كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في فريضةِ الحجِّ
وذكر الاستطاعة والسبيل، وفي من وجده،
وذكر استئذان الأبوين فيه، وذكر وجوب العمرة
ويوم الحج الكبر
من "العُتْبِيَّة"، قال ابن القاسمِ: قال مالكٌ: الحجُّ كله في كتاب الله تعالى، وأما الصَّلاَة والزكاة، فذلك مُجمَلٌ فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّنَه.
قال أشهبُ فيه، وفي "كتاب" ابن الْمَوَّاز: سئلَ مالكٌ عن قولِ الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أذلك الزادُ والراحلةُ؟ قال: لا، والله، قد يجد الرجل زاداً وراحلةً، ولا يقدر على المسير، وآخر يقدرُ أنْ يمشيَ راجلاً، ورُبَّ صغيرٍ أجلدُ من كبيرٍ، فلا صفة في هذا أبين مما قال الله سبحانه.
قال ابن حبيبٍ: رُويَ انَّ الاستطاعة مركبٌ وزادٌ.
وقاله عددٌ من الصحابةِ، والتابعين.
وقاله ابنُ أبي سَلمة.
قال ابن عبدوسٍ: وقاله سحنونٌ - يريدُ الزادَ والراحلةَ - في بعيدِ الدارِ.
قال سحنونٌ: والطريق المسلوكة.
وقال غيره من البغداديين: لم
يثبت في الراحلة حديثٌ، وظاهرُ القرآن يُوجبُ الحجِّ على مستطيعه مشياً.
قال ابن حبيبٍ: وقال عَطاءٌ: هو كما قال الله سبحانه.
قال ابن الزبير: هو على قدر القوةِ، قال عكرمةِ: السبيل: الصحةُ.
قال ابن حبيبٍ: وذلك يرجع إلى البلاغ إلى مكة، ويدخل في البلاغ، الصحة والزاد، ويدخل فيه الحمولة، بشراء أو كراءٍ لبعيد اذلي لا يبلغ راجلاً إلا بتعبٍ ومشقةٍ، لقولِ الله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.
فإن كان صحيحاً وله زادٌ ولا يجد مركباً وعليه هذه المشقة في الرحلة.
فلا حج عليه.
ولا حج على من ليس بصحيح البدنِ، وإن وجد زاداً ومركباً.
والصحيح إن لم يجد زاداً أو مركباً، فلا حجَّ عليه، فإن وجد زاداً، وهو قريب الدارِ، وليس عليه في المشي كثير مشقةٍ، فعليه الحج.
وإذا كان في داره وخادمه وسلاحه كل ما يباع في دينه ما يبلغه الحج فعليه الحج.
قال عيسى، وابن الْمَوَّاز: قال ابن القاسم: إذا قدر على المشي، ولم يجد ما يتكارَى به، فعليه الحج.
قال محمدٌ: قال أصبغُ: إذا وجدَ زاداً.
وليس النساء في المشي على ذلك، وإن قوين؛ لأنهن عورةٌ في مشيهن إلا المكان القريب، مثل أهل مكةَ وما حولَها وما قَرُبَ منها إذا
أطَقْنَ المشي.
قال العتبيُّ عن محمدِ بن خالدٍ، عن ابن القاسمِ، فيمن لا يملك إلا قريةً، وله ولدٌ، قال: يبيعها لحجِّ الفريضةِ، ويَدَعُ ولدَه في الصدقةِ.
قال ابن الموازِ: قال مالكٌ: وذكره ابن عبدوسِ، من رواية ابن نافعٍ، فيمن عليه دَيْنٌ، ليس عنده له قضاءٌ.
فلا بأس أَنْ يَحُجَّ.
قال سحنونٌ: وإن يَغْزُوا.
قال ابن الْمَوَّاز: قال مالكٌ: وإن كان له وفاءٌ أو كان يرجو قضاءه.
فلا بأسَ له أَنْ يحجَّ.
قال محمدٌ: معناه: إنْ لم يكُنْ معه غيرُ مقدارِ دَينه، فليس له أَنْ يَحُجَّ –يريدُ محمدٌ، إلاَّ أنْ يقضيَه أو يَتَّسِعَ وجده.
قال ابن وهبٍ عن مالكٍ ونحوِه في "المختصر"، فِي مَنْ يؤاجرُ نفسه، وهو حاجٌّ، أيجزئُ عنه حَجُّه؟ قال: نعم، قيل له فِي مَنْ يسألُ ذاهباً أو جائياً، ولا نفقةَ عنده، قال: لا بأسَ بذلك.
قيل: فإن ماتَ في الطريق.
قال: حسابه على الله.
قال في موضعٍ آحرَ من رواية ابنِ القاسمِ عنه: ولا أرى الذين لا يجدون ما ينفقون أنْ يخرجوا على الحجِّ، والغزوِ، أو يسألون، وهم لا يَقْوَون إلا بما يسألون، وإني لأكره ذلك؛ لقولِ الله سبحانه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾.
قال في "المختصر": ويبدأ بالحجِّ قبل النكاحِ إذا لم يكن لذلك عنده سَعَةٌ.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال ابن القاسمِ: نَهَى مالكٌ عن حجِّ النساءِ في البحرِ، وكره أَنْ يحجَّ أحدٌ في البحر، إلا مثلَ أهلِ الندلسِ اذلي لا يجدُ
منه بُدًّا، وذكر في "كتاب" ابن الْمَوَّاز، وغيره، قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
ما أسمعُ للبحرِ ذكراً.
قال فيه، وفي "العُتْبِيَّة"، من رواية ابن القاسم: وكره مالكٌ حجَّ المرأةِ في البحرِ؛ لأنّها تتكشفُ، ولتخرج في البرِّ، وإن لم يجد وليُّها.
قال ابن حبيبٍ: رُويَ انَّ عمرَ قال: مَنِ اتصل وفره ثلاث سنين، ثم مات ولم يحجَّ، لم أُصَلِّ عليه.
قال العتبيُّ: قال سحنونٌ في الكثير المال القويِّ على الحجِّ، ولم يحجَّ: فهي حرمةٌ، إذا طال زمانه، واتصل وفره، وليس به سقمٌ.
قيل: فهو كذلك مُذ بلغ عشرين سنة، إلى أن بلغ ستين سنة.
قال: لا شهادة له.
قيل: وإن كان بالأندلس؟ قال: نعم، لا عذر له.
قال العتبيُّ، وابن الْمَوَّاز: قال ابن القاسمِ: قال مالكٌ: أولُ مَنْ أقامَ الحجَّ للناس أبو بكرٍ، سنة تسعٍ.
قال غيرُ واحدٍ من البغداديين، ومنه لإسماعيل القاضي: إنَه لم يأتِ صريحاً أنَّ حجَّ أبي بكر حينئذٍ كان عن فرضٍ، والظاهرُ أنَّه حجَّ ليُنذرَ المشركين، بسورة "براءة"، أنْ لا يحجَّ بعد العامِ مشركٌ، ووقعَ حجُّهُ في ذي القعدةِ، والنسيءُ قائمٌ، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجه في العام الثاني: " ألا إنَّ الزمان قد استدار كهيئتهِ، يوم خلق الله السموات والأرض"، فأخبر أنَّه
لم يكن قبل ذلك مستديراً، ويبعد أَنْ يفترض عليه الحج، فيحج أبو بكر الفرضَ قبله، ولو كان مفروضاً، يومئذٍ فأخَّره عليه الصلاةُ والسلامُ لم يُشبه غيره؛ لأنَّ الله سبحانه أخبره أنَّه يفتحُ عليه، ويدخلُ مكة آمناً فكان على ثقة، فكيف يجوزُ لمَن كان عليه فرضٌ غيرُ معلومٍ بقاؤه إليه، أَنْ يؤخره وليس على علمٍ من تأخُّرِ عُمره.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: ولا يَحُجُّ بغير إذن أبويه، إلاَّ حجة الفريضة، فليخرج ويدعهما، وإن قدَر أَنْ يترضاهما حتى يأذنا له، فعَل، وإن نذر حجةً فلا يثكابرهما، ولينتظرْ إّذنهما عاماً بعد عامٍ، ولا يعجلُ فإنْ أبيا، فليحجَّ.
ومَن توجَّه حَاجَّا بغيرِ إذن أبويه، فإن أبعد وبلغ مثلَ المدينةِ، فليتمادَ.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال ابن نافعٍ، عن مالكٍ: لا يعجل عليهما في الفريضة، وليستأذنهما العامَ، وعاماً قابلاً، فإت أبيا، فليخرجْ.
قال ابن القاسم، وغيره: قال مالكٌ: العمرةُ سنَّةٌ واجبةٌ كالوترِ لا ينبغي تركها.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال ابنُ القاسمِ: ومَن أسلم عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فأحرمَ ولم يختتنْ، فذلك يُجْزِئُهُ من حجةِ الفريضة.
قال أشهبُ: وإذا عتقَ العبدُ عشيَّةَ عرفةَ، فليحرمْ حينئذٍ عن شاء، ثم يقطعِ التلبيةِ مكانه، ويُجزئه من الفريضة.
وكذلك الوقوف بعرفاتٍ قبل الفجرِ، أجزأه.
ومَ، اراد عتق عبدِه بعرفة فتعجيل عتقه أحبُّ إلينا.
قال مالكٌ: ويوم الحجِّ الأكبر، يومُ النحر.
قال غيره: أمر الله سبحانه نبيه عليه الصَّلاَة والسلام أَنْ يؤذَّنَ للمشركين بسورة "براءة"، وموقف قريشٍ، وكان غيرُهم يقفُ بعرفةَ، ثم يأتون المشعرَ فيجتمعُ فيه جمعهم كلهم.
في الغسل للإحرامِ، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة، وذكر اغتسال المُحرمِ لجنابةٍ، أو لِتَبَرُّدٍ، أو لِتَطَيُّبٍ، أو لغير ذلك
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وليغتسل من أراد الإحرامَ بالحجِّ.
قال في موضعٍ آخر: أو بالعمرة.
قال مالكٌ: والغُسلُ له بالمدينة عند خروجه، أو بذي الحُليفة.
قال ابنُ القاسمِ: فإذا اغتسل بالمدينة،
ثم خرج من فوره، أجزأه.
قال مالكٌ: وَلا بَأْسَ لمَنِ اغتسل بالمدينة أَنْ يلبس ثيابه إلى ذي الحُليفةِ، فينزعها إذا أحرمَ.
واستحبَّ عبدُ الملكِ، أَنْ يغتسلَ بالمدينة، ثم يخرج مكانه، فيحرم بذي الحُليفة.
قال ابنُ حبيبٍ: ذلك أفضلُ، وبالمدينة اغتسلَ النبي صلى الله عليه وسلم وتجرَّدَ ولَبِسَ ثَوْبَيْ إحرامه.
والذي رُويَ من الأحاديث الصحاح، من غير رواية ابن حبيبٍ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهرَ بالمدينة، وصلَّى العصرَ بذي الحُليفَةِ، وبات بها، وبها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماءَ أنْ تغتسلَ حين نفسَتْ.
قال سحنونٌ: فإذا أردت من الخروج من المدينة خروجَ انطلاقٍ، فأتِ القبرَ كما صنعت أولَ دخولك، ثم اغتسل، والْبسْ ثوبي إحرامك، ثم تأتي مسجدَ ذي الحُليفة، فتركع، وتصلِّي.
ومَن ترك الغسل، وتوضَّأ، فقد أساءَ، ولا شيءَ عليه، وكذلك إنْ ترك الغسل، والوضوء، وإن أراد تركَ الغسل إلى ذي الحُليفةِ، فعَل، أو يغتسل ويؤخر تجردَهُ، فعل.
قال مالكٌ، في "كتاب" ابن الْمَوَّاز: فأمَّا أَنْ يغتسل بُكرةً ويتأخَّرَ خروجه إلى الظهر، فإنِّي أكره ذلك، وهذا طويلٌ.
قال: وتغتسل النساءُ والصبيانُ، للإحرام، والحائضُ، والنُّفَسَاءُ.
قال مالكٌ: فإنْ أحرمت الحائضُ والنُّفَسَاءُ ولم تغتسلْ، فلتغتسلْ، إذا عَلِمَتْ.
قال أبو محمدٍ: قال ابنُ الماجشون في "كتابه": ومن ركعَ للإحرامِ، وسار ميلاً قبل أنْ يُهِلَّ، وقد نَسِيَ الغسل، فليغتسلْ، ثم يركع، ثم يُهِلَّ، وإن ذكره بعد أن أهَلَّ، تمادى، ولا غُسلَ عليه.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وليس في ترك الغسل عَمداً، ولا نِسياناً دَمٌ، ولا فديةٌ.
قال سحنونٌ: وقد أساءَ.
قال مالكٌ، في "المختصر": وتغتسل الحائضُ، وتُحرمُ من فناءِ مسجدِ ذي الحُليفةِ، ولا تؤخر إلى الجُحفةِ رجاءَ أنْ تَطْهُرَ.
قال أشهبُ في "المَجْمُوعَة": وتغتسل الحائضُ والنُّفَسَاءُ؛ للإحرامِ بالعمرةِ، كالحجِّ.
وقال ابنُ حبيبٍ: ومَنِ اعتمر من التنعيمِ، فأحبُّ إليَّ، أَنْ يغتسلَ.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: ويغتسل المحرمُ، لإحرامه، ولدخولِهِ مكَّةَ، ولرواحِهِ على الصَّلاَة بعرفةَ.
وغسلُ الإحرامِ أو جبُها، ويتدَلَّكَ فيه، ويغسلُ رأسه بما شاء.
فأمَّا غُسلُ مكة، وعرفةَ، فلا يتدَلَّكَ فيه، ولا يغسلُ راسه إلا بالماءِ وحدَه يصبُّه صبًّا، ولا يُغَيِّبُ راسَه في الماء.
قال ابن عبدوسٍ: قال أشهبُ: ولولا أنَّه لم يؤمرْ بالغسلِ لزيارةِ القبرِ، ولرميِ الجمارِ، لأحببتُ ذلك، ولكنِّي أخافُ ذريعةَ استنانه، وإيجابه، ولو فعل أحدٌ في خاصةِ نفسه، رجوتُ له خيراً.
قال محمدٌ: قال عطاءٌ، ومُجاهدٌ: والحائضُ تتوضأ إذا توجهت لشيءٍ من امر الحجِّ.
قال أبو محمدٍ: وقال ابنُ الماجشون في "كتابه": ومَن ركع للإحرام، وسار مشيلاً.
قال محمدٌ: قال مالكٌ: وتغتسلُ النساءُ، والصبيان لدخول مكة.
قال: والغُسلُ بذي طُوَى لدخول مكةَ، ومَنِ اغتسل بعد دخوله مكةَ، فواسعٌ، قال في "المختصر": وأرجو أَنْ يكون من ترك لك في سَعَةٍ.
قيل: فقبْلَ ذي طُوَى بمُرِّ الظَّهرانِ.
قال: الذي سمعتُ بقربِ مكةَ.
قال مالكٌ: وليس على النُّفَسَاءِ والحائضِ غُسْلٌ لدخولِ مكةَ.
قال أشهبُ: وذلك عليهما لوقوفِ عرفة.
قال مالكٌ في "المختصر": وذلك حَسَنٌ لوقوف عرفة.
قال ابن حبيبٍ: وإذا اغتسل المحرم لدخول مكةَ، فإنما يغسِلُ جسده دونَ رأسه، فقد كان ابن عمرَ لا يغسلُ رأسه وهو مُحْرِمٌ، إلا من جنابةٍ.
ومن غسل رأسه، فلا حرجَ ما لم يَغْمِسْ رأسه في الماء، وكان ابنُ عمرَ ربما اغتسل لدخول مكة، وربما توضَّأ، والغُسلُ أفضلُ، ومن لم يغتسل، فلا حرج.
وفي "الموطأ": أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل رأسَه، وهو
مُحرمٌ، وعمر بن الخطاب ولعلَّ ابنَ عمرَ كان لا يغسلُ رأسَه، إلاَّ مِن جنابةٍ يعني في غير هذه المواطن الثلاثة.
قال: وَلا بَأْسَ أَنْ يغتسلَ المحرمُ لغيرِ ضرورةٍ، من جنابةٍ، ولغير حَرٍّ يجده.
قال ابن حبيبٍ: وله أَنْ يغتسلَ لحرٍّ لا لتنظيفٍ.
قال مالكٌ: ولا يدخل الحمَّام، فإن فعل، فليفْتَدِ إن اتنقى وَسَخَهُ، وتَدَلَّكَ، وإن لم يبالغ في ذلك، فلا شيء عليه.
قال أصبغُ: إذا كان إنَّمَا تَدَفَّأَ وصبَّ الماءَ، فلا شيء عليه.
قال ابن حبيبٍ: لا بأس أَنْ يدخل الحمام للتدفُّؤِ، والتَّطَهُّرِ، لا لاستنقاء.
محمدٌ: قال ابن القاسمِ: وإنْ غسل رأسَه، ولحيته بالخِطْمِيّ، افتدى.
قال ابن حبيبٍ: وكذلك بالِّدْرِ، وإن غسله بالماء وحده لتنقية أطعم شيئاً.
قال محمدٌ: قال مالكٌ: وإذا اغتسلت المُحرمةِ من الحيضَةِ، فإت دَلَّكَتْ راسَها، وجلدها بالسِّدْرِ أو بغيره، افتدتْ، ولا تزيد على الماءِ.
قال مالكٌ: ولْيُعَجِّلِ المُحرمُ غسله من الجنابة، أَحَبُّ إليِّ، فإن أخَّره على وقتِ الظهر، فلا بأس بذلك.
ما يجوزُ أَنْ يفعله المحرمُ عندَ إحرامهِ قبل أَنْ يحرِمَ
وعندَ إحلاله؛ من دَهْنٍ أو إلقاءِ تَفَثٍ (أو تلبيدٍ) وغيره
قال مالكٌ، في "المختصر: وتركُ الطيبِ عند الإحرام، أحبُّ إلينا، فأمَّا الرَّازِقيُّ، والكادِيُّ، والبانُ السَّمْحُ، فلا بأس به، وكذلك قبلَ أنْ يُفيضَ.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال أشهبُ: وليس له سَعَةٌ أنْ يَدَّهِنَ قبل إحرامه، بِدُهْنٍ فيه طيبٌ، ولا يحلَّه قبلَ أنْ يُفيضَ، فإنْ فعل فلا فديةَ عليه، لما جاء فيه، وأكرههُ، لما نهى كثيرٌ من الصحابة عنه.
قال مالكٌ: وقد أحدث الناسُ طِيباً يبقى ريحُه.
ومنه، ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، وابن القاسمِ، قال مالكٌ: وَلا بَأْسَ أنْ تمتشطَ المرأةُ قبلَ إحرامها، بالحنَّاءِ، وبما لا طيبَ فيه، ثم تُحْرِمُ.
وكذلك لها أن تختضبَ.
محمدٌ: قال مالكٌ: ولا تجعل في رأسها زِواقاً، فإن فعلت افتدت، وإن جعلته قبل الإحرام.
قال مالكٌ فيه، وفي "المَجْمُوعَة": ولا يجعل الرجل في رأسه عندَ الإحرامِ قبل أَنْ يحرم للأبزيةِ، وأخاف أَنْ يقتلَ القملَ، قيل: به إليه ضرورة أفيفتدي؟ قال: لا يجعله، وليصبر حتى يَحِلَّ، أحبُّ إلينا.
قال مالكٌ: ولا بأسَ أنْ يَقُصَّ شاربه ويُقلِّمَ أظافره، ويتنوَّرَ عندما يريد أَنْ يحرم، وأما شعرُ رأسه، فأحبُّ إليَّ أَنْ يُعْفَى، ويُوَفَّرَ للشَّعَثِ.
قال في "كتاب" ابن الْمَوَّاز: وَلا بَأْسَ أَنْ يلبده قبل أَنْ يحرمَ، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم قيل: حين أحرمَ بمكة.
والتلبيدُ، أنْ يأخذَ غاسولاَ، وصمغاً، فيجعله في الشعرِ، ويُضَفِّرَه، فيُلْصَقَ، فيقتل قمله، ولا يشعَثَ.
ومن لبَّدَ، أو عَفص، أو ضفَّر، أو ربط شعرَه قبل أنْ يحرم من الرجال، فلا بدَّ له من الحِلاق، ومن فعل ذلك من النساء، فليس عليها إلا التقصير، عند الإحلالِ.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال مالكٌ: وينبغي للمرأة أن تخرج من قرون رأسها شيئاً للتقصير، عند الإحلال، وليس في قدره حدٌّ للرجل، ولا للمرأة.
قال ابنُ حبيبٍ: وَلا بَأْسَ أَنْ يُقَصِّرُ منه الرجال، إذا ترك منه مأخوذَ الموسَى، وله أَنْ يتنوَّرَ إذا أراد الإحرام.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال مالكٌ: وللرجل أنْ يكتحلَ قبلَ أَنْ يُحْرِمَ.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، وإذا كان في عنقه كتابٌ فلينزعه قبل أَنْ يُحرمَ، فإن اضْطُرَّ إليه أو خاف فليتركه، ويفتدى، وإذا انتفض على المُحرمةِ راسها، فلا بأسَ أن تعيده.
في الإحرام والتلبية والركوع عند الإحرامِ، وذكر النية وقطعِ التلبيةِ
من "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال ابن وهبٍ: قيل لمالكٍ فِي مَنْ أتَى الميقاتَ
بعد الفجر: أيركع ركعتين ثم يحرم؟ قال: بل يقيمُ حتى يصلى الصبحَ، فأحبُّ إلينا أنْ يقيمَ حتى تحين النافلةُ، فإنْ أحرم بأثرِ المكتوبةِ، أجزأه.
وكان قال: لا يفعل.
ثم رجع، وبرجوعه أخذ ابن القاسمِ.
قيل: فتجزئُ المكتوبة.
قال: أحبُّ إليَّ أَنْ يصليَ بعدَها ركعتين، فإن كانت لا تنفُّلَ بعدَها، فليركع قبلَها ركعتين, قال: وإذا اغتسل وتجرَّدَ، دخل المسجدَ فركع ركعتين أو أكثر إن أحبَّ، ثم يخرج فيُحرمَ.
قال فيه، وفي "العُتْبِيَّة"، ابن القاسمِ، عن مالكٍ: يجبرُ الكراء أنْ يُنيخَ بالمكترى ببابِ مسجد ذي الحُليفةِ، حتى يصلُّوا ثم يركبوا، فيُهلُّون، وليس له أَنْ يقولَ: اذهبوا، فصلُّوا، ثم تأتونَ إليَّ، فأحْمِلُكُمْ.
قال محمدٌ: قال مالكٌ: وتُحرِمُ الحائضُ من رحلها إذا كانت بالجُحْفَةِ وبينها وبين المسجدِ هُنيهةٌ، وإن كانتْ بالشجرةِ، يريدُ من ذي الحُليفةِ، فمِن فناء المسجدِ، ولا تدخله، ولتغتسلْ، ولا تؤخر لانتظار الطُّهرِ، ولا تُحرم إلا يف ثياب طاهرةٍ، ولا تحرم حتى تركب، وإن كانت ماشيةً فحين يُحرمُ الماشي، بفناءِ المسجدِ إذا توَجَّهَ.
قال عبد الملكِ، في "المَجْمُوعَة": ومَن أحرم في غير صلاةٍ، فلا حرج.
ومن "الواضحة"" وإذا ركعتَ بمسجد ذي الحُليفةِ، فاكثر من الدعاء، ثم أخرج، فإذا ركبتَ بفناءِ المسجدِ، وأنت مستقبلٌ القبلةَ،
وانبعثتْ بكَ راحلتكَ، فأحرمْ، وكذلك إذا أخذ الرجلُ في المشي أحرم.
وقال مالكٌ، في "المدونة": لا ينتظرُ سيرَ دابته.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال أشهبُ: ومن اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة، اقتصر على حظٍّ وافرٍ، وَلا بَأْسَ عليه إن زاد على ذلك، فقد زاد عمر: لبَّيْكَ ذا النَّعماءِ والفضلِ الحسنِ، لبيك، لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك.
وزاد ابنُ عمرَ: لبيك ليك، وسعديك، والخير بيديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعملُ.
ورُويَ أنَّ من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم "لبيك إله الحقِّ لبيك".
ولا تُكره التلبية في كلِّ موطنٍ، وعلى كل حالٍ، ولا وهو في حاجته.
ومن "العُتْبِيَّة"، قال ابن القاسم: وسئل مالكٌ، عن قولِ عروة: لا إله إلا أنت وأنت تُحيي بعدما أمَتَّ.
قال: ليس عليه العملُ وقد ترك.
قال في "المختصر": وَلا بَأْسَ بتعليم التلبية.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: والتلبية خلف كلِّ صلاةٍ وخلفَ النافلةِ، ولا أحبُّ تركها في منازلهم، ولا في الطرق.
قيل: ففي اصطلام الرفاقِ، قال: ما سمعت ذلك.
وفي "الواضحة"، نحو ما ذكر، وزاد، وحين يلقى الناسَ، عندَ اصطلام الرفاقِ، وببطن كل وادٍ، راكباً، وماشياً، أو نازلاً، أو قاعداً، أو عند انتباهك من نومك، وإن صليت بأصحابك، فلبِّ دبرَ الصلاةِ مرة واحدةً على آخر التلبيةِ، قبل قيامك.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: كانت عائشة تُسَمِّي في الإحرام بالحج والعمرة، وكان ابن عمر يُحْرِم ويَنْوِي.
قال ابن وهبٍ، عن مالكٍ: أحبُّ إليَّ النية، ولا يسمِّي.
وفي رواية ابن القاسمِ: أكره التسمية، وذلك واسعٌ أَنْ يُسمِّيَ.
قال: ويجزئه النية في إحرامه عن غيره.
قال ابنُ القاسمِ: قال مالكٌ: ومَن أراد أَنْ يُهِلَّ بالحجِّ مفرداً، فأخطأ، فقرن، أو تكلَّمَ بالعمرة، فليس ذلك بشيءٍ، وهو على حجِّهِ.
قال في "العُتْبِيَّة": ثم رجع مالكٌ، فقال: وعليه دمٌ.
وقاله ابن القاسمِ.
قال مالكٌ: وإذا أحرم بالحجِّ بالتلبيةِ قارناً، فليقل: لبيك بعمرةٍ وحجٍّ.
معاً يبدأ بالعمرة.
ومن "كتاب" محمدٍ، قال: ومن لبى يريد الإحرام، ولم ينوِ شيئاً،
فالاستحسان أَنْ يُفردَ، والقياس أَنْ يقرِن.
ولو نوى شيئاً فنسيه، فهذا قارنٌ لابدَّ.
وقاله أشهبُ، في "المَجْمُوعَة".
ومن "كتاب" محمدٍ، وإن لبَّى بعمرتين، أو حجتين، فليس عليه إلا حجة واحدة، ولاي قضي الأخرى.
وليسمع نفسَه التلبية، ومَن يليه في المساجد، غيرِ المسجدِ الحرام ومسجد مَنًى، فليرفع فيها صوته.
قال أشهب في "المَجْمُوعَة": لأن لك ينتشر فيهما، ولا تُشتهر بذلك الملبِي لأنها موضع ذلك.
ومن "العُتْبِيَّة"، أشهب، عن مالكٍ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرني جبريلُ أنْ آمُرَ أصحابِي برفعِ الصوتِ في التلبيةِ».
وليس عليه أَنْ يصيحَ جدًّا حتى يعقرَ حَلقه، والوسطُ من ذلك يُجْزِئُهُ، إن شاء الله تعالى.
ومن "المختصر" قال مالكٌ: ولا بأسَ بتعليم المحرمِ التلبيةَ.
ومنه ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: والأعجميُّ يُلبِّي بلسانه الذي يرطُنُ به.
وواسعٌ للمحرم التلبية حولَ البيتِ، وتركها أحب إليَّ.
وأكثر الناسِ
يفعله، وكان ابن عمر لا يفعله، ولا ابن شهابٍ.
وما ارى به بأساً.
وإذا طاف المعتمر لم يَعُدْ على التلبيةِ، وليعد القارن.
قال العتبيُّ، وابن الْمَوَّاز: قال مالكٌ: ولا بأسَ أَنْ يلبِّيَ الحاجُّ على الصفا والمروة، وأما المعتمر فلا، أحرم من ميقاته أو من التنعيم.
قال أشهبُ، عن مالكٍ: لا يقطع الحاج التلبيةَ، وإن دخل أوائل الحرمِ، ولكن يقطعها في الطوافِ، وإن لبَّى فواسعٌ، ثم يعاودها حتى يروحَ إلى عرفة.
قال ابن الْمَوَّاز: قال مالكٌ: مَن أحرم من الميقات لحجٍّ أو عمرةٍ، فليقطع التلبية، ويسعى حتى يروح إلى عرفة.
ومن "المختصر": ومن اعتمر من الجُعرانة قطع إذا دخل مكة، وإن اعتمر من التنعيم قطع إذا رأى البيت، أو دخل المسجدَ، وإن اعتمر من الميقات قطع إذا دخلَ الحرمَ، وإن لبَّى في ذلك كله حتى يدخل المسجد، فذلك واسعٌ، والإحرام من الميقات أفضل له من الجعرانة أفضل من التنعيم.
قال محمدٌ: قال مالكٌ: يقطعُ التلبيةَ يوم عرفةَ إذا زاغت الشمسُ، وقال: إذا زاغت وراح إلى مصلَّى عرفة، وبه يأخذ ابنُ القاسمِ، وابن عبد الحكم، وأصبغُ، وقال مالك أيضاً: يقطع إذا وقف بعرفة.
قال ابن وهبٍ: قلت لمالكٍ: أيلبي في ممشاه إلى الموقف للدعاء حتى
ينتهيَ إليه؟ قال: لا.
وقال عنه أشهبُ: إذا راح إلى موقف عرفة قطعَ التلبية، ولا يلبي الناس بعرفة، ولا الإمام في خطبته.
قال سحنونٌ: وإذا اغتسلتَ بعرفة، فإذا زاغتِ الشمسُ، فرُحْ إلى المسجدِ مُلبيًا، فإذا صليت الظهر والعصر، ورُحت إلى الموقف فاقطع التلبية، وخُذْ في التكبير والتهليل حتى تأتيَ الموقف.
قيل لمالك: أيردُّ الملبيَ السلامَ؟ قال: أحبُّ إليَّ ألا يرد حتى يفرغ من تليته، فيرد بعد ذلك، ثم قال: وهل يسلِّمُ على الملبِّي أحدٌ – إنكاراً لذلك -؟ قال مالكٌ، وفي "العُتْبِيَّة": وإن رجع لحاجةٍ، فلا يلبي رجوعه، وإذا حلَّ، فلا يلبي راجعاً.
ومن "كتاب" محمدٍ: ومَن كبَّر ولم يلبِّ، أو ترك التلبية حتى فرغَ، فعليه دمٌ.
وإن أنكر في إحرامه، فعاودها، أجزأه.
ولو بدأ بالتلبية، ثم كبَّر وهلَّل، فلا شيء عليه، وقيل: إن لبَّى أحرم ثم ترك، فعليه دمٌ، كمَن أحرم بغيرِ تلبيةٍ.
ومن نادى رجلاً حلالاً، فأجابه: لبيك اللهم لبيك، فإنْ كان جهلاً وسفهاً، فلا شيء عليه.
وكثير من مسائل هذا الباب في "مختصر" ابن عبد الحكم.
ذكر المواقيت، ومَن تعدَّاها، وما يفعل مَن دخل المدينة، وذِكرُ أشهرِ الحجِّ والإحرامِ قبلها (أو من وراء الميقات) أو مَ، فاته الحجُّ من أين يُحرمُ بالعمرةِ؟
من "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قيل لمالكٍ: في ميقات الجُحْفَةِ أيحرم من
وسطِ الوادي، أو آخره، قال: هو مهلٌّ كله، فليحرم من أوله، أحبُّ إليَّ، وكذلك ما كلن مثلَ الجُحفةِ من المواقيت.
وسئل أيضا: أيحرم منَ الجُحفةِ من المسجد الأول أو الثاني؟ قال: ذلك واسعٌ، ومن الأول أحبُّ إلينا.
ومثله في "العُتْبِيَّة"، من سماع ابن القاسمِ، ولم يقل: والأول أحب إلينا.
قال مالك: والمواقيت في العمرة والحج سواءٌ، إلا من منزله في الحرمِ أو بمكة، فعليه في العمرة أَنْ يخرج إلى الحلِّ، وأقلُّ ذلك التنعيم، وما بعد مثلُ الجعرانة، فهو أفضل.
ولو خرج الطارئ إلى ميقاته، كان أفضل وإهلال من أحرم (من مكة، فالحج من جوفِ المسجدِ إذا رأوا هلاَ ذي الحجة، وإن أخرُّوا على يوم التروية، فأرجو أَنْ يكونَ فيه سَعَةٌ.
ومثله في "العُتْبِيَّة"، من سماع أشهب، وقال: يحرم من جوف المسجد، لا من بابه، ولا من منزله.
محمدٌ: قال مالكٌ: ومن حجَّ في البحر من أهلِ مصرَ وشبههم، فليحرم إذا حادى الجحفة، ومَن كان منزله حذاء الميقات، فليحرم من منزله، وليس عليه أَنْ يأتي الميقات.
قال مالك: (ومن منزله دونَ المواقيت على مكة فليُحرم من داره أو مسجده ولا يؤخر ذلك)، وقد أحرم ابن عُمر من الفرعِ، حين
أراد الخروج منه إلى مكة، ومن أحرم من بلده، وقبل الميقات فلا بأس بذلك، غير أنَّا نكره لمَن قارب الميقات أنْ يحرم قبله، وقد أحرم ابنُ عمر من بيتِ المقدسِ، وأحرم من الفرعِ، كان خرج لحاجةٍ، ثم بدا له، فأحرم منه.
قال مالكٌ: فِي مَنْ نذر إن شفاه الله أَنْ يحرم بعمرةٍ من المدينةِ: فليغتسل بالمدينة، ويتجرد بها؛ لقوله: من المدينة.
ولا يحرم إلا من ذي الحُليفةِ، وفي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ.
قال في "المختصر": وأحبُّ لأهلِ المشرقِ إن مرّوا بذي الحُليفةِ أَنْ يحرموا منها.
وقال في "المدونة": ليس لمن مرَّ بها من أهل العراق أَنْ يجاوزها؛ لأنَّه لا يتعداخا إلى ميقاتٍ له.
قال ابن حبيبٍ: وإذا أراد أهلُ مصرَ وأهلُ الشام والمغرب أن لا يمروا بالجُحفةِ، فلا رخصة لهم في تركِ الإحرامِ من ذي الحُليفة.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وأُحبُّ لمَن دخل المدينة، إذا دخل المسجدَ أَنْ يبدأ بركعتين قبلَ الوقوفِ بالقبرِ، ومن دخل المسجدَ الحرامَ، فليبدأ قبل الركوعِ.
قال ابن حبيبٍ: ويقولُ إذا دخل مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله، وسلامٌ على رسولِ الله عليه الصَّلاَة والسلامُ، وافتح لي أبواب رحمتك، وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم.
ثم تقف بالقبر – يريد: بعد أن تركع – فتقف متواضعاً متوقِّراً،
فتُصَلِّي على النبي، وتثني عليه بما يحضرك، وتسلم على أبي بكر، وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصاة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، الفرض والنافلة ما أقمت بها، ولا تدع أنْ تأتيَ مسجدَ قباءَ، وقبور الشهداء.
قال في "كتاب" ابن الْمَوَّاز: ويسلمُ على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج، وفيما بين ذلك.
قال مالكٌ في موضع آخر: وقد أكثر الناسُ من ذلك.
قال محمدٌ: وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر، وكذلك مَن خرج مسافراً.
قال ابن حبيبٍ: وتركع ركعتين عند وداعك القبر، وتسأل الله فيهما الفوز والتقبل وتمامَ حجك، وقد اغتسلت لإحرامك وتجرَّدْتَ، فلا تُلبِّ حتى تأتي ذا الحُليفةِ.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ، في رجلٍ بمكة أراد أنْ يحجَّ عن رجلٍ: فليحرم من ميقات الرجل، أحب إلينا.
وإن أحرم من مكة أجزأه.
قال ابن القاسم: ومن حلفَ بالمشي على بيت الله، وهو بمكة، من مكيٍّ أو طارئٍ، ثم حنثَ، فليخرج على الحلِّ، فليحرم بحجٍّ أو بعمرةٍ.
وكذلك لو نَوَى أنَّه محرمٌ ساعة يحنث، فلا بد أَنْ يخرج، وإن كان الإحرام لزمه.
ورُوِيَ عن مالكٍ، في الحالف في المسجدِ، فهذا يخرج إلى الحل.
مالكٌ: ولا يَقْرِنُ أحدٌ من مكة، ومن أهَلَّ بحجٍّ أو بعمرةٍ، فلا يقيم بأرضه إلا غقامة المسافر.
وليس مكةُ ولا الحرم بميقات المعتمر، فمن أحرم بعمرةٍ من مكةَ أو من الحرمِ، فقد اخطأ وقد لزمه، وعليه أَنْ يخرج إلى الحِلِّ على إحرامه، لا يقطعه، فيدخل مَهلاًّ به، وإن لم يذكر إلا في
طوافه أنَّه أَهَلَّ من الحرمِ، فليتم طوافه، ويخرج على الحِلِّ، فيدخل منه.
قال محمدٌ: يريدُ: ويبتدئ.
قال: وإن لم يذكر حتى أتمَّ عمرته، وحلقَ رأسَه، فليس ذلك بإحلالٍ، ولابدَّ أَنْ يخرج إلى الحِلِّ، ويدخل منه، ويأتنف عمل العمرة ثانية.
ويُمِرَّ المُوسَى على رأسه، ولا شيء عليه في حلاقه الأول.
قال أبو محمدٍ: وهذه المسألة أراها لأشهب، وهي في "أمهات" أشهب نصًّا، إلا أنَّ في "كتابه": عليه الفدية في حلاقه الأول، وهكذا رأيت في "أمهات" يحيى بن عمر، وغيرهما، وهذا الصواب، وأراها وقعت في "كتاب" ابن الْمَوَّاز غلطاً.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، وهو لأشهب في "كتابه" قال: فإن أصاب أهله فيما بين أَنْ يخرج إلى الحِلِّ لعمرته الثانية، قال: فليتمَّها، وعليه عمرةٌ أخرى والهدي.
قال مالكٌ: في "كتاب" ابن الْمَوَّاز، في المريض: لا ينيغي أَنْ يجاوز الميقات، لما يرجو من قوةٍ، وليحرم منه، وإن احتاج على شيءٍ افتدى.
ورُوِيَ عنه، أنَّه قال: لا بأس أَنْ يؤخر إلى الجحفةِ.
وفي رواية ابن عبد الحكم: لا يؤخر إلى مكة، وربَّ مريضٍ أزاله ذلك حتى يأتيَ الجحفةِ.
وقال: لا تؤخر الحائضُ من ذي الحليفة على الجحفةِ رجاء أن تطهر.
قال: ومَن تعدَّى الميقات، فليرجع إذا لم يحرم، ما لم يخفِ الفوات، فيحرم.
وقيل: وإن شارف مكة، فلا يرجع، ويحرم ويُهدي، وإن لم يشارف رجع إن كان يدرك.
قال ابن حبيبٍ: ومَن تعدَّى ميقاته ثم أحرم بعد أن جاوزه، فعليه دمٌ، إلا أنْ يحرم وهو قريب منه، فلا دم عليه.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، ومن جاوز ميقاته لا يريد دخول مكة، ويريد حاجة بمثل أمَجٍ وقُدَيدٍ ثم بدا له أَنْ يدخل بعمرةٍ، فليحرم.
ولا يجع، ولا دم عليه.
قال مالكٌ: ومَن جاوز ميقاته يريد دخول مكة حلالاً ثم أحرم بعد أن جاوزه، فعليه دمٌ، قال محمدٌ: (لا هدي عليه)، وإنما الهدي على من جاوز ميقاته يريد الإحرام.
وأخبرني أبو زيدٍ، عن ابن القاسمِ، فِي مَنْ دخل مكةَ حلالاً، ثم أنشأ الحج منها، فلا بأس بذلك، ولو خرج إلى الحِلِّ، كان أحبَّ إليَّ.
قال: وعلى متعدِّي ميقاته في قضاء ما فاته من حج أو عمرة، هَديٌ.
قال ابن القاسمِ: ومن تعدى الميقات ففاته الحجُّ، فلا هدي عليه، وإن أفسدَ حجه، فذلك عليه.
وقال أشهبُ: عليه ذلك في الفوات والفساد، وبه قال محمد.
ومن أنشأ الحج من مكة ومن مكيٍّ، أو متمتعٍ طارئٍ، أو من دخل بعمرةٍ ثم اردغ إليها الحج أو بالحرمِ، ثم فاته الحجُّ، فليخرج كل واحدٍ منهم إلى الحِلِّ لعملهم عملَ العمرةِ، وليس مكةُ بميقاتٍ للمعتمر، ومن دخل مفرداً أو قارناً، ثم فاته، فلا يخرج إلى الحلِّ، لأنَّه منذ دخل مكةَ بإحرامه هذا، فليطف ويسعَ، طاف قبل ذلك أو لم يطف، وذك رنحوه ابمن القاسمِ، في "العُتْبِيَّة".
ولا أحب لأحدٍ أَنْ يحرم بالحجِّ في غير أشهر الحجِّ، إن فعل لزمه، وإن احرم في المحرم إلى ذي الحجة، لزمه، ولا يزال ملبياً محرماً حتى يرمي، ويحلق، وكُره أَنْ يقرن في غير أشهر الحجِّ.
قال أشهبُ: قال مالكٌ: وأشهر الحجِّ، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كله.
وقال ابن حبيبٍ، عن مالكٍ: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجةِ، ورُوِيَ ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباسٍ.
وذكر في "المَجْمُوعَة" رواية أشهب هذه، وقال: وقاله أشهبُ، ورواه عن عمر بن الخطابِ.
وقال محمد بن عبد الحكمِ: إذا انقضتْ عشر ذي الحجة فقد انقضى أشهر الحجِّ.
في لباس المحرم، وذكر ما فيه من صِبْغٍ أو طِيبٍ
من الثيابِ، ومما يَتَوَسَّدُ وينام عليه، وذكر العقد وشبهه في لباسه، وما فيه الفدية من اللباس
من "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: ولباس البياض في الإحرام أحبُّ إلينا، وَلا بَأْسَ بغيره.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال ابن القاسم: وسَّعَ مالكٌ أَنْ يحرم في ثوبٍ غيرِ جديدٍ، ,عن لم يغسله.
قال أشهبُ: وإن خاف عليها نجاسةً، فهذا من باب الوسوسةِ، فأحبُّ إلي غسلهما، كانا جديدين أو غسيلين.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وإن ابتاع ثوبين من السوقِ، فخاف أَنْ يكونا مسروقين، فلا يحرم فيهما إن شكِّ.
قيل: فإن باعهما وتصدَّقَ بثمنهما؟ قال: قد أصاب.
قال مالكٌ: والنساءُ والرجال فيما يُنْهَى عنه من الإحرامِ في المُوَرَّسِ، والمعصفرِ المُفدَمِ، والمزعفرِ، سواءٌ، وَلا بَأْسَ بغير ذلك من الألوان، وإن أحرم في ثوبٍ مُوَرَّسٍ، أو مزغفرٍ، فليفتدِ.
ومن "المَجْمُوعَة": وكره مالكٌ الإحرامَ في المعصصفرِ المُفدَمِ
للرجال والنساءِ.
قال أشهبُ: اكره من المعصفرِ مالَه رَدْعٌ في الجسدِ.
ولا فدية على /َن لبسه من رجلٍ أو امرأةٍ، وقد أساء.
وأكره لُبس ما لم يردع منه للرجل المفتدِي به، وأفضل لباس المحرم البياض، ولا يمنع من سواه، والخَزُّ من أشهر ذلك.
وما كان منه أبيضَ ومن الألوان ما لا شبهةَ به على الناسِ في لباسِ المصبغِ، فلا بأس به.
قال ابن القاسمِ: قال مالكٌ: وللمرأة أن تحرم في الحرير الصفر.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز: وللمحرمةِ أن تلبس ثياب حيضتها، ولتغسل ما فيها من الدمِ، ولا يُكره لها من اللباسِ غيرُ الوَرْسِ والزعفرن والمعصفرِ المفدَمِ.
قال ابن حبيبٍ: ولها لباس المفدم إلا الذي ينتقض، فقد كره مالكٌ، ولها لباس الخزِّ في الإحرامِ.
ومن "كتاب" محمدٍ، قال: وتلبسُ كيف شاءتْ، إذا اجتنبت النقاب، والبُرقعَ، والقُفازين، وإن فعلت لك افتدت، إلا أنْ تنزعه مكانها، وكذلك البرقع، وإن خافته، ولها لباس الخُفَّيْن.
قال ابن القاسمِ، عن مالكٍ في "المَجْمُوعَة": وتلبس السراويلَ والخفين وال؛ لي والحريرَ، وَلا بَأْسَ أن تلبس عمامة حريةٍ.
قال ابن حبيبٍ: كان مالكٌ يوجب عليها الفدية والنقاب والبرقع والقفازين، وأنا لا أبلغ بهاذ لك في القفازين، لرخصةِ عائشةَ فيهما، وأما الخفين والسراويل فمجتمَعٌ على الرخصةِ لها فيهما.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز: ولا يحرم المحرم في ثوبٍ فيه ريحُ مسكٍ أو طيبٍ.
فإن فعل فلا فديةَ عليه.
قال أشهبُ في "المَجْمُوعَة": إلا أني كون كثيراً، أو يكون كالتطيبِ، فيفتدي، قال: وَلا بَأْسَ بالمورَّدِ، والأصفرِ بغير وَرْسٍ ولا زعفرانٍ، وأمَّا المعصفرُ، فإن غسلَ فذهب لونُه ورائحته فلا بأس به، وإن بقيت رائحته أو بقيت فيه صفرة فلا، إلا أن تكون معدَّةً يغشيها يوارى لونها.
ومن "العُتْبِيَّة"، و"كتاب "ابن الْمَوَّاز، قال مالك: ومن احرم في ثوبٍ فيه لُمعةٌ من الزعفران، فلا شيء عليه، وليغسله إذا ذكر.
وَلا بَأْسَ أَنْ يحرم في ثوبٍ مصبغٍ.
قال ابن القاسمِ: وإن كانت رائحته طيبةً، ما لم يكن مسكاً أو عنبراً.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: ولا ينام على شيءٍ مصبوغٍ بورسٍ أو زعفرانَ، من فراشٍ أو وسائدَ، ولا يجلس إلا أَنْ يُغشِّيَه بثوبٍ كثيفٍ، فإن فعل ولم يغشه افتدى إن كان صبغاً كثيراً، أو معصفراً أخف ذلك، ولا أحب أَنْ ينام على ذلك، لئلا يعرقَ فيصيبه، إلا الخفيف لا يخرج على الجسدِ، ولا يتوسَّد مرفقة فيها زعفران، وكره أَنْ ينام
على خشبةٍ مزعفرةٍ قد ذهبت الشمس بصباغها حتى يغشيها بثوبٍ أبيضَ.
قال مالكٌ: وللرجل أَنْ يحرم في ثوبٍ فيه حريرٌ، ما لم يُكثره.
وأخبرنا أبو بكرٍ، عن يحيى بن عمر، عن ابن بُكيرٍ، أنه سأل مالكاً: هل يحرمُ في ثوبٍ فيه علمُ حريرٍ قدرَ الأصبعِ؟ قال: لا بأس بذلك.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وله أَنْ يرتدي بقميصه وبُرنسهِ ودُواجه وقبائه ويطرحه على ظهره.
وكُره أنْ يرتدي بالسراويل.
قال: وإن لم يجد مئزراً، فلا بأس بالسراويل، وإن افتدى، وفيه جاء بالنهي.
قال في "المختصر" إذا لم يجد مئزراً، فليلبس سراويل، ويفتدِ.
مالكٌ: وإذا اغتسل فجعل ثو به على رأسه، يتجفَّفُ به، فهو خفيفٌ، وتركه أحب إلينا، وإذا جرَّبَ خُفًّا فلبسه، ثم نزعه مكانه، فلا شيء عليه.
قال مالكٌ: وإن لبس قميصاً ولم ينتفع به من حَرٍّ أو بردٍ، حتى ذكر فنزعه، فلا شيء عليه، وإن مكث يوماً، أو انتفع به لحرٍّ أو لبردٍ افتدى.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز: وإذا لم يجد المحرم النعلين بثمنٍ يُشبه ثمنهما، أو يقاربه، فله أَنْ يلبس الخفين، ويقطعها أسفلَ من الكعبين، وإن فعل ذلك واجداً لشراء النعلين بماذ كرنا من الثمن، فليفتد.
وقال ابن حبيبٍ: إنما أرخصَ في قطعِ الخفين في قلةِ النعالِ، فأما اليوم فقد كثرت فلا تقدم، ولا رخصة في ذلك اليوم، ومن فعله افتد.
وقاله ابن الماجشون.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز: وكره مالك للمحرم الجوربين، أو نعلاً له عقب معطوف، يجاوز من وراء رجليه.
قال الن الماجشون: وإن لحتاج على لباسِ قميصهِ، ثم استحدث لباس سراويل معه، ففديةٌ واحدةٌ، ولو احتاج أولا على السراويل، فلبسه ثم لبس قميصاً، ففديتين.
وأما إن لبس قَلَنْسِيَةً، ثم بدا له فلبس عمامة، أو لبس عمامة ثم نزعها فلبس قلنسية، ففدية واحدة في هذا كله.
وقال عنه ابن حبيبٍ: وكذلك إن احتاج على قميصٍ فلبسه لم ينوِ لُبسَ غيره، ثم احتاج إلى جُبَّةٍ فلبسها، ثم اختاج إلى فروٍ فلبسه، فليس عليه إلا فدية واحدة، وكذلك لو لبس قلنسية ثم احتاج إلى عمامة ثم على التقبُّبِ والتظللِ، ففعله، ففدية واحدة في ذلك كله.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال: قال مالك: ولا ينبغي أَنْ يفعل ما فيه الفدية من غير الضرورة، ليسارة الفديةِ عليه، وأنا أعظه عن ذلك، فإن فعل فليفتدِ، وإن لبس لغير علةٍ، ثم مرض، فتركه، ثم صحَّ، فتركه، ففديةٌ واحدةٌ تُجْزِئه.
ولو لبس لمرضٍ، ثن تمادى فلبسه يعد أن صحَّ فعليه فديتان.
وكذلك ذكر ابن حبيبٍ، في أول المسألةِ، عن ابنِ الماجشون، وزاد: لا يبالي من مرضَ مرضةً ثانية بعد الأولى، ثم صحَّ منها، وهو عليه، أو لم يمرض ثانيةً، فليس عليه إلا فديتان.
ومن هذا المعنى في باب التظللِ، وفي باب التطيبِ في تكرير ما يفعله مما نُهيَ عنه.
في العقد والاحتزام والتعصيب وشبهه للمُحرمِ، وتقليد السيف
من "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وإن عقد الثوب عليه حتى صلَّى، افتدى.
قال محمدٌ: وليس لأن هذا طويلٌ، ولكن لانتفاعه.
وفي موضع آخرَ، قال ابنُ القاسمِ –وكأنه لا يرى عليه فديةٌ -: إن صلَّى كذلك لقربهِ، وقد قال مالكٌ: يفتدي، وما هو بالبينِ.
قيل لمالك: أيَحْتَزِمُ المحرم بثو به على نفسه؟ قال: أمَّا إن أراد العملَ، فلا بأس به، وإلا فلا.
قيل: يستثفر بثو به عند الركوب؟ قال: أرجو أَنْ يكونَ واسعاً، وما هو من الشأن.
قال في "المختصر": واختُلفَ في استثفاره به عند الركوبِ والنزولِ والعملن وأرجو أَنْ يكون واسعاً.
ومن "كتاب" محمدٍ: وإن احتزم فوق إزاره بعمامةٍ، أو حبلٍ، أو خيطٍ افتدى.
وإن ائتزر بمئزرٍ فوق مئزره.
افتدى إلا أَنْ يبسطهما ثم يأتزر بهما معاً، وكذلك ذكر ابن عبدوسٍ، عن عبد الملكِ: قال عنه: وأما رداءٌ فوق رداءٍ فلا بأسَ.
قال: وَلا بَأْسَ فيما يجملُ من وفرةٍ أَنْ يعقده على صدره.
قال في "المختصر": وَلا بَأْسَ أَنْ يحملَ متاعه على رأسه، أو يجعل فيه الحبل، ويلقيه خلفه، ويجعل الحبلَ في صدره.
قال ابن عبدوسٍ: قال عنه ابن القاسمِ: وَلا بَأْسَ أَنْ يجعل إزاره في حجوته عند نزوله.
قال عنه ابنُ نافعٍ: ولا يستثفره إذا ركب.
قال عنه ابن القاسمِ: ومَن قصَّر إزاره أيعقده – إذا صلى – خلف قفاه؟ قال: لا،
وليأتزر به، فإن فعل فلا شيء عليه.
وكذلك في "العُتْبِيَّة"، وَلا بَأْسَ أنْ يتوشَّحَ بثو به، وأن يحتبي، فإنْ عقد ما يتوشح به على عنقه، فإنْ نزعه مكانه، فلا فدية عليه، وكذلك إن جلله عليه، فإن طال ذلك افتدى.
وذكر نحوه ابن حبيبٍ، عن مالكٍ، وزاد عنه: وكذلك إن زرَّرَ عليه طَيلسانه.
قال مالكٌ: في "العُتْبِيَّة": ولا يجعل الكساءَ يلبسه بعودٍ.
ومن "كتاب " ابن الْمَوَّاز: قال مالكٌ: وأما أَنْ يحتبي بثو به، وليس من ناحية العقدِن ومَن عَصَبَ من وجعٍ يجده، فليفتد.
قال مالكٌ: ويتقلد المحرم الشيفَ، إن احتاج إليه وخاف، ولا فدية عليه إن فعله من غير حاجةٍ، وإن نزعه، ولا يفتدي.
ومن كتاب آخرَ قال ابنُ وهبٍ: إذا تقلده من غير حاجةٍ إليه، فعليه الفديةُ.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، ومن "العُتْبِيَّة"، قال مالك: وَلا بَأْسَ أَنْ يتخذ الخرقة، ويجعل فرجه عند نومه، وهو بخلاف لفِّها عليه للمنِيِّ أو للبولِ، هذا يفتدى.
وإن استنكحه بفديةٍ واحدةٍ تُجْزِئه إذا استدامه، ولو اعتمر بعد حجته، افتدى لذلك فديةً ثانيةً.
قال ابن القاسمِ: عن مالك، في "العُتْبِيَّة": وأما الذي يعصب على ذكره عصابةً للمنيِّ، أو للبولِ يقطر منه، قال: عليه الفديةُ.
وقال في موضع آخرَ: يَلُفُّ على ذَكره خرقة للمَذْيِ أو للبولِ، والجواب سواء
في باب التظلل من مسائل العقدِ.
في التظلل والتقبب للنحرم، وتغطية الرأس وما يفعله من العقد ولصق الخرق ورباط المنطقةِ، ونحو ذلك
من "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: ولا يستر المحرم على رأسه ولا على وجهه من الشمس بعصاً فيها ثوبٌ.
فإنْ فعل افتدى، ولا بأسَ بالفسطاط والقُبَّةِ وهو نازلٌ، ولا يعجبني أَنْ يستظلَّ يومَ عرفة بشيءٍ.
ولا يستظلَّ في البحرِ، إلاَّ أَنْ يكون مريضاً، فييفعل ويفتدي.
قال مالكٌ: وَلا بَأْسَ أَنْ يستظلَّ تحت المحملِ وهو سائرٌ، أو يجعل يدَه على رأسه أو يستر بيده وجهَه من الشمسِ، وهذا لا يدومُ.
وقا سحنونٌ: لا يستظل تحت المحمل وهو سائرٌ.
ومن "المَجْمُوعَة"، قال أشهب: وإن غطَّى وجهه متعمداً، أو ناسياً حتى انقطع بذلك، لحرٍّ أو بردٍ، فلا فدية عليه، لما جاء فيه.
قال ابن حبيبٍ: قال ابن الماجشون: لا بأس أَنْ يتظلل المحرم إذا نزل بالأرضِ، وَلا بَأْسَ أَنْ يلقيَ ثوباً على شجرةٍ، فيقيل تحته، وليس كالراكب، والماشي.
وهو للنازل كخباءٍ مضروبٍ.
وذكر ابنُ المواز، في "كتاب المناسك"، أنَّه لا يستظلُّ إذا نزل بالأرضِ بأعوادٍ يجعل عليها كساءً أو غيرَه، ولا يحمله، قال: فإنما وُسِّعَ له في الخباء والفسطاط والبيتِ المبنيِّ.
وقال
يحيى بن عمر: لا بأس بذلك إذا نزل بالأرضِ.
ومن "العُتْبِيَّة"، قال أشهبُ، عن مالكٍ: وَلا بَأْسَ أَنْ يجعل يديه فوقَ حاجبيهن يستر بهما وجهه، وكره أَنْ يجفف رأسه إذا اغتسل بثوبٍ، ولكن يَحُكُّهُ بيديه.
قال في "المحتصر": وهو خفيفٌ في الثوبِ، وتركه احب إلي.
قال في "المختصر": وليس على المحرم كشف ظهره للشمسِ إرادةَ الفضل فيه.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وَلا بَأْسَ أَنْ يواريَ المحرمُ بعضَ وجهه بطرفِ ثو به، وإذا جاز للمحرم أَنْ يتعممَ، أو يتفلسَ، جاز له انْ يتظلل.
ومنه، ومن "العُتْبِيَّة"، ابن القاسمِ، وكره مالك أَنْ يَكُبَّ وجهه على الوسادةِ من الحرِّ، ولا يرفعها يستظلُّ بها، وَلا بَأْسَ أَنْ يضع خدَّه عليها.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال مالكٌ: وإذا عصَّبَ رأسه لصداعٍ بعمامةٍ، ثم ذهب عنه، فبعد ايامٍ عاوده، فعصب رأسه، فإن نوى أولا إن عاد إليه الوجعُ عاودها، ففديةٌ واحدةٌ وإلا ففديتان.
ومن "العُتْبِيَّة"، قال ابن القاسمِ، عن مالكٍ: وإذا جعل صُدغيه فعليه الفدية، وهو من ناحية العقد، وكذلك إن عصَّب رأسه.
ومن "كتاب" محمدٍ، قال: وإذا غطت المحرمة وجهها، وأسدلت عليه
لحرٍّ أو لبردٍ، لا لسترٍ، افتدت إلا انْ تنزعه مكانَها.
وإذا مات المحرم خُمِّرَ وجهُه ورأسُه.
قال مالك في المرأة تعادل الرجل في المحمل: لا يعجبني أَنْ يجعل عليهما ظلاًّ، وعسى أَنْ يكونَ في ذلك بعضُ السعةِ إن اضطُرَّ على ذلك، وفي رواية أشهب: لا يستظلُّ هو، وتستظلُّ هي.
وقاله ابن القاسمِ.
قال: وفي الدُّمِّلِ تُوضعُ عليها رُقعةٌ، قدرَ الدرهم، إنَّ ذلك كثيرٌ، ويفتدي.
ومن "المختصر": وإن كان به قروحٌ، فألصق عليها رِقاعاً صغاراً، فلا بأس به، وإن كانت كباراً فليفتد.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز: ولا باس أَنْ يربط نفقته في إزاره، ويعقد ذلك فيهن وإن لم يكن له منطقةٌ، وكره له مالكٌ شدَّ المنطقةِ على العضدِ والفخذِ والساقِ.
قال ابن قالاسمِ: ولا فدية عليه إن فعل، قال أصبغُ: أما في العضدِ فليفتد.
ومن "العُتْبِيَّة"، / قال ابن القاسمِ: عن مالكٍ: وإذا كان في إصبعه قطْعٌ بسكينٍ، فإن كان يسيراً وجعل عليه حِنَّاءً، وربطه بخرقةِ، فلا شيءَ فيهن وإن كان كثيراً، افتدى إذا فعل ذلك.
في الطيب للمحرم، وإلقاء التَّفَثِ، وقتلِ الدوابِ، والدُّهنِ والكحل والحجامة، وحلق الشعرِ والزِّنَةِ، وغيرها، ومن فعله بغيره
من "كتاب" ابن الْمَوَّاز، قال: ومَسُّ الطيبِ أشدُّ من شمِّهِ، وشربه أشدُّ من مسِّهِ، والفديةُ في شربهِ، أو مسِّهِ.
قال ابن وهبٍ، قال مالكٌ: في المحرم يشرب شراباً، فيه طيبٌ، أو رائحةٌ: فلا يعودُ، ولا شيء عليه، وقاله أشهبُ.
قال محمدٌ: وهذا عندنا، فيما طبخته النار، أو فيما تغير لونه، ولا يوجد طعمه، كالترياقِ، وشبهه، والفُلُّونيَّةِ.
وليس لما فيه من الزعفرن قدرٌ، ولا يُرى.
وكذلك ذكرَ في "العُتْبِيَّة"، عن مالكٍ، في الفلونيَّةِ والترياقِ: وَلا بَأْسَ عليه في شربههما.
قال ابن حبيبٍ: وله أنْ يأكل ما فيه زعفرانٌ، مما طبخته النارُ، حتى أذهبت ريحه، ولا يَعْلُقُ باليدِ، ولا بالفمِ منه شيءٌ مثلُ الخُشْكَنَانِ الأصفرِ، والخبيصِ، فأما الفالوذُ، والدقِّقَّةُ، فلا؛ لأنَّ الفالوذ، وإن مسته النارُ، فربما صبغ اليدَ، والفمَ، وأما الدِّقَّةُ المصبوغة فتصبغ اليد والفم.
ومن "كتاب" محمدٍ، قال ابن القاسمِ: ومَن شرب زعفراناً تداوياً؛ افتدى.
قال مالكٌ: وليغسل ما أصابه من خلةق الكعبةِ بيده، ولا شيء عليه، وله تركه إن كان يسيراً، وإن أصاب كفُّه من خلوقِ الركنِ، فإن كان كثيراً، فأحب إليّ أَنْ يغسل يده قبل أَنْ يقبلها، وإن كان يسراً فهو منه في سعةٍ.
وكُره للمحرم بيعُ الزنبقِ وشبهه من الطيب الذي يَعلقُ، فإن فعل،
فالله حسيبه.
وكُره أَنْ يخرج في رفقها أحمال الطيب، وإن أخذ باناً بأصبعه، فوضعه على ظهر كفه، فلا شيء عليه، هذا ما لم يدهن به.
ولا بأس أَنْ يضع يده على أنفه إذا مرَّ بطيبٍ.
قال ابن القاسمِ، في "العُتْبِيَّة": أحبُّ إليَّ أَنْ يفعل ذلك، وَلا بَأْسَ إن سدَّ أنفه من الجِيفةِ، قال في "العُتْبِيَّة": أو الغبار.
قال ابن عبد الحكمِ، عن مالكٍ: وإن قطرَ في أُذنيه باناً غيرَ مُطَيَّبٍ، لوَجَعٍ به، فلا بأس به.
وكذلك لو جعله في فيه.
قال ابن وهبٍ، وابن القاسمِ، عن مالكٍ: وما كان في باطنِ الكفِّ، والقدمِ من شقوقِ فدهنه بزيتٍ، أو سمنٍ ليمرَّ بهما، فلا شيء عليه، وأما على ظاهرالجلدِ مما يحسنه، فليفتدِ.
قالا: عن مالكٍ، في المحرم الماشي يدهن باطن ساقيه أو ركبته أو ظاهر قدميه، لخوفِ أَنْ يصيبه شيءٌ: فعليه فديةٌ واحدةٌ، وإذا اشتكى بعضُ جسدهِ فدهن ذلك بدهنٍ، أو بزيتٍ، فليفتد.
قال ابن حبيبٍ: قال مالكٌ: وإن دهن باطن قدميه، وكفيه لشكوى، أو شقوقٍ بزيتٍ، أو شحم، أو دهنٍ لا طيب فيه ليمر بهما، فلا شيء عليه، وأما على ظاهر الكفِّ والقدمِ وسائرِ الجسدِ، فليفتد، لأنَّه يُحسِّنُه، ويثذهب قشفه، وأجاز ذلك غير مالك، في كل ما يأكله المحرم، وقاله الليث، ورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عباس، وابن عمر، فلا فدية عندي فيه، وتركه أحوطُ.
ومن "كتاب" محمدٍ: وإن داوَى جُرحه بدواءٍ، فيه طيبٌ، فَبرِئَ، ثم انتقضَ فعاوده بهن فعليه فديتان، وإن حلق رأسَه، ثم وجد بَرداً، فتعمَّم، ففديةُ واحدةٌ، إن كان في موضعٍ واحدٍ، وكذلك إنْ حلق رأسَه ثم لبس ثوباً، ثم تطيب في وقتِ واحدٍ، ففديةٌ واحدةٌ.
وإذا اكتحل نحرمٌ أو محرمةٌ بالإثمدِ لا طيبَ فيه لغير وجعٍ، فليفتديا.
قال ابن حبيبٍ: إن اكتحلا به لزينةٍ، فليفتديا، وأما لغير زينةٍ، لحرٍّ وشبهه، فلا فدية فيه عن لم يكن فيه طيبٌ.
قال في "المختصر": ولا باس للرجل بالكحل قبل أَنْ يحرم.
محمدٌ: قال مالكٌ: وليس من أن المحرم والمحرمة النظرُ في المرآةِ إلاَّ من وجعٍ، وذلك خيفةَ أنْ يرى شعثاً فيصلحه، وليس من شانه تسوية الشعر، ولا الحمام، وإن نظر في المرآة فلا شيء عليه، ويستغفر الله.
ومن "العُتْبِيَّة"، أشهبُ، عن مالكٍ، عن المحرمة تقيم أياماً، ثم تريد نظرَ وجهها، في المرآةِ، فكره لها ذلك.
ومن "كتاب" محمدٍ: وإذا أخذ من شاربه، أو نتف من عينه شَعراً، فليفتد ولو سقط من شعر راسه شيءٌ بحملِ متاتعه، فلا شيء ععليه، وكذلك إن جر بيده على لحيته، فسقط منها الشعرة والشعرتان.
قال ابن القاسمِ: ولو اغتسل فتسلقط منذ لك شعرٌ كثيرٌ، فلا شيء عليهن وإن كان تبرَّدَ، أو لو قتل لذلك قملاَ من رأسه، فلا شيء عليه في الجنابةِ، وعليه الفديةُ في التبردِ.
قال أصبغُ: وهذا إن تناثر دوابٌّ وشيءٌ له بالٌ، فأما في مثل الواحدةِ، فليطعم تمراتٍ، أو قبضاتِ سويقٍ أو كسراتٍ.
قال في المختصر: ومن شأنه قرضُ اظفاره، أو لحيته بأسنانه، فعليه فدية واحدةٌ.
وكذلك في "العُتْبِيَّة"، عن ابن القاسمِ، عن مالكٍ: يفتدي.
قال ابن القاسم: يريد في ظنِّي وإن كان مِراراً.
ومن "كتاب" محمدٍ: ومَن نتف شعراً من أنفه، أو من حلق مَرشحةٍ لضرورةٍ، أو لموضع المحاجمِ ناسياً، أو جاهلاً، افتدى.
وكلُّ ما كان لإماطةِ أذًى وإن قلَّ، ففيه الفديةُ، وما كان لغير إماطةٍ ولا لمنفعةٍ، جاهلاً، أو ناسياً، فعليه في الشعرة أو الشعرات قبضةٌ من طعامٍ.
قال مالكٌ: وإن قصَّ ظفرين من غير كسرٍ، افتدى.
قال ابن القاسمِ: ولا شيء في الواحد إلا أَنْ يُميطَ به عنه أذًى.
وقال أشهبُ: يُطعمُ فيه شيئاً، وإن قصَّ من كل يدٍ، افتدى.
قال ابن وهبٍ، عن مالكٍ: في الظفر الواحد مسكيناً.
ومَن فعل ما عليه فيه الفديةُ، فلم يفتدِ حتى فعله ثانيةً، أو غيره مما فيه الفدية، فإن قرَّبَ بعضَ ذلك من بعضٍ، وفي موطنٍ واحدٍ، ففديةٌ واحدةٌ، وإن لم يكن كذلك، ففي كل شيءٍ فديةٌ، إلا أَنْ يكون نَوَى أوَّل مرة أَنْ يفعل ذلك كله، ففدية واحدةٌ لذلك كله تُجزئه، وإن كان بينَ ذلك أيامٌ.
قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: ولا يقصُّ المحرمُ شاربَ حلالٍ، ولا حرامٍ، ولا يأخذ من شعرهن فإن فعل فلا شيء عليه في الشارب، والأظفار، ويُطعم في الرأس جفنةً من طعامٍ.
وقال مالك: يفتدى، ولا فدية فيه عندي.
قالا: عن مالكٍ: وإن حلق من شعرٍ حلالٍ ما يُوقن أنه لم يقتل دَوَابَّ، فلا شيء عليه.
قال: وليَجُزَّ من شعر دابته ما شاء.
قال ابن حبيبٍ: وأكره الحِجامة للمُحرمِ إلا لضرورةٍ، ولا فديةَ في ذلك ما لم يحلق شعراً.
قال مالكٌ: ورُوِيَ عن ابن عمرَ، قال: فإن احتجمَ لضرورةٍ، أو لغير ضرورةٍ، فحلق لها شعراً في الرأس، أو القفا، أو سائر الجسدِ، فليفتد.
قال سحنونٌ: وَلا بَأْسَ عليه أَنْ يحتجمَ إذا لم يحلق الشعر، ولا يحتجم في الرأس، وإن لم يحلق منه شعراً خِيفةَ قتل الدوابِّ.
ومن "العُتْبِيَّة"، ابن القاسم، عن مالكٍ: وَلا بَأْسَ أَنْ يَحُكَّ المحرم ما به من القروحِ حتى يخرج الدمُ.
ومن "كتاب" ابن الْمَوَّاز، و "العُتْبِيَّة": عن مالك: قال: وللمحرم أَنْ يَتَسَوَّكَ، وإن أدمَى فاهُ، ويَبُطَّ جراحَه، ويقطع عِرقه، ويقلع ضرسه، ولا يحتجم إلا من ضرورةٍ، ويحكّ جسده، وقروحه وإن ادمى جلده، ويحكّ رأسَه خكًّا رقيقاً.
وفي موضعٍ آخر، وله أَنْ يقفأ دُمُّلَه.
ومن "العُتْبِيَّة"، من سماع أشهب: وإذا أخذ القملة من ثو به، أو من جلدهِ، فيضعُها منه في مكانٍ آخرن فأرجو ألا بأسَ به، وأما أَنْ يلقيها بالأرض، فلا.
قال في "المختصر": وإذا سقطت من رأسه قملةٌ، فليدعها، ولا يردها مكانها.
قال في "المختصر": وله أَنْ يحكَّ
ما يراه من جسده، وإن أدماه.
قال سحنونٌ: وليترفقْ بحكِّ رأسه.
وفي باب ما يقتل المحرم من الدواب بقية القولِ، فيما يلزمه من قتل الدوابِّ، والذّرِّ وغير ذلك.
ومن "العُتْبِيَّة"، ابن القاسمِ، قيل لمالكٍ: أيُنْشِدُ المحرم الشعرَ؟ قال: لا.
إلا الشيء الخفيف.
وقال ابن حبيبٍ: لا بأس أَنْ ينشد الشعر، ما لم يكن فيه خنًى، وذكر النساء، وقد فعله أبو بكر وعمر وابن عباسٍ، وغيرهم.
ومن "كتاب" محمدٍ: ومَن طيَّبَ محرماً، وهو نائمٌ، أو حلقَ رأسه، فالفدية على فاعلِ ذلك بنُسكِ أو طعام، ولا بصيامٍ، وليغسل المحرم عنه الطيب، فإن فعل الفاعل عديماً، فليفتد المحرم، وليرجع على الفاعل – إن أيسر – من ثمن الطعام، أو ثمن النُّسك، إن افتدى بأحدهما، وإن صام فلا يرجع عليه بشيءٍ.
وكره مالك للمحرم غسل ثو به إلا لنجاسةٍ، أو وَسَخٍ، فليغسله بالماء وحده، وإن مات فيه دوابُّ.
ولا يغسل ثوب غيره، فإن فعل أطعم شيئاً من طعامٍ؛ خيفة قتل الدوابِّ فإن أمِن ذلك، فليغسله، ولا شيء عليه.
قيل لمالكٍ: فالغسل بالأُشنانِ؟ قال: أما اليدين فجائزٌ ما لم يكن فيه طِيبٌ، وكرهه ابن حبيبٍ.
ومن "كتاب" ابن حبيبٍ: ومَن جهلَ فلَّى ثو به أو فلاَّ رأسَه حتى انتفع