلك البلاد: أن إعطاءه المال يخلصهم وينجيهم فإن ذلك لازم لمن حضر ولمن غاب ممن له أمتعة في تلك الرفاق وإن كان يخاف أن لا ينجيهم ذلك وإن أعطوا وكان فيهم موضع رباع فما أحب لهم إلا أن يدفعوا عن أنفسهم وأموالهم، فإن أعطوا في هذه الحال لم يلزم من غاب من أصحاب الأمتعة.
قال محمد بن عبد الحكم في قوم في رفقة معهم أحمال ليسوا عليه بوكلاء فجاء لصوص ليأخذوا متاعهم فصالحوهم عن جميع ما معهم على شيء دفعوه إليهم؟ قال: أرى على الأحمال التي ليس معها أربابها حصتهم من ذلك.
ومن العتبية من الودائع: قال عيسى بن دينار فيمن عنده وديعة لرجل فعدا عاد فأغرمه على ذلك المتاع غرما فلا يلزم رب المتاع منه شيء.
قال ابن القاسم عن مالك فيمن مات بعيره بفلاة من الأرض فترك حمله فأتى رجل فحمله إلى منزله، فلربه أخذه بعد أن يغرم لهذا أجر حمله، وكذلك من وقف بغيره فتركه فأنفق عليه رجل حتى صلح فليدفع إليه ما أنفق عليه ويأخذه ولا أجر له في قيامه عليه.
وروى حماد بن يحيى عن سحنون فيمن معه رقيق في سفره إلى أرض الشرك فنفد ماله وطعامه وهو في مخافة، فطرد الرقيق وتركهم فأخذهم/رجل ممن سلك الطريق فأخبأهم وخرج بهم إلى بلد الإسلام، قال: لربهم أن يأخذهم إذا أعطاه قيمة ما أنفق عليهم في الموضع الذي وجدهم فيه، فإن لم يفعل فهم له دون الأول.
[10/ 311]

وقال علي بن جعفر فيمن ودى عن رجل عن أحماله غرما للسلطان عن شطر الطريق، أو برطيل ونحوه، فقال ابن القاسم: لا يجب عليه من ذلك شيء ولو تسلف ذلك الغرم سلفا على هذا الوجه، ولو باعه ثوبا وداه في هذا المغرم لم يلزمه من ذلك شيء إلا أن يدفع المؤدى عنه الظلم إلى الدافع ما دفع عنه متطوعا وهو يعلم أن ذلك لا يلزمه.
والذي قال سحنون في الرفقة يخافون اللصوص فيعطوا المال: إنه يلزم من غاب ممن له في الرفقة متاع فقال: إن كان شيء قد عرف أنه لا يخلصهم إلا ذلك فهو يلزم من غاب ومن حضر، فكذلك يلزم على هذا أن كل ما يؤدى في المراصد وفي المدن مما أقامه السلاطين مما قد عرف واستفاض مما لا يخلصهم إلا غرمه، فإنه يلزم أرباب الأموال ممن أبضع بضاعة أو أعطى قراضا، لأنهم كأنهم على هذا خرجوا وكالإذن لهم لأنه أمر قد عرف، وأما ما حدث مما لم يخرج على معرفته من لصوص أخذوا المتاع، أو سلطان جائر ففداه منه العامل أو المبضع معه فقد أختلف فيه فقال ابن المواز في كتاب الجهاد: من فدى مال رجل من اللصوص، أو فدى دابته ممن التقطها أو متاعا فأنفق عليه في حمولة فليس لربه ولا لغرمائه إليه سبيل حتى يستوفي/من ذلك حقه، [وقال في كتاب الإقرار: من فدى متاعا من اللصوص فليس على ربه شيء مما فداه به ويأخذه ربه بغير شيء] وقال في أول كتاب الإقرار: في أحد الشريكين في الدار يقر بمنزل منها لرجل: أنا لدار تقسم فإن وقع المنزل في حظ المقر أسلمه إلى المقر له.
قال: قلت: جعلته له مسلما وهو فداه ببعض الدار؟ قال: غرم ما غرم بسببه كمن خلص مال رجل من أيدي أهل الحرب، أو فداه من أيدي اللصوص، قال: لا يلزمه ما فداه من أيدي اللصوص ويلزمه ما فدى من العدو لشبهة ملكهم بخلاف ما فداه من أيدي العدو لأن لهم فيه شبهة ملك.
[10/ 312]

وقال محمد بن عبد الحكم: ما تقدم ذكره إذا عرض لصوص في الطريق فصودروا على شيء: إنه يلزمه ذلك أمتعات الناس ممن غاب أو حضر.
ومن كتاب الإكراه لابن سحنون: وقال من خالفنا: وإذا أرق لرجل عبد فأراد رجل أخذه ليرده على ربه فلم يمكنه إلا بشراء أو بهبة فاشتراه، أو طلب أن يوهب له فوهب له: إنه لذلك ضامن حتى يشهد أنه إنما يشتريه أو يقبله على الهبة ليرده إلى ربه، فإن لم يشهد على ما ذكرنا لم يصدق ويضمنه، وكذلك الموهوب في الإكراه إلا أنه يصدق بيمينه بلا بينة.
قال سحنون: أما إذا أخذه بهبة وأشهد فإنه ضامن عليه، إن هلك العبد فلربه إجازة البيع وأخذ الثمن من البائع والمصيبة من المشتري.
تم كتاب الإكراه من النوادر بحمد الله وعونه وبتمامه تم الجزء الثالث عشر وصلى الله عليه محمد وآله [10/ 313]

بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم

فصول الكتاب · 83 فصل · 666 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات · 666 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الصوم
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب زكاة الماشية والحَبِّ والفطر
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب السبق والرمى
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الضحاياكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح
كتاب الاستبراء
كتاب العدة
كتاب الرضاع
كتاب طلاق السنة
كتاب الشروط والتمليك والتخيير في النكاحكتاب الخياركتاب المفقودكتاب الخلع والحكمين والرجعة في الخلعكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف
كتاب البيوع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب الجعل والإجارة
كتاب تضمين الصناعكتاب الرواحل والدواتكتاب أكرية الدور والأرضينكتاب الصلح
كتاب الوكالات والبضائع
كتاب القراض
كتاب المساقاةكتاب الشركةكتاب المزراعةكتاب المغارسة
كتاب آداب القضاء
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات الثاني
كتاب الشهادات الثالث
كتاب الدعوى والبينات
كتاب الإقرار
كتاب
كتاب الحمالة والحوالة
كتاب الرهون
كتاب الإكراه
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطة والضوال والإباق
كتاب الأراضي والشعاري وأحياء الموات
كتاب القضاء في الكلإ والآباركتاب القضاء في نفي الضرركتاب الأرحيةكتاب القضاء في البنيان
كتاب الشفعة
كتاب القَسْمِ
كتاب الوصايا
كتاب الحُبُس السُّنَّة
كتاب الصدقات والهبات
كتاب هبة الثواب
كتاب العتق
كتاب المُدبَّركتاب الخدمة
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الاستلحاق والإقرار بالنسب
كتاب الولاء
كتاب الجنايات
كتاب الجراح
كتاب الحدود في الزني
كتاب الأشربة
كتاب القذف
كتاب القطع في السرقة
كتاب القطع في السرقة
كتاب المحاربين
كتاب المرتدين
جارٍ التحميل