كتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وجه الحصاص في مال المفلس والميت وحلول ما عليه لمن له عليه من دين مؤجل
، وكيف يحاص لمن له عليه طعام مؤجل أو عرض، أو حيوان؟ وكيف بمن عنده رهن يتأخر بيعه؟
من كتاب ابن حبيب: قال مالك: يحل ما على المفلس مندين مؤجل، قال ابن شهاب: هي السنة أن من مات حل ما عليه من دين، ولا يحل ماله من دين، قال أشهب: وكذلك يحل ما باع من عطائه.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك فيمن باع رزقا له بالجار فمحقا سنين ثم مات، أن ذلك يحل في مال الميت، يأخذه المشتري قمحا من مال الميت، وكذلك من باع عطاءه ثم مات فليؤخذ ذلك من تركته، قال محمد: ولو بقي حتى يحل الأجل لألزمته ذلك في ماله ولا يقسم، لان عمدة ذلك عليه، وإنما شرط ذلك وتسميت بمعنى الأجل، ولو تبرأ من ضمانه على أن ذلك المشتري خرج أو لم يخرج، كان مكروها وفسخ.
وفي العتبية من سماع أشهب فيمن تعين في عطائه، فتأخر العطاء وله مال فيه وفاء، أيؤخذ من ماله؟ قال: لا، وروي عنه فيمن اشترى بالدين في عطائه، ويكتب ذلك في ديوانه/فيخرج له نصف العطاء، أيحل حقه كله؟ قال: إن أمثل ذلك أن يأخذ ما خرج من عطائه فقط.
ومن كتاب ابن المواز، ومثله في العتبية عن ابن القاسم، ومن رواية عيسى، وفي كتاب ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وذكر أن مطرفا وابن القاسم وأشهب رووه عن مالك، واللفظ لكتاب ابن المواز، قال: ومن أفلس وعليه عروض وحيوان سلم إليه فيها، قال: المشتري يحاص بقيمة ذلك فما حصل له من ذلك القيمة بالمحاصة اشترى له شرطه وما بلغ منه، وقاله أصبغ، قال: ويحاص
[10/ 85]
بقيمته ما يسوي يوم الحصاص، فما أدرك بذلك جعل له في مثل ما كان يسأله بلغ ذلك الجميع أو أقل أو ما بلغ من أجزائه يشتري له، وإن صار به شريكا لم يتبع بباقي ما كان من شيء.
قال في كتاب ابن حبيب، ونحوه في العتبية من سماع عيسى: وإن كان له طعام من سلم حوصص له بقيمته يوم الحصاص، فما وقع له اشتري له به من الطعام ما بلغ، وطالب بالباقي، ولا يجوز له أن يأخذ ما وقع ثمنا في طعام أو عرض، ولو كان السلم في صيف فوقع له ما يأخذ به نصف وصيف، فإن شاء اشترى له نصف وصيف وإلا ترك حتى ييأس صاحبه فيأخذ منه وصيفا، ولا يجوز أن يأخذ هذه الدنانير ويتبعه بنصف وصيف، وأن يأخذ ما أدرك ويطرح ما بقي إلا أن يكون ما وقع له مثل رأس المال فأقل، فيكون كما قال جائز.
يريد/: في غير الطعام من بيع.
قال في العتبية: وإن اشترى له نصف عبد طالب غريمه بنصف عبد.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: فإن لم يشتر الطالب الطعام بما وقع له طعاما حتى غلا أو رخص، فلا تراجع بينه وبين الغرماء، ولكن ما نقص اتبعوا به الغريم وما زاده لرخص السعر حوسبوا به للغريم، إلا أن يبقى فضلة بعد قبض جميع الطعام فيرد الفضلة إلى الغرماء، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وكذلك يحاصص من له كراء حمل غرماء الحمال في موته أو فلسه بقيمة الكراء، لا بما نقده.
وفي باب تفليس الكري والمكتري من هذا.
قال مطرف وابن الماجشون: وإن كان لأحدهم أصناف من طعام من قمح وشعيره وغيره، فوقع له في الحصاص دنانير فطلب أن يشتري له بها قمح، وقال المطلوب: شعير، فليس لهما ذلك، ويأمر الإمام من يشتري له من أصناف طعام بقدر ما يقع لكل صنف، لا يجوز لهما غير ذلك، وأما في غير التفليس: فالبائع
[10/ 86]
يعطه ما شاء من أصناف ماله عليه، وليس للمبتاع أن يقول: بع ما عندك من الشعير وابتع لي قمحا.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا كان لرجل عليه عشرة أرادب قمح فلم يوجد له إلا فحل وعليه لغرمائه فحل، فقال له رجل من الغرماء: تسلم لنا الفحل وأقله من القمح، وأنا أضمن لك رأس مالك نعطيكه إلى أجل كذا، ودع الفحل لنا فلا يجوز، ويرجع من له القمح على من/ضمن له رأس ماله، فيأخذ من ما كان يصير له في المحاصة من ذلك الفحل، ويرجع بالذي ضمن على سائر الغرماء الذين اقتضوا معه فيأخذ من كل واحد منهم قدر ما يصيبه، قال محمد: وذلك للتأخير، ولو نقده رأس ماله كان جائزا إن تولاه لنفسه، فأما عن الغريم فلا يحل.
قال لي ابن الماجشون: وإن كان بيد أحدهم رهن فإنه يحاص الغرماء بجميع حقه إلى أن يباع الرهن، فإن بيع بجميع حقه أو أكثر رد الفضل إن كان مع ما أخذ في الحصاص، وإن بيع بأقل من حقه أخذه ونظر ما بقي له فيأخذ مما أخذ في الحصاص مثل ما صار لكل غريم إن كان نصف حقهما أخذ هذا نصف ما بقي له ورد ما بقي فيحاص هو والغرماء فيه بما بقي لكل منهم، قال محمد، وقاله ابن القاسم وأشهب وابن وهب فيمن كان بيده رهن زرع لم يبد صلاحه، وقال محمد بن عبد الحكم: وإذا فلس دنانير وعليه دراهم فليصرفها، وكذلك إن كان له دراهم وعليه دنانير إلا أن يصرفها من الغرماء بما يسوي برضاهم، وإن كان له طعام وعليه مثلها دفعها فيما عليه، يريد: إن وقع له قيمتها في الحصاص، قال: وإن كان لو باعها لا شترى ما عليه بأقل من الثمن فليبعها، وإذا كانت الصفة علي الجيد والجيد أصناف فليشتر له إذنا ما تقع عليه تلك الصفة، وقد قيل: أوسط تلك الصفة، والله أعلم/.
[10/ 87]
فيمن أنظر غريمه ثم بدا له
من العتبية من سماع أصبغ عن ابن القاسم عمن له دين حال، فسأله غريمه أن ينظره إلى الصدر، فقال: لا، ولكن أكتبه حالا وأنا أنظرك إلى أن يتهيأ لك، ففعل، ثم طلب أخذه قبل أن يتهيأ، فإن أشهد له بالانتظار إلى أن يتهيأ له لزمه، وإن كان كتبه حالا وأنظره إلى أن يتهيأ له فذلك له، ويحلف: ما أراد إلا أن يتهيأ له ما بينه وبين الصدر، قال أصبغ: وليس له قبل الصدر طلب إذا لم يتهيأ له بغير مرزأة من بيع عقار وربع، إنما استنظره مخافة ذلك، فإذا حل الصدر أخذه به وحلف، وأما الوجه الآخر في التأخير المبهم: إلى أن يتهيأ له، فهو على الصدر وبعد الصدر متى ما تهيأ إذا لم يكن للذي عليه الحق نشاط في التأخير إلى الصدر، فإن كان ذلك لم يجاوز الصدر ولم يجعل دونه.
فيمن مات ولزوجته عليه دين ثم أقرت الزوجة لأجنبي أن له عليه دينا
، وكيف التحاصص في ذلك؟ من كتاب ابن المواز: ومن مات عن زوجة وأخ ولها عليه مائة دينار، وترك خمسين ومائة، وأقرت الزوجة أن لفلان على زوجها مائة دينار، فلتدفع إليه هي سبعة وثلاثين دينارا ونصف، لأن إقرارها لا يلزم الأخ فيما ورث، ويبقى له عند الأخ سبعة وثلاثون دينارا ونصف، ولأنها هي/تقول: إنما لي بالحصاص خمسة وسبعون فتحبسها وقد أخذت مائة بالدين، واثنين عشر ونصفا بالميراث، فتعطي من أقرت له مما بيدها ما زاد على خمسة وسبعين، وهو ما ذكرنا، وتحسب على الذي أقرت له ما ورث الأخ، فإن طرأ غريم آخر بمائة على الميت ببينة، قال: فليدخل مدخل الذي أقرت له المرأة، لأنه بالبينة أولى ممن لا بينة له، فيأخذ ما بيده ويحسب على الطارئ ما ورث الأخ، وهو بقية حقه، ثم يرجع الذي أقرت له [10/ 88]
المرأة على المرأة وحدها بخمسة وعشرين دينارا لأنها تقول الآن ليس لي بالحصاص في تركته إلا خمسون، ولك خمسون فتدفع إليه منها خمسة وعشرين، وتقول له في يد الطارئ الذي أقام بينة، يريد: بما قبض وبما حسب عليه عند الأخ خمسة وسبعون لك منها خمسة وعشرون، قال: فإن لم يكن للمرأة بينة أيضًا إنما أخذتها بإقرار الميت، قال: يأخذ الذي له البينة المائة كلها، وتأخذ المرأة خمسين، ولا شيء لمن أقرت له المرأة لأنها تقول: إنما بيدي ما يجب لي في الحصاص، وجميع حقك عندك الذي أقام البينة.
في أحكام العبد المأذون وتفليسه
من العتبية من سماع ابن القاسم: ومن استتجر عبده بمال، ثم فلس العبد، أن سيده لا يحاص بذلك المال غرماءه، إلا أن يسلفه سلفا، أو يبيعه بيعا فيحاص بذلك، ولو باعه وكتب عليه مالا يشبه مال العبد فالغرماء أحق بماله، إلا أن يكون/ارتهن منه رهنا فهو أولى بالرهن.
قال سحنون: إلا مبلغ قيمة سلعته، لأنها لا تشبه ثمنها، قال مالك: وإذا فلس وبيده مال لسيده لم يستتجره فسيده أحق به، وأما ما استتجره فله فالغرماء أحق به وبجميع مال العبد، وعن المأذون له على من بايعه دين ببينة فادعوا أنهم بعض ذلك إلى سيده، فإن عرف أن السيد كان يقتص ذلك مع العبد، حلف السيد فيما ادعي وحلف العبد فيما ادعي عليه.
ومن سماع أصبغ من ابن القاسم فيمن استتجبر عبده بمال وأمره ألا يبيع إلا بالنقد، ولا يشتري إلا به، فداين الناس، أنهم أحق بما في يديه، وإن لم تكن هي أموالهم بعينها، قال أصبغ: لأنه مأذون حين أطلقه على البعض، وكمن أذن له ألا يتجر إلا في البز، فتجر في غيره، فلحقه دين أنه يلزمها، لأنه نصبه للناس، وليس على الناس أن يعلموا بعضها دون بعض قال ابن القاسم: فإن قضى ما في يديه فإني أستحسن أن يكون ما بقي في ذمته، وقاله أصبغ على استحسان وفيها
[10/ 89]
ضعف، قال سحنون: وهو كما شرط للسيد، ليس له أن يتعداه، ألا تراه لو أعطاه قراضا كان به مأذونا، وحكم القراض لا يباع بالدين، فكذلك إذا شرط عليه ألا يبيع بالدين لم يجز على سيده تعديه.
قال أبو بكر عن ابن القاسم: وإذا أحلت من له عليك مائة دينار على عبدك المأذون، ثم فلس العبد فليحاص الذي أحلت غرماءه، فإن نابه نصف حصة رجع/بالنصف على السيد، ويرجع غرماء العبد على السيد بما صار لغريمه في المحاصة، وهي خمسون، فإن لم يكن عنده شيء باعوا من العبد بقدر ذلك.
قال ابن المواز: ولم يجب أن يكون ما لحق المأذون من دين في رقبته، لأن إذن السيد له ليس من ناحية الضمان، ولو كان من الضمان يلزم السيد ديونه وإن جاوز قيمته.
في معاملة غير المأذون وحكم العبد المحجور عليه
من كتاب ابن المواز: قال: والعبد إذا حجر عليه سيد حجرا بينا ظاهرا عند الحاكم، أو في مجمع سوقه، ثم في سائر الأسواق، وأذاع ذلك وأعلنه، لم يلزم ما أقر به بعد ذلك لا مستأنفا ولا قديما، إلا أن تقوم بينة بدين قديم، فإن قامت بينة بإقراره أو بمعاملة حضروها ولا يعلمون قبل الحجر أو بعده، فلا يحكم عليه بشيء من ذلك، إلا أن يقولوا: إن ذلك كان قبل الحجر عليه، ولا يقبل قوله بعد الحجر بأن هذا كان قبل الحجر، ولو قبلناه كان إبطالا للحجر.
وروى أشهب عن مالك، قال: ولا يشتري من العبد الذي لم يؤذن له في البيع والشراء شيء وإن قل، مثل الحب وشبهه إلا بإذن أهله، ولا يقبل قوله: إن أهله أذنوا له حتى يسألهم أو يرده عليهم، وقد يكونون في بعد.
وقد جرى في العتق باب فيه أحكام مال العبيد، وجرى هناك شيء من ذكر المأذون.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ارتد وله عبد مأذون، فإن العبد يوقف عن التجارة، ويمنع ويضرب على يديه/كما يضرب على يدي سيده، ويوقف عن ذلك
[10/ 90]
توقيف رؤية لئلا يضيع، كما يفعل بسائر مال سيده من غير حجره انتظارا لما يكون من سيده، فإن عاود سيده الإسلام عاد وهو على أمره، وإن قتل كان ماله لبيت المال، وإقرار العبد لازم له في ماله بخلاف إقرار سيده المرتد.
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم: قال: وإذا ارتد ثم رجع إلى الإسلام فهو مأذون له في التجارة على حاله، ويطلق الإمام الوقف عن ماله، وما أقر به العبد من التجارة في وقت ردة مولاه أو بعد ذلك فذلك يلزمه إلا أن يوقفه الإمام ويمنعه من تحريك ماله، فإن أوقفه الإمام فقتل على الردة قضى في مال العبد، والذي في يديه، وكن ما بقي فيئا مع رقبة العبد، وإن ارتد المأذون حبس ولم يعرض لما في يديه، فإن قتل فما في يديه لسيده، وإن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين، قضي من ذلك الدين وأخذ السيد ما بقي.
ومن كتاب ابن سحنون: كتب شجرة إلى سحنون فيمن مات وله عبد مأذون فلما مات مولاه أمرت بضم ما في حانوت العبد خفت عليه الضيعة، فزعم أن عليه ديونا لناس سماهم، وقامت بينة لآخرين بإقراره قبل هذا بدين ولمولاه بدين، ثم أقر بعد أشهر بديون لآخرين، فكتب إليه: إقراره بحدثان ما أقر خاص، إلا أن يقر لمن يتهم عليه بصداقة والدين غالب على ماله، فإذا وقف ماله، وضرب/على يديه، وأقام الناس في إثبات ديونهم، والدين غالب على ما في يديه، فإقراره بعد ذلك باطل.
قال محمد بن عبد الحكم: إذا حجر السيد على عبده المأذون حجرا ظاهرا عند حاكم وفي جامع الناس والأسواق، وأذاع ذلك.
فلا يقبل إقراره بعد ذلك بدين، ولم يلزم ذلك فيما في يديه ولا في رقبته، وقال النعمان: إن أقر بدين بعد الحجر لم يلزمه في رقبته، ويلزمه فيما بيده من متاع، وما كان له عليه من دين قبل الحجر فهو أولى مما أقر به بعد الحجر، وكذلك لو مات مولاه ولم يحجر عليه، قال محمد: وهو يقول: إن المأذون يلحق رقبته الدين مع ماله، قال محمد: فإذا كان قد ثبت حجره ولزمه الحجر فلم أجاز إقراره بعد الحجر؟ فلا هو جعله حجرا
[10/ 91]
فأبطل إقراره، ولا هو ألزمه إياه فجعله فيما هو في يديه وفي رقبته على أصله في الذي يم يحجر عليه، وحكاية هذا تنوب عن نقضه، وقد قال أصحابه في هذا بقولنا: إنه لا يلزمه إذا حجر عليه، لا فيما بيده ولا في رقبته.
في بيع السفيه وشرائه وأفعاله ولا ولاية عليه
من العتبية: قال عيسى في السفيه يبيع قبل أن يولى عليه، قال ابن كنانة وابن نافع وجميع أصحاب مالك: إن بيعه جائز حتى يولى عليه، إلا ابن القاسم قال: بيعه وقضاؤه لا يجوز، لأنه لم يزل في ولاية منذ كان، لأن السلطان ولي لمن لا ولي له، فهو في ولايته حتى يولي عليه يقوم بأمره، وكذلك روى عنه سحنون في سفيه مات أبوه ولم يول عليه أحدا، أو مات/وصيه ولو يوصف به إلى أحد ثم يبيع متاعه أو ينقلب به، أن ذلك مفسوخ وإن طال الزمن فيه إذا كان مشهورا بالسفه، ولا شيء للمشتري عليه من الثمن كالمولى عليه، قال: وإن لم يعرف بشر ولا بخير ولا بتبذير إلا أنه يشرب الخمر، وربما أحسن النظر في ماله، ففعل هذا جائز إذا لم يول.
قال سحنون: أفعال السفيه الذي لا وصي عليه، يعني: ولا حجر، نافذة من بيع وهبة وصدقة حتى يحجر عليه، فإذا حجر عليه لم يجز شيء من أفعاله بعد الحجر، قال ابن حبيب عن ابن الماجشون ومطرف: إنه إن كان منذ بلغ سفيها لم يأت عليه حال رشد، فأفعاله مردودة، لأنه لم يزل في ولاية، ثم ذكر نحو قول ابن القاسم وحجته، قالا: وليس ترك السلطان ما يلزمه من التولية عليه مما يخرجه من ولايته، قال: وأما من خرج من الولاية بالبلوغ فإيناس الرشد منه بعد وحسن النظر في أمره، وما رجي منه من تماديه حتى بلغ وخالط، ثم حدث به حال سفه، فباع فيها وخالط أيضًا، ثم رفع أمره، فهذا بيعه كله، إلا أن يكون بيع سفه
[10/ 92]
وخديعة بينة، مثل أن يبيع ما يسوى ألف دينار بمائة، فهذا يرد ولا يتبع بالثمن إن أفسده، ولا يكون في ماله، وما كان بيعا متقاربا وإن كان فيه غبن متفاوت فهو نافذ، وقال ابن القاسم: بيعه قبل الولاية وبعدها مردود.
وقال ابن كنانة: ولا يرد إلا ما كان بعد الولاية قولا مجملا لم يفصله.
قال مطرف وابن الماجشون:/ويرد بيع المولى عليه ولا يتبع بالثمن إلا أن يكون في يديه أو ما أدرك منه، أو يكون نمى به ماله، أو أدخله في مصلحته مما لم يكن له بد من إنفاق مثله من ماله فينظر له، فإن كان رد سلعته اليوم خيرا له ردت وودي الثمن من ماله، وإن رأى إنفاذ البيع خيرا له أنفذ وأخذ من المشتري تمام قيمته اليوم إن كانت أكثر، قالا: ولو كان إنما أكل الثمن فلا يلزمه منه شيء، وقال لي أصبغ: مثله إلا أنه قال: إلا أن ينفق ذلك فيما لا غنى به عنه، نفقة بينة معروفة، ومما لا بد أن يباع في مثل ذلك ماله، فهذا ماض، ويؤخذ الثمن من البائع، ويأخذ شيئه، فإن أكله السفيه فلا طلب عليه، ولو اشترى أمة فأولدت فهو فوت، ويرد بائعه الثمن، ولا يطالب السفيه بشيء، وقاله أصبغ.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون في السفيه الذي لا ولاية عليه: بيعه جائز ما لم يخرج ن بيوع المسلمين، ولم يكن منه فيه إفساد ولا تلف.
في أفعال البكر اليتيمة أو غيرها وكيف إن لم يول عليها؟
وما الذي يوجب لها الرشد؟ وكيف إن قاسم عليها إخوتها؟
قال ابن حبيب: قال عطاء ومجاهد: لا يجوز للبكر قضاء في مالها حتى تدخل/بيتها.
وتمضي لها سنة، أو تلد ولدا.
قال مالك: بعدما تدخل بيتها
[10/ 93]
ويعرف من حالها، قال مطرف: يعني يشهد لها عدول من أهل الخبرة بها أنها صحيحة العقل رشيدة الحال، مصلحة للمال، حسنة النظر فيه حابسة على نفسها، قال مطرف: فإن شهد لها بهذا بعد البناء عندما دخلت وقد عرفت بما ذكرنا قبل البناء، فقد استحب مالك أم يؤخر جواز قضائها ما بينها وبين سنة، وهذا استحباب والذي يلزم أن يجوز بذلك قضاؤها، وإن شهد بذلك بعد البناء بيسير إذا عرفت بذلك في سترها، وأما إذا قضت في مالها بعد البناء، ولا تعرف برشد على من يريد أجازة فعلها ما بينها وبين السنة وما قاربها، وإن كان قضاؤها بعد السنة فالبينة على من يريد رد فعلها بأنها سفيهة، أو سيئة النظر، أو مختبلة العقل، وقاله كله ابن الماجشون وأصبغ.
قال مطرف عن مالك في البكر المرشدة المرضية الحال، الحسنة النظر، فلا يجوز لها قضاء في مالها ببيع ولا غيره، كان لها أب أو لم يكن حتى تبلغ أربعين سنة، وقاله أصبغ وابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: إذا لم يول بأب ولا غيره، فإذا بلغت الثلاثين جاز قضاؤها من عتق وعطية وغير ذلك إذا كانت مرشدة، وأما التي تولى بأب أو وصي أو خليفة سلطان، فلا يجوز لها قضاء وإن كانت/في الستر والحال كما ذكرنا حتى تنكح أو تعنس، وأول التعنيس أربعون.
وبه قال ابن وهب وغيره.
قال ابن حبيب: وبه أقول.
ومن العتبية: قال سحنون في البكر تعطي زوجها قبل البناء من مالها ما تبارئه به، فإن كان لها أب أو وصي لم يجز ذلك ورد ما أخذ، وألزمه الطلاق، وإن كانت لا أب لها ولا وصي عليها حتى تكون غير محجورة فذلك نافذ للزوج ما أعطته، بمنزلة السفيه ولا وصي له فأموره نافذه من بيع وشراء أو هبة أو غيرها ما لم
[10/ 94]
يحجر عليه، فكذلك البكر تجوز هبتها وخلعها إلا أن يولى بأب أو وصي.
وقال مالك في ضعيف العقل يزوج فأراد وليه إجازة ذلك، فقال: إن كان مولى عليه لم يجز نكاحه، وإن كان غير مولى عليه فهو جائز.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون في اليتيمة يدخل بها زوجها، ثم تخالع زوجها بالقرب بكل ما أعطاها، قال: يمضي الطلاق ويسترد وليها من الزوج كل من أخذ منها، ولم يكن لها أن تعطيه شيئا بإذن وليها أو بغير إذنه حتى تقيم سنة وتلد ولدا.
ومن العتبية: قال سحنون عن ابن القاسم في البكر الثلاثين سنة: لا يجوز قضاؤها في مالها وإن أبوها عنها، وإن تزوجت إلا بعد البناء ورشد الحال، وأما التي عنست وبلغت الخمسين والستين فهذه يجوز فعلها في مالها إن كانت لا بأس بنظرها، وإن لم تكن كذلك لم يجز ذلك./قال ابن القاسم: وإذا تصدقت بمهرها على زوجها بعد البناء بنحو الشهر، ولا يعلم أمرشده هي أم لا، وأجاز ذلك وليها أب أو غيره، أن ذلك مردود، وليس للولي أن يجيز فعل من في ولاية حتى يعرف حالها بالرشد ويتواطأ وتقوم به البينة.
قال أصبغ في العتبية، وكتاب ابن حبيب في البكر تحتاج فتبيع بعض عروضها، قال عنه ابن حبيب: وعقارها وتنفقه وتفعل في البيع والنفقة مثل ما يفعله السلطان، أو تبيع ذلك لها أمها أو من يقوم لها من أقاربها ممن ليس بوصي.
قال في العتبية: ولعله يبعد عليه أو عليها أمر السلطان أو يضيع ذلك، أو لعلها ومن ولي أمرها يقدر على رفع ذلك فتركته، فالا عنه: غير أن البيع والنفقة جريا بما يجريه الإمام من حسن النظر، قال ذلك سواء، وينظر فإن كان شيء له بال وقدر، مثل العقار الصالح، والأمر الكبير من عين فذلك مردود كله، وينظر في الثمن، فإن كان جعل في نفقة لا بد منها، أو أمر لا غناء عنه، ولا مرجع إلى
[10/ 95]
شيء غيره، ولو وليه سلطان أو وصي لباع ذلك للحاجة إليه، فليحسب للمشتري الثمن، قال عنه ابن حبيب: وأعطيه من مالها وإن كان على غير ذلك فهو ساقط عنها.
قال عنه العتبي: وإنما يبطل من بيع السفيه ما لا مخرج لثمنه إلا فيما شاء أو في شهوته، فهذا لا مرجوع بالثمن فيه، وأما ما دخل في وجهه، أو وجد بيد السفيه/فمردود إلى المشتري ويفسخ البيع، قالا عنه: وأما إن كان المبيع خفيفا مثل الدويرة أو البيت الخرب والأمر القريب، قال عنه ابن حبيب: أو الدويية أو الثوب فذلك نافذ إذا بيع لنفقة ومصلحته ولم يكن له غيره.
قال ابن حبيب عن أصبغ في البكر لا يوصي بها أبوها إلى أحد ترث مع إخوتها المنزل فيقسم ذلك إخوتها بغير أمر سلطان، فيعزلون لها حقها، فإن لم يفت ما بأيديهم ردوا وانتفي القسم، وإن فات ما أخذوا نظر فإن كان لها حظ فيما صنعوا ولا غبن فيه مضى ذلك ونفذ، وإن لم يكن نظر لها ولاحظ، وقد فات نصيبهم من الأرضين ببناء أو غرس، أعيد كله إلى القسم كأنه براح، فإن وقع لها ما فيه بناء وغرس نظر، فإن كان إنما أحدثه إخوتها أو من اشترى منهم محمد يعلم بعدتهم فليس له إلا قيمة ذلك مقلوعا، وإن كان مشتر لا يعلم بعدتهم فله قيمة ذلك قائما كمن بنى على شبهة.
في أفعال المولى عليه وما الذي يوجب له الرشد؟
وما الذي يوجب الحجر على السفيه؟ من كتاب ابن المواز: قال محمد: تجوز أفعال من لم يبلغ، فإذا بلغ فأنس منه الرشد كما قال الله سبحانه جاز فعله، وذلك أن يصلح ماله ويثمره ويكون له دين يحجزه عن معاصي الله، وعن إتلاف ماله في لذاته، وليس لذلك حد من [10/ 96]
السنين إلا الرشد، ولا يصح قول أهل العراق: إنه لا يحكم/له بماله حتى يبلغ خمسة وعشرين سنة، ويجوز عندهم قبل ذلك عتقه وبيعه وشراؤه، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن.
قال: والذي يلي عليه يقوم مقامه في البيع والشراء أو غير ذلك، فيرهن ماله، ويتسلف له حتى يبيع ماله ويزوجه بغير إذنه إذا رأى ذلك نظرا له ويمهر بشبهه.
قيل: فالكبير السفيه لا أب له ولا وصي، أو كان غير مرشد أيحجر عليه؟ قال: أشهب: لا أرى ذلك إلا في البين أمره في تبذير ماله، وما لا يحكم إمساكه.
وقال ابن القاسم: يحجر على من لا أب له ولا وصي ممن لو كان عليه وصي لم يقض له بأخذ ماله ممن لم يتبين رشده، ولينزع القاضي منه ماله، ويجعل من يلي عليه، قال: وكذلك: من دفع إليه وصيه ماله ثم ظهر منه غير الرشد، فإن له أن يحجر عليه ثانية وينزع ماله.
قال أشهب: ولا ينظر إلى سفهه في دينه إذا كان لا يخدع في ماله كما يخدع الصبي، ولا يخاف عليه في تدبيره ولا تبذيره.
قال محمد: ولم يختلف في الصغير إذا بلغ أنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه الرشد.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون في المولى عليه يؤنس منه بعد البلوغ حسن النظر في ماله وفي أخذه وإعطائه، إلا أن يشرب المسكر، قال: لا يحكم له بأخذ ماله إلا بالرشد في الحال وفي المآل، قالا: ولا يرد لشرب الخمر في الولاية بعد أن خرج منها.
وقال ابن كنانة وغيره من المدنيين: لا يرشد حتى يكون رشيدا في حاله ومآله.
[10/ 97]
/وقال ابن القاسم وأصبغ: إذا كان حسن النظر في ماله خرج ن الولاية وإن شرب الخمر.
وبقول المدنيين أقول، وهو قول الحسن البصري.
قال أصبغ: لا يخرج المولىعليه من الولاية، ولا البكر المعنسة إلا بشهادة عدلين بحسن نظرهما في المال، ويكون أيضًا مع ذلك أمرا فاشيا غالبا، وإلا لم تنفع شهادة العدلين في قبض أموالهما، ولكن يحكم لهم في إنفاذ ما اعتقا وباعا وقضيا فيه.
قال أصبغ في السفيه المولى عليه، أو الصغير، أو البكر يتبع أحدهم الجارية فتعتق أو تحمل من مشتريها أو من زوج، أو يكون حيوانا فينتاتج فلترد تلك الدواب ونتاجها، والأمة وإن كان ولدها من زوج رد معها، وإن كان من المشتري فعليه الأكثر من قيمتها يوم ابتاعها أو اليوم، ويسقط الثمن الأول عن المولى عليه، إلا أن يكون قائما، أو دخل في مصلحة لا بد منا، وأما العتق فيرد.
قال ابن كنانة: ما أقر به المولى عليه من دين عند موته فهو في ثلثه مبدأ، واستحسنه أصبغ ما لم يكثر جدا، وإن وسعه الثلث.
قال مطرف وابن الماجشون في البكر والصغير والمولى عليه يبيع أحدهما، أو يهب، أو يعتق، فلا يعلم ذلك إلا بعد موته: أن ذلك مردود يورث عنه، وكذلك لو تزوج فلم يعلم به وليه حتى مات المولى عليه: أنه لا ميراث لامرأته ولا صداق عليه، إن بنى بها، لأن ذلك/مردود حتى يجيزه الولي، وإن كانت المرأة هي التي ماتت وبقي المولى عليه فالنظر لوليه قائم فإن رأى إجازة ذلك خيرا له وغرم الصداق لما يأخذ من الميراث أجازه وإلا رده، وقاله ابن أبي سلمة، وقال ابن القاسم: بل هو أمر جائز فد قات موضع النظر فيه، ومضى الذي كانت به الولاية، والأول أحب إلي، وإليه رجع أصبغ وقالا في المولى عليه من سفيه، وصغير وبكر: إنه لا يجوز عفوهم عما نيل منهم من الحدود والشتم والجراح، عمدها وخطائها، بل ذلك أولى بالصيانة مما حجر عليهم فيه، إلا في النفس فإنهم عند
[10/ 98]
الموت في العفو في العمد والخطأ كالكبير، وقال ابن القاسم: يجوز عفوهم فيما ليس بمال في الحياة، وبالأول قال أصبغ، وقال: هو كالعبد، ولو جاز هذا جاز نكاحه بغير إذنه وليه إذا حمل عنه الصداق حامل.
قال مطرف وابن الماجشون: ومن أتى إلى القاضي بيتيم بالغ فقال: إن أباه أوصى به إلي، وقد رشد وأنا أدفع إليه ماله، فاكتب لي به، فرآه، قال: لا يفعل حتى يثبت عنده أنه وصيه، وأنه قد رشد، ولو خوصم في فسخ بيع عليه ما أمكنه من ذلك.
قال أصبغ: إن ثبت عنده رشده كتب له على ما يذكر من الوصية: إنك ذكرت كذا ودفعت إلى من ثبت رشده.
وقال سحنون في العتبية: يكتب له: إن فلانا أتاني بفتى صفته كذا، وزعم أنه يسمى فلانا، أو بامرأة/صفتها كذا، وزعم أن اسمها كذا، وذكر أن أباها أوصى بها إله وبمالها، وأنها بلغت مبلغ الأخذ لنفسها والإعطاء منها، يريد سحنون ذلك بعد البناء، وسألني أن آمره بدفع مالها إليها، ويكتب له براءة، فأمرته بدفعه إليها، فدفعه إليها عندنا، وهو كذا وكذا، وقبضته منه، وقد أشهدنا له بالبراءة منه شهداء هذا الكتاب.
وفي كتاب الصداقات: باب في صدقة المولى عليه.
قال ابن الماجشون: ومن باع من مولى عليه وأخذ حميلا بالثمن، فرد ذلك السلطان، وأسقطه عن المولى عليه، فإن جهل البائع والحميل حاله لزمته الحمالة، لأنه أدخل البائع فيما لو شاء كشفه، وإن دخل البائع في ذلك بعلم سقطت الحمالة، علم الحميل أو لم يعلم.
قال ابن الماجشون: ومن دفع إلى موقى عليه دنانير سلما في سلعة، فاشترى بها اليتيم سلعة من رجل وهي تعرف بعينها بيد الثاني، أو رهنا رجل ثم قال الأولى ففسخ ذلك، فله أخذ دنانيره بعينها من الثاني ومن الموهوب، وهي كدنانير لليتيم اشترى بها سلعة.
[10/ 99]
ومن العتبية: قال: ولو أسلفت إلى مولى عليه مالا، أو أسلمه إليه في سلعة، فاشترى بها أمة فأحبلها فهي له أم ولد، وليس لك أخذها في مالك، وترد أنت إليه السلعة إن قبضها، وإذا ابتاع السفيه أمة فأولدها فلترد الأمة على بائعها، ويرد هو الثمن، ولا شيء له من قيمة الولد والولد ابن للسفيه حر.
وروى أشهب عن مالك في المولى/عليه يداين ثم يموت: أنه لا يقضى عليه، وهو في موته كهو في حياته، إلا أن يوصي به وقد بلغ حد الوصية، قال أبو محمد: يريد ك فيكون في ثلثه.
قال عيسى عن ابن القاسم في يتيم له وصي وقد بلغ: ومثله لو طلب ماله أخذه، تزوج بغير إذن وصيه، ثم فسد وصار ممن يستحق الحجر، ثم طلقها في سفهه قبل البناء، وصالحها على أقل من نصف الصداق الذي قبضت بعلم الوصي، قال: يرجع وصية بتمام نصف الصداق، لا إذن لوليه في النقصان، ولو ادعى أبوها أنه رد إلى اليتيم نصف الصداق لم ينفعه، وإن صدقة اليتيم، لأنه دفع إلى مولى يجوز قبضه، وأما نكاحه وهو في الحال الذي ذكرت فيجوز، وهو كالإذن له.
وفي كتاب الوصايا: ذكر وصية المولى عليه.
وفي كتاب العتق: ذكر عتقه، وفي الوصايا: كثير من معاني هذا الباب.
وهناك ذكر فيمن يبيع على الصبي ممن ليس بوصي من أم أو عم كنفه.
في البالغ هل يسافر بغير إذن أبويه؟
من العتبية: روى أشهب عن مالك، وسأله رجل فقال: إن ابني تزوج امرأة، وهو يريد أن يذهب معها ويخرج ويدعني، وأنا شيخ كبير لا أقدر على نزع الشوكة من رجلي، فقال: إن كان قد بلغ وليس بسفيه ولا ضعيف العقل، وهو
[10/ 100]
يلي نفسه، فذلك جائز له، وهو رجل يخرج إن شاء إلى العراق، وإن كان لا يلي نفسه وهو سفيه مأخوذ على يديه فليس ذلك له.
/
فعل الأب في مال ولده
قال ابن حبي: قال مطرف وابن الماجشون: وما وهب الأب من مال ولده الصغير من عرض أو رقيق أو عقار، فإن كان مليا فذلك نافذ للموهوب، وعليه للابن عوضه، شرط له ذلك على نفسه أو لم يشترطه، ولا سبيل للابن على الهبة إلا أن يعسر الأب من بعد يسره، فليرجع الابن فيأخذ الهبة، إلا أن تفوت فيأخذ قيمتها من الموهوب، ثم يرجع الموهوب على الأب بذلك، يتبعه من عدمه، لأنه قد لزمته القيمة لابنه فوداها هذا، والفوت في ذلك عتق العبد، والأمة تتخذ أم ولد، وإبلاء الثوب، وأكل الطعام، وبيع الهبة وأكل ثمنها، وما كان فوته بسببه، وأما ما هلك بأمر الله عز وجل فلا يضمنه، وإن كان الأب يوم الهبة قيمته إن كان له شيء يوم الحكم، وإن لم يكن وكان متصل العدم وداها المعطي ولا يرجع بها على الأب، وكأنه وهب مال أجنبي، وإن كان الأب يوم العطية معسرا ثم أيسر ثم أعسر نفذت العطية ولا يأخذها الابن وإن كانت قائمة، إن كان الأب مليا، وإن كان عديما فهل أخذها إلا أن يفوت فيأخذ القيمة من المعطي إن فاتت بسببه، ثم يرجع بها المعطي على الأب، قال: ومن باع أو رهن من متاع ولده لنفسه فهو مردود، إن عرف أنه فعله لنفسه، ولأنه قد يفعله لولده، وإن لم يعرف، فهو على أنه لولده/لا يرد حتى يعلم أنه لنفسه لدين عليه أو لغيره، وهذا في عدمه، فأما وهو ملي فذلك ماض ويضمن الثمن، وما اشترى لنفسه من رقيقهم وعقارهم فذلك نافذ، إلا بالبخس البين، فيرد كله، وما قارب الأثمان مضى.
ومن باع من مال ولد الصغير فحابى فيه، فإن صغرت المحاباة مضى ذلك، وكانت في مال الأب كالعطية، وما عظم من المحاباة رد كله.
[10/ 101]
قال مطرف: وما أعتق من عبيده جاز في ملأ الأب، وإن كان عديما رد ذلك، إلا أن يطول زمانه، ويولد للعبد على الحرية فيمضى، وبيع الأب على القيمة، قاله مالك.
وكذلك ما نكح به من عبد أو غيره جاز في ملئه وعليه، فإن كان عديما رد ما لم يبن بالزوجة فيمضى، ويتبع الأب بالقيمة، ولا يكون للابن أخذ ذلك وإن لم يفت، وقال ابن الماجشون: سواء بني بها أو لم يبن، طال أمر العتق وولد له على الحرية أو لم يطل ولم يولد له، وسواء صغيرت المحاباة فيما أعطى من ماله أو عظمت، إن كان الأب موسرا مضى ذلك وأخذت هذه القيمة، وإن كان معدما رد ذلك كله إلى الابن.
وقال أصبغ: يحوز هذا كله من فعل الأب من هبته وبيعه وعتقه وإصداقه النساء، مليا كان أو معدما، قائما كان ذلك أو فائتا، طال أمر العبد أو لم يطل، بني بالمرأة أو لم يبن، كان البيع له أو لنفسه، فذلك كله ماض ويلزم الأب قيمة ذلك لنفسه في ماله وفي ذمته إلا أن يكون السلطان قد تقدم/إليه في ذلك ونهاه عنه، فلا يجوز بعد ذلك، فجعله في شيء من ذلك، وبالأول قال ابن حبيب.
وفي كتاب ابن المواز من هذا الباب في النكاح وكتاب العتق وغيره.
ومن سماع أصبغ من العتبية: قال ابن القاسم في الأب يبيع على ابنه في حجره دارا أو أرضا، فإن كان ليس بسفيه ولا مولى عليه جاز ذلك، ولا يرده الابن إن كبر إذا ذلك نظر له، ويتبع أباه بالثمن، وللأب محاسبته بالثمن بالنفقة عليه إن شاء من يوم باع، وإن كان الأب سفيها يولى على مثله، لم يحز بيعه، وإن لم يكن عليه ولي كما لو باع على نفسه، وإن السفيه إذا مات أبوه أو وصيه فهو عندي كالمولي عليه، وقد يموت الرجل فجأة أو في سفر، وقد لا يرفع أمره إلى قاض فيولي عليه، أفيذهب مال هذا في مبايعته وأفعاله؟ هذا بين الفساد، وكذلك سمعت.
[10/ 102]
ومن سماع ابن القاسم: وعمن تصدق على امرأته وعلى ابنه الصغير منها ببعض حائطه صدقة بتلا، فطلبت المرأة بيع حصتها من ذلك، وأراد الأب أن يبيع لابنه، قال: ذلك لهما، قيل: والابن صغير فأراد أن يبيع عليه نظرا له، قال:
ذلك له.
وروى عيسى عن ابن القاسم في الأب يهب عبد ابنه صغيرا ويتصدق به، وقال مالك: ذلك باطل، وإن كان مليا، وإن أعتقه، يريد: عن نفسه والأب مليء، فذلك نافذ، وعليه لأبيه قيمته، ولو كان كبيرا لم يجز عتق الأب/وأما ما تزوج به من مال ولده الصغير، فإن كان الأب مليا فذلك نافذ للمرأة بني بها أو لم يبن، وقاله مالك.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: ومن تصدق على ابنه الصغير بغلام ثم أوصى بعتقه ومات الأب، فإن ذلك نافذ، ويعتق في ثلثه، وقيمته للابن في رأس ماله، لأنه كان يجوز لابنه، ولو أوصى بعتق لابنه الصغير لجاز إن كان له ثلث يعتق فيه، فكذلك هذا، وإن مات الأب ولا مال له لم تجز الوصية للعبد، والابن أولى به بالصدقة، وإن كان الابن كبيرا يجوز لنفسه، فإن لم يقبض الابن العبد حتى مات الأب بطلت الصدقة له، والوصية للعبد جائزة، وإن قام يجوزه في صحة الأب فذلك له، وتبطل الوصية للعبد لأنه لا يجوز أن يوصى في عبد ابنه الكبير بعتقه.
في قضاء ذات الزوج في مالها
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: روي أن النبي عليه السلام قال: لا يجوز لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها.
فرأى العلماء أن الثلث ذو بال، ولم تكن أسوأ حالا من المريض الذي قصره رسول
[10/ 103]
الله صلى الله عليه وسلم على الثلث: فما فعلت أكثر من الثلث في عتق، أو صدقة، أو هبة فهو مردود حتى يجيزه الزوج، وقال ابن القاسم: هو جائز حتى يرده الزوج كعتق المديان، ورواه عن مالك، وأنكر مطرف/وعبد الملك هذه الرواية، وقالا: الغرماء لا يصح لهم نكير إلا بإثبات بينة على الدين وإغراق الذمة، وهذا زوج فلا يكلف بينة، وقد قال في الحديث: لا يجوز لامرأة، فهو مردود في الأصل، قالا: وإذا قضت بالكثير فلم يعلم به حتى تأيمت بموته، أو طلاقه، أو علم فرده فلم يخرجه من ملكها حتى تأيمت.
فذلك نافذ عليها، وكالعبد يعطي ويعتق فلا يرد ذلك حتى أعتق أنه يلزمه، والغرماء يردون عتق المديان للعبد فلم يخرج من يديه حتى أيسر أن العتق ماض، وإذا لم يعلم الزوج بما فعلت من عتق وعطية حتى ماتت هي، أو لم يعلم السيد بفعل العبد حتى مات فذلك مردود، لأن لها الميراث فيه.
وقال أصبغ بقول ابن القاسم: إن قضاء المرأة جائز حتى يرده الزوج، فإن لم يعلم حتى تأيمت أو ماتت فذلك ماض، وقال أصبغ: أقول بقوله في الموت، وأما في التأيم فبقول مطرف وابن الماجشون، وقال ابن حبيب بقولهما في كل شيء، وقال: قد أجمعوا في التأيم واختلفوا في الموت، فقال ابن القاسم: إذا لم يعلم به الزوج ولا رده حتى تأيمت يحكم به عليها، ولا يحكم به عليها إن كان الزوج قد رده حين علم، وقال مطرف وابن الماجشون واصبغ: ذلك كله ماض عليها، لأن ذلك الرد ليس برد للعتق، إنما هو رد للضرر، وقد أجمعوا في الهبة أنها بخلاف العتق، وأن الزوج إذا ردها ثم تأيمت فلا يلزمها/إمضاؤها، وإذا لم يرد حتى تأيمت فهي ماضية، وأجمعوا في الهبة أنها تقضي فيها بما أحبت قبل أن تتأيم إذا كان قد ردها الزوج.
قال ابن القاسم: وإذا أعتقت ثلث عبدها ولا تملك غيره جاز ذلك، ولو أعتقته كله لم يجز عنه شيء، وهو قول ابن أبي حازم وقال ابن الماجشون
[10/ 104]
ومطرف: ويبطل عتقها في الوجهين لأنه كأنه أعتقته كله بعتق بعضه، لإيجاب النبي عليه السلام تتيمم العتق على معتق شقص، فكيف بمن يملك جميع العبد، فلما منع الزوج من ذلك رد جميعه، وروياه عن مالك، وعن المغيرة، وابن دينار، وغيرهم، قالا: وكذلك لو أعتقت نصيبا لها منه لا تملك غير ذلك النصيب، فرده الزوج، فلا يجوز من عتقه شيء، وقاله ابن نافع وأشهب وأصبغ، إلا أن أصبغ قال: إذا أعتقت.
. . بينها وبين رجل أنه يستتم عليها، إلا أن يرد ذلك الزوج هذا، لأن أصله أن فعلها ماض حتى يرده الزوج.
قال مطرف وابن الماجشون: وإن كان لها عبيد غيرهم، فأعتقت أثلاثهم، فذلك باطل، ولو أعتق ثلثهم أعتقت ثلثهم بالسهم، فإن خرج عبد وبقي من الثلاث أسهم حتى يتم الثلث، فإن كان تمامه في أقل من عبد أو جميعها على ما بينا.
وقاله أصبغ.
وقال مطرف عن مالك: إذا دبرت عبدها فذلك ماض لا رد للزوج فيه، إذ لم يزل رقه وإنما منعت بيعه، وقد كان/لها ألا تبيعها بلا تدبير، وقاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، وقال أصبغ: وقال ابن الماجشون: لا يتم ذلك إلا بإذنه، وهو كعتقه، وقد منعت نفسها من البيع إن أرادته بعد ذلك، وقال ابن حبيب بالقول الأول.
وقال ابن الماجشون: وإذا أعطت أو تصدقت بأكثر من الثلث رد منه الزائد على الثلث، وأما في عتق العبد فيرد جميعه لئلا يعتق بعض عبد بلا استتمام فيخالف السنة، ورواه عن مالك.
وقال مطرف: ما علمت مالكا فرق بين ذلك، إن ذلك مردود إلا أن تقتصر هي على الثلث، وقاله ابن القاسم، وبقول ابن الماجشون أقول.
[10/ 105]
وقال لي عن مالك: إذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج والسفه أنه يرد ذلك كله، وبه أقول، وقاله أشهب عن مالك، وقال ابن القاسم ذلك ماض لها على أي وجه كان، وقاله أصبغ.
قال مطرف وابن الماجشون: ولها أن تنفق على أبويها وتكسوهما وإن جاوزت الثلث، ولا قول للزوج، لأن الحكم يوجبه عليها، وقاله أصبغ.
وقال أصبغ: وإذا أعتقت رأسا من رقيقها ثم رأسا ثم رأسا والزوج غائب، ثم قدم فإن كان بين ذلك أمر قريب حتى كأنها اغتزت تجويز الكثير من مالها مثل أن يكون بين ذلك اليوم واليومين، فإن حملهم الثلث وإلا رد جميعهم كعتقها إياهم في كملة، وإن كان بين ذلك بعد مثل/شهر وشهرين جاز الأول إن حمله الثلث فأقل ورد ما بعده وإن حمله الثلث مع الأول لأن مخرجه الضرر، وإن تفاوت ما بين الوقتين مثل ستة أشهر فهو عتق مؤتنف يبدأ لها فيه نظر الثلث في كل وقت.
قال أصبغ: وإذا تصدقت بشوار بيتها وهو قدر الثلث فأقل فقال الزوج: لا تعري بيتي فذلك ماض، وتؤمر هي أن تعمر بيتها بشوار مثلها، وكذلك لو تصدقت قبل البناء بصداقها، وهي دون الثلث، وهي ثيب أن ذلك ماض، وتؤمر أن تجعل مثله من مالها في شورة تدخل بها.
وقال ابن الماجشون: وإذا أقرت في الكثير من جهازها أنه لأهلها جملوها به والزوج يكذبها، فإن لم يكن إقرارها بمعنى العطية فذلك نافذ على الزوج، وإن كان بمعنى العطية.
رجع ذلك إلى الثلث.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن وهب في العبد له المرأة الحرة، إنه ليس له من منعها من القضاء في ثلثي مالها مثل ما للحر، ولها أن تتصدق بمالها ولا كلام له، قلت: إنه قد يعتق، قال: ما اتفق الناس في الحر فكيف في العبد، قلت:
[10/ 106]
فهو رأيك في الحر أن له منعها إلا من الثلث، قال: هو أحب غلي.
قال: وأما الأمة تحت الحر فليس له عليها حجر مالها لسيدها، وهي لا تختلع إلا بإذنه.
قال أصبغ: أما قوله في الحرة تحت العبد فليس بشيء، وله ما للحر، وهو زوج، وهو حق له.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك مثله.
وكذلك ذكر ابن المواز عن مالك/أن له منعها.
وفي كتاب الصدقات باب في صدقة ذات الزوج المولى عليها فيه كثير من هذين البابين ها هنا وزيادة في معنى ما فيهما.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا طلب الزوج أن يخرج بزوجته إلى بلد آخر، ولها عليه دين فدخل أو تقارب حلوله أو لم يتقارب، وقالت: لا أخرج وها هنا بينتي، فإن له أن يخرج بها وتطلبه بالدين حيث ما حل، فإن طلبت كتابا من القاضي بما ثبت من دينها فإن كان قريبا فذلك لها، وإن كان ذلك بعيدا فليس لها ذلك، وله أن يخرج بها.
في مال المرتد، وإيقافه، وقضاء ديونه،
وذكر دين المعاهد الناكث ونحو ذلك
وهذا الباب مستوعب في كتاب الجهاد، وكتاب المرتد، من قول مالك وأصحابه، وهذا المذكور منه ها هنا لابن عبد الحكم سيغني عنه أو يضاف إليه ما في ذينك الكتابين لتعلق ذلك بما في هذا الكتاب من ذكر الديون والحجر في المال.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا ارتد رجل وعليه ديون حالة أو مؤجلة، فإنما يقضي عنه الإمام ما حل من ديونه من ماله، فإن قتل قبل ذلك فقد حل الرجل من الدين الذي عليه، ويحاص في ماله من حل دينه ومن لم يحل، ولو رجع إلى
[10/ 107]
الإسلام قبل ذلك فلم يحل ما عليه إلى الأجل، ولمن حل دينه قبضه منه بخلاف المفلس، ولو لحق/بدار الحرب مرتد فليسمع البينة بما عليه من دين، ويبقى المؤجل إلى أجله بخلاف التفليس ويحاط الفاضل من ماله حتى يموت مرتدا فيكون كالفيء، أو يرجع إلى الإسلام فيورث عنه إن مات، وليس كالتفليس، ولا يكون من وجد من غرمائه سلعته بعينها أحق بها.
تم الجزء الثاني
من كتاب المديان والتفليس
بحمد الله وعونه
[10/ 108]
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه