كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذكر بعض ما روي في فضل الجهاد
وذكر شيء من الرباط وفضله
قال أبو محمد: قد روي من فضل الجهاد ما يكثر ذكره , ونحن نذكر من مون الأحاديث فيه بعض ما روي فيه.
من كتاب ابن سحنون وكتاب ابن حبيب: روي أنه قيل: يا رسول الله , أي الأعمال أفضل؟ قال إيمان بالله وجهاد في سبيله.
وفي حديث آخر: وحج مبرور , وروي أن الصحابة قالوا: يا رسول الله , وددنا لو علمنا أفضل الأعمال , فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم إلى قوله: وفتح قريب ".
[3/ 11]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: لو قمت الليل وصمت النهار , ما بلغت يوم المجاهد.
وفي حديث آخر: لم تبلغ غبار شراكه.
وفي حديث آخر: ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد.
وقال: مثل المجاهد كمثل الصائم لا يفطر والقائم لا يفتر حتى يرجع إلى أهله.
وقال ابن عمر: لأن أقف موقفاً في سبيل الله مواجهاً للعدو , لا أضرب بسيف ولا أطعن برمح ولا أرمي بسهم , أفضل من أن أعبد الله ستين سنة لا أعصيه , وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود.
وقال لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.
وقال لرجل له ستة آلاف دينار: لو أنفقها في طاعة الله لم يبلغ غبار شراك نعل المجاهد.
وقال الحسن: من قلت حسناته وكثرت سيئاته , فليجعل الدروب وراء ظهره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من اغبرت قدماه في سبيل الله , حرمه الله على النار.
وروى أنه عليه السلام لم يكن يتلثم من الغبار في سبيل الله , وكره مكحول التلثم في سبيل الله.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: غزوة بعد حجة الإسلام خير من ألف حجة ومن صيامها وقيامها.
[3/ 12]
وروى ابن وهب قال: قال نافع في تخلف ابن عمر عن الغزو ولزومه الحج: إنه إنما ترك الغزو لوصايا عمر ولصبيه وضيعة كثيرة لا يصلحها إلا التعاهد , وقد كان يغزي بنيه ويرى أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الصلاة.
وقالت عائشة: من خشي من نفسه جبناً , فلا يغز.
وقد روي من فضل أعمال البر في الجهاد من صلاة وصوم وصدقة وذكر الله: أن عمل ذلك في الجهاد أفضل منه في غيره.
وكذلك إن مرض فيه أو نكب أو شاب فيه , فقد روي في ذلك فضل كثير , وفي من مشى في سبيل الله وفي من شيع غازياً أو حفظه في أهله أو جهزه أو أعانه.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا لم يوف بعهد ولا ذمة ولم يقم بكتاب ولا سنة , فالرباط أفضل غزوكم.
قال مالك: الغزو على الصواب أحب إلي من الرباط ووالرباط أحب إلي من غزو على غير الصواب.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثمرة الجهاد الحرس , وحارس الحرس على فرس يصيح وقد أوجب يقول: استوجب الجنة ومن كتاب آخر.
قال مالك لرجل سأله قد ابتلي بدم: تقرب إلى الله سبحانه بما استطعت والزم هذه الثغور.
ذكر بعض ما روي في فضل الرباط ولزوم الثغور وذكر الغارات وذكر الأفضل من الحج والغزو والرباط وذكر التكبير في الرباط والحرس في لقاء العدو
من كتاب ابن حبيب وغيره: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رباط الرجل ليلة [3/ 13]
في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر ويصوم نهارها لا يفطر.
وقال: من رابط فواق ناقة , حرمه الله على النار.
قال ابن حبيب: قوله: فواق ناقة: قدر ما تحلب.
وقال أبو هريرة: لحرس ليلة أحب إلي من صيام ألف يوم أصومها وأقوم ليلها في المسجد الحرام وعند قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستجدون أجناداً أو يفتح لكم أرضون , ويكون لكم ذمة وخراج , ويكون لكم على سيف البحر مدائن وقصور , فمن أدرك ذلك فاستطاع أن يحبس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور , فليفعل.
وروي في الرباط من الرغائب كثير.
قال ابن حبيب: وهو شعبة من شعب الجهاد , وبقدر خوف أهل ذلك لسفك دماء المشركين والرباط لحقن دماء المسلمين , وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين , وقيل إنما هذا حين دخل فيالجهاد ما دخل , وقال عمر: اغزوا ما دام الغزو حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسيراً , ثم يكون ثماماً ثم يكون رماماً ثم يكون حطاماً , فإذا انتاطت المغازي وكثرت العزائم واستحلت الغنائم , فخير جهادكم الرباط.
والثمام: الرطب من الثياب , والرمام: اليابس , والحطام: الذي ينكسر ويتحطم , وقوله: العزائم يريد: حمل السلطان شدة الأمر عليهم والعزم فيما يشق عليهم لبعد الغزى وقلة عونه لهم وغير ذلك.
[3/ 14]
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تمام الرباط أربعون ليلة.
وروي أنه إذا نزل العدو بموضع مرة فهو مرابط أربعين سنة.
وهذا والله أعلم على الترغيب في الرباط , وكلما كثر الخوف في ثغر من المرابطات كان أعظم لثواب أهله.
وكذلك قال مالك.
وسئل عن من جعل شيئاً في السبيل أيجعله في حده؟ قال: لا , قيل: قد نزل بها العدو مرة , فضعف ذلك.
ومن العتبية: من سماع ابن القاسم ومن غير ديوان , قيل لمالك , ما أحب إليك الرباط أم الغارات في أرض العدو؟ قال: أما الغارات فلا أدري , كأنه كرهها , فأما السير في أرض العدو على الإصابة , يريد: السنة , فهو أحب إلي.
قال ابن سحنون عن أبيه: قد مضى عبد الله بن نافع إلى المصيصة فأقام بها أربعين يوماً مرابطاً وترك دخول أرض العدو.
قال في الكتابين: قيل لمالك: أيما أعجب إليك الرباط أم المصيصة؟ قال: المصيصة إلا أن يكون ما عندكم أخوف , فليؤثر الرجل ناحيته.
فإن كان فيها غناء فالمصيصة , يعني: الغزو ودخول بلد الروم والرباط فيها , فذلك أحب إلي.
قيل: فعندنا مدائن على البحر ضيعت من العدو , وفيها حشر من نساء وصبيان , فرباطهم أحب إليك أم دخول بلد الروم؟ قال: ما في هذا حد إلا على ما يرى وينزل.
[3/ 15]
وقال الله سبحانه: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " , يقول: من حولكم , فينبغي لكل قوم أن يرابطوا ناحيتهم ويمسكوا سواحلهم , إلا أن يكون مكاناً مخوفاً يخاف فيه على العامة.
قال ابن وهب: قال ابن زيد: فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من قتال من يليه , نزلت: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " , إلى آخرها.
وقال مالك: وليس من سكن بأهله في مثل الفسطاط والإسكندرية وطرابلس من أهل سواحل البحر مرابطين , وإنما المرابط من خرج من منزله فرابط في نحور العدو وعلى سواحل حيث الخوف.
ومن كتاب ابن حبيب: سئل مالك عن سكان الثغور على السواحل , يريد: بالأهل والولد , قال: ليسوا بمرابطين , وإنما الرباط لمن خرج من منزله معتقداً للرباط في موضع الخوف.
ومن العتبية: من سماع ابن القاسم , قيل لمالك: الحج والقفل أحب إليك أم الحج والمقام للجوار؟ قال: ما كان الناس إلا على الحج والقفل.
قيل: فالجهاد مثله , فإنه قد قيل ذلك؟ قال: لا , قد أقام غير واحد من الصحابة بالشام حين فتحت وهي بحال الحرب , منهم: معاذ وأبو هريرة وبلال وأبو أيوب.
قال أشهب , قيل لمالك: أعلينا بأس في إقامتنا عندكم وتركنا أهليا بالإسكندرية , وما أدركنا قط عدواً نزل بها وإنهم ليخافون؟ قال: قد قلتم: إن الموضع مخوف ضائع وأهلها قليل ومحارسها خالية , فلخوفكم بأهليكم أحب إلي وتكونون من وراء المسلمين.
قيل: فنأثم في مقامنا ها هنا؟ قال: لا أدري ما الاثم وأنعم أعلم بموضع خوفكم , وكونكم معهم أحب إلي.
قيل: فالمقام بأرض العدو أم الذهاب
[3/ 16]
والرجوع؟ قال: كل حسن واسع.
وفي باب الغزو مع ولاة الجور ذكر الرباط هل هو أفضل أم الغزو معهم؟
ومن العتبية: روى أشهب عن مالك , قال: لا بأس برفع الصوت: روى أشهب عن مالك , قال: لا بأس برفع الصوت ... بالتكبير بحضرة العدو وذلك حسن.
وأما على السواحل في الرباط فلا بأس به إلا أن يؤذى بذلك الناس ممن يقرأ ومن يصلي , يؤذيهم برفع الصوت فلا أرى ذلك.
قال ابن حبيب: ويكره التطريب في التكبير وفي الحرس ولا بأس بما سهل من ذلك , وإن كان بتحزين فلا تطريب.
ويكره أن يلي واحد التكبير والتهليل ويجيب الباقون , ويكبر كل واحد بنفسه على نيته ورغبته وإن رفع به صوته.
ولا بأس أن يكبر الواحد وينصت الباقون , ويستحب التكبير في العساكر والثغور بإثر صلاة الصبح وصلاة العشاء تكبيراً عالياً ثلاث مرات , وهو قديم من شأن الناس.
ومن غير كتاب ابن سحنون: روى ابن وهب عن مالك في من له بنات وأخوات وضيعة وأراد الجهاد أو الحج: أيهما أفضل , أيجاهد أو يقيم في أهله؟ قال: بل أن يجاهد أحب إلي من المقام في أهله وولده وضيعته , ويستخلف الله عليهم.
وأما الحج , فإن كان صرورة فليحج , ولم يبلغني أن شأحداً ممن بالمدينة يقتدى به من صاحب وغيره خرج منها إلى الرباط إلا واحداً أو اثنين , وهي أحب المساكن إلي إلا أن يخرج أحد إلى الرباط ثم يرجع إليها.
[3/ 17]
ذكر فرض الجهاد وتطوعه , وذكر النفير والهجرة
من كتاب ابن سحنون , قال سحنون , كان الجهاد في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين , ثم هو الآن يحمله بعضهم عن بعض , يريد: إلا في الضرورات , قال: والآن هو مرغب فيه.
قال: إلا أن يرى الإمام أن يبعث بعثاً نظراً للإسلام , فعلى الناس طاعته فيمن رأى أن يبعث منهم ووعليه أن يجهزهم من بيت المال.
قال ابن المسيب: هو فرض على العامة إلا أن يتركوه , وليس كالصلاة على كل أحد.
قالت عائشة: من حس نفسه جبناً , فلا يغز.
وقال سحنون: وقد قرنه الله تعالى بالإيمان به فقال جل وعز: " تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله " , ثم خفف ذلك فقال جل وعز: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً " , فدل أن ذلك على كل أحد في خاصته , وهو على الجميع فرض.
قال غيره: ولقوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ".
قال سحنون: هو فرض على الجميع يحمله بعضهم عن بعض , إلا أن ينزل أمر يحتاج إليهم أجمعين فيكون عليهم فرضاً.
ولا ينبغي مع ذلك أن يعطل الإمام الجهاد والدعاء إلى الإسلام.
قال سحنون: وأما قول الله تعالى: " انفروا خفافاً وثقالاً " , وقوله " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ". قال ابن زيد: آيتان مسنوختان بقوله: " فلولا نفر من كل
[3/ 18]
فرقة منهم طائفة " وقوله: " انفروا خفافاً وثقالاً " كان في أول الإسلام , فلما كثر المسلمون قال: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة ". قال: والثقيل: من له ضيعة , والخفيف: من لا ضيعة له.
قال سحنون: والنفير فرض يحمله بعض الناس عن بعض.
وقال عن الوليد عن بشير بن عبد الله قال: كان الوالي في أيام عمر وعثمان إذا قام في الناس بنفير البعث , فالمتعجل الرائح من عشيته , والغادي من غداة غدة , والرائح من عشية غد مقصر , والغادي من غداة بعد الغد معتذر.
قال: وإذا وقع النفير , ورجل معتكف , فإن حل بموضعه ما لا قوة لمن حضر على دفعة خرج ثم بنى.
قال أبو محمد: وقد قيل يبتدىء , وإن كان فيهم قوة على دفعهم فلا يخرج.
ولا ينفر العبد والمكائب ومن فيه بقية رق بغير إذن السيد , إلا من في ثغر فغشيهم ما لا قوة لمن حضر به فلينفر بغير إذن السيد , وقاله الأوزاعي.
قال سحنون: ومن عليه دين قد حل وعنده له قضاء فلا ينفر ولا يرابط ولا يعتمر ولا يسافر حتى يقضيه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم.
وإن كان دين لم يحل أو لا وفاء له به فله أن ينفر.
ولا أحب لمن له والدان أن ينفر إلا بإذنهما إلا أن ينزل بمكانه من العدو ما لا طاقة لمن حضر بدفعه فلينفر بغير إذنهما.
ولو نزل ذلك بساحل بغير موضعه ولا غوث عندهم أو كان الغوث بعيداً منهم فلينفر إليهم بغير إذن الأبوين.
قيل لسحنون: فلو نزل العدو بسوسة أينفر إليهم أهل سفاقس والمنستير وهو يخافون أن يخالفهم العدو إلى مواضعهم؟ قال: إن خافوا ذلك حذراً بغير
[3/ 19]
معاينة مراكب ولا خبر فلهم النفير.
وإن اشتد خوفهم مثل أن ينزل لهم مراكب وشبه ذلك فليقيموا بموضعهم.
وقال نحوه الأوزاعي وسفيان إذا نزل عدو ببعض الثغور: إن لمن أحب من المتطوعة بالمصيصة أن ينفروا إليهم.
وروى ابن وهب عن ابن شهاب في قول الله تعالى: " كتب عليكم القتال " , قال: الجهاد على كل أحد غزا أو قعد , فالقاعد إن استعين به أعان , وإن استنفر نفر , وإن استغيث به أغاث , وإلا قعد.
قال غيره: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية , وإذا استنفرتم فانفروا.
وقد رفع الله ذلك عن ذي العذر من أعمى ومريض وأعرج وشبهه.
ومن كتاب ابن سحنون , قال سحنون: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقطع الهجرة ما قوتل الكفار , وإنما الهجرة اليوم من دار الكفار إلى دار الإسلام , مثل أن يسلم بدار الكفر , عليه أن يهاجر.
قلت: قال الحسن: هجرة الأعراب إذا ضمهم ديوانهم , قال: لا هجرة اليوم في الأعراب لأنهم دخلوا في أحكام المسلمين.
وقد أسهم لهم عمر حين دون الديوان.
وهم أهل البدو , وقد حكم في دياتهم بالإبل.
قال ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هاجر لعرض من الدنيا , فلا أجر له , وقوله: من هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها , فهجرته إلى ما هاجر
[3/ 20]
إليه.
وفي حديث آخر: قتل فلان في سبيل الجهاد.
وقال عمر: ليس كل من قتل في سبيل الله بشهيد , ولكن الله يعذب عدوه بالبر والفاجر.
قال سحنون: وإذا دخل المشركون أرض الإسلام فسبوا النساء والذرية وأخذوا الأموال فواجب على المسلمين إن كانت بهم قوة عليهم استنقاذ ذلك.
فإن فصلوا إلى بلدهم فواجب عليهم اتباعهم ما دام لهم طمع باستنقاذ ذلك وفيهم له قوة.
فإن صاروا إلى حصونهم ومدائنهم , وبمن اتبعهم قوة على ذلك ورجاء فيه فواجب عليهم استنقاذ ذلك حتى ييأسوا ولا يرجوا ذلك فلهم أن يذبوا عن أهل ذمتهم في أنفسهم وأموالهم مثل ذبهم عن أنفسهم في ذلك كله.
ومن بلغه من نال العدو من المسلمين من هذا فعليه النفير لعونهم حتى يستنقذوا ذلك منهم أو يعجزوا عنه أو يقتلوا دونه.
ومن كان بعيداً عنهم وإن نفر لم يدركهم حتى يفوتوا فله المقام.
وإن غلب أنه يدركهم فعليه النفير لذلك.
وهذا إذا لم يكن فيمن هو بإزائهم الذين خرجوا إليهم قوة عليهم والغالب عليهم الخوف.
وهم مستطيعون لا يخاف عليهم فهو أخف في إيجاب نصرهم.
في الغزو والسفر بغير إذن الأبوين أو غيرهما أو العبد بغير إذن سيده
ومن نذر الغزو ثم تخلف لعذر أو لغير عذر وهل يغزو المديان أو من له قرابة
من كتاب ابن سحنون وغيره: روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغزو بغير إذن الأبوين , ونهى عن ذلك كثير من الصحابة والتابعين.
قال يحيى بن سعيد: وليطعهما وليقم ما لم ينزل بالناس ما لا قوام لهم به.
قال
[3/ 21]
الحسن: وإن أذنت لك أمك وأنت تعلم أن من هواها قعودك فاقعد.
ونذر رجل الغزو فتجهز فنهته أمه فأمره أبو هريرة أن يقعد ويدفع جهازه لغيره.
قال مالك: لا يكابر في ذلك أبويه وليصبر إلى عام آخر.
ومن المختصر وكتاب ابن المواز , قال مالك: لا يغز أحد إلا بإذن أبويه , فإن أوجبه على نفسه وتجهز فليستأذنهما.
قال محمد: إن خرج بغير إذن فليرجع حتى يأذنا له.
قال مالك: وإن لم يأذنا له فلا يكابرهما وليدفع جهازه ولا يأكله , فإن خاف فساده باعه وحبس ثمنه إلا أن يكون ملياً فليصنع به ما شاء حتى يمكنه الغزو.
فإن مات قبل ذلك فهو ميراث كصدقة نذرها فلم ينفذها.
ولو جعله على يدي غيره فمات على ذلك فهو ميراث إلا أن يشهد على ذلك أشهاداً أن ينفذ بعد موته فيكون من رأس ماله , مات قبل ذلك أو بعده ز قال مالك فيمن تجهز يريد الغزو متطوعاً ثم بدا له: وأحب إلي أن يدفع جهازه لغيره.
وذكر ابن المواز مثل ما تقدم أن أبا هريرة أمر بذلك في الناذر تكره ذلك أمه.
وذكر ما تقدم من قول يحيى بن سعيد.
قال: ورد عمر خداشاً من الشام وقال له: الزم أباك حتى يموت.
وروى ابن وهب أن عبداً قاتل يوم أحد , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أذن لك سيدك؟ قال: لا , قال: لو قتلت دخلت النار.
قال ابن حبيب: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أهل الأعراف ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم.
وسمعت أهل العلم يقولون في العبد يغزو مع سيده: إنه لا يقاتل إلا بإذنه إلا أن يدخل العدو العسكر فله أن يدفعه , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين وروي أن الله سبحانه يقضي عنه دينه.
[3/ 22]
وأرخص مالك للذي عليه الدين أن يغزو إن خلف وفاء دينه أو كان بإذن غرمائه.
وقال له رجل: علي دين كبير وأردت الغزو ولا مال لي.
فإن مت فأحب الموضع إلي , وإن وجدت مالا ديني , فأباح له أن يغزو.
و (وقال له رجل من أهل الأندلس أراد أن يلحق بالمصيصة والثغور , وله ولد وأهل بالأندلس: أترى له في ذلك سعة؟ قال: نعم.
قال: أيخشى عليهم الضيعة؟ قال: نعم , فكأنه لم يعجبه ذلك).
ومن كتاب ابن سحنون: وأجاز مالك لمن عليه دين ولا وفاء عنده أن يغزو.
قال سحنون: ومن له أبوان أو أحدهما باق فلا يغزو إلا بإذنه , وإن كانا مشركين , وقال سفيان.
قال سحنون: وأما الجد والجدة فبرهما واجب , ولا يلحقان في هذا بالأبوين , وأحب إلي أن يرفق بهما حتى يأذنا له.
فإن أبيا , فله أن يخرج.
والعم والعمة من ذلك , ولا شيء عليه فيهما.
وقال سفيان في الجدة المسلمة: لا يغزو إلا بإذنهما.
قال الأوزاعي وسحنون: إن لم يأذن له أبواه المشركان فليطعهما , إلا أن يعلم أن منعهما له لا لحاجتهما إليه , لكن ليوهن الإسلام ولا يعين على النصارى فليخرج وإن كرها.
قال سحنون: ولا يسع الأبوان منع ولدهما من الغزو.
ولو أثما بذلك لوسعه ترك إذنهما.
ومنع الجدة ضعيف , فإذا أذن له أبواه لم ينظر إليها.
وإن أراد أن يخرج إلى حج الفريضة فليرفق بهما حتى يأذنا له , فإن لم يفعلا فله أن يخرج.
وأما السفر للتجارة ,
فلا إلا بإذنهما.
[3/ 23]
ويكره التجارة إلى العدو وإن كان مأمونا لا يحفر فيه عهد , فكيف إن لم يأذن له أبواه؟ وقد كتبت في كتاب الحج قول مالك في شيخ زمن كره خروج ابنه إلى السفر , فقال مالك: إن كان رجلا وكان رشيدا فله أن يخرج وقيل لسحنون فيمن ليس له أبوان وله زوجة وإخوة وأخوات وأعمام وعمات وأخوال وخالات: هل يغزو بغير إذنهم؟ فقال: إن لم يخف ضيعتهم أو كان غيره القائم بهم أو هم عنه في غنى فليخرج وإن كرهوا.
وإن خاف أن يضيعوا وهو القائم بشأنهم , فالمقام عليهم أفضل.
فإن لم يكن بيده مال يقوم به عليهم ولا في مقامه منفعة لهم فلا بأس أن يخرج.
وكذلك إن كان له مال وترك لهم كفاية.
وإن كان إنما يعود عليهم بفضل يده فالمقام عليهم أفضل.
قال: والزوجة ومن يلزمه الإنفاق عليه من ولده , فله أن يخرج إن ترك لهم النفقة.
وإن كان إنما يعود بعمل يده , فلا يقضى عليه بالمقام ولكن يؤمر بذلك لأنه ليس على الفقير أن يؤاجر نفسه وينفق.
وهذا كله في الجهاد.
وأما في النفير وما يدهم من العدو فليخرج بغير إذن أبويه ولا يطعهما , وهذا فرض , وإنما يطيعهما في النافلة.
ويخرج في النفير العبيد بغير إذن السادة وإن نهوا , والنساء إن قوين , ومن أطاق القتال من الصبيان وإن كره الأبوان.
وعن مليء فرط في الحج حتى ذهب ماله إن له أن يغزو ولا ينتظر أن يكسب ما يحج به.
وعن فقير أفاد مالا فيه ما يحج به هل يغزو قبل أن يحج؟ قال: إن كان يرجع قبل إبانه فعل , وإلا فلقم حتى يحج.
وكذلك لو كان مليا ففرط في الحج حتى افتقر ثم أفاد مالا على ما ذكرنا.
ولو طلب تأخيره العام ليغزو فلا يفعل وليبدأ بالحج , تقدم له تفريط وملا أو لم يتقدم.
قال سحنون: لا يغزو المكائب إلا بإذن سيده.
فإن أذن له فشهد القتال ثم مات وترك وفاء وله ولد في الكتابة فلا يسهم للمكائب في المغنم.
[3/ 24]
في الجهاد مع من لا يرضى من الولاة
من كتاب ابن سحنون: روى ابن وهب أن جابر بن عبد الله قال: قاتل أهل الضلالة , وعلى الإمام ما حمل وعليك ما حملت.
وقيل لابن عباس: أغزو مع إمام لا يريد إلا الدنيا؟ قال: قاتل أنت على حظك من الآخرة.
قال نافع: ولم يكره ابن عمر الغزو معهم وكان يغزي بنيه.
وفي حديث آخر: ويبعث بالمال ويعين الغزاة.
قال: وإنما تخلف لوصايا عمر ولصبية وضيعة كبيرة لا يصلحها إلا التعاهد.
وقال الحسن: اغز معهم ما لم ترهم عهدوا ثم غدروا.
ولم ير السلف بالغزو مع ولاة الجور بأسا.
وقاله أبو أيوب وعبد الرحمان بن يزيد والنخعي ومجاهد والحسن وابن سيرين وطاوس وسالم بن عبد الله وأبو حذيفة وعمارة بن عمير , وقال مالك وقال: في ترك ذلك ضرر وجزأة لأهل الكفر.
قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالغزو معهم وإن لم يضعوا الخمس موضعه وإن لم يوفوا بعهد , وإن عملوا ما عملوا.
ولو ترك ذلك لا ستبيح حريم المسلمين ولعلا أهل الشرك.
وقاله الصحابة حين أدركوا من الظلم , فكلهم قال: أغز معهم على حظك من الآخرة , ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة أو غلول.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل.
وقال ابن عمر: اغز مع ائمة الجور وليس عليك مما أحدثوا شيء.
وغزا أبو أيوب النصاري مع يزيد ابن معاوية أن كان توقف , ثم ندم على توقفه.
[3/ 25]
فى الغزو بغير إذن الإمام وهل يسري أحد أو يقاتل أو يبارز بغير إذنه ومن يصلح في الإمارة في الحرب وطاعته
من كتاب ابن سحنون: واختلف في قول الله سبحانه: (يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) , فقال أبو هريرة: أمراء السرايا , ورواه ابن وهب.
وقال جابر بن عبد الله: هم أهل الفقه والدين.
قال بعض العلماء: وطاعة هاتين الطبقتين واجبة.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوما أصحابه عن القتال وهم مستقبلو العدو , فقاتل رجل فقتل , فأمر النبي عليه السلام من ينادي: لا تحل الجنة لعاص.
وقال عليه السلام: وإن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا.
وفي حديث آخر: إلا أن يأمروا بمعصية , فلا سمع فيها ولا طاعة.
قال سحنون: وليؤمر الإمام على السرية أميرا يتقدمون بأمره ويتأخرون , ويكون من ذوي المراس في الحرب والحنكة , ويستظهر بأهل الرأى ممن معه.
ومن كتاب ابن المواز , قلت: أيغزى بغير إذن الإمام؟ قال أما الجيوش والجمع فلا خروج لهم إلا بإذن الإمام وتوليته عليهم واليا.
وقد أرخص لأهل الثغور ممن بقرب العدو يجدون الفرصة ويبعد عليهم إذن الإمام , فسهل مالك في ذلك.
فأما في سرية تخرج من عسكر فلا يجوز لهم ذلك.
قال عبد الملك: وهم عاصون خرجوا ببدعة ورغبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده , ولا أرى أن ينفلوا ولا ينفل إلا من أطاعه ويستألفه على حسن فعله , وليؤدبهم بما يرى.
قال محمد: وإنما أبيح ذلك لمن بعد عن الإمام مثل اليوم ويجد الفرصة.
[3/ 26]
قال أصبغ عن ابن القاسم في ناس في ثغر يخرجون سراياهم لغزة يطمعون بها وإمامهم على أيام: فإن كانت الغرة بينة من العدو ولم يخافوا أن يلقوا بأنفسهم فيحاط بهم فلا بأس به.
فإن خافوا أن يطلبوا فيدركوا ولا قوة بهم في من يطلبهم , فلا أرى ذلك لهم.
قال عنه أبو زيد في قوم سكنوا بقرب العدو فيخرجون إليهم بغير إذن الإمام فيغيرون: فإن كانوا يطمعون بالفرصة وخشوا إن طلبوا ذلك من إمامهم منعهم أو يبعد إذنه لهم حتى يفوتهم ما رجوا , فذلك واسع وإن كنت أحب أن لو كان بإذن الإمام.
وكذلك في العتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم.
قال سحنون عن ابن نافع عن مالك , وهو في العتبية من سماع أشهب في العدو ينزل بساحل المسلمين: أيقاتلون بغير إذن الإمام؟ قال: إن قرب منهم استأذنوه , وإن بعد فليقاتلوهم ولا يتركوهم حتى ينفر إليهم.
قال ابن حبيب: وسمعت أهل العلم يقولون: وإذا نهى الإمام عن القتال لأمر فيه مصلحة فلا يحل لأحد ان يقاتل إلا أن يغشاهم العدو ويدهمهم منهم قوة فلا بأس بقتالهم إذنه.
ومن العتبية من سماع ابن القاسم , وعن السرية تخرج مغيرة في أرض العدو وهم إذا ماتت دابة أحدهم لم يقفوا عليه ولم يرجعوا وتركوه وحده في أرض الروم فإن ظفر به الروم أسروه , قال: لا يعجبني أن يخرج معهم وهم هكذا.
وروى عنه أشهب في الجيش بأرض العدو فاحتاج بعضهم إلى العلف , فخرج جماعة إلى قرية للعلف , فربما بعضهم أو أسر , قال:
[3/ 27]
لا ينبغي أن يخرجوا إلا في كثرة ومنعة , وما جاؤوا به فلا ينبغي أن يبيعوه.
قيل: فإنا نتعلف ولا نستأذن الإمام؟ قال: لو كان بإذنه كان أحب إلى إن استطعتم , ولكن الناس أكثر من ذلك.
ولكن إن خرجتم ففي كثرة وعدة.
قال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب , قيل: أيبارز أحد العدو بغير إذن الإمام؟ قال: إن كان عدلا فلا يفعله إلا بإذنه كالقتال.
ومن كتاب ابن سحنون: ذكر حديث معاذ: الغزو غزوان , وذكر غيه: ويجتنب فيه الفساد ويطاع فيه ذو الأمر ألا فكل شيء منه أجر تام.
قال سحنون: ويجب أن يطيعوا أميرهم فيما يأمرهم به وينهاهم عنه , ولا ينازعوه لقول الله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا).
فإذا أمرهم بأمر لا يدرون عاقبته فليطيعوا.
وقد أمر عمرو بن العاص الجيش الذين معه ألا يقدوا ناراً في ليلة باردة.
فلما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك , فقال عمرو: كان في أصحابي قلة , فكرهت أن يراهم العدو , فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا أمرهم بأمر يخاف فيه الهلكة واجتمعوا على أنه خطا , فهذا الذي لهم أن يسألوه عنه ويناظروه فيه.
فإما أن يظهر لهم صوابه فيرجعون أو يتبين له الزلل فيرجع , ولا يلزمهم طاعته في هذا.
وقد رجع الصحابة إلى الصديق في قتال أهل الردة وانفاذ جيش أسامة.
فإذا اختلفوا فرأى بعضهم رأي الأمير فليرجع إليه من خالفه , وليتهم رأيه حتى يأتي الأمر البين.
والإمارة في الحرب غير الإمارة في غيره , وإنما يقدم فيها العالم بها ذو الحنكة والتجربة مع الفضل , وقد يقدم فيها الدون في الفضل على الفاضل لما عنده من فضل العلم بالحرب.
[3/ 28]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأقدم الرجل وغيره أحب إلي منه , ولكن لعله أيقظ عينا وأسهر سهراً ومكيدة.
قال سحنون: وإذا كان في الرجل الفضل والعلم بالحرب , فليقدم ولا ينظر في نسبه عربي أو مولى.
وإذا نادى منادي الأمير: يكون فلان وجنده فيالميمنة وفلان وجنده في الميسرة وفلان في المقدمة وفلان في الساقة , فلا يتعدى أمره.
ومن خالف ذلك من غير عذر فللإمام أن يؤدبه إذا رأى ذلك.
وعلى الإمام حياطة الناس في خروجهم في المتعلقة يكونون ردءاً لهم , ولا يخرجوا إلا بإذن , ولا يركبوا الخطر , وأن يشتروا العلف خير من ذلك , والمشتري فيه أعذر من البائع.
وإذا نادى منادي الإمام: من أراد العلف فليخرج تحت لواء فلان , فلا ينبغي أن يتعدوا ذلك ولا يفارقوا اللواء إلا مفارقة قريبة لا يغيب بعضهم عن بعض , وليحذروا عند دخول القرى فلا يدخلها إلا الجماعة.
وإذا نهى عن قطع الشجر والحرق والهدم , فإن كان مذهب ذهب إليه فليس عليهم طاعته في ذلك إلا فيما يرجى ظهورنا عليه.
وإن كان ذلك لئلا يشتغلوا عن مناصبة العدو فليطيعوه.
وإذا نهى عن القتال فليقطع.
وإذا بعث سرية وقال: لا يخرج إلا ثلثمائة , فلا ينبغي أن يتجاوز ذلك , فإن خرج أكثر من ذلك وغنموا فللإمام منع الذين تعدوا من سهامهم أدباً لهم , وله ألا يمنعهم.
ولو نفل السرية الربع بعد الخمس , فهذا النفل عندنا لا يصلح.
فإن عقده وخرجوا عليه فلينفذه كقضية قضى بها قاض بقول بعض العلماء.
وفي باب السرايا ذكر خروج السرية بغير إذن الإمام , وكيف إن غنموا , وللمبارزة باب.
[3/ 29]
في سيرة الإمام في الغزو وما ينبغي في سفره من القول والعمل
والسيرة في أرض العدو وأدب الإمام ووصيته في الغزو ومسيرة ورفقه بالناس وذكر ما وقف من دوابهم
من كتاب ابن حبيب: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج في سفره يوم الخميس باكراً ويرجع يوم الإثنين باكراً , فيبدأ فيصلي في المسجد ركعتين , ثم يحدث أصحابه ساعة , ثم يدخل.
وروي أنه كان يصلي ركعتين قبل أن يخرج.
وكان عليه السلام يبعث السرايا أول النهار.
قال ابن مسعود: ومن خرج إلى سفر فليأت إخوانه يسلم عليهم.
فإذا قدم فليأتوه.
وروي للنبي صلى الله عليه وسلم نحوه في المسير يرتجي بدعائهم خيراً.
وكان عليه السلام إذا استوى على بعيره يريد سفراً , كبر ثلاثاً وقال: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " , اللهم يسر لنا في سفرنا هذا التقوى , ومن العمل ما ترضى , اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر واطو لنا بعيده , اللهم أنت الصاحب في السفر والخليف في الأهل.
ثم ذكرنا في حديث الموطأ: وإذا رجع , قال: آئبون تائبون , إلى آخر الحديث المعروف.
وذكر ما روي من القول والدعاء والتعويذ عند دخول قرية وعند النزول في ليل أو نهار.
وذكر ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً أو سرية , فمن ما روي أنه كان يوصيهم به: اغزوا بسم الله وعلى عون الله , فامضوا بتأييد الله بالنصر ولزوم الحق والصبر , فقاتلوا في سبيل الله , ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين , ولا تجبنوا عن اللقاء ولا تمثلوا عند الغدرة ولا تسرفوا عن الظهور ولا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً ولا تغلوا عند الغنائم , ونزهوا الجهاد عن عرض الدنيا , وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به الله , وذلك هو الفوز العظيم.
[3/ 30]
وهكذا في رواية ابن وهب من كتاب ابن سحنون.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الصحابة أربعة وخير الطلائع أربعون وخيرالسرايا أربع وخيرالجيوش أربعة آلاف , ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة إلا باختلاف كلمتهم.
ونهى عليه السلام عن الوحدة في السفر وغيره.
وقال في الإبل: احملوها على بلادكم من السير , فإنما يحمل الله , يريد: شدة السير.
وكان ابن المنكدر شديد السير.
وسار ابن عمر من المدينة إلى مكة في ثلاث وابن مسعود منها إلى العراق في سبع وابن الزبير من إفريقية في شهر , يريد ابن حبيب: وليس هذا في سير الجيوش , ولكن على ما هو أرفق بالناس وبقدر الحال الحاضر
قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنجوا عليها بنقيها , وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار.
وقال: إذا سرتم في الخصب فأمكنوا الدواب من أسنانها ولا تجاوزوا المنازل , وإن سرتم في الجدب فعليكم بالدلج وإذا توغلت لكم الغيلان فنادوا بالأذان , وإياكم والتعريس على جواز الطريق والصلاة عليها.
وإذا ضل أحدكم أو أخطأ فليتيامن , وإذا أيى فليهرول.
وارتووا من الماء وأقلوا المكث في المنازل.
قال مالك: وكان من شأن الناس أن يقتادوا بعد الصبح إلى الإسفار وينزلوا من آخرالنهار فيقيموا حتى يناموا نومة إلى ثلث الليل وترعى دوابهم ثم يركبوا.
قال: وكانوا يروحون عند الفياح وذلك عند زوال الشمس.
[3/ 31]
ومن العتبية من سماع ابن القاسم: وينبغي لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه , وأن يكون في وسطهم , ويبعث سراياه , وألا يقطع الناس.
وقال أيضاً مالك فيه وفي الواضحة: وينبغي أن يكون الإمام في آخرهم حتى يتقدم الضعيف ويلحق المنقطع به.
وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك وكذلك ينبغي , ويرفق بهم ولا يعجلهم.
قال في كتاب ابن حبيب: وأوصى عمر بن عبد العزيز صاحب الصائفة أن يركب أضعف دوابه فيالجيش يضبط سيرها , وروي أن أقطف القوم دابة أميرهم.
وينبغي للناس أن يرفق قويهم على ضعيفهم ويتفقد ذلك الإمام.
وكان عمر يقول: أيها الناس اعملوا عملاً صالحاً قبل القتال , فإنكم إنما تقاتلون بأعمالكم.
ومن كتاب ابن سحنون , قال سحنون: وينبغي للإمام أن يوكل بالساقة رجالاً في دخوله دار الحرب وفي خروجه يلحقون بمن تخلف ويقفون على الضعيف.
ومن معه دابة لا فضل فيها أمروه بتركها واللحوق بالناس.
فإن أبى فلينزعوها منه ويتركوها ويلحقوه بالناس ولا ضمان عليهم فيها , ولا فرق بين أن يزال عن دابته أو تزال دابته عنه , كما قال من خالفنا: وإذا خافوا على ربها ولا فضل فيها فلهم أن يذبحوها ولا يضمنوها.
ومن معه رمك أو بقر أو غنم اشتراها من المغنم فلم يقدر أن يلحق بالناس , فعلى أصحاب الساقة قتل ذلك كله إن خافوا على الرجل.
وإن تركوها وألحقوا ربها بالناس ثم مرت بها سرية لحقوا العسكر بعد ذلك بساعة أو يوم أو يومين , فقام ربها , فإن كان بقي خلف ربها بقية من المسلمين فليس لأهل الساقة أن يحولوا بينهم وبينها , فإن فعلوا فهم
[3/ 32]
ضامنون لما قتلوا أو هلك منها.
وإن فعلوا ذلك ولم يعلموا من خلفهم أو خلفهم سرية لم يعلموا بها لم يضمنوا ما قتلوا أو هلك منها.
وإن جاء بها هؤلاء فاربابها أحق بها ويؤدون إليهم ما أنفقوا عليها وإلا أسلموها إليهم.
ولو أنفقوا عليها وهم يظنون أنها للعدو غنيمة , فلا رجوع لهم بالنفقة على أربابها , كما لو غنموا عبيداً من أيدي العدو للمسلمين فلأربابها أخذها بغير نفقة.
ولو قسمت أخذوها بالثمن , فلا نفقة لأنهم أنفقوا على أموالهم.
وقال أكثر أصحابنا: من وقفت عليه دابته فتركها فأنفق عليها رجل , فلربها أخذها منه ويغرم له النفقة إلا أن يسلمها بالنفقة , والقول قوله فيما أنفق مما يشبه.
فإن اختلفا في المدة فقال المنفق من وقت كذا وقال ربها من وقت كذا أو قال لا أدري وفالمنفق مدعٍ , فإن جاء بالبينة وإلا فلا شيء له إلا ما أقر به ربها.
وقال ابن كنانة: إنما يغرم النفقة إن كانت يسيرة , فإذا عظمت فلا يلزمه , لأنه لم يكن له أن يحبسها حتى يذهب في نفقتها.
وقال بعض أصحابنا في المنفق على الضالة إن كان ممن يطلب الضوال فله جعل مثله , ولا نفقة له إلا أن يكون جعله أكثر من قيمتها فلربها إسلامها بذلك الجعل أو غرمه.
وإن كان مثله لا يطلب الإباق فئة النفقة , ولا جعل له إلا أن يسلمها ربها بالنفقة فذلك له.
وكذلك الوديعة ينفق عليها.
في الغزو بالمصاحف والنساء والاستعانة بالكفار
من كتاب ابن حبيب: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
وقال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو.
قال ابن حبيب: لما يخشى من تعنتهم واستهزائهم به وتصغير ما عظم الله منه.
[3/ 33]
ومن كتاب ان حبيب وكتاب ابن المواز , قال ابن المواز: قال ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى السلطان أن يبعث إلية مصحفاً يتدبره أو يدعو إلية فلا ينبغى أن يفعل , وليس هذا وجه الدعوة , وهم أنجاس وأهل ظنة وبعض للإسلام وأهله.
قال ابن سحنون قلت لسحنون: أجاز بعض العراقيين الغزو بالمصاحف إلى أرض العدو في الجيش الكبير كالصائفة ونحوها.
فأما السرية ونحوها فلا.
قال سحنون: لا يجوز ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك عاماً , ولم يفصل , وقد يناله العدو من ناحية الغفلة عنه.
قال ابن الماجشون: لا يتعرض بما يكون سبباً لاستخفافهم به.
قال: وإذا طلبك ذمي أو حربي أن تعلمه القرآن فلا تفعل لأنه خبيث , وإنما المشركون نجس.
ولا بأس أن يقرأ القرآن على الكفار ويحتج عليهم به كما قال الله عز وجل.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون عن ابن وهب , قال مالك: ليس على النساء جهاد.
قال سحنون: ولا نفير.
ومن الواضحة نحوه.
قال ابن عباس: وعزا النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء يداوين الجرحى ويمرضن المرضى.
قال في الواضحة: ويسقين الماء.
قال ابن عباس وغيره: ولم يسهم للمرأة.
قال ابن شهاب: لم يبلغنا أنه أسهم لامرأة ولا لعبد , ولا أن النساء قاتلن معه.
قال سحنون: وقد قاتل نساء يوم اليرموك لما هجم الروم على العسكر.
قال سحنون: وهم ثلاثون ألفا والروم مائة ألف وعشرون ألفا.
قال: وكانت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.
قال سحنون: وكانت أم سليم معه يوم حنين.
ومن الكتابين: وأجاز مالك أن يخرجن في الصوائف والعساكر العظام , وأجاز أن يخرج الرجل بأهله إلى الرباط.
[3/ 34]
قال سحنون: إلى المواضع المأمونة الكثيرة كالإسكندرية وتونس , وشك في سفاقس وسوسة.
وأما غير هذين من سواحلنا فلا يخرج بهن إليها.
وأجاز ابن القاسم الغزو بهن في العساكر المأمونة الكثيرة الأهل.
وأجاز ذلك الأوزاعي في الجواري ونهى عنه في الحرائر , ولا فرق بين ذلك.
قال مالك: ولا يعجبني أن يغزو بأم ولده , وأجاز مالك السكنى بالأهل والولد في الثغور المأمونة مثل ثغور الشام ومصر.
ورب ثغر فيه ألف رجل وليس بمأمون ورب سواحل موطأة مثلالاسكندرية وشبهها , فهذه مأمونة.
قال ابن حبيب: ويكره للإمام أن يكون معه أحد من المشركين أو يستعين ببعضهم على بعض.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لن أستعين بمشرك.
قال ابن حبيب: وهذا في الزحف والصف وشبهه , فأما في هدم حصن أو رمي مجانيق أو صنعه أو خدمه فلا باس.
ولا باس أن يقوم بمن سالمه من الحربيين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه , ويأمرهم بنكايتهم.
ولا بأس أن يكون من سالمه منهم بحذاء عسكره وقربه ومسايرين له يقوون بظلمه على من حاربه منهم ما لم يكونوا في داخل عسكره.
في السرايا والألوية والرايات والعمائم وفي خروج السرية بغير إذن الإمام
من كتاب ابن سحنون: قال ابن شهاب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير الجيوش أربعة الأف وخير السرايا أربع مائة , والحديث بتمامه في باب سيرة الإمام.
ومن العتبية: روى أشهب عن مالك قيل له: إنه يقال خير السرايا أربعمائة , قال: قد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة على سرية فيها ثلاثمائة , وربما بعث الرجل الواحد والرجلين سرية.
[3/ 35]
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون: وليس في السرية توقيت لا يتعدى , وإنما ذلك على اجتهاد الوالي بقدر ما يرى من شدة الخوف وكثرة العدو وقلة ذلك , فيقابل ذلك بما يراه على حياطة المسلمين.
ومن العتبية: روى أصبغ عن ابن القاسم قال: لا بأس ببعث السرايا وانتشارها سراً وعلانيةً , وهي من أمر الجهاد قديماً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرد على المسلمين أقصاهم.
ولا أرى أن يكون إلا كتبية وذوي شجاعة وإن قلوا.
ورب رجلين خير من مائة ما لم يبعثوا القلة على الحصون وشبهها , ولا ينبغي أن تكون السرية غرراً ولا إلى موضع غرر وغرة , فإن وهنها وهن العسكر.
ومن كتاب ابن سحنون , قال سحنون: وأصحابنا يرون في سرية تخرج في قلة وغرر بغير إذن الإمام فغنموا: فللإمام منعهم العنيمة أدباً لهم.
قال سحنون: فأما جماعة لا يخاف عليهم فلا يحرمهم العنيمة وإن لم يسأتذنوه , يريد ك وقد أخطأوا.
قال ابن القاسم عن مالك في القوم يأتون المصيصة فيجدون الوالي قد أخرج سرية فيدعون دخول القرية لئلا يمنعهم الخروج معهم فيلحقون بهم , فلا بأس بذلك إن شاء الله إن لم يخالفوا على أنفسهم ضيعة.
قال سحنون: فلذلك قلت في أولئك لا يمنعوا الغنيمة.
قال ابن الماجشون في سرية خرجت بغير إذن الإمام: فإن أمنت حصناً على مال أو على غير مال خوفاً على أنفسهم , فإن كان غلب عليهم الشرك فلم يخلوهم حتى أعطوهم الأمان فذلك باطل.
وإن كان على ذلك طلباً للمال فلا يفجأهم الإمام بشيء حتى ينذرهم أنه لم يجز أمان أولئك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أعز هذا الدين بالعمائم والألوية.
قال يزيد بن أبي حبيب أول من عقد اللواء الأبيض معاوية , وكانت الرايات سوداء.
[3/ 36]
قال يحيى بن سعيد: أول من عقد الأولوية إبراهيم عليه السلام.
قال زهير: وكان لواؤه أبيض.
واعتم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب بعمامة سوداء قد أسدلها بين كتفيه على قطيفة حمراء.
وروى ابن حبيب أنه عمم علياً وأسدلها بين كتفيه.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: والعمائم من لباس العرب.
قال ربيعة: وهي تزيد في العقل , وكان من أدركت يلبسونها , وكان الإمام يخطب بها في الشتاء والصيف.
قال مالك: ولم أتركها إلا منذ ولي بنو هاشم , فتركتها خوفا من خلافهم لأنهم لا يلبسونها.
وكان من أدركت لا يرخي بين كتفيه منها شيئاً ولكن بين يديه يسدل منها , ولا أكره إسدالها من خلف لأنه غير جائز إلا أن هذا أجمل.
قال غيره: وقد أسدل ابن عمر بين كتفيه بعمامة سوداء.
وكانت عمامة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح سوداء.
قال ابن شهاب: أول راية عقدت على الحق يوم خيبر.
وعقد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص لواء في غزوة ذات السلاسل.
قال الحسن: كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم سوداء تسمى العقاب.
قال غيره: وكانت راية خالد يوم دمشق سوادء.
قال ابن القاسم في العتبية: ولا بأس أن يتخذ راية من حرير.
ومن كتاب ابن حبيب: روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أكرم هذه الأمة بالألوية والعمائم , وكان علية السلام يعقد الألوية يوم الخميس.
وإن جبريل أتاه في بعض المغازي وعليه عمامة سوداء قد أسدلها بين كتفيه , وقيل: حمراء.
وفي الباب الذي يلي هذا شيء من ذكر العمائم.
[3/ 37]
في اتخاذ السلاح والعدة ورباط الخيل والنفقة عليها
وذكر الفروسية والرماية والعوم وزي العرب
من كتاب ابن حبيب: قال ابن عباس في قول الله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل): فالقوة: السلاح كله والعدة في سبيل الله , ومن القوة تعلم الرمي.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا إن من القوة الرمي , قالها مرتين.
قال أبو معاوية الضرير: ومن القوة اتخاذ الحجور.
قال عكرمة: القوة الحصون ورباط الخيل الإناث.
قال عمر: ومن السلاح توفير الأظفار في الغزو.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من تقلد سيفاً في سبيل الله , البسه الله وشاح الكرامة , وكان يأمر بالقوس العربية ويكره الفارسية , وأمر بالعمة وعمم عليا بعمامة سواء أسدل منها بين كتفيه , وقد بعثه في سرية وقال: من أعد عدة في سبيل الله كانت له في زمانه كل غداة.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: قال مالك: لا بأس أن يحمل الرجل رمحه وسلاحه في الغزو ومعه من يحمله له من غلام وغيره.
وقيل: أفيحمله غلامه؟ قال: لا بأس به , ولعل ذلك يكون خيراً له إن احتاج إلى القتال ألا يتعب نفسه , فذلك حسن أن يحمله غلامه.
ومن كتاب ابن حبيب , قال: وكان في درع النبي صلى الله عليه وسلم حلقتان عند الثندوة ومثلها في ظهره.
قال محمد بن علي: لبستها فحطت في الأرض , وكان له مغفر وترس.
[3/ 38]
ومن كتاب اخر: وكان لعلي رضى الله عنه درع وهو الذي أصدق فاطمة.
وكان درع عمر تامة وكان لها ساقان كساقي السراويل , وما بينهما مرفوع مفتوح يلبس منه , ثم يربط بشراكين فيصير كمقعدة السراويل , وكان له مغفر من نحوها.
وكانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم فضة وفي وسطه حلقة من فضة وفي جفنه حلقتان من فضة , واتخذ عمر مثله , وزاد فيه ابن عمر بعده بكرات فضة , وكان عريضا فيه قصر طوله أربعة أشبار من نعله إلى قبعته.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه أن يكون الرجل سابحاً راميا فارساً وكتب عمر إلى أهل حمص: علموا أولادكم السباحة والرماية والفروسية والاختفاء بين الأغراض.
وقال: أختفوا وتجردوا واخشوشنوا وتمعددوا واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوا وارموا الأغراض , وإياكم ولباس العجم , البسوا الأزر والأردية والقوا السراويلات واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم فإنها سامات العرب واطرحوا الخفاف والبسوا النعال.
قال أسلم مولى عمر: ورأيت عمر يمسك بأذن فرسه ثم ينزو عليه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا في ثلاث: تأدييه فرسه ورميه عن كبد قوسه وملاعبته امراته فإنهن حق.
وقال: من ترك الرمي بعد أن تعلمه فقد عصاني.
وروي أنه عليه السلام قال: لهوان تحضرهما الملائكة الرمي واستباق الخيل.
وقال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.
وقال: ارتبطوها , فإن بطونها لكم وظهورها لكم عز , وأصحابها معانون عليها , قلدوها ولا تقلدوا الأوتار.
قال ابن حبيب: يعني: الدماء والفساد , ونهى عن جز نواصيها وأعرافها وأذنابها.
وقال: مثل الذي يربط فرساً كمثل
[3/ 39]
الصائم نهاره القائم ليله الباسط بالصدقة كفه فلا يقبضها.
والفضل في رباط الخيل والتراغيب فيها في النفقة عليها كثير جدا.
وكثير مما ذكر ابن حبيب من هذا مثله في كتاب ابن سحنون.
وكره عليه السلام خصاء الخيل , وشدد الكراهية فيه ونهى عن ذلك.
وقال في الخيل: خضرها صلبها.
وكمتها ديباجها , وشقرها جيادها , وبارك في الشقر ثلاثاً , وروي عنه أنه قال: خير الخيل الحر.
وكان يكره منها الشكال , وهو الذي برجله اليمنى بياض وبيده اليسري بياض أو في يده اليمنى ورجله اليسري , ونهى عليه السلام عن إنزاء الحمير على الخيل , ونهى عنه عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
في الدعوة قبل القتال
من كتاب ابن سحنون وكتاب ابن المواز: روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما لم يعز عليهم حتى يصبح , وأمر علياً , بالدعوة ثلاثاً , وفعله علي رضى الله عنه.
وقال نافع: إنما كان هذا قبل ظهور الإسلام.
قال ابن المواز: يقول: قبل أن يفشو وينتشر.
قالوا: وقد أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني مصطلق , وهم غارون , وبعث في قتل ابن أبي الحقيق وابن الأشرف وصاحب بني لحيان غيلة , واحتج بذلك يحى بن سعيد وقال: لا بأس أن تبتغي غرتهم إلا من ترجى إجابته من أهل الحصون , فليدعوا , وقاله عمر بن عبد العزيز.
وقال ربيعة: من لم تبلغهم الدعوة , فليدعوا ويقرا عليهم القرآن ويعرض عليهم الإسلام
[3/ 40]
ويضرب لهم الأمثال والعبر.
وإن آبوا جاز آلتماس غرتهم , ثم تصير الدعوة تحذيرا لهم.
وقال النخعي في العدو: قد علموا ما يدعون إليه , وقاله الحسن.
وقال أبو عثمان النهدي: كنا ندعو أو ندع.
وقال ابن عباس: إذا لقيتم العدو فآدعوهم.
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب: الدعوة لأهل الكفر حسنة , وقاله عبد الملك.
قال ابن المواز: وإنما الدعوة في من بعد عنهم خبر الإسلام.
وقد قال مالك في أهل الكنيسة ومن دنا منهم من المصيصة والثغور: إن الدعوة فيهم ساقطة.
قال عبد الملك: دعوة هؤلاء تحذير لهم وتحريض لأن يستعدوا.
وأما من لم يكن مثلهم فالدعوة أحوط.
ولعل الإجابة ستكون , فليدعوا بلغت الدعوة ما بلغت.
قيل لسحنون: أتجب الدعوة اليوم في من بعدت داره أو قربت؟ قال: قد قال من ذكرنا: إن الدعوة اليوم قد بلغت جميع الأمم.
قيل لأصبغ في العتبية وغيرها: أرأيت من دعي إلى الإسلام أو الجزية , فأبوا فقوتلوا على هذا مراراً , أيدعون كلما غزوناهم؟ قال: أما الجيوش الغالبة والصوائف , فلا يقاتلوا إلا بدعوة لأنهم ظاهرون.
وأما السرايا فلا دعوة عليهم , ودعوتهم إنذار العدو.
وهم مع الإختلاف في الدعوة , وقد قال جل الناس: إن الدعوة بلغت جميع العالم.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا يقاتلوا حتى يدعوا لأنهم يخيل إليهم وإلى كثير منا أنا نقاتلهم على الغلبة , فينبغي أن يبين , فإنما نقاتل على الدين.
ومن كتاب ابن سحنون , قال: ولم يفرق سحنون بين الجيوش والسرايا وقال: إن وجبت فعلى الجميع , وإن لم تجب سقطت في الوجهين.
قال ابن سحنون: اختلف في الدعوة على ثلاثة أوجه , فقيل: لا تلزم في كل أحد لبلوغ الدعوة , وقاله الحسن وغيره.
وقيل: الدعوة واجبة في كل أحد بعدت داره أو قربت ,وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره.
وقاله مالك وأكثر العلماء.
قال ابن
[3/ 41]
الماجشون عن مالك: لا دعوة فيمن قرب منا مثل المصيصة والكنيسة وطرسوس.
قال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما الدعوة اليوم في من لم يبلغه الإسلام ولا يعلم ما يقاتل عليه.
وأما من بلغه الإسلام وعلم ما يدعى إليه وحارب وحورب كالروم والإفرنج ومن دنا من أرض الإسلام وعرفه , فالدعوة فيهم ساقطة.
قال ابن حبيب: فليغر عليهم ويلتمس منهم الفرصة.
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى خالد بن يليم فأغتاله.
وكذلك فعل بابن الأشرف وابن أبي الحقيق.
ومن العتبية , وهو في كتاب ابن المواز وغيره: قال ابن القاسم عن مالك: وإذا أغار أهل المصيصة في أرض الروم فأتوا حصناً لهم , فأحب إلي ألا يغيروا حتى يدعوهم , قيل: قد بلغتهم الدعوة.
قال: وإن.
قال ابن سحنون: وقال أيضاً مالك: الدعوة أصوب إلا أن يعاجلوكم.
قال ابن القاسم: غزوناهم أو جاءونا.
وقد قال أيضاً مالك: لا يدعى من قرب من الدروب , وأما من بعد وخيف ألا يكونوا كهؤلاء فليدعوا.
قال سحنون: ولو أن أهل الحرب ممن يظن أن الدعوة قد بلغتهم قوتلوا بغير دعوة فغنموا وقتلوا , فذلك ماض وليس عليهم رده , وقد أساءوا.
[3/ 42]
ذكر ما يدعون إليه , وذكر من تقبل منه الجزية وكيف إن بذلوا مالأً على هدنة أو صلح وهل تقبل الجزية من العرب؟
من كتاب ابن حبيب: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يدعوا إلى الإسلام والصلوات الخمس وصوم الشهر وحج البيت والزكاة: فإن أجابوك وإلا فقاتلهم.
وأمر الصديق خالدا أن يقاتل من أبى واحدة من هذه الخمس منها الشهادة.
وقي حديث روي للنبي صلى الله عليه وسلم , ذكره ابن سحنون وابن حبيب , ومعنى ما فيه: وإن أجابوك إلى الإسلام فادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ولهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
فإن أبوا الإسلام وبذلوا الجزية , فكف عنهم وإلا فقاتلهم.
قال سحنون: أما الدعوة إلى الإسلام فهي قائمة.
قال ابن القاسم: يدعون إلى الله وإلى رسوله , فيسلمون أو يؤدون الجزية.
قال سحنون: كانوث أهل كتاب أو غيرهم من مجوس أو عبده أو ثان.
وأما ما ذكر في الحديث من التحول من دارهم إلى دار الهجرة فقد ذهب هذا بعد الفتح , ولكن إن كانوا الذين أسلموا فى القرب من سلطان الإسلام وحيث يأمنون أم يفتنهم الكفار عن دينهم فلا انتقال عليهم.
وإن بعدوا من سلطاننا بحيث لا يؤمن عليهم منهم وأن تجري عليهم أحكامهم فعليهم الانتقال , ولا تقبل الجزية من هؤلاء إن بذلوها ولم يسلموا حتى ينتقلوا إلى دار الإسلام.
وكذلك أمر الصديق رضى الله عنه يزيد ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة.
قال ابن سحنون: وإنما
[3/ 43]
كانت الدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وحده حتى أمره الله جل وعز بأخذ الجزية في غزوة تبوك من أهل الكتاب , قاله مجاهد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب , وأخذها من مجوس هجر ومجوس البحرين.
وأخذها عمر من مجوس السواد , وقيل من مجوس فارس.
وأخذها عثمان من البربر.
ومن كتاب آخر: وقال ابن شهاب: ومن لم يتعلق من العرب بدين فلا يقبل منه إلا الإسلام.
ومن تعلق منهم بدين قبلت منه الجزية لقول الله سبحانه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله).
قال ابن سحنون: قلت لسحنون: روي عن ابن وهب قال: إنما قائل النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً على الإسلام أو السيف.
فمن كان اليوم من العرب من تغلب وتنوخ وغيره لم يدخل في ملة فلا تقبل منهم جزية ويقائلون على الإسلام.
ومن هذا , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.
وكتب إلى هجر إلى عظيم غطفان المنذر بن ساوى يدعوهم إلى الإسلام وقال: من أبى فعليه الجزية.
فما فرق بين عربي وغيره , وكان فيهم مجوس وغيرهم.
وقال أشهب في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم , فأهل الكتابين بكتاب الله ومجوس بالسنة.
وقال ابن القاسم: يسترق العرب إن سبوا كالعجم , ولم يفرق بينهم , وأرى ابن وهب ذهب في هذا إلى مذهب اهل العراق.
ومن كتاب ابن المواز ذكر أصبغ أن ابن وهب قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قائل مشتركي قريش على الإسلام أو السيف , وكذلك سبيل تنوخ وتغلب وشبههم.
وإن دخلوا في دين اهل الكتابين قوتلوا على أن يسلموا أو يؤدوا الجزية.
قال ابن عباس: ومن دخل في ملة قوم فهو منهم.
وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من
[3/ 44]
مجوس هجر.
وأخذها عمر من مجوس السواد وعثمان من البربر.
ومن لم يدخل في ملة قوم لم يقبل منه غير الإسلام أو السيف , ولا تقبل منهم الجزية.
قال ابن حبيب: وإذا وجبت الدعوة فإنما يدعون إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع , إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم , قاله مطرف وابن الماجشون.
قال ابن حبيب: وإذا حاصرنا حصناً للروم فبذلوا لنا الجزية على الانصراف عنه , فإن كنا على رجاء من فتحه لم يجز قبول ذلك من غير تحريم للتربص والصبر على الإضرار بهم إن كان في الجيش قوة على ذلك.
قال: وإذا بذلوا الجزية قبلت منهم إن كانوا بموضع ينالهم سلطان الإسلام وحكمه , أو يكون المسلمون قد حازوا ما حولهم وخلفهم واحتووا عليه , فليقبلها منهم.
وإن لم يكونوا بهذه الصفة , وهم في بعد من سلطاننا وقرب من سلطاننا.
ويستحب إذا انتقلوا إلى دار الإسلام أن يخفف عنهم في شرطهم وجزيتهم لفراقهم أرضهم , فإن أبوا فالسيف.
ومن العتبية روى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: إن كانوا بموضع لا نصل نحن إليهم إلا بخوف شديد , فلا تقبل منهم الجزية إلا أن ينتقلوا , فإن أبوا قوتلوا.
وإن كانوا بموضع يقدر المسلمون على الإختلاف إليهم ولا يخافون على أنفسهم فلتقبل منهم الجزية.
ومن كتاب ابن سحنون: وقد كان هارون الخليفة صالح قوماً من الروم على ثلاثين ألفاً , فكره ذلك أصحابنا ورأوا أن الجزية صغار لهم إن كانوا حيث ينالهم سلطان.
قيل: فقد هادن النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة.
قال: نعم , وذلك جائز إذا لم يكن بالإمام قوة على العدو وخاف الوهن فله أن يهادن حتى يكون للمسلمين قوة.
وكان الإسلام قليلاً يوم صالح النبي صلى الله عليه وسلم والأرض كلها شرك.
[3/ 45]
وسأله أهل الأندلس فقالوا: أرأيت إن انقطعت عنا الجيوش وضيع أميرنا الجهاد وبعد منا , وعدونا قريب في قوة , هل لأمير الثغر أن يصالحهم على غير شيء يطرأ إذ لا طاقة لنا بهم؟ قال: نعم , فلا يبعد في المدة لما قد يحدث من قوة الإسلام.
في لقاء العدو ووقت قتالهم والبغتة للقتال والسكينة والذكر
وذكر الشعار ولباس الحرير وغيره في الحرب وتسويم الخيل
وفيمن قاتل للفخر , والنية في الجهاد , وطاعة الإمام
من كتاب ابن حبيب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله.
وفي حديث آخر: فإن صاحوا فعليكم بالصمت والسكينة " ولا تنازعوا فتفشلوا " , وإذا أتوكم فاثبتوا وأكثروا ذكر الله وعليكم بالأرض , وقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك , وإنما تغلبهم أنت فاهزمهم لنا.
فإذا غشوكم فقوموا وغضوا أبصاركم واحملوا على بركة الله
وكان النبي عليه السلام ينتهز إلى عدوه حين تزول الشمس , وكان يقول: اللهم منزل الكتاب , مجري السحاب , هازم الأحزاب , اهزمهم لنا وانصرنا عليهم وزلزل بهم.
قال سحنون في كتاب ابنه: ويكره رفع الصوت عند اللقاء بالجدال والمنازعة ويعد ذلك فشلاً , وأما إن كان تحريضاً لقلوب المسلمين ونفعاً لهم فلا بأس به.
قال قيس بن عباد: كره الصحابة رفع الصوت عند الجنازة وفي الصلاة وعند القتال.
قال الحسن ويكره عند قراءة القرآن.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالسكينة " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ".
[3/ 46]
قال ابن نافع عن مالك: لا بأس برفع الصوت بالتكبير في السواحل بحضرة العدو وبغير حضرتهم إلا أن يؤذى به القارىء والمصلي.
وقد تقدم هذا في باب الرباط.
قال سحنون: وتكره الخفة والطيش عند الفزع فيالعسكر , وينبغي التثبت والسكينة وترك العجلة حتى تتبين الأمور.
وروي نحوه للنبي صلى الله عليه وسلم: وإذا سمعت النداء في العسكر: السلاح السلاح , فالبس سلاحك ولا تذهب نحو الصوت ولكن إلى الإمام لتسمع أمره أو نهيه إلا أن تخاف العدو على الموضع الذي ضربوا فيه فاقصد الموضع.
فإن كان النداء ليلاً فامض إلى مضرب الإمام.
وإن نادى مناديه الصلاة جامعة فلا يتخلف أحد إلا من يحفظ الرحال , رجل أو اثنان في كل رحل.
وإن الزموا الساقة لزم ذلك كل امرىء إلا من ضعف.
قال سحنون.
والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه عند اللقاء حسن ومن فعل الماضين.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت , برحمتك أستغيث , فاكفني كل شيء ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
وروي بلفظ آخر.
ومن دعائه عليه السلام يوم الأحزاب: اللهم منزل الكتاب , ومجري السحاب , سريع الحساب , هازم الأحزاب , انصرنا عليهم وزلزل أقدامهم.
وروي أنه يقول عند اللقاء: اللهم أنت عضدي ونصيري , بك أحول وبك أصول وبك أقاتل.
وقال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له , أعز جنده , ونصر عبده , وغلب الأحزاب وحده , فلا شيء يغلبه.
ومن سماع ابن القاسم , قال ابن اقاسم: قلت لمالك: هل بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى قتال العدو بعد الزوال؟ قال: ما بلغني ذلك , وما كان قتال النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر إلا أول النهار حين خرجوا لما أصبح بمساحيهم ومكاتلهم , وما كان قتاله يوم أحد إلا أول النهار.
[3/ 47]
قال ابن حبيب: ولم يزل الشعار من أمر الناس.
قال ابن عباس: كان شعار يوم بدر: يا منصور , ويوم حنين: حم لا ينصرون , يريد: اللهم , وشعارهم حين انهزموا: يا أصحاب سورة البقرة , وكان ذلك تحضيضاً ليكروا فكروا.
قال سحنون في كتاب ابنه: والشعار من الأمر القديم , وينبغي أن يتخذ كل قوم شعاراً , فمن ضل منهم ناداهم بشعارهم.
قال مالك: كان شعار الصحابة يوم حنين: يا أصحاب سورة البقرة , قال غيره: وشعارهم يوم بيتتهم هوزان: أمت أمت.
وقال عليه السلام: إن لقيتم العدو , فشعاركم حم لا ينصرون.
قال ابن حبيب قالت عائشة: كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة من سيجان مكففة بديباج , يلبسها في الحرب.
قالت أسماء: وأعطى عليه السلام للزبير ساعدي ديباج كان يقاتل بهما.
ولم ير القاسم بن محمد بلباس الحرير في الحرب بأساً.
ولبسه أنس بن مالك في قتال فارس , ونحوه عن عروة وعطاء.
وقال ابن الماجشون: لا بأس بلبسه عند القتال , وأجازه مالك وغير واحد من صاحب وتابع , وذلك لإرهاب العدو ومباهاته.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك وهو في سماع أشهب: لا أحب لبس الحرير والذهب في الغزو , وما سمعت أن أحداً ممن يقتدى به لبس شيئاً من ذلك في الغزو , وقد كانت المغازي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن العتبية من سماع ابن القاسم: وعن رجال بالإسكندرية يتهيؤون يوم العيد بالسلاح ويلبسون عليها ثياباً حريراً يتباهون بها.
قال: ما يعجبني لبس الحرير.
قال ابن القاسم: لا بأس أن يتخذ منه راية في أرض العدو.
جهاد ومن كتاب ابن سحنون: ولا بأس باتخاذ التجافيف من جلود السباع
[3/ 48]
تعلق على الخيل للتهيب بها.
وإن كان فيها أجراس فلا بأس به.
قال ابن سحنون: ونهى عن ذلك الأوزاعي وخالفه سحنون واحتج بأن أبا دجانة لما عصب رأسه بعصابة حمراء وتبختر بين الصفين يوم أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن , فأجاز عليه السلام فيه ما لا يجوز في غيره.
وقال ابن حبيب: واستحب أهل العلم تسويم الخيل عند القتال لقول الله تعالى: (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين): يعني: معلمين في أذناب خيولهم ونواصيهم بالصوف , قاله مجاهد.
وقال غيره: وسيما الملائكة العمائم وسيما خيلهم الصوف الأبيض.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل وهو يريد وجه الله فذلك الشهيد.
قال عمر: من الناس من يقاتل للدنيا ومن يقاتل رياء ومن يقاتل إن دهمهم القتال لا يستطيع غيره , ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله فأولئك الشهداء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته.
وقال عليه السلام: شر ما في الرجل وشح هالع وجبن خالع.
واتجز النبي صلى الله عليه وسلم , وهو يقاتل:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
وكان الصديق سالا سيفه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يشرع القتل في المشتركين , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أغمد سيفك يا أبا بكر لا تفجعنا بنفسك.
[3/ 49]
في الفرار من الزحف والانحياز إلى فئة
ومن حصر فخاف الهلاك
ومن يلقي بنفسه من خوف النار إلى غرق أو قتل
قال ابن حبيب: اختلف في قول الله سبحانه: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعيفاً) , الآية.
فقيل: وهم الأكثر , يعني: ضعفاً في العدد لا في القوة ولا الجلد , فلا يحل أن يفر الرجل من رجلين ولا المائة من مائتين من العدو وإن كانوا أشد منهم سلاحاً وأظهر جلداً وقوة إلا أن يكونوا بأرض العدو وموضع مادتهم ولا مادة للمسلمين , فيخافون من استجاشة العدو عليهم فلهم حينئذ في الانحياز عنهم والتولية منهم سعة.
وقيل: إنما ذلك في القوة والجلد , فلو أن مائة مسلم لقوا ثلاثمائة أو خمسمائة ليسوا مثلهم في القوة والجلد , لم يجز لهم التولية عنهم , فإنما الضعف في القوة والجلد لا في العدد.
وهذا قول ابن الماجشون وروايته عن مالك وبه أقول.
ولم يأخذ مالك بقول عمر: أنا فئة لمن انحاز إلي وهو بالمدينة , وإنما ذلك إلى رأس الجيش وولاته دون والي الطائفة.
وإذا دخل والي الجيش المستعظم فانحياز السرية أو الخيل إلى الجيش دون من هو أبعد منه , وانحياز الطوائف والجيوش إلى من هو أقرب إليها من المسلمين ومن إذا دنا منه خيف منه وانتهي عنه.
وقال الحسن: لم يكن الفرار من الزحف كبيرة إلا يوم بدر , لأن تلك العصابة لو أصيبت ذهب الإسلام.
فلما نصره الله صار الجهاد تطوعاً , فلو جاء المسلمين عدو لا يطيقونه تحيزوا إلى البصرة.
فإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى الكوفة.
فإن جاء ما يغلب فإلى الشام.
فإن جاء ما يغلب فإلى المدينة , ثم إن جاء أمر غالب , فلا تحيز لهم وصار قتالهم فريضة.
[3/ 50]