النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهاتصفحات 417-456
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات الثالث

صفحات 417-456
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زيد القيرواني
الكتاب
النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
المؤلف
أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت
الطبعة
الأولى، 1999 م
عدد الأجزاء
15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإلا رد اليمين ثانية، لأن اليمين الأول إنما أسقط بها المطلوب الشاهد الأول، قال أحمد ابن ميسر/: لا ترد اليمين على المطلوب ثانية، لأنه قد حلف عليه مرة.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنه سئل: إذا وجد شاهدا آخر قال: لا يضم إلى الأول، ونكوله عن اليمين أولا قطع لحقه، بخلاف الذي لا يجد بينة، أو تغيب بينته فيحلف المطلوب فيجد بينة، أو يحضرون، وذكرها ابن سحنون عن ابن القاسم قال: وسئل عنها ابن كنانة فقال مثله: أنه لا يحلف مع الشاهد الثاني، لأنه ترك موضع حقه بالنكول، ومن كتاب ابن المواز: قال: فإن كان إنما أقام شاهدا فيما لا يحلف معه فيه من عتق أو حد فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهدا آخر، فإنه يضم إلى الأول ويقضى بهما، لأنه منع أولا من اليمين فلم يكن له نكول يسقط به شاهده، وهو كصغير قام له شاهد [فحلف مطلوبه وأخر، ثم وجد شاهدا] آخر فإنه يحكم بهما.
وقال ابن كنانة في كتاب ابن سحنون عن مالك فيمن أقام شاهدا بحق فلم يجد غيره، وقاضيهم لا يقضي باليمين مع الشاهد، فلم يقض له بشيء، ثم وجد شاهدا آخر، قال: يقضى له بحقه، وقد أخطأ قاضيكم، إذ لا يقضى باليمين مع الشاهد.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم عن مالك فيمن أقام شاهدا بحق ونكل عن اليمين معه، ثم وجد شاهدا آخر، قال: يضم له إلى الأول ويقضى له، وقال ابن كنانة: هذا وهم، وقد كان يقول: إنه ليس له أن يضم له، وإنما هذا في المرأة والعبد يقيم شاهدا على طلاق أو عتق، فيحلف السيد والزوج، ثم يقوم شاهد آخر، فإنه / يضم إلى الأول إذ لم يتقدم له نكول، وقاله ابن الماجشون، وقال أصبغ بقول مالك الأول في الحقوق، كما لو لم يقم شاهدا وحلف المطلوب فنكل، ورد اليمين على المدعي، فحلف واحد، ثم وجد المدعي عليه بينة [8/ 417]

تبرئه من ذلك الحق، فليقم بها ويبرأ، ويرجع إلى ما أخذ منه فيأخذه، ولو أن المدعي حين رد عليه اليمين نكل فلم يقض له بشيء ثم وجد بينة على دعواه، فإنه يأخذ ببينته، وقال أصبغ: هذا الذي لا أعرف غيره من قول أصحابنا، قال ابن حبيب: وهو أشبه بقول عمر بن الخطاب: البينة العادلة، أحق من اليمين الفاجرة.
وهذا مكرر في كتاب الأقضية أيضا.
وقال مطرف وابن الماجشون فيمن ادعى حقا ولا بينة، له فحلف المطلوب وبرئ، ثم وجد المدعي شاهدا فإنه لا يحلف معه، ولا يقضى له هنا إلا بشاهدين، لأنه لا تسقط يمين قد درئ بها حق بيمين مع شاهده، وقاله أن عبد الحكم وأصبغ، وقال مالك في كتاب ابن سحنون والمجموعة [وإذا أقام شاهدا] فلم يحلف معه ورد اليمين على المطلوب فحلف، ثم أقام الطالب شاهدين بعد ذلك، قضي بهما إن كان لذلك وجه.

فيمن قام له شاهد واحد بإقرار غريم

هل يحلف أنه أقر له؟

قال ابن عبد الحاكم: وإذا شهد شاهد أن فلانا أقر لفلان بمائة دينار حالة، حلف المشهود له بالله: لقد أقر له فلان بمائة دينار حالة، / ولقد شهد له شاهده بحق، فإن قال: لا أحلف أنه أقر لي بمائة، ولكن احلف أن لي عنده مائة، أو لقد غصبني مائة دينار، فلا تلزمه اليمين إلا على ما شهد به شاهده، فإن شهد شاهدة إنه غصبه مائة [دينار فيحلف أنه غصبه مائة دينار] فإن كان المشهود عليه غائبا أو ميتا استحلفه يمينا على ما ذكرت لك، ثم يستحلفه ثانية: أنه ما قبضها ولا شيئا منها ولا أحال عليها ولا احتال بها على أحد، ولا عنده بها رهن ولا تبعه إلا ما رفع بها إلى القاضي من الشهادة وإنها عليه لثابتة، ثم يقضى له بها.
[8/ 418]

في الشاهد يقوم بطلاق أو عتق أو حد

أو لم يجد شاهدا

من كتاب ابن المواز: وإذا ادعت امرأة الطلاق ولم تجد شاهدا، فلا يأتيها إلا مكرهة، وقاله مالك.
قال ابن القاسم: ولا الأمة تدعي العتق كذلك، وإن قدرت الحرة أن تفتدي بكل مالها فلتفعل.
ومن أقام شاهدا في عتق أو طلاق أو حد، فنكل المطلوب عن اليمين، فقال مالك: يحكم عليه، وبه قال أشهب، ثم قال مالك: يحبس حتى يحلف، وبه أخذ ابن القاسم وأكثر أصحابنا، لأني إن حكمن بنكوله حكمت بشاهد بغير يمين، فيكون أخف حالا من الأموال، فإذا طال حبسه ترك، قال ابن القاسم: وطول حبسه سنة، وكذلك في الحدود إلا الجراح، فإنه يقتص المجروح بعد يمينه في العمد ويأخذ أرش الخطأ، قال ابن سحنون: / وأخذ سحنون بقول مالك أنه يسجن أبدا حتى يحلف.
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب عن مالك: وإذا قام شاهد بالطلاق فأبى الزوج أن يحلف ثم قال: أنا أحلف فليس ذلك له، وكذلك في العتق يريد.
على رواية أشهب [قال مالك] وكذلك من أقام شاهدا بحق وأبى أن يحلف ورد اليمين، ثم بدا له أن يحلف، فليس ذلك له.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم فيمن أقام شاهدا على رجل أنه مولاه أعتقه، وهو منكر فلا يمين عليه، قال أشهب: لأنه يجحد شيئا هو له، ونكوله إقرار على العاقلة، ولا يجوز إقراره عليهم على هذا الوجه.
وقال ابن الماجشون: احلفه فإن أبي سجنه على هذا الوجه حتى يحلف.
[8/ 419]

قال ابن القاسم وابن وهب في المجموعة والعتبية: قال مالك فيمن أقام شاهدا على رجل أنه قذفه فليحلف له: ما قذفه، فإن نكل سجن حتى يحلف.
قال ابن القاسم في العتبية من رواية أصبغ: فإن طال سجنه خلي ولا ضرب عليه.
وتقدم باب فيمن أقام شاهدا يقذف ونحوه.
ومن كتاب ابن المواز: وإن أقام شاهدا أن سيده أعتقه في مرضه: فاليمين على الورثة على العلم.
ومن كتاب ابن سحنون: وعن شاهد شهد بطلاق البتة، فأحلف الزوج فحلف، ثم نكث الشاهد، وأصابت المرأة شاهدا غيره: أنه لا يضم إلى الأول، لأنه الآن ساقط الشهادة، وقد تقدمت اليمين باسقاط شهادته الأولى.
وكتب شجرة إلى سحنون فيمن شهد عليه شاهد في غيبته أنه حنث في امرأته / ورقبته، والزوجة غائبة، فكيف يحال بينه وبينهما؟ فكتب إليه: يرفع الرجل، وتقر لمرأة بموضعها [حتى تشهد عليه البينة عندك ويرفع الرقيق] حتى تشهد على أعيانهم البينة.
وحل بينه وبينها في رفعها إليك، فإن ثبت الأمر عليه بشاهدين حكمت عليه، وإن لم يثبت عليه إلا شاهد فحلقه: أنه ما طلق ولا أعتق، فإن حلف فرد عليه كل شيء، وإن نكل فاحبسه، وقد اختلف قول مالك وأصحابه في نكوله وطول سجنه.
وقد ذكرنا قبل هذا.

في شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال

من الاستهلال وغيره

وهذا الباب قد تقدم ذكر كثير من معناه في الباب الأول في الشاهد واليمين، وشهادة النساء.
[8/ 420]

من المجموعة: قال ابن القاسم: ومن حلف بعتق أو طلاق: وإن لم يكن بفلانة عيب بموضع كذا، بمكان لا يراه إلا النساء، [وهي حرة أو أمة] وقالت الحرة: لا أمكن من ينظر إلي، وقالت الزوجة الرقيق: لنا ذلك إذا أذنت الحرة في أن تنظر إليها امرأة فنظرت القوابل [فقالت: ليس بها ما قال، قال: لا يحنث وهو مدين، وليس نظر النساء إليها بشيء، وقال ابن الماجشون: والقوابل] فيما غبن عليه، فهي مثل الرجال تجوز فيه شهادة اثنتين للضرورة، وقد اختلف في جواز اثنتين وإنما قلنا للضرورة، فيجوز في هذا أقلما يجوز من النساء وهو اثنتان، وليس لشهادة الواحدة أصل في مال ولا غيره، قيل: فلم جعلت معها يمين؟ قال: يسلك بها مسلك الشهادة على المال، لكن للضرورة.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: ولا يجوز شهادة امرأة في شيء، وتجوز شهادة/ امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال بغير يمين: من الولادة والحمل وعيوب الفرج والاستهلال والرضاع، ويحتاج في الرضاع معها أن يكون فاشيا عند المعارف، وتجوز شهادة القابلة مع أخرى على الاستهلال.
قال: وإذا شهدت امرأتان على إرخاء الستر لم يقض للزوجة إلا بيمينها.
ومن ابتاع أمة على أنها بكر فقال: لم أجدها بكرا، فإن قالت امرأتان: اقتضاضها قريب، حلف البائع وبريء، وإن قالتا: بعيد، حلف المبتاع وردها.
قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك: وإذا شهدت امرأتان ورجل على استهلال الصبي، لم تجز شهادتهم، وقاله ربيعة وابن هرمز، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، قال ابن حبيب: وذلك لارتفاع الضرورة بحضور الرجل، فسقطت شهادة المرأة وبقي الرجل وحده فلا تجوز شهادته، على أني سمعت من أرضى من أهل العلم من يجيز ذلك ويراه أقوى من شهادة أمرأتين، وهو أحب إلي، وذلك أن ابن وهب روى أن أبا بكر، وعمر، وعليا، ومروان أجازوا شهادة المرأة [8/ 421]

المسلمة وحدها، وروي عن عمر أنه ورث صبيا على أنه استهل ثم مات هو وأمه بشهادة القابلة.
ومن كتاب ابن المواز ومن العتبية من رواية يحيى بن يحيى وعيسى عن ابن القاسم: وإن شهدت امرأتان على الاستهلال وعلى أنه صبي، فما أراه إلا وسيكون مع شهادتهما اليمين.
قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: لأنها شهادة على مال، قال أصبغ في / العتبية: والقياس: ألا يجوز لأنه يصير نسبا قبل أن يصير مالا، قيل: فماذا يرث ويورث؟ قال: بأدنى المنزلتين، إلا أن يكون لا يبقى ويخاف عليه إن أخر دفنه إلى أن يأتي الرجال، فتجوز شهادتهن فيه.
وروى أشهب عن مالك في كتاب ابن سحنون: أن شهادتهن لا تجوز على أنه ذكر، وأخذ به أشهب، وقال سحنون: القول ما قال أشهب، لأن الجسد لا يفوت والإستهلال يفوت، وعاب قول ابن القاسم، وإنما يرث ويورث عند سحنون بأدنى المنزلتين، قال ابن سحنون: إلا أن تكون الولادة بموضع لا رجال فيه ينظرون إلى الجسد، والجسد لا يبقى ويخاف عليه أن أخر دفنه إلى وجود الرجال، فأستحسن إجازة شهادة النساء حينئذ، ويكون كما قال ابن القاسم.
ومن كتاب ابن المواز: لا تجوز شهادتها على أنه ذكر، ولا يفوت ذلك كفوت الاستهلال.
قال أصبغ في قول أشهب: لا ترد إلا على أنها أنثى، وقال أصبغ: إن فات بالدفن وطال مكثه فلا يمكن إخراجه لتغيره، فإن كان فضل المال يرجع إلى بيت المال والعشير البعيد: أجزت شهادتها، وإن كان بعض الورثة: أخذت بقول [8/ 422]

أشهب، قال محمد: ذلك سواء، ولا يعجبني قول أصبغ ووجدت له أنه رجع إلى قول أشهب، وروى ابن حبيب أن مالكا قال: لا تجوز شهادتها على أنه ذكر أو أنثى، وإن أصبغ قال مثله، قال: ويرث بأدنى المنزلتين.
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم قال: وإذا ولدت ثم ماتتهي والولد في ساعة، فشهد النساء أن الأم ماتت أولا، حلف أبوه على ذلك واستحق ما يرث عن أمه، لأنه مال.
ومن المجموعة: قال ابن الماجشون: إن شهدتا أن فلانة ولدت ولدا حيا ثم مات فيجوز، فأما في استهلاله فيجوز، / وأما في موته فإن وجد ميتا جازت شهادتها.
قال سحنون فيه وفي العتبية: إنما تجوز شهادتهما إذا بقي بدن الصبي قائما، أو شهد الرجال أنهم قد رأوه ميتا، لأن الإستهلال لا يبقى، والبدن يبقى، ومن المجموعة والعتبية رواية عيسى عن ابن القاسم: وإذا قال لأمته: أول ولد تلدينه حر، فشهادة النساء في ذلك جائزة.
ابن حبيب عن أصبغ: وإن ولدت توأما فشهادة المرأتين على أولهما خروجا جائزة، فيعتق ويرق الآخر، وقاله ابن وهب، قال عيسى في العتبية قال ابن القاسم: فإن جهل ولم يشهد عليه نساء عتقا جميعا، لأنه يعتق من كل واحد نصفه ثم يتم عليها بالقضاء.
ومن المجموعة: قال ابن الماجشون: وإذا أقر بوطء أمته فشهد امرأتان بأنها أسقطت، صارت بذلك أم ولد، وإن شهد بذلك اختاها بعد موت السيد، لم تجز شهادتهما إذا كان هو الولد الذي تعتق به، فأما إن شهدتا أنها ولدت ولدا بعد أن ثبتت ولادتها من سيدها في حياته، جازت شهادتهما، ولحق النسب بالميت.
[8/ 423]

وقال ابن وهب عن مالك: [تجوز شهادة المرأتين في العيوب والحيض والولادة والإستهلال.
وروي عن مالك] إذا شهدتا في أمة أنها أسقطت بعد موت سيدها، وقد كان مقرا بوطئها، فشهادتهما جائزة قال عنه أشهب: ولا تجوز شهادة رجل واحد على الإستهلال.
قال سحنون في امرأة ادعت أن زوجها جرحها في موضع لا يراه الرجال فأرادت أن تأخذ قياس الجرح، قال: هي لو كان بها جراح في الفرج تحتاج/ إلى علاجه، جاز أن ينقب الطبيب في ذلك الموضع دون ما سواه حتى يعالجه، فأما في قياس الجرح: فإني أجيز شهادتهن في الجراح حيث يجوز الشاهد واليمين.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك في امرأة في الرضاع: لا تقبل إلا أن يفشو في الصغر عند المعارف.
وقال أيضا: إن لم يعرف ذلك إلا امرأة فليس بشيء: وأما امرأتان: فإن كان معه انتشار في المعارف حكم بقولهما إلا أن يطول مقامه معها بعلم المرأتين، فلا تجوز الشهادة، ومن المجموعة: قال ابن الماجشون: لا يجوز فيه أقل امرأتين عدلتين، ولا يفسخ النكاح منه إلا بالقوي المشهور، ويأتي من غير وجه ولا اثنين، وما كان قبل التزويج وإن ضعف فحقيق فيه التوقي.

في شهادة العبيد وأهل الذمة

وكيف إن شهد العبد بعد عتقه، والذمي بعد إسلامه

والصبي بعد كبره بشهادة ردت قبل ذلك عليهم أو لم ترد؟ من المجموعة: قال ابن وهب عن مالك: لا يجيز القاضي شهادة أهل الذمة بينهم، ولا على مسلم، ولا له لكافر أو مسلم، ورواه عنه ابن نافع، قال أشهب: وقد شرط الله ذوي عدل وقال: (ممن ترضون) وليس الكافر من ذلك.
[8/ 424]

ومن كتاب ابن المواز: ولا تجوز شهادة الكافر في شيء لا خلسة ولا قتل ولا وصية في سفر لضرورة أو غيرها، ابن القاسم: وآية الوصية في السفر: (أو آخران من غيركم) منسوخة / بقول (ذوي عدل منكم) قال: ولو رضى الخصمان بشهادة مسخوطا أو كافر فلا يحكم بذلك حاكم.
ومن كتاب ابن حبيب عن ابن الماجشون في يهوديين تداعيا في شيء فاستشهدوا بينة مسلمين، وقد رضيا بشهادة رجال يهود سموهم، فحكم بينهم بشهادة أولئك حاكم اليهود، ثم رجع أحدهما عن الرضى بذلك، قال: ذلك له، ولا تجوز شهادة يهودي على يهودى ولا على مسلم، ولا على أحد، وذلك كله - رضيا به أو لم يرضيا - باطل مفسوخ قال أبو محمد: لعله يريد: وقد رضيا بالتحاكم إلينا.
ومن المجموعة: قال مالك: وإذا اشهد كافر وصبي وعبد فردت شهادتهم فلا تقبل منهم بعد إسلام الكافر وعتق العبد وبلوغ الصبي، قال أشهب في المجموعة: واختارها بعض العراقيين وهو يقول: إذا شهد وهو مسخوط فردت شهادته، ثم حسنت حاله، ثم شهد لم تجز، فهذا مثله، قال عبد الملك: وكذلك إذا شهد بها في سفهه فردت، ثم شهد بها بعد حلمه فلا تقبل، ومن كتاب ابن المواز: ولو جهل الحاكم فحكم بها أولا لنقض الحكم، فإن لم ينقض الحكم حتى شهدوا بها في الحالة الثانية قبلت ويؤتنف الحكم بها، وكذلك لو لم ترد أولا، وقال ابن القاسم في المجموعة في عبد حكم بشهادته وظن أنه حر، ولم يعلم بذلك حتى عتق، أن الحكم الأول يرد، ثم يقوم الآن بها فيشهد.
ومن كتاب ابن المواز: / قال أشهب: ولو قال الخصم للحاكم: شاهداي فلان العبد وفلان النصراني فقال: لا أجيز شهادتهما، ثم أسلم النصراني وعتق العبد فشهدا، قال: يجوز ويقبل، وإنما هذا من القاضي فتيا.
[8/ 425]

ومن كتاب ابن سحنون: بلغني عن بعض العلماء - وهو قولي، وهو قياس قول مالك وأصحابه - أن الصبي والعبد والنصراني إذا أشهدوا على شهادتهم [قوما عدولا، ثم انتقلوا إلى الحال التي تجوز فيها شهادتهم] قبل أن ينقل عنهم، فغابوا أو ماتوا، فشهد على شهادتهم، أن ذلك غير مقبول؛ لأنهم أشهدوا غيرهم في وقت لا يقبل فيه علمهم، وهو بخلاف أن يشهدوا في الحال الثاني بما علموه في الحال الأول.
ولهذا باب في كتاب الشهادات الأول، وفيه الحجة في ذلك كله.
في شهادة الصبيان في الجراح والقتل من المجموعة وغيرها: قال مالك: الأمر عندنا، أن شهادة الصبيان تجوز بينهم في الجراح لا على غيرهم ما لم يفترقوا أو يعلموا أو يخيبوا فلا تجوز، إلا أن يكون قد أشهدوا على شهادتهم قبل أن يفترقوا، قال عنه ابن وهب: فلا يبالى برجوعهم.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: وإنما تجوز شهادتهم في المعارك.
قال ابن سحنون عن أبيه ونحوه في العتبية: ثم تنازع أصحابنا في بعض ذلك فقال ابن القاسم عن مالك: تجوز شهادتهم في القتل بينهم، وقال غيرهم: على رؤية البدن مقتولا، ولا تجوز شهادة الإناث.
وقال ابن نافع وسحنون: إذا شهد صبيان على صبي أنه جرح صبيا ثم نزا فيه / فمات، أن في ذلك القسامة، ويأخذون الدية.
قال أشهب: إنما تجوز شهادتهم فيما دون القتل، ولا تجوز شهادة الإناث منهم والعبيد، ولا من فيه بقية رق، ولا تجوز شهادة الصبيان في القتل.
[8/ 426]

وروي عن مالك أن شهادة الإناث منهم والعبيد لا تجوز، وقال المغيرة: تجوز شهادة إناثهم وذكورهم في القتل، ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون: قال ابن الماجشون: لا تجوز من على غير الإسلام منهم، ولا العبيد بعضهم على بعض، وتجوز شهادة الإناث من الصبيان.
قال سحنون في المجموعة: واختلف قول ابن القاسم في شهادة اناثهم في الجراح، فأجازها في كتاب الديات.
ولم يجزها في كتاب الشهادات، ومن كتاب ابن المواز: ولا تجوز شهادة إناثهم عند ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم، وأجازها عبد الملك.
وأما العبيد كلهم: فلا تجوز شهادتهم عند مالك وأصحابه.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة صبي واحد، ولا تكون معه قسامة.
وقال المغيرة: ولا يحلف معه في الجراح، وذلك أنه لو شهد معه كبير عدل سقطت شهادته، فيمين الولي معه كشاهد، قال عبد الملك: لا موضع في شهادة الصبيان لليمين، وإنما يجوز من شهادتهم ما يقطع بها، وأقل ما يجوز منهم: غلامان أو غلام وجاريتان لا غلام وجارية، ولا تجوز شهادة / الصبايا وحدهن وإن كثرن؛ لأنهن وإن كثرن مقام اثنتين، واثنتان مقام صبي واحد، ولا يحكم بشهادة واحد، ومن العتبية: قال سحنون: والذي اخذ به فيهم: أن تجوز شهادتهم صغارا [حيث تجوز كباراً، قيل له: فلم لا يحلف مع أحدهم صغيرا] كما يحلف مع الكبير، قال: لأنها لم تجز إلا على الإضطرار لا على العدالة، ألا ترى أن مخالطة الكبار تبطل شهادتهم، وليس مثل هذا يبطل شهادة العدل، قيل: والصبايات؟ قال: تجوز شهادتهن في الجراح والقتل مع ذكر كما يكون في الكبار، قلت: فلم لا قبلتها في الحقوق؟ قال: إنما قبلت منهم للضرورة، ولا ضرورة في هذا.
[8/ 427]

وقال أصبغ: لا تجوز شهادة إناثهم بينهم في الجراح، وقاله ابن القاسم، وإن شهد صبيان على جرح خطا، فلا يحلف مع شهادتهما، وهي كشهادة غلام، وقد جاء عن علي أنه قبل شهادة الصبيان، وهذا يجمع الذكور والإناث.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: وإذا قتل صبي صبيا لم يقسم على قول الصبي، ولا ينفع فيه إقرار الصبي الآخر، قال سحنون: وعلى هذا جماعة أصحابنا، ومن كتاب ابن حبيب: قال مالك: لا يقسم على قول الصبي إلا أن يكون قد راهق وعرف وأبصر، وإن لم يحتلم فليقسم على قوله، وروى مطرف عن مالك: أن شهادة الإناث تجوز حيث تجوز شهادة الصبيان، وإذا شهد معهن ذكر، وأقل ذلك اثنتان مع صبي.
/ ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا شهدوا على قتل صبي صبيا لزم العاقلة الدية بلا قسامة، وقاله أصبغ.
ومن المجموعة: قال أشهب: لا يجوز منهم واحد، ولو جاز كان معه اليمين، ولا يمين لصبي وإن وخر حتى يكبر صار صبيا يشهد لكبير، وليس يشبه ذلك.
وتجوز ذكورهم لإناثهم، كان المشهود لهم أحرارا أو أرقاء.
قال ابن وهب وابن نافع عن مالك: إذا شهدوا لصغير على كبير لم يجز، ومن كتاب ابن المواز: ولا تجوز شهادتهم لكبير ولا عليه لصغير ولا له، وإن شهدوا أن صبيا جرح كبيراً أو قتله: فأما في جرحه فلا يجوز، لأن هذا المجروح كبير دخل بينهم، وأما على قتله فيجوز إذا لم يبق حتى يعلمهم، وتجب الدية على عاقلة الجاني.
وقال في المدونة: ولا يقبل صغير على كبير أنه جرحه أو قتله.
قال ابن المواز: قال أشهب: بلغني عن مالك في كبير وصبيين شهدوا لصبي على صبي أنه قتله: أنه يسقط الصغار.
محمد: وتكون القسامة بشهادة الكبير إن كان [8/ 428]

عدلا، قال [مالك] في كتاب ابن سحنون: ولا يجوز صبي أو صبيان مع رجل على صبي آخر، ويكلف شهادة رجل آخر.
قال سحنون: [وهو في المجموعة، لعبد الملك: ولا شهادة للصبيان حيث يحضر الكبار، وقال سحنون] رجال أو نساء لأن النساء يجزون في الخطأ، وعمد الصبي كالخطأ.
وقال ابن المواز: وإذا دخل معهم رجل كبير أو امرأة شاهدا أو مشهودا له أو عليه، لم تجز شهادة الصغار، لأن الكبير يعلمهم إلا كبير مقتول لم يبق حتى يعلمهم.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإن حضر رجال غير عدول فإن كانوا ظاهري السفه والجرحة، جازت شهادة الصبيان، ثم وقف عن إجازتها.
ابن حبيب عن مالك: وإن شهد صبيان مع كبير لم يجز ذلك، قال مطرف: وذلك إن كان الكبير عدلا، فأما مسخوطا أو نصرانيا أو عبدا لم تجز شهادة الصبيان ثم حضوره كلا حضور، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: إذا دخل منهم رجل أو امرأة بطلت شهادتهم.
قال: وإن يشهد كبير على صغير أنه قتل كبيراً أو صغيراً كانت بذلك القسامة.
قال ابن المواز: لا ينظر في شهادة الصبيان إلى عدالة ولا جرحة ولا عدواة ولا قرابة، قال ابن القاسم: ولا تجوز لقريب ولا على عدو منهم إذا ثبتت العداوة، قال عبد الملك: تثبت في العداوة وتسقط في القرابة، قال في المجموعة يجرى الكبير بين الأب والأم والزوجة والجدود، فترد في هذا لأنه جر إلى نفسه، وذكر ابن [8/ 429]

حبيب عنه مثله، قال ابن المواز: ولم يختلف إنه لا ينظر إلى عدالة ولا إلى جرحة فيهم.
ومن كتاب ابن سحنون: قال / سحنون: لا تجوز شهادة الصبيان الارقاء، ومن على غير الإسلام، ومن لا تجوز شهادته من الكبار لقريبه من الأبوين والزوجة ونحوه فإنه يجرى في شهادة الصغار مجرى شهادة الكبار، لأنه من جر الشاهد إلى نفسه، وأما عداوة بعضهم بعضا: فلا تبطل شهادتهم، وليست بشهادة لها غور ولا تقع في مواضع العداوة.
وروى معن عن مالك أنه أجاز شهادة الإناث من الصبيان: جاريتان وغلام.
قال أبو محمد: انظر في قول عبد الملك وسحنون في شهادة الصبيان لقرابتهم كالأبوين، فكيف يجري هذا، وقد قال أصحابنا: لا تجوز شهادتهم لكبير، وأما الزوجة فيمكن أن يكون للصبي الزوجة الصغيرة، وللصغيرة زوج صبي، قلت لسحنون: لم أجزت الصبيان بينهم في الجراح، ولم تجزها في الحقوق؟ قال: للضرورة، لأن الحقوق يحضرها الكبار، ولا يحضرون في جراح الصبيان، ألا ترى لو حضر فيهم كبير لم تجز شهادتهم، قلت: فيلزمك أن تجيزها في غصب بعضهم بعضا الأموال كما أجزتها في جراحاتهم، إذ لا يحضر الكبار غصب بعضهم بعضا؟ قال: هذا موضع اتباع الماضيين، ولا وجه للقياس فيما هو كسنة أو سنة.
قال غير سحنون: لا تستوي الأموال والدماء، وقد فرقت الأئمة بينهما فقبلوا في الدماء ما لم يقبلوا مثله في المال، وبنا ضرورة إلى تحصين دماء الصبيان لا كالضرورة / إلى تحصين أموالهم، فكل شيء في هذا له موقع.
قال سحنون: وقد أجاز شهادتهم في الجراح على بن أبي طالب، وعبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام، وكثير من التابعين، قال أبو الزناد: وهي السنة، وقاله عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، قال: وما ذكر عن ابن عباس إنه لا يجوز شهادة الصبيان، فمعناه عندنا على الكبار، ولا يريد شهادة [8/ 430]

بعضهم على بعض، ومن هذه الدواوين: قال مالك في ستة صبيان لعبوا في بحر فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهما غرقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه، وقال: العقل على الخمسة، لأن شهادتهم مختلفة، محمد ابن المواز: وهذا غلط لاختلافهم ولا يجوز، قال ابن حبيب مثله عن مطرف في الصغار: لا تجوز، قال: ولو كانوا كباراً واختلفوا هكذا، كانت الدية عليهم في أموالهم، وكأنهم قالوا لم تخرج الجناية عنا، [إلا من باب الشهادة عدولا كانوا أو غير عدول، عمدا فعلوا ذلك في شهادتهم أو خطأ، فأما الصبيان: فإن الدية عليهم، لأن الصغار لا إقرار لهم، وذكر عن ابن الماجشون مثل ذلك كله، وذكر عن ابن الماجشون في كتاب القسامة أنه فرق في الكبار بين العمد والخطأ، وهي في كتاب أحكام الدماء]، قال مالك في هذه الكتب إلا كتاب ابن حبيب: فإن شهد اثنان منهم أن فلانا شج فلانا، وشهد آخران منهم أنه إنما شجه فلان فطلب شهادتهم، قاله ابن الماجشون وابن عبدوس وابن المواز وابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولا تبطل شهادة الصغار إلا أن يشهد الكبار أن ما شهدوا به لم يكن عن معرفة أو معاينة، أو شهدوا فاختلفوا في قولهم، أو أنهم افترقوا قبل الشهادة، ولا تبطل بهذه شهادة الكبار.
ومن العتبية والمجموعة: / قال ابن الماجشون: وإن شهد صبيان أن صبيا قتل صبيا، وشهد آخران ليس منهما القاتل: أن دابة أصابته جبار، قال: تمضى شهادة الصبيان على القتل، ولو أن شاهدي الجبار شهدا بذلك بعد بلوغهما لم تجز، لأنها قد ردت عليهما أولا.
ومن العتبية: قال أصبغ: إذا شهد صبيان أن صبيا قتل صبيا الساعة، وشهد رجلان أنه لم يقتله، وأنهما كانا حاضرين حتى سقط الصبي فمات، وأن [8/ 431]

هذا لم يضربه ولم يقتله، قال: فشهادة الصبيان تامة، ولا ينظر إلى قول الكبيرين كما لو شهد رجلان بقتله وشهد غيرهما أنه لم يقتله، ولا ينظر فيه إلا عدل.
قال ابن سحنون: أنكر سحنون قول أصبغ هذا وقال: قول أصحابنا أن شهادة الكبير أقوى، وأن ذلك كالجرحة للصغار، وغير هذا خطأ غير مشكل، إذ لا يشبه ذلك الكبيرين.
ومن كتاب ابن المواز قال: فإذا قيدت قبل تفرقهم بالعدول لم يبطلها رجوعهم إلا بتراخي الحكم حتى يكبروا ويعدلوا ويرجعوا، فيؤخذ برجوعهم، فإن شكوا فيها بعد بلوغهم، لم يضر ذلك حتى يوقنوا أن قد شهدوا بباطل، وقاله سحنون في كتاب ابنه أن رجوعهم قبل الحكم وبعد أن صاروا رجالا كشهادة رجلين: أن ما شهد به الصبيان لم يكن، فهو أولى، ولم تؤخذ شهادتهم مأخذ العدالة فهو أولى، فلا يجرحهم إلا الشهادة أن ما قالوه لم يكن، وقال مثله ابن الماجشون في المجموعة/ وزاد: ولو قيدت شهادة الصبيان على أمر.
ثم شهد اثنان منهم قبل الحكم وبعد البلوغ والعدالة: أن ما شهدنا به نحن والباقون من ذلك باطل، سقطت الشهادة كلها، لأنها شهادة صبيان شهد عدول أنها لم تكن، وفي العتبية عنه مثله، وقال عنه أيضا: إذا قيدت قبل أن يفترقوا أو يخيبوا وشهد عليها العدول، ثم بلغ من هو عدل رضا، فرجعوا قبل الحكم بها عما كانوا شهدوا به، فلتسقط كلها، لأنها شهادة الصبيان شهد عليها عدول أنها لم تكن.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا رجع الصبي عن شهادته فلا رجعة له ولا ضمان عليهن ولو رجع بعد أن بلغ وقد حكم بها لم يضمن، لأنها كانت في حال لا ضمان عليه ولا أدب، ولو رجع ولو لم يحكم بها حتى بلغ لم يضمن إذا رجع، وبطلت ولم يحكم بها.
وهذا الباب قد ذكر غير شيء منه في باب مفرد في [8/ 432]

القسامة، وهناك زيادة في معني هذا الباب من القسامة على قول الصبي المقتول والاختلاف فيه، وغير ذلك من هذا المعنى.
والله الموفق للصواب.

تم الثالث من الشهادات بحمد الله وعونه [8/ 433]

صفحة بيضاء

بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم

الجزء الأول

من الرجوع عن الشهادات

في الرجوع عن الشهادات وما يلزم الراجع عن

شهادته بعد الحكم،

وفي التجريح بعد الحكم / من كتاب ابن سحنون: قال سحنون: أخبرني ابن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عبد الرحمن البياضي [عن ابن المسيب] قال: قضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الرجل يشهد بالشهادة ثم يرجع عنها بعدما قضي بها، أن شهادته الأولى جائزة [وشهادته الآخرة غير جائزة] ورواه ابن وهب عن أبي ذئب أنه سأل أبا جابر البياضي فذكر له عن ابن المسيب عن النبي عليه السلام قال: [يؤخذ بأول قوله] وذكر ابن المواز عن ابن الماجشون عن المغيرة عن ابن أبي ذئب عن النبي عليه السلام.
فذكر نحوه.
قال سحنون عن ابن وهب عن الثوري عن مطرف عن الشعبي عن على بن أبي طالب أن رجلين شهداء عنده على رجل أنه سرق فقطع يده، ثم أتيا بآخر [8/ 435]

فقالا: كنا أوهمنا.
هو هذا، فأبطل شهادتهما عن الآخر، وأغرمها دية الأول، يريد: دية يده، وقال: لو علمتكما تعمدتما قطعه لقطعتكما.
قال محمد بن عبد الحكم: وفي هذا أنه تقطع يدان بيد، وهذا قولنا وخلاف قول أبي حنيفة، وفيه أن يقطع الشاهدين إذا تعمدا قطعه، وبهذا قال أشهب وبه أقول، [وفيه: أنه من أغرم رجلا بشهادة أخطأ فيها: أنه يغرم، وبه أقول].
وفي الكتابين من رواية ابن وهب عن جرير عن النخعي: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم ثم رجعوا، فإن قالوا: تعمدنا قتلوا به، ومن رجع منهم قتل، وإن قالوا تشبهناه لم يقتلوا وغرموا الدية.
وقاله الحسن.
/ ومن كتاب ابن سحنون: ذكر ابن وهب عن يحيى بن سعيد: إن رجع إثنان منهم فقالا: كذبنا فعليهم عقل تام، قال سحنون: غير أن أصحابنا اختلفوا في رجوع البينة بعد الحكم فقالوا: إن قالوا: وهمنا أو شبه علينا، فلا غرم عليهم ولا أدب، وأن قالوا: زورنا غرموا ما أتلفوا ويؤدبون، وقال آخرون: يغرموا ما أتلفوا في العمد والوهم والشك، ويؤدب المتعمدون، وقال بعض أصحابنا: إذا رجعوا بعد الحكم من قتل أو قطع أنه يقتص من المتعمدين، وأكثر مذاهبهم أن يضمنوا العقل في النفس واليد، ولا قود عليهم إذا لم يلوا ذلك بأيديهم، وعليهم قيمة العبد الذي شهدوا بعتقه، ولا شيء عليهم في الطلاق بنى بها الزوج أو لم يبن.
قال ابن الماجشون في كتابه: إذا رجع الشاهدان بعد الحكم وأقرا بتعمد الزور فعليهم ضمان ما يدخله الضمان من الديات وغيرها من الأموال ويؤدبان، وإن قالا: وهمنا فلا ضمان عليهما ولا أدب، والحكم ماض، وهذا قول مالك والمغيرة، وقال ابن المواز: لم تحفظ عن مالك في غرم الشهود جوابا إذا شهدوا بحكم فحكم به ثم رجعوا، ولكن قال ذلك أصحابه أجمع: المدنيون والمصريون.
[8/ 436]

قال ابن القاسم: واخبرني من أثق به عن عبد العزيز بن أبي سلمة في رجوع الشاهدين بعد الحكم قال: يغرم نصف الحق ولا يرد الحكم.
قال ابن القاسم: فسألنا عنه مالكا فقال: يمضى الحكم ولم يتكلم فيما وراء ذلك / قال ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ: إنه يغرم نصف الحق.
قال ابن القاسم: ولا شيء عليهما حتى يقرا بتعمد الزور.
ولو قال ذلك أحدهما، وقال الآخر: وهمت، أو شبه على، أو كان قضاه الدين ونسيت، فهذا لا يغرم.
ويغرم الآخر نصف الحق، وقاله عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال أشهب ك يضمنا إذا رجعا وإن لم يتعمدا واعتذار بسهو أو غلط، قلت لابن عبد الحكم: ولم لا يلزمهما ما أدخلا فيه مما لم يكن عليه بشهادتهما وإن كانت خطأ؟ فقال لي ما أقر به وقال: انظر.
قال محمد: ولو رجع أحدهما بعد الحكم لم يكن على المقضي له يمين مع شهادة الذي لم يرجع، ولا يضره لو رجعا جميعا قبل قبض حقه.
قال عبد الملك: وإقرار الشاهد بعد الحكم بتعمد الزور ليست بشهادة، وهو إقرار منه بإتلاف المال فيضمنه، وقال: وإن كان رجوعه بغير إقرار منه بتعمد الزور لم يضمن، ويمضى الحكم بقول الأول، وأما رجوع البينة قبل الحكم إلا أنه قد قبل شهادتهما وأثبتها، فإنه يقبل رجوعها ولا ينفذ الحكم ولا غرم عليهما، ولو رجعا بعد الحكم وقبل قبض الحق، لنفذ الحكم ولزمهما من ذلك ما يلزمهما بعد قبض الحق.
قال سحنون: إذا رجعا قبل الحكم وقد شهدا بحق أو حد لله من زنا أو سرقة أو خمر، وفي حق للعباد من قصاص في نفس أو جراح أو نكاح أو طلاق أو قذف أو عتق وفي جميع الأموال، فإنهم يقالون/ ولا شيء عليهم من العقوبة، [8/ 437]

اتهموا في شهادتهم أو رجعوا عنها لشك خالطهم، لأن العقوبة في هذا، بخلاف أن لا يرجع أحد عن شهادة شهد بها على باطل أو شك إذا أراد التوبة الذي شهد على الباطل، أو تثبت الشاك خوفا من العقوبة، وقال بعض أصحابنا: لو عوقب المتهم لكان لذلك أهلا، وأرى أن لا يعاقب.
ومن كتاب ابن المواز: قال: وإذا شهدا في قتل أو غيره ثم رجعا بعد الحكم، فرجوعهما ليس بشهادة، وهو إقرار على أنفسهما بما أتلفا، وشهادتهما الأخرى باطلة، والحكم ماض، وروي لنا ذلك عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وعن ابن القاسم، وكذلك سمعت عبد الملك وابن عبد الحكم يقولان، وقاله أصبغ، وقاله غير أصحاب مالك من العلماء، واختلف أصحاب مالك: هل عليهما الأدب؟ فقال ابن القاسم وعبد الملك: عليهما الأدب الموجع، وقال أيضا: ولو أدبا لكانا لذلك أهلا، وقال ابن عبد الحكم: لا أدب عليهما؛ لأن ذلك توبة، فليس كل تائب يضرب، ولو ضرب ما رجع راجع عن باطل.
وقال أشهب: لو عوقب من رجع لم يرجع أحد عن شهادة باطل أو شك إذا خاف العقوبة، وكذلك المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يعاقب، وكثير من يختار القتل على الضرب.
قال سحنون: ولو شهدا على رجل بسرقة أو قصاص، ثم أتيا قبل الحكم بآخر فقالا: هذا هو، فلا تقبل شهادتهما على الأول ولا على الآخر، وقد خرجا من حد العدالة، ويحدان/ فيما شهدا به من الزنا حد القذف في الحر المسلم، وإذا رجعا بعد الحكم في جميع ذلك فلا يرد الحكم، قالا: وهمنا، أو قالا: تعمدنا.
قال في كتاب ابن المواز: إذا رجعا قبل الحكم فقالا: وهمنا فقد صارا غير عدلين فلا يقبلا، وقاله ابن القاسم وأشهب، وقالا: ولو قالا في آخر: على هذا أشهدنا ووهمنا في الأول فلا يقبلا على واحد منهما، وقاله ابن القاسم عن مالك، قال أشهب: كان ذلك في حق أو قتل أو سرقة لأنهما أخرجا أنفسهما [8/ 438]

من العدالة بإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك، وقال أصبغ عن أشهب في بعض مجالسه: ولو جاء الشاهد قبل الحكم متنحيا من شهادته، بطلت، وأما إن قال: لم تكن كنا شهدت، وإنما شهادتنا على هذا، لم تجز الأولى ولا الآخرة، وقال ابن القاسم: إن أتيا بعذر بين في رجوعهما ولم يتعمدا جنفا، وهما بينا العدالة، وعرف صدق ما اعتذرا به، جازت شهادتهما فيما يستقبلان.
وإن لم يتبين صدقهما لم يقبلا فيما استقبلا.
قال ابن عبد الحكم: ولو أحدثا قبل الحكم مما لو كان ذلك منهما قبل أن يشهدا لم يقبلهما الحاكم، فأما مثل ما يشبه أن يكونا عليه قبل ذلك من فساد دين أو زنا أو شرب خمر فلا يقبلهما، وأما من أحدثا من شر بينهما وبين المشهود عليه أو قذف أو خصومة ولو كان ذلك قديما لم يقبلا عليه، فلا تبطل بذلك شهادتهما عليه.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا شهدا على رجل أنه أقر لفلان / وفلان بمائة دينار فقضي بذلك لهما، ثم رجع الشاهدان فقالا: إنما شهدنا بهما لأحدهما وسميناه، فإن للمقضي عليه بالمائة أن يرجع عليهما بخمسين، لأنهما أقرا أنهما أخرجاها من يديه إلى من لا حق له فيها، ولا تقبل شهادتهما للآخر: أن المائة كلها له، لأنهما مجرحان بشهادتهما، ولا عليهما أن يغرما له شيئا، لأنه إن كان له حق فقد بقي على من هو عليه، وليس قول الذي قال: إنهما يغرمان له خمسين بشيء، لأنهما إنما أخذا خمسين من مال المظلوم فأعطياها من لا شيء له عليه.
ولو كان عبدا بعينه شهدا أنه أقر به لفلان وفلان فقضي به لهما فأخذاه ثم رجعا فقالا: إنما أقر به عندنا لفلان منهما، فها هنا يغرمان للذي أقرا له نصف قيمة العبد لأنهما أتلفاه عليه، هذا إن كان الذي كان العبد في يديه يقول: هو للذي شهدا له به آخرا، فإن كان الذي كان العبد في يديه يدعيه لنفسه وينكر شهادتهما؛ فليغرما نصف قيمته للمشهود عليه، ولم يكن للمقر له به آخرا إلا نصفه.
[8/ 439]

قال في كتاب ابن المواز: وإذا حكم بشهادتهما ثم رجعا فهرب المقضي عليه قبل أن يؤدي، فطلب المقضي له أن يأخذ الشاهدين بما كانا يغرمان لغريمه لو غرم، قال: لا يلزمهما غرم حتى يغرم المقضي عليه فيغرمان له حينئذ إن أقرا يعتمد الزور، ولكن ينفذ القاضي الحكم للمقضي عليه على الراجعين بالغرم هرب أو لم يهرب، فإذا غرم أغرمهما.
وكما لو شهدا على رجل بحق إلى سنة، ثم رجعا، فلا يرجع عليهما حتى تحل السنة ويغرم / هو، وله أن يطلب القضاء بذلك عليهما الآن، ولا يغرمان الآن، وقال محمد بن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطلب الشاهدين بالمال حتى يدفعاه عنه إلى المقضي له.
قال: وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الشاهدين بشيء حتى يؤدي المقضي عليه، وفي هذا تعرض لبيع داره وتلاف ماله، والذان أوجبا ذلك عليه قيام، أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوساً ولا يغرم الشاهدان؟ بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه فإن لم يفعلا حبسا معه، وإذا شهدا عليه بمائة دينار فحكم عليه، وضرب له الإمام في ذلك أجلا عشرة أيام أو أكثر، ثم رجعا قبل تمام الأجل، فإنهما يغرمان ذلك الآن للمقضي له ويبرأ المطلوب، وإن لم يدفعا حتى حل الأجل فودى ذلك المطلوب، فليرجع بذلك عليهما.
قال ابن المواز: وإن أقام بينة بجرحتهما بعد الحكم فقد اختلف فيه، فقال ابن القاسم: ينقض بذلك الحكم إن أثبت جرحة قديمة قبل الحكم، وأما إن لم يدر قدمها فلا ينقض.
وقال أشهب وابن الماجشون: لا ينقض بما أتي به من التجريح، كما لا ينقضه قاض غيره لو أثبت عنده التجريح، قال ابن المواز: والذي قاله مالك وابن القاسم أنه ينقض قضاء نفسه، واحتج مالك بقول عمر بن عبد العزيز: ما سأقصيه أهون على من نقض قضاء قضيته رأيت الحق في خلافه.
وأما قاض غيره فلا ينقض قضاء غيره بجرحة شهادة.
[8/ 440]

/

في دعوى المشهود عليه رجوع الشاهدين

وكيف إن قامت عليهما بينة بذلك؟

وكيف إن رجعا ثم رجعا عن رجوعهما؟ من كتاب ابن المواز: وإذا ادعى المقضي عليه أن الشاهدين عليه رجعا عن شهادتهما، أمكنته من إيقاع البينة عليهما.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا ادعى المقضي عليه أنهما رجعا وقالا: شهدنا بزور، وطلب يمينهما.
قال: إن أتى بلطخ يوجب عليهما اليمين حلفا، فإن حلفا برئا، وإن نكلا ردت اليمين على المدعي، فإن حلف أغرمهما ما اتلفا عليه بشهادتهما، فإن نكل فلا شيء عليهما.
ولو شهد عليهما شاهدان بأنهما أقرا بعد الحكم أنهما شهدا بزور، فقبلهما الحاكم ورضيهما، فليغرم الراجعان ما شهدا به، وكذلك كل ما شهدا عليه من قصاص في النفس أو سرقة أو رجم، ثم ثبت عليهم الرجوع بعد الحكم، فإنهما يؤخذان بما أتلفا بالدية في الرجم مع حد القذف، وبالدية في النفس وأرش الجراح، ولا ينظر إلى جحودهما بعد الإقرار، وقال محمد بن عبد الحكم: إذا ادعى عليهما أنهما رجعا عن الشهادة فلا يمين له عليهما إذا أنكرا، وإن أقام شاهدين برجوعهما قضي عليهما بالمال، وكذلك في قيام البينة برجوع أحدهما يغرم النصف، وزعم أبو حنيفة وغيره من أصحابه أنه لا تقبل عليهما شهادة من شهد برجوعهما، قال محمد: وهذا خروج من المعقول، لأن من قولهم: لو أقرا بالرجوع لزمهما الغرم، / فما الذي فرق بين إقرارهما عند الحاكم بالرجوع وبين قيام البينة عليهما بالرجوع؟ قال: وقالوا: لو كتبا على أنفسهما بذلك كتابا برجوعهما، وأنهما قد ضمنا للمشهود عليه المال برجوعهما لم يجز ذلك عليهما، فإن سميا المال في الكتاب وذكرا رجوعهما فيه عن الشهادة ولم يغرما شيئا.
وهذا حكايته تنوب عن نقضه.
[8/ 441]

قال محمد بن الحكم: وكل ما رجعا عن شهادتهما بعد الحكم به مما يلزمهما بعد رجوعهما غرم من مال أو دم أو غيره، ثم رجعا عن ذلك الرجوع، فإنهما لا يقال ويقضى عليهما بما يقضى به على الراجع المتمادي في رجوعه.

في رجوع بعض الشهداء على الحق

أو يرجعون رجوعا غير متفق أو تختلف الشهادة ويختلف الرجوع

أو قضى بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد أو كانت اليمين مع شاهد فيما زادت فيه شهادته على الآخر من كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم في شاهدين قضي بشهادتهما في حق، ثم رجع أحدهما بعد الحكم، فإنما يغرم نصف الحق، وقاله عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ، قال محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهد به غرم ربع الحق، وإن رجع عن الثلث غرم السدس، ولو رجعا جميعاً كان الحق عليهما نصفين، ولو اختلف رجوعهما لزم كل واحد غرم نصف ما رجع عنه، لأنه هو الذي أتلف، ولو اتفقا في الذي رجع عنه/ غرما ذلك بينهما بالسوية، قال: ولو كانت البينة ثلاثة، فرجع أحدهما بعد الحكم فلا شيء عليه لبقاء من ثبت عليه الحق، ثم إن رجع ثان غرم هو الراجع قبله نصف الحق بينهما.
وذكر محمد بن عبد الحكم في كتابه أنه ذهب إلى أن ثلاثة لو شهدوا في درهم ثم رجع أحدهما، أنه يغرم ثلث درهم، وذكر أنه أحب إليه، وأن أشهب قد قاله في أربعة شهدوا بدرهم فرجع ثلاثة، أن عليهم ثلاثة أرباع درهم.
وقال ابن المواز: ولو شهد الثلاثة بثلاثين ثم رجع أحدهم عن الجميع، وآخر عن عشرين، وآخر عن عشرة فقد بقيت عشرة اجتمع عليها رجلان لا رجوع فيها على أحد، وقد اجتمعوا في الرجوع عن عشرة فهي عليهم أثلاثا، والعشرة الثالثة رجع عنها اثنان وأثبتها واحد، فإنما على الاثنين نصفها، اثنان، ونصف على كل [8/ 442]

احد، وهما الراجع عن عشرين، قال: وكذلك لو كانوا أربعة حكم بشهادتهم بأربعين، ثم رجع أحدهم عن الجميع، وآخر عن عشرة، وآخر عن عشرين، وآخر عن ثلاثين، فانظر الإثنين اللذين هما أقلهم رجوعاً، وهما الراجع عن عشرة، الراجع عن عشرين، فأصبتهما قد أثبتا عشرين لا يرجع فيها على أحد بشيء، وأصبت الراجع منهما وحده عن عشرة قد اثبت وحده عشرة، فلا رجوع بنصفها على أحد، ولكن يغرم نصفها – وهو خمسة – الراجع عن عشرين، والراجع عن ثلاثين، والراجع عن الجميع / بينهم أثلاثا، إثنان إلا ثلث كل واحد، وتبقى عشرة لم يثبتها أحد منهم يغرمها الأربعة، ديناران ونصف على كل واحد، قال أبو محمد: ولم يفسر ابن المواز كيف غرم الأربعة، واثبته على أصله فبينته على ما أصل.
قال ابن المواز: ولو مات أحد الأربعة ثم رجع واحد عن عشرة، وآخر عن عشرين، وآخر عن أربعين، فقد علمت أن الراجع عن عشرة مع الميت قد اثبت الثلاثين ولا رجوع فيها على أحد، لأن الحق يحيى باثنين، فبقيت عشرة قد أثبتها الميت ورجع عنها الباقون، فعلى الثلاثة نصفها بينهم أثلاثا، قال: ولو شهد واحد بعشرة، وآخر بعشرين، وآخر بثلاثين، وآخر بأربعين، قال: إن شاء حلف مع شاهد الأربعين وأخذ أربعين، وإن شاء أخذ ثلاثين بلا يمين، وترد اليمين في العشرة على المطلوب، فإن حلف برئ منها، وإن نكل غرمها، قال: فإن حكم له بثلاثين بلا يمين، ويعد يمين المطلوب، ثم رجع من الشهود شاهدان، قال: إن رجع الشاهد بعشرة، والشاهد بعشرين، لم يضر رجوعهما، لأنه قد بقي شاهدان يشهدان بأكثر من ذلك، ولكن إن رجع شاهد الأربعين، وشاهد الثلاثين فقط، فإنهما يغرمان خمسة عشر دينارا بينهما نصفين، أما العشرة التى زادا على العشرين فيغرماها إذ لم يشهد بها غيرهما، وعشرة أخرى شهدا بها مع شاهد العشرين، وهو لم يرجع، فأتلفا نصفها خمسة، وعشرة / قد ثبت عليها الباقيان لا يرجع فيها [8/ 443]

بشيء، ولو رجعوا كلهم إلا شاهد العشرة، غرم الراجعون خمسة وعشرين، يغرم الشاهد بالعشرين خمسة، وكل واحد من الباحثين عشرة، وذلك أن شاهد العشرة قد شهد شهادة الثلاثة الراجعين فلزمهم نصفها إذ ثبت من يثبت به نصفها فيغرموا نصفها أثلاثا، واحد وثلثان على كل واحد، وعشرة ثانية لم يشهد فيها غير هؤلاء الثلاثة الراجعين فرجعوا عنها فلزمتهم أثلاثا، ثلاثة وثلث كل واحد، فاجتمع على كل واحد منهم خمسة، وأما العشرة الباقية فلم يشهد بها غير شاهد الثلاثين وشاهد الأربعين، ثم رجعا فلزمتها نصفين، فبلغ غرمهما عشرة عشرة، قال: ولو ثبت الشاهد على العشرين فقط ورجع الباقون، قال: فيغرم شاهد العشرة إثنان إلا ثلث، والباقيان ثمانية عشر وثلث بينهما نصفين، لأن الثابت على العشرين قد علمنا أن عشرة منها شهد بها معه الراجعون كلهم، فعليهم نصفها أثلاثا: دينار وثلثان على كل واحد، وعلمنا أن العشرة الثانية من العشرين قارنه فيها في الشهادة شاهد الثلاثين وشاهد الأربعين، فعليهما نصفهما، خمسة، ديناران ونصف على كل واحد منهما، وعشرة ثالثة انفراد هما بالشهادة بها فرجعا عنها، فهي عليهما نصفين، وصار على كل واحد منهما تسعة وسدس، وعلى شاهد العشرة دينار وثلثان فذلك / عشرون ديناراً، قال: ولو رجع شاهد الأربعين وحده قال: يغرم وحده عشرة، ويمين المدعي إنما كانت مع شهادته على العشرة التي انفرد بها.
قال ابن المواز: وسمعت غير هذا – وهو الصواب – أنه ليس عليه إلا خمسة، وقد أنزلت اليمين بمنزلة شاهد في ذلك، وأما يمينه فقد حاطت بالأربعين، وعليها حلف، ولو أراد يمينه بها ما أمكنه ذلك ولا أمكن منه، ولا يحلف إلا على الجميع حتى لو لم يرجع ها هنا شاهد الأربعين، ورجع أصحابه ما ضر ذلك ولا غرم عليهم، وكذلك لو وجدا عبيدا، يريد: ويصير كأن الحق كله ثبت بشاهد ويمين، قال: ولو رجع شاهد الأربعين وشاهد الثلاثين بعد أن حكم للطالب بالأربعين مع يمينه، قال: فعلى شاهد الأربعين سبعة دنانير ونصف، وعلى شاهد [8/ 444]

الثلاثين ديناران ونصف، قال: لأن شاهد الأربعين انفرد بعشرة قضي بها بشهادته مع يمين الطالب، فعليه نصفها، وعشرة أخرى شهدا بها، قال في الكتاب: فعليهما نصفها.
قال أبو محمد: وينبغي أن يغرماها كلها لأنها بشهادتهما خاصة ثبتت، وقد رجعا ولم يبق عليهما شاهد، واليمين إنما حكم بها في العشرة التي لم يشهد عليها غير شاهد، وقد ذكر ابن المواز في آخر الكتاب هذا القول لأنه حكم لليمين إلا في عشرة، وسنذكره بعد إتمام هذه المسألة.
قال أبو محمد: ولو رجع معهما شاهد/ العشرين، قال: فإن عشرة ثانية ثابتة بالشاهد بالباقي وباليمين، والعشرة الثانية تلزم صاحب العشرين، منها خمسة يشاركه فيها شاهد الثلاثين وشاهد الأربعين أثلاثا، لأنه قد بقي فيها عين الطالب، فهو كشاهد، فلا يكون على شاهد العشرين غير دينارين إلا ثلث، وعلى صاحب الثلاثين أيضا خمسة أخرى يشركه فيها شاهد الأربعين، وعلى شاهد الأربعين خمسة أخرى وهي نصف العشرة التي انفرد بها فثبتت مع يمين الطالب، فجميع مغرمهم خمسة عشرا دينارا، ولو رجعوا كلهم إلا شاهد العشرين ثبت، فلا غرم إلا على شاهد العشرة، لأن يمين صاحب الحق مع شاهد العشرين أغنى عنه، ويغرم شاهد الثلاثين دينارين ونصفا، لأن العشرة التي يشهد بها عليه نصفها خمسة يشاركه فيها شاهد الأربعين، لأنه شهد معه فيها، وتسقط خمسة بسبب اليمين، ويلزم الشاهد على الأربعين أيضا نصف العشرة التي انفرد بها مع اليمين، قال أبو محمد: وهذا بنيناه على ذلك الأصل الذي جعل اليمين في العشرة مرجوع به إلى أنه على كل عشرة في رجوع البينة، وقد قال غير هذا في آخر الكتاب، قال في ثلاثة شهدوا، واحد بعشرة، وآخر بعشرين، وآخر بثلاثين، فقيل للطالب: إما أخذت عشرين بلا يمين، وإلا حلفت وأخذت ثلاثين، فحلف وأخذ ثلاثين، ثم رجع شاهد الثلاثين وأقر/ بالزور، ثم رجع كذلك شاهد العشرين، ثم شاهد العشرة، قال: فالشاهد بالعشرة قد شركه في الشهادة صاحباه، فهي عليهم أثلاثا، [8/ 445]

وشاهد العشرين قد شركه في العشرة الباقية شاهد الثلاثين فهي عليهما نصفين، ويغرم شاهد الثلاثين من العشرة التي انفرد بها نصفها، لأن اليمين أوجبت النصف الآخر فيصير عليه ثلاثة عشر وثلث، وعلى شاهد العشرين ثمانية وثلث، وعلى شاهد العشرة ثلاثة وثلث، ولو قضي له بعشرين بغير يمين، ثم رجع شاهد العشرة، فلا شيء عليه، لأنه قد بقي شاهدان بها، ثم إن رجع أيضا صاحباه غرم جميعهم العشرين، فعلى شاهد العشرة منها ثلاثة وثلث، وعلى كل واحد من صاحبيه ثمانية وثلث.
ومن كتاب ابن سحنون: وإن شهد رجلان لرجل على رجل أن له عليه مائة دينار، وشاهدان: أن له عليه خمسين، وجميع دعواه مائة، فحكم له بها القاضي، ثم رجع شاهدا الخمسين، فلا شيء عليهما، لأن الحق ثابت بغيرهما.
قد بقي عليه من لو لم يكن غيرهما لثبت، ولو لم يرجع إلا شاهد المائة لغرما خمسين، لأن خمسين أخرى قد بقي من يثبت به، ولو رجع الأربعة لزم شاهدي المائة خاصة خمسون لانفرادهما، فيغرماها بينهما نصفين، ولزمت الخمسون الأخرى جميع الأربعة لإشراكهم فيها، فيغرم كل واحد منهما اثني عشر ونصفا، ولو رجع واحد من شاهدي المائة/ وآخر من شاهدي الخمسين، غرم شاهد المائة خمسة وعشرين، ولا شيء على الراجع عن خمسين، لأنه قد بقي ممن يثبت به ملك الخمسين بشاهدين: أحدهما صاحبه، والثابت من شاهدي المائة، ولو رجع أحد شاهدي المائة وشاهدا الخمسين جميعا، لزم شاهد المائة خمسة وعشرون من الخمسين التي زادها هو وصاحبه، وعليه مع شاهدي الخمسين خمسة وعشرون لدخولهم أجمع في الشهادة بها، والشاهد الثابت أحيى نصفها، ولو رجع شاهد المائة وشاهد من شاهدي الخمسين، لزم شاهدي المائة خمسون انفراد بها، ولزمهما مع الراجع عن الخمسين خمسة وعشرون بينهم أثلاثا، وقد بقي من أثبت نصفها، ولو شهد أربعة بحق فقضي به، ثم رجع اثنان منهم، فلا شيء عليهما إذا [8/ 446]

بقي من يحيى به الحق، ثم إذا رجع واحد من الاثنين، كان عليه مع الراجعين قبله غرم نصف الحق.
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم: وإن شهد رجلان لرجل على ميت بدينار، وشهد آخران بدينارين، ولم يدع الميت إلا ديناراً فقضي له بدينارين وأعطاه الدينار، ثم رجع الأربعة فليغرموا من الدينار، ربع دينار، وشاهدا الدينارين: ثلاثة أرباع دينار، لأن جميعهم اجتمعوا على دينار، وانفرد اثنان بدينار آخر، وأخذ من ذلك كله دينار، ولو شهد إثنان أنه أقر له بدينار، وشاهدان أنه أقر له بدينارين، فليس عليه إلا ديناران مع يمينه،/ فإن نكل حلف الطالب على ثلاثة إن ادعى ثلاثة وأخذها، فإن رجع الشهود لم يغرموا إلا دينارين؛ لأن الثالث لم يجب بشهادتهم، إنما وجب بالنكول ويمين الطالب.
ولو شهد رجلان على رجل أنه أقر لرجل بدينار، وشهد آخران أنه أقر له بدينارين وأن فلانا تحمل له بدينارين، لم يكن على المقر إلا ديناران مع يمينه، ولا تزيد الحمالة في العدد شيئا، وكذلك إن شهد رجلان بدينار وأن فلانا حميل، وشاهدان أنه أقر له بدينار بغير حمالة، فليس عليه إلا دينار واحد بحمالة من أثبت الحمالة، وإن شهد اثنان بدينارين تحمل بهما فلان، وشهد آخران بدينار ولم يذكرا حمالة، فلم يوجد للميت المقر إلا دينار واحد وأخذه المدعي، ثم رجع شاهد الحمالة عما شهدا به، فإن الحميل فقد برئ من ثلاثة أرباع دينار، لأن شاهدي الدينارين قد انفردا بدينار، وشركهما الآخران في الدينار الآخر، فإن أخذ من الحميل الدينارين، ولم يؤخذ من مال الميت شيء، فإنه يرجع بالدينارين على اللذين شهدا عليه بالحمالة إذا كان منكرا للحمالة، ويرجع الشاهدان على الذي شهدا عليه بدينار منهما، لأنه قد أثبت ذلك عليه شاهدان غيرهما، وإن رجع الشاهدان على الدينار وقد أخذ الدينار من ورثة الميت، فإنهما يعرمان للذي شهد عليه: ربع دينار، لأنه الذي أخذ بشهادتهما، فإن أقر بالحمالة لم يرجع على الشاهدين بشيء، ويرجع على الذي عدم عنه بالدينارين، فإن أخذ ذلك من مال/ الذي شهد له رجع به على الشاهدين، لأن رجوع الشاهدين لا يسقط عن الحميل ما [8/ 447]

شهدا به عليه، وحكم عليه أن يؤخذ به، ولا يسقط عن الذي عليه الحق بعد الحكم.

في ولد الميت يشهد بعضهم بدين

على الميت ثم يرجعون رجوعا مختلفا،

وفي كيس تداعيا فيه رجلان تداعى مختلفا، وأقام كل واحد بينة فيما يرث ثم رجعوا أو بعضهم من كتاب ابن المواز: وقال فيمن هلك وترك أربعة بنين، فشهد ثلاثة منهم: أن لفلان على أبيهم ثلاثين ديناراً، فقضي بذلك، ثم رجع أحدهم عن عشرة، وآخر عن عشرين، وآخر عن ثلاثين، فقد اجتمعوا على الرجوع عن عشرة، فإنما لأخيهم الذي لم يشهد ربعها، ديناران ونصف يأخذهم بذلك بينهم أثلاثاً، خمسة أسداسدينار على كل واحد، والعشرة الثانية قد رجع عنها الباقيان، وثبت عليها الراجع عن عشرة، فإنما لأخيهم منها دينار ونصف، فيغرمان له نصف ذلك لبقاء شاهد بها، يغرمان ذلك نصفين، فيغرم كل واحد من ذلك من هذين الراجعين خمسة أثمان دينار، فذلك كله أربعة دنانير إلا ربع يأخذها الأخ الذي لم يشهد فقط، ولا شيء على الراجع عن ثلاثين في العشرة التي انفرد بالرجوع عنها، لأنه قد ثبت عليها شاهدان.
قال محمد: وكل ما رجعوا منه فهو بينهم ميراث، فإنما للأخ الذي لم يشهد ربعه، / قلت: فإذا كان الراجع عن عشرين يلزمه هو والراجع عن الثلاثين ربعها للذي لم يشهد، فلم لا لزمهما ربع آخر للراجع عن عشرة؟ قال عبد الله فلم يذكر في كتاب جوابا، والجواب؛ لأنه هو ثابت عليهما مقر بها على أبيه، فكيف يغرمهم فيما يقر بصحته؟ [8/ 448]

وقال في رجلين تداعيا في كيس في أيديهما فيه مائتا دينار، فقال أحدهما: جميعه لي، وقال الآخر: لي منه مائة دينار، وأقام كل واحد شاهدين على دعواه، واعتدلوا في العدالة، فإنه يحلف كل واحد منهما ويأخذ مدعي المائتين مائة، ويقاسم صاحبه المائة الأخرى نصفين، قال: فإن رجع من كل شاهدين شاهد وقالا: شهدنا بزور، قال: فعلى كل واحد منهما غرم خمسة وعشرين يدفعها لمن كان شهد عليه، ولو رجعوا كلهم غرم شاهدا المائتين خمسين لمدعي المائة، وغرم شاهدا المائة خمسين لمدعي المائتين، لأن مدعي المائة يقول: لولا شهادتكما لمدعي المائتين لم يأخذ غير مائة، وكنت أنا أخذت المائة بشاهدي فضرتني شهادتكما، فأخذت خمسين، ويقول مدعي المأتين لشاهدي المائة: لولا شهادتكما لأخذت المائتين بشاهدي فانتقصت خمسين بشهادتكما.

في الحق يقضى فيه بشاهد ويمين،

ثم يرجع الشاهد، أو يحكم فيه برجال ونساء، فيرجع أحدهم،

وفي رجوع الصبيان عن شهادتهم فيما يقبلون فيه / ومن كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا قضي لرجل في حق بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد وأقر بالزور، فإنما عليه غرم نصف الحق كشاهدين رجع أحدهما والحكم نافذ.
قال سحنون: ولو رجع الطالب فقال: ما طلبت إلا باطلا، فإنه يرد المال بالإقرار لا باليمين، كما لو قضي له بشاهدين ثم أقر بهذا، ولو قضي له بشاهدين وامرأة ثم رجع الشاهدان والمرأة، فالعرم على الشاهدين دون المرأة، لأن المرأة لا تجوز في شيء، ولا مدخل لها من الرجلين، ولو شهد رجل وثلاث نسوة، ثم رجع الشاهد وامرأة، فعلى الرجل نصف الحق وحده، لأنه قد بقي على نصف الحق امرأتان، ولا تضم المرأة إلى الرجل، وإنما تضم إلى مثلها، فاثنتان فأكثر منهن عدل رجل، ولو رجع الرجل والنسوة لزم الرجل وحده نصف الحق، وعلى الثلاث نسوة [8/ 449]

نصفه، لأنهن مقام رجل، وكذلك لو كثرن، وكذلك لو رجع النساء كلهن وهن عشرة واحدة إلى ثمانية، فلا شيء عليهن، فإن رجع تسعة منهن أو رجع ثمانية، ثم رجعت واحدة بعدهن، فعلى التسعة ربع المال بينهن بالسواء، لأنه بقي من أحيى ثلاثة أرباع الحق.
وكذلك في جميع الأموال من القروض وغيرها التي تجوز فيها شهادة النساء، وكذلك القول فيما لا يجوز فيه إلا شهادة الرجال من العتق والقصاص ونحوه وإن قضي بأربعة فرجع اثنان فلا شيء عليهما، فإن رجع ثالث لزم/ الثلاثة على نحو ما ذكرنا، وكذلك لو قضي بشاهدين فرجع أحدهما.
قال ابن الماجشون في كتابه: إذا شهد رجل وامرأتان في مال، ثم رجعت المرأتان فعلى كل واحدة منهما الربع، وإن لم ترجع إلا واحدة فعليها الربع، ولو حكم برجل وأربع نسوة ثم رجعت امرأتان فلا شيء عليهما، لأنه قد بقي من يتم الحكم به، ثم إن رجعت ثالثة غرمت الثلاثة ربع الحق.
قال ابن الماجشون في كتابه: وسئل عن رجعة الصبيان عن شهادتهم فقال: لا رجعة لصبي ولا ضمان عليه في رجعته إن رجع وهو صبي، أو رجع عنها بعد بلوغه فقال: كنت شهدت بزور، وأما لو لم يحكم بها ولكن لو قيدت قبل أن تفترقوا أو يخيبوا، ثم عاق عن الحكم بها شغل حتى رجع عنها بعد بلوغه فلا يحكم بها.
[قال أبو محمد عبد الله: انظر قوله: لا شيء عليه إن رجع بعد بلوغه، فجناية الصبي تلزمه في إتلاف المال، إلا أن يقيمه مقام من شهد بالقتل ثم رجع، فقد اختلف في قتله.
وألزمهما الدية من امتنع من القتل، فلم لا لزمهما ما كان ديته دون ثلث الدية، أو لعله يريد: لا شيء عليه إن كان شهد بالقتل العمد، فيصير عمد الصبي خطأ، ويصير مقرا في كبره على عاقلته، ولا تحمل العاقلة اعترافاً].
[8/ 450]

في الرجوع عن الشهادة في الدين أو في البراءة منه

وكيف إن شهدا بدين على ميت فقضي به ثم رجعا وأثبت غريم آخر دينا على ميت؟ / من كتاب ابن سحنون: قال سحنون: وإن شهدا بمائة دينار على رجل فإنه تسمع الحاكم البينتان خيفة أن يثبت الدين فيحتاج إلى بينة البراءة وقد غابت أو ماتت، ولا يمنع الطالب من إثبات دينه بقيام بينة البراءة، إذ لعلها لا تثبت، وبقيت بينة المدعي أو تموت وليسمعهما، فإن ثبت الدين وثبتت البراءة منه فحكم بالبراءة، ثم رجع شاهدا البراءة فليغرما الحق للمدعي.
ومن كتاب ابن المواز: وإن شهدا على ميت بدين مائة دينار، فحكم بها القاضي في تركته ولم يترك غيرها، ثم رجعا فأغرما المائة للوارث، ثم طرأ غريم آخر فأقام شاهدين على مائة دينار أخرى على الميت، فليرجع الشاهدان الأولان على الورثة بجميع المائة، إذ لاميراث لهما بكل حال، ويقضى للثاني بمائة كاملة، يأخذ خمسين مما أخذ الأول، ويبقي بيد الأول خمسون، وهي التي كانت تجب له في الحصاص، ويغرم الشاهدان للثاني الخمسين التي بقيت بيد الغريم الأول، لأنه يقول: لولا شهادتهما لم يكن للأول معي حصاص، ثم إن رجع اللذان شهدا للثاني بعد الحكم له فإنهما يغرمان خمسين ومائة، يغرمان هذه المائة التي ردها الورثة على الشهود الأولين، يريد: يغرمانها للورثة ويغرمان للغريم الأول الخمسين التي انتزعت منه للثاني قبل أن يشهدوا.
قلت: كيف يغرم الشهود مائة وخمسين ولم يترك إلا مائة؟ قال: قد يغرمان مائتين في مثل/ مسألتك، وذلك إن يهلك ولم يترك إلا مائة دينار في صرة، وقد استودعها الميت لغيره، فيقيم رجل شاهدين على الميت بدين مائة دينار فيقضى له بتلك المائة بعينها، ثم ترجع البينة فيقضى عليها بغرم مائة دينار للورثة، ثم يقيم رجل البينة أن تلك المائة بعينها له كان قد أودعها للميت، فإنه يرد الورثة [8/ 451]

المائة التي أخذوا من الشاهدين عليهما، إذ لا ميراث لهما على شهادة الآخرين، ويغرم الغريم الأول المائة التي أخذها فدفعها لصاحب الوديعة.
فإن رجع بعد ذلك الشاهدان الآخران، وأقرا بالزور، فليغرما مائتي دينار: مائة للورثة التي بشهادتهما ردها الورثة على الشاهدين، ومائة دينار للغريم الأول التي أخذها منه مدعي الوديعة، لأن بشهادتهما أخرجا من الورثة مائة، ومن الغريم الأول مائة لمدعي الوديعة، ثم رجع إلى المسألة الأولى: مسألة الغريمين فقال: وقد استودعها الميت لغيره، فقال: فإن لم يرجع شاهدا الغريم الثاني وقد رد الورثة بشهادتهما المائة على شاهدي الأول الراجعين، وأخذ الغريم الثاني من الأول نصف المائة التي بيده، وأخذ من الشاهدين الأولين خمسين عوض الخمسين الباقية بيد الغريم الأول، ثم طرأ غريم ثالث فاستحق مائة أخرى على الميت بشاهدين، فإنه يأخذ هذا الثالث من الغريم الأول الذي بيده خمسون دينارا ثلث الخمسين، ومن الغريم الثاني الخمسين التي صارت له من مائة/ الميت بعينها حتى تكون تلك المائة بعينها بينهم أثلاثا لكل واحد ثلثها فبقي بيد الغريم خمسون التي أخذها سين (كذا) التي صارت له من مائة/ الميت بعينها حتى تكون تلك المائة بعينها بينهم أثلاثا لكل واحد ثلثها، فبقي بيد الغريم خمسون التي أخذها من شاهدي الغريم الأول حين رجعا، فيرد على الراجعين منه سدس مائة، لأنهما لم يتلفا عليه التي بشهادتهما إلا ما أخذ الغريم الأول، وهو ثلث المائة فقط، فيكون هذا الثلث المائة من مال الشاهدين بين الفرعين: الثالث والثاني نصفين، وتكون مائة الميت بين الثلاثة أثلاثا.
[8/ 452]

في البينة تشهد بدين على رجل فيقضى عليه

فقضى القاضي على الطالب للمطلوب فرجعا إليه

فأخبراه، فقال القاضي: إنما شهدتما عندي على هذا الذي قضيت عليه من كتاب ابن المواز من غير رواية ابن أبي مطرف: وإذا شهد رجلان لرجل بمائة دينار دينا على رجل عند القاضي، بالدين للمطلوب على الطالب فأغرمه، فأخبر الشاهدين فأتيا إلى القاضي فقالا: إنما شهدنا بالمائة لهذا على الآخر، فقال القاضي: لا، بل شهدتما للآخر على هذا، وكيف إن كتبهما في ديوانه بخطه أو بخط كاتبه على ما قال؟ قال: إن كانا عدلين فشهادتهما جائزة، فإن رجع القاضي عن قوله وقال: أوهمت، أو أنا أشك في ذلك، رجع فأخذ المائة ممن هي في يديه فردها إلى الآخر وأرجعه أيضا بمائة أخرى على صاحبيه، وإن ثبت القاضي على قوله وقال: أنا لا أشك أنكما إنما شهدتما لمن قضيت / له، قيل له: فإن كنت توقن بها فليس لك أن ترجع بها عليه واغرمها أنت، لأن الشهود شهدوا بخلاف قولك وهما عدلان، فيلزمك غرم مائتين: مائة أخطأت فيها، والمائة الدين التي كانت الشهادة بها، وذلك يلزمه، وإن كانت شهادتهما في ديوانه، إلا أن يكون حضر القاضي قوم عدول فشهدوا شهدا به جلساء القاضي إذا كانا عدلين فأكثر، وإن كان الأولان أعدل، لأنهما شهدا بجرحتهما، ولا تجوز شهادة القاضي في ذلك لأنه خصم.
قال ابن المواز: وهذا مذهب مالك وأصحابه لأنهم يقولون: إذا قال القاضي: ثبت عندي شاهدان بحق على فلان فلا يقبل منه حتى يشهدا عليه بين يديه ويعرفه إياهما.
[8/ 453]

في الرجوع عن الشهادات في البيوع

والمعاوضة والشفعة،

وعلى الوكالة في البيع والحمالة فيه من كتاب ابن سحنون: ومن أقام شاهدين على رجل أنه باع منه عبده بمائة دينار وخمسين إلى أجل، والبائع يجحد، فقضي عليه بالبيع وقبض المشتري العبد، ثم رجعا وأقرا بالزور، فالبائع مخير إن شاء رضي بذلك واتبع المشتري بالثمن، وإن شاء تعجل من الشاهدين قيمته، فإن كانت قيمته مائة أدياها واتبعا المشتري بمائة لا بأزيد، وإن كانت القيمة مثل الثمن أو أكثر، / أدياها واتبعا المشتري بما عليه إلى أجله.
وكذلك في كتاب محمد بن عبد الحكم، إلا أنه قال: فإذا اختار أخذ قيمته من الشاهدين متعجلة وهي مائة، ورجعا بها عند الأجل على المشتري، فإن لرب العبد أن يأخذ منه عند الأجل باقي الثمن وهو خمسون، ولا يربح الشاهدان على ما أديا.
وقال من خالفنا: يأخذها الشهود ويتصدقان بها، وهذا فاسد، لأنها إن كانت لهما فلم يتصدقان بها؟ وإن لم تكن لهما فلا يأخذاها.
قال سحنون: ومن أقام شاهدين أن فلانا اشترى منه جاريته بمائة دينار، والمتباع يجحد، فقضى القاضي بشهادتهما، وقبض البائغ الثمن من المبتاع، ودفع إليه الجارية فتوقف عن وطئها، ثم رجع الشاهدان وأقرا بالزور، فقال بعض أصحابنا: المبتاع مخير إن شاء قبلها لرضاء البائع له بالبيع كانت قيمتها أقل من الثمن أو أكثر، وإن شاء ألزمها للشاهدين ويأخذ منهما ما دفع هو فيها، فإن لم يكن عندهم شيء فتباع عليها إذا شاء ويأخذ الثمن، فإن نقص عما أدى اتبعهما بما بقي إلا أن تكون فاتت في يديه بنقص أو موت أو إباق فينظر قيمتها، فإن كانت مثل ما أدى فأكثر لم يرجع عليهما بشيء، وإن كانت أقل مما أدى أتبعها بما بقي.
[8/ 454]

وقال غيره من أصحابنا: إن ماتت أو بيعت فليرجع عليها بجميع ما أدى أو كأنها منها هلكت، وإن دخلها نقص فله أن / يلزمها للشاهدين ويأخذ منها ما أدى، وإن أعتقها وقيمتها مثل ما أدى فأكثر فلا يرجع عليهما بشيء، وإن كانت أقل رجع عليهما بتمام الثمن الذي أدى، ولو باعها بمثل الثمن فأكثر لم يرجع عليهما بشيء، وإن باعها بأقل نظر إلى قيمتها فإن كانت مثل ما أخرج من يديه فأكثر فلا شيء له عليهما، وإن كانت قيمتها أقل مما أدى وأكثر من الثمن الذي باعها به، فإن له ما بين القيمة والثمن الذي يخرج من يديه بالحكم.
قال سحنون: وقد قيل: إن باعها أو أعتقها أو وطئها فهو رضي منه بالشراء الذي ألزمه بالحكم وشاءه البائع ورضيه، فيحل بذلك الوطء للمبتاع، وأما إن كان المشتري هو المدعي، والبائع منكر، فحكم عليه فلا يجوز للمشتري وطؤها، فإن رجع الشاهدان، فالحكم نافذ، ويكلف الشاهدان أن يشترياها للبائع، وقال: فإن كانت قيمتها أكثر من أخذ المشتري غير ماله تمام القيمة، فإن قبل ذلك البائع ثم أمر المشتري فيها، وإن كانت قيمتها أقل من الثمن أو مثله، فلا شيء عليهما، وعليهما الأدب، وإن أشتراها الشاهدان من المبتاع ثم أقرا بالزور ولم يدخلها فوت، ردت على البائع ويلزمه ذلك، ويرد إليهما ما قبض من المشتري.
قال سحنون: وقد قيل: إن له ما أخذ من الثمن، وتبقي الجارية في أيديها إن أحب، وإن دخلها فوت فله ما بقي من قيمتها بعد على الثمن الذي أخذ، يرجع عليهما وتبقي لهما الجارية، إلا أن / يشاء أن يأخذها ويرد عليهما الثمن.
قال ابن الماجشون في كتابه: وإن شهدا أن البائع باعها منه والبائع يجحد، فحكم بذلك للمبتاع، وهو يدعي الشراء، ثم رجعا فقالا: شهدنا بزور، وصدقهما المشتري في الزور، فإن فاتت بعطب أو كبر أو طول زمان ونحوه: فعلى الشاهدين فضل ما بين القيمة والثمن، إن كان المبتاع معدما، ويرجعان عليه بذلك بإقراره، يريد: إن طلب ذلك البائع، وأما إن لم تفت بتغير بدن، ولا فاتت بولادة ولا عتق، فله أخذها كالمغصوب منه، وإن فاتت بولادة أو عتق فقط: فليس له أخذها بحكم الحاكم، وله فضل ما بين القيمة والثمن.
[8/ 455]

قال ابن الماجشون: وإن كانت قد خرجت من يد المبتاع وعميت قيمتها، وعميت الصفة، وقول المبتاع في الصفة، ويحلف، فإن نكل وهو عديم، حلف الشاهدان على الصفة، فإن كان فيها فضل عن الثمن غرما ورجعا به على المبتاع.
ومن كتاب ابن المواز: ولو كان المشتري منكرا للشراء فقضي عليه بالبينة لشرائه العبد، ثم أعتقه أو باعه أو مات عنده أو أبق منه، ثم أقرا ورجعا وأقرا بزور، فأما في الموت والإباق فيغرمان ثمنه كله، وأما في العتق فإنه تلزمه قيمته إن كانت أقل من الثمن، ويغرم الشاهدان ما زاد الثمن على القيمة، فإن كانت القيمة مثل الثمن فأكثر فلا شيء عليهما، وإن باعه بأقل غرم الراجعان تمام الثمن/ الذي شهدا به، فإن حابي في بيعه حسب عليه ما حابي به، فإن بقي عليه بعد حساب المحاباة شيء من ثمنه الذي أخرج غرمه الشاهدان.
قال سحنون: وإنه شهدا للمشتري أن فلانا باع عبده منه بمائة دينار وقيمته مائتان، والبائع يجحد، وقالا: وللبائع الخيار ثلاثة أيام، فقضى بذلك القاضي ونفذ البيع على هذا، أو كان البائع المدعي والمشتري يجحد، والثمن مائتين وهو يسوى مائة.
وقالا: وعلى أن المشري بالخيار ثلاثا، ثم رجعا وأقرا بالزور، فلا شيء عليهما، لأن المشهود عليه كان له جل ما شهدا به عليه بالخيار، فإن لم يفعل فهو متطوع، وأما أتلفا عليه شيئا، وكذلك قال محمد بن عبد الحكم في كتابه: لا شيء عليهما للمشهود عليه من بائع أو مبتاع اختار البيع قبل مضي أيام الخيار، أو مضت أيام الخيار ولم يختر، لأنه قادر على دفع ذلك عن نفسه.
قال: وفيها قول آخر هو أحب إلي: أنه إذا أنكر المشتري البيع فقد انفسخ البيع، لأنه إذا قال: وهو للبائع ولا خيار لي، انفسخ البيع، ولكن لو شهدا للبائع وهو يدعي أنه باعه منه بمائة، والخيار للبائع، ومضت أيام الخيار، ولزم المشتري البيع وهو منكر، ثم رجعا فإن المشتري يدفع العبد إلى الشاهدين ويأخذ منهما الثمن، لأنهما ألزماه إياه بمائتين، ولم يكن ذاك عليه، ودفعا إليه العبد [8/ 456]

فصول الكتاب · 83 فصل · 666 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات · 666 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الصوم
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب زكاة الماشية والحَبِّ والفطر
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب السبق والرمى
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الضحاياكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح
كتاب الاستبراء
كتاب العدة
كتاب الرضاع
كتاب طلاق السنة
كتاب الشروط والتمليك والتخيير في النكاحكتاب الخياركتاب المفقودكتاب الخلع والحكمين والرجعة في الخلعكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف
كتاب البيوع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب الجعل والإجارة
كتاب تضمين الصناعكتاب الرواحل والدواتكتاب أكرية الدور والأرضينكتاب الصلح
كتاب الوكالات والبضائع
كتاب القراض
كتاب المساقاةكتاب الشركةكتاب المزراعةكتاب المغارسة
كتاب آداب القضاء
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات الثاني
كتاب الشهادات الثالث
كتاب الدعوى والبينات
كتاب الإقرار
كتاب
كتاب الحمالة والحوالة
كتاب الرهون
كتاب الإكراه
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطة والضوال والإباق
كتاب الأراضي والشعاري وأحياء الموات
كتاب القضاء في الكلإ والآباركتاب القضاء في نفي الضرركتاب الأرحيةكتاب القضاء في البنيان
كتاب الشفعة
كتاب القَسْمِ
كتاب الوصايا
كتاب الحُبُس السُّنَّة
كتاب الصدقات والهبات
كتاب هبة الثواب
كتاب العتق
كتاب المُدبَّركتاب الخدمة
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الاستلحاق والإقرار بالنسب
كتاب الولاء
كتاب الجنايات
كتاب الجراح
كتاب الحدود في الزني
كتاب الأشربة
كتاب القذف
كتاب القطع في السرقة
كتاب القطع في السرقة
كتاب المحاربين
كتاب المرتدين
جارٍ التحميل